النظر في مقال كشف النور في حروف الفاتحة
صاحب المقال هو صادق الدبيسى والمقال كما يقول في أوله على أساس أسسه صديق لصادق على وجه الكتاب وهو أبو عماد :
"قراءة رمزية مبنية على رأي أبي عماد (صديق على فيسبوك)
هذه
القراءة ليست تفسيرًا لغويًا أو دينيًا تقليديًا، بل محاولة لفهم النسق
الرمزي الذي يطرحه أبو عماد، حيث يرى أن الحروف ليست مجرد أصوات أو رسوم،
بل إشارات إلى حركة النور في الوجود.
وقد
كانت فكرة أبي عماد نقطة الانطلاق لهذا التأمل، إلا أن الكثير من الروابط
والتوسعات الواردة هنا تمثل محاولةً شخصية لاستكشاف امتدادات هذا النسق
الرمزي عبر مسار الفاتحة كاملًا."
وبعد ذلك أخبرنا أن أساس منهج أبو عماد هو :
أن النون والميم ليسوا حروفا أو أصواتا أو رسوم كتابية وإنما رموز كما للامتلاء بالنور ونتيجة تأثير النور فقال :
"يرى
أبو عماد أن النون (ن) ترمز إلى دخول النور، وأن الميم (م) ترمز إلى خروج
أثر النور وتجليه. فالنون تمثل لحظة الامتلاء والاستقبال، بينما تمثل الميم
لحظة التجلي والنتيجة."
المشكلة
أن النون والميم أصلا رموز للمعانى عندما تندمج مع حروف أخرى مكونة
الكلمات وأحيانا يصبح الحرف كالنون رمز لمعنى كما في قوله تعالى :
" ن والقلم وما يسطرون "
فنون هنا رمز للناس فهم من يسطرون أى يكتبون بشرا وجنا ونون التى سمى بها
يونس(ص) تركز للحوت ومن ثم القول أن النون ترمز لنتيجة أثر النون مخالف
لكتاب الله فهى رمز للناس ورمز للحوت وكذلك أى حرف يستعمل مثلها
وشرح الدبيسى معنى النون والميم فقال :
"ولهذا
يشبّه النون بالفعل المؤثر أو الفاعل، ويشبّه الميم بالأثر الناتج أو
المفعول به. فكما تحفر الآلة قناة في الأرض، تكون الآلة رمزًا للنون، بينما
تمثل القناة المحفورة الميم بوصفها الأثر الظاهر للفعل."
ثم ضرب لنا بكلمات البسملة فقال :
"في
قوله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ توحي الميم في "بسم" ببداية خروج أثر
النور، ثم تأتي الميم في "الرحمن" لتؤكد امتداد هذا الخروج في الرحمة
الشاملة، بينما ترمز النون في "الرحمن" إلى دخول النور وامتلائه في أصله
الرحماني. وبعدها تظهر الميم في "الرحيم" بوصفها خروج هذا النور إلى الخلق.
وكأن الآية تصف حركةً بين دخول النور في "الرحمن" وخروج أثره في
"الرحيم"."
والمشكلة
التى تواجه أبو عماد وصادق هو كلمة الرحمن ففيها الميم والنون والرمزين
الميم والنون بهذا تناقضا فلا يمكن أن يكون الامتلاء هو نفسه النتيجة
والأثر
ويكرر نفس الخطأ في تفسير الآية الحمد لله رب العالمين فيقول:
"وفي
قوله: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ توحي الميم في "الحمد" بخروج أثر النور
وتجليه في مقام الثناء، فالحمد عندئذٍ يصبح انعكاسًا لنورٍ ظهر أثره في
الوجود. ثم تأتي الميم في "العالمين" لتؤكد امتداد هذا الأثر وانتشاره في
مراتب الخلق كافة، بينما تشير النون في "العالمين" إلى دخول النور الرباني
إلى تلك العوالم واستقرار فيضه فيها. وكأن الآية تصف حركةً يخرج فيها أثر
النور أولًا في الحمد، ثم يمتد في العالمين، ثم يدخل إليها عبر الربوبية
فيمنحها الحياة والنظام والاستمرار."
بالطبع
وجود الميم والنون في العالمين يجعل الامتلاء واثره محال لكونهما في كلمة
واحدة فإذا كانت تعنى الامتلاء فهى لا تعنى النتيجة وإن كانت تعنى الأثر
فهى لا تعنى الامتلاء
ونجده يقول في الآية التالية :
"وفي
﴿مالك يوم الدين﴾ توحي الميم في "مالك" بخروج أثر النور وتجليه في مقام
الملك والحكم، ثم تأتي الميم في "يوم" وكأنها تؤكد امتداد هذا التجلي إلى
زمن الانكشاف وظهور النتائج. أما النون في "الدين" فتشير إلى دخول نور
التمييز والكشف إلى مقام الحساب، فيلتقي خروج النور في الملك واليوم مع
دخوله في الدين. ولذلك يصبح يوم الدين يوم ظهور الحقائق، حيث ينكشف المستور
ويمتاز الحق عن الباطل."
الرجل هنا يناقض معنى الدين وهو الحساب فالحساب لا يدخل كما "قال فتشير إلى دخول نور التمييز والكشف إلى مقام الحساب"
وإنما الحساب هو خروج الحكم للنور حكم بالجنة أو حكم بالنار ومن ثم لا
يمكن أن يكون الدين دخول هنا بمعنى الدخول وإنما بمعنى الخروج حيث يفصل
الله بين الناس بالحق فيعرف كل واحد مصيره ومصير معارفه
ويواصل الرمزية التى لا معنى لها فيقول :
"أما
في ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فتمثل النون في "نعبد" دخول نور العبودية إلى
القلب، بينما توحي النون الأولى في "نستعين" ببدء دخول نور الافتقار إلى
الله، وتأتي النون الثانية وكأنها تؤكد ترسخ هذا المعنى وامتداده. فتصبح
العبادة والاستعانة وعيًا حيًا لا مجرد ممارسة شكلية."
بالطبع العبادة والاستعانى لا يمكن أن يكونا دخول فالعبادة هى خروج أثر
النور وهو الوحى ممثلا في طاعة أحكام الوحى والاستعانة مثلها في المعنى
يخرج من الاحتماء بوحى الله الطاعات له
ويستمر
الرجل في مواصلة التفسير الرمزى الذى يذكرنا بتفاسير الصوفية حيث تصبح كل
المعانى المتعارف عليها لدى الناس لا وجود لها ويتحول الحرام كالخمر لحلال
ويتحول العشق المحرم لحلال ويخاطب الله الذى ليس كمثله شىء بخطاب
المخلوقات حيث يتحول لمعشوق أو عشيقة والعياذ بالله سبحانه وتعالى عهن ذلك
علوا كبيرا
هذه نتيجة استعمال الرمزية
يقول في تفسير الآية التالية :
"وفي
﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ تمثل النون في "اهدنا" طلب دخول نور الهداية،
بينما تشير الميم الأولى في "المستقيم" إلى بدء ظهور أثر هذا النور، وتأتي
الميم الثانية وكأنها تؤكد اكتمال تجليه في الاستقامة. فالهداية تبدأ في
الداخل ثم تتجلى تدريجيًا في المسار الظاهر."
بالطبع تكرار الحرف الواحد كالميم في كلمة المستقيم معناه خروجين وليس خروج واحد وهو كلام غير مستقيم
"وفى الآية التالية تقابل القوم مشكلة وجود النون والميم كما في كلمتى الرحمن والعالمين في كلمة أنعمت وفى هذا قال الدبيسى:
وفي
﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ تشير النون في "الذين" إلى دخول النور إلى أهل
الصراط وقابليتهم لتلقيه، ثم تأتي النون في "أنعمت" لتؤكد دخول النعمة
والفيض الإلهي إليهم، بينما ترمز الميم في "أنعمت" إلى خروج أثر هذا النور
وتجليه في حياتهم، ثم تأتي الميم في "عليهم" لتوحي باستقرار هذا الأثر
عليهم. وكأن الآية تصف نورًا يدخل أولًا إلى أهله، ثم يفيض عليهم، ثم يخرج
أثره ويستقر في صورة نعمة وهداية واستقامة."
بالقطع لا يمكن أن يكون فعل واحد خروج ودخول معا فالنعم الإلهية ليس حتى تأثيرها واحد لأنه قد يكون تأثيرها كما ـأثيرها الإيمان
وينهى الرجل تفسيره الرمزة بتفسير الآية الأخيرة فيقول :
"أما
﴿غير المغضوب عليهم﴾ فيرى فيها انتقالًا من مسار النعمة إلى مسار آخر
فالميم في "المغضوب" تشير إلى خروج أثرٍ لم يعد منسجمًا مع النور، بل اتجه
نحو الاحتجاب والاضطراب ثم تأتي الميم في "عليهم" لتوحي باستقرار هذا الأثر
عليهم وحلول نتائجه في واقعهم. وكأن الآية تصف أثرًا خرج أولًا على هيئة
انحراف عن مسار النور، ثم استقر أثره على أصحابه بدل أن يستقر عليهم نور
النعمة والهداية.
ثم
تأتي ﴿ولا الضالين﴾ بوصفها نهاية المسار. فبعد أن وصفت الآيات السابقة
خروج آثار النور أو استقرارها، تشير النون في "الضالين" إلى دخولٍ من نوعٍ
آخر؛ لا دخول النور، بل دخول حالة الضياع بعد غيابه واحتجابه. فالضلال عنده
ليس مجرد خطأ في الطريق، بل فقدان للنور الذي يكشف الاتجاه الصحيح. وكأن
الآية تختم المسار ببيان ما يحدث عندما لا يعود النور حاضرًا ليدل صاحبه
على السبيل.
أما كلمة "غير" فهي تمثل حدًا فاصلًا بين طريق النعمة وطريق الضلال، وكأنها ترسم خطًا بين حضور النور واحتجابه."
ويلخص الرجل التفسير الرمزى للسورة فيقول :
"وبهذا
تصبح الفاتحة، في هذا النسق الرمزي، رحلةً كاملة لحركة النور بين الخروج
والدخول: يخرج أثره من مقام الرحمة، ويدخل إلى العوالم والإنسان، ثم يتجلى
في العبودية والهداية والاستقامة والنعمة، قبل أن تختم السورة بالتحذير من
اضطراب هذا الأثر أو غياب النور والدخول في مسار الضلال.
فالنون
عند أبي عماد تشير إلى دخول النور، والميم إلى خروج أثره وتجليه، بينما
يمثل الضلال غياب هذا النور واحتجابه. وهكذا تغدو الحروف أكثر من مجرد
علاماتٍ للفظ والمعنى؛ إذ تتحول إلى خرائط رمزية تصف رحلة النور في الوجود،
من دخوله الأول إلى آثاره المتعددة، ومن حضوره إلى غيابه."
قطعا هذا المنهج تخريفى فالميم لا تشير لخروج أثر النور وتجليه والنون لا تشير لدخول أثر النور
فلو جئنا إلى كلمات مثل :
الظلم والظالمين والظلمات
الجرم والمجرمين
الذنب والمذنبين
الحرام
الكافرون
الإثم وأثام وألاثمين
فهى كلها كلمات وهناك عشرات أمثالها في المصحف ليس فيها أى نور بسبب وجود النون والميم
هذه الكلمات كلها لا تعنى سوى الظلام والسود كما في قوله :
" وأما الذين اسودت وجوههم "
وقوله :
" يوم تسود وجوه"
إن أى منهج يقلب المعانى هو منهج معناه واحد وهو :
تحويل دين الله إلى دين الشيطان حيث يمكن لأى واحد أن يفسر الكلام على
هواه بدون ضابط أو رابط فيصبح الله تعالى عن ذلك في العمة وتصبح الأديان
كلها صحيحة عبادة الأوثان كعبادة الله كعبادة المسيح (ص)كعبادة أى شىء
محرم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق