الجمعة، 24 يناير 2025

الاختيال في الإسلام

الاختيال في الإسلام
الاختيال في القرآن :
ذكر الاختيال في القرآن مرة واحدو في قوله تعالى:
"إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا "
وفسره الله بأقوال متعددة منها :
قوله تعالى :
"والله لا يحب كل كفار أثيم"
وقوله تعالى :
"إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما"
وقوله:
" إن الله لا يحب كل خوان كفور"
فالمختال الفخور هو الكفار الأثيم هو الخوان الكفار
والمعنى أنه لا يحب من كان مختالا فخورا والمراد :
لا يرحم من كان كافرا عاصيا لحكمه
والاختيال يطلق على التبختر وهو الاعجاب بالنفس وهو الزهو بالنفس وهو نفسه الكبر
قطعا الناس يقصدون به تباهى الإنسان بقوته أو ماله أو غير هذا كما فعل قارون عندما خرج في زينته في قوله تعالى :
"فخرج على قومه فى زينته"
وهو ما يفعله الحكام حاليا عندما يستعرضون بعض قواتهم المسلحة وأسلحتها أو عندما تخرج مواكب سيارتهم
والمعنى المعروف حاليا هو :
أن يمشى الإنسان نافخا صدره ناظرا إلى أعلى أو ناظرا بطرف عينه وأذرعه منفرجة أكثر من اللازم أو يمشى بعصا ويحركها بطريقة معينة
وقد تحدث الفقهاء عن الاختيال محرمين إياه وقد نقلت الموسوعة الفقهية الكويتية التالى عنهم :
"صفة الاختيال حكمه التكليفي :
6 - الأصل في الاختيال أنه حرام، وهو من الكبائر، لنهي الله ورسوله (ص) عنه، وسيأتي دليل كل مظهر من مظاهر الاختيال عند بيانه. ومظاهر الاختيال كثيرة، منها الاختيال في المشي والركوب، ومنها الاختيال في اللباس، ومنها الاختيال في البنيان."
ثم فصلت الكلام فذكرت الاختيال في المشى فقالت :
"أ - الاختيال في المشي:
7 - الاختيال في المشي يحدث بتجاوز الإنسان حد القصد والاعتدال في مشيته والقصد في المشي يكون بين الإسراع والبطء والمعنى أن الإنسان لا يسرع في مشيته بأن يثب وثب الشطار، لقوله عليه السلام: سرعة المشي مذهب بهاء المؤمن كما أنه لا يبطئ في مشيته بحيث يدب على الأرض دبيب المتماوتين المتثاقلين.
ولهذا أمر الله بالقصد في المشي، فقال تعالى: {واقصد في مشيك} ، كما امتدح الله تعالى من يقتصد في مشيته ولا يتجاوز الاعتدال بقوله: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} .
ومن ثم إذا تجاوز الإنسان حد الاعتدال والقصد في المشي يكون قد وقع في المحظور، وهو الاختيال. والأصل في تحريم الاختيال في المشي وأنه من الكبائر قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها}
والمراد بالمرح المنهي عنه في الآية الكريمة هو الخيلاء في المشي. والمعنى أن الله نهى عن الخيلاء وأمر بالتواضع. وقد استدل العلماء بالآية على ذم الاختيال. ووجه الاستدلال أن الله تعالى قد أعقب النهي عن المرح بأن ذلك عمل سيئ مكروه، في: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} فهذا يدل على حظره وتحريمه، كما أنه قرنه بالزنا والقتل وسائر الكبائر، فدل على أنه من جملة هذه الكبائر . ومن معاني المرح: الكبر، وتجاوز الإنسان قدره، وذلك مذموم ، ومن أدلة تحريمه أيضا ما روي أنه عليه السلام قال: " من تعظم في نفسه، واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان "."
وما ذكروه في تفسير الآيات يخالف تفسير القرآن لبعضه فالقصد في المشى معناه :
العدل وهو الإصلاح في الأرض بدليل أن الله حرم المرح وهو نفسه الأفساد كما قال تعالى :
" ولا تعثوا في الأرض مفسدين "
وقال :
"ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"

وهو نفسه المشى هونا أى عدلا والمراد العمل بالوحى
قطعا المشيات التى يتحرك فيها الجسم معروف فيها مشيات التكبر فالسرعة والبطء لا تدخل فيهما فالسرعة مطلوبة في أحوال والبطء مطلوب في أحوال وقد بينا بعضا منها وهى :
اظهار مدى غنى الإنسان عند السير من خلال الملابس ومنها الحلى
نفخ الصدر والنظر لأعلى عند السير
تحريك العصا عند المشى بطرق معينة ليسمنها مشية المرضى الذين يعتمدون على العصا عند نقل أجسامهم
وتحدثت الموسوعة عن الاختيال في الملابس فقالت :
"ب - الاختيال في اللباس:
8 - الاختيال في اللباس يحدث بسبب تجاوز حد الاعتدال والقصد فيه، مع عدم وجود الداعية إلى ذلك . والنية والقصد هما الأصل في ذلك.
وحد الاعتدال والقصد في اللباس يكون باتباع ما ورد في صفة اللباس من آثار صحيحة، واجتناب ما ورد النهي عنه وللعرف مدخل في ذلك، ما لم يلغه الشرع.
وفي المواهب: ما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه، ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع منه. ونقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة في اللباس لمثل لابسه في الطول والسعة لا يحل من ثياب الزينة ولا يعتبر اختيالا:
9 - الأصل في لبس الثياب الجميلة للتزين بها الإباحة، لقوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ، ولما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: يا رسول الله إن الرجل منا يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة قال عليه الصلاة والسلام: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس رواه مسلم.
وبطر الحق هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا، قاله النووي. وفي القاموس: بطر الحق أن يتكبر عنده فلا يقبله، والغمط والغمص بمعنى واحد . وقيل غمص الناس احتقارهم .
والحديث يدل على أن محبة لبس الثوب الحسن، والنعل الحسنة، وتخير اللباس الجميل، ليس من الكبر في شيء، قال الشوكاني: وهذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم وفي سبل السلام قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده وفيه دليل على أن الله إذا أنعم على عبد نعمة فإنه يحبأن يرى أثرها عليه في مأكله، وملبسه، فإنه شكر للنعمة؛ ولأنه إذا رآه المحتاج في هيئة حسنة قصده ليتصدق عليه؛ ولأن بذاذة الهيئة سؤال وإظهار للفقر بلسان الحال، ولذا قيل: ولسان حالي بالشكاية ينطق وقيل: وكفاك شاهد منظري عن مخبري ، وقد يكون التزين باللباس واجبا. كتوقف تنفيذ الواجب عليه، في نحو ولاة الأمور وغيرهم، فإن الهيئة الرثة لا تحصل معها مصالح العامة من ولاة الأمور.
وقد يكون مندوبا، كما في الصلوات. قال الله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} ، وفي الجماعات؛ لحديث: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وحديث إن الله جميل يحب الجمال. رواه مسلم، وكما في الحروب لإرهاب العدو، وفي المرأة لزوجها، وفي العلماء لتعظيم العلم في نفوس الناس، وقد قال عمر بن الخطاب: أحب أن أنظر إلى قارئ القرآن أبيض الثياب. وقد يكون حراما إذا كان وسيلة لمحرم، كمن يتزين للنساء الأجنبيات، وكمن تتزين للرجال الأجانب ."
قطعا يجب على الناس لبس الملابس النظيفة والسليمة إذا توافرت والاختيال بالملابس هو ما يفعله البعض خاصة الأغنياء فكلما خرج للسير لبس لبس مختلف وتحلى بالحلى ولبس النظارات الشمسية أو يركب سيارة في مشوار ويغيرها في مشوار أخر فكل لبس الهدف من خلفه التباهى هو لبس اختيال
وتحدثوا عن الاختيال في الركوب فقالوا :
"ج - الاختيال في الركوب:
11 - قد يكون في استعمال المركوب واقتنائه خيلاء، وقد يكون تحدثا بنعمة الله وإظهارا لها، مثلها مثل الثياب الجميلة ولهذا وجب على كل مسلم يتخذ مركوبا للزينة ألا يكون قاصدا به الخيلاء.
والأصل في إباحة اتخاذ المركوب الجميل للزينة إذا لم يكن بغرض الخيلاء قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون } ، وقوله تعالى: {ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } . وهذا الجمال والتزين، وإن كان من متاع الدنيا، فقد أذن الله سبحانه وتعالى لعباده فيه ."
قطعاالاختيال في الركوب هو حسب الوسيلة التى يركبها المختال فعندما يركب الحيوانات يزين الحيوان بملابس وعندما يركب سياره يتعمد دهانها بدهان جديد أو كلما خرج بدل السيارة بسيارة مختلفة أو يمشى في مواكب كمواكب الرؤساء والملوك حيث يتقدمهم راكبو الدراجات وسيارات متعددة ويتم تزيين الطريق وكل هذا محرم
وتحدثت الموسوعة عن الاختيال في البنيان فقالت :
"د - الاختيال في البنيان:
12 - يباح للمسلم أن يتخذ له دارا يسكنها يدفع بها الحر والبرد والمطر ويدفع بها الأذى والأعين، وينبغي ألا يقصد بها الاختيال أو تؤدي إليه."
قطعا الغرض من السكن الراحة ولكن إذا زيد عن الضروريات في المنازل فهو اختيال محرم
وتحدثت الموسوعة عن الاختيال لارهاب العدو فقالت :
"ه - الاختيال لإرهاب العدو:
13 - من الاختيال ما يكون محمودا يحبه الله تعالى، وهو الاختيال لإرهاب العدو الكافر وإغاظته في الملبس والمشي والركوب."
والاختيال وهو الاستعراضات العسكرية ليست مطلوبة وهو نوع من الإسراف وهى عيب من العيوب الأمنية حيث يمكن للعدو استهداف تلك التجمعات التى غالبا ما تكون مجردة من الذخائر حرصا على عدم اغتيال القادة أو القيام بما يسمى الانقلاب العسكرى وساعتها تكون الخسائر فادحة ومن ثم هذا النوع محرم
وقد حرم الله عجب الجنود وهو تباهيهم بكثرتهم وسلاحهم وقوتهم لأنه يتسبب في الهزيمة كما حدث في أول معركة حنين وفيه قال تعالى :
"ولقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين"
وهناك أنواع متعددة من الاختيال مثل :
الاختيال الكلامى بالتفاخر بالملك والمال كما قال فرعون :
"ونادى فرعون قومه قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقرنين"

 

الخميس، 23 يناير 2025

البكارة في الإسلام

البكارة في الإسلام
البكر وهى صاحبة البكارة تطلق في الروايات على الفتاة التى لم تتزوج والتى لم يجامعها أحد بعد
والبكارة تطلق على جلدة يسمونها غشاء داخل الجهاز البولى التناسلى لابد من خرقه بالجماع أو بالإصبع وذلك لأنه يمنع وصول المنى إلى الرحم
ويطلق على البكر أسماء منها :
العذراء وهى نفسها المرأة التى لها الجلدة أو الغشاء الذى لم يتم فضه أى خرقه
والبتول وهى التى لم تتزوج أيضا ولم يتم خرق الغشاء فيها
ومقابل البكر هو الثيب وفيهما قال تعالى في تحذير زوجات النبى(ص) من إحداث المشاكل له حتى لا يطلقهن:
"عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا"
وقد ورد عن البكر من النساء التالى في القرآن:
الحور العين أبكار :
بين الله أن أصحاب اليمين وهم سكان الدرجة الثانية فى الجنة هم أصحاب اليمين أى أهل السعادة يقيمون فى سدر مخضود أى فى أكل للنبق المقطوع شوكه حيث لا ينبت فى شجره شوك كما فى الدنيا والطلح المنضود وهو الموز المرصوص الثمار وهم تحت ظل ممدود أى خيال مبسوط وهم فى شرب لماء مسكوب أى ماء مصبوب باستمرار وهم فى أكل لفاكهة كثيرة أى فاكهة متنوعة لا مقطوعة وفسرها بأنها لا ممنوعة أى ليست محرمة عليهم أى لا أحد يقدر على إمساكها عنهم وهم فى اتكاء على فرش مرفوعة أى على أسرة عالية عن الأرض والله أنشأ الحور إنشاء والمراد إن الله خلق الجميلات خلقا فجعلهن أبكارا عربا أترابا والمراد عذراوات حسان متساويات فى الحسن وقد خلقهن الله لأصحاب اليمين وفى هذا قال تعالى :
"وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين فى سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين"
تبديل زوجات النبى (ص)بزوجات أخريات ثيبات وأبكار :
نادى الله المرأتين زوجتى النبى(ص) فيقول :عسى ربه إن طلقكن والمراد عسى إلهه إن سرحكن أى انفصل عنكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن والمراد أن يزوجه نساء أفضل منكن مسلمات أى مطيعات مؤمنات أى مصدقات أى قانتات أى تائبات أى عابدات أى سائحات والمراد مطيعات مصدقات لحكم الله ثيبات أى سبق لهن الزواج سواء أرامل أو مطلقات وأبكارا أى عذارى لم يسبق لهن الزواج وفى هذا قال تعالى:
"عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا"
وقد تحدث الفقهاء في مسألة البكر والبكارة عن كيفية إثبات البكارة وقالوا أنها تتم بشهادة النساء وأحيانا الرجال ولكن اختلفوا في العدد فذكرت الموسوعة الفقهية الكويتية في مادة البكارة التالى :
"ما تثبت به البكارة عند التنازع:
4 - أجاز جمهور الفقهاء قبول شهادة النساء في البكارة والثيوبة. واختلفوا في العدد المشترط:
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن البكارة تثبت بشهادة امرأة ثقة، والثنتان أحوط وأوثق.
وأجاز أبو الخطاب من الحنابلة شهادة الرجل في ذلك.
وذهب المالكية - على ما صرح به خليل والدردير في شرحيه - إلى أنها تثبت بشهادة امرأتين.
لكن قال الدسوقي في باب النكاح: إن أتى الرجل بامرأتين، أو امرأة واحدة تشهد له على ما تصدق فيه الزوجة قبلت.
وقال الشافعية: تثبت البكارة بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو شهادة أربع نسوة ومناط قول شهادة المرأة في إثبات البكارة أن موضعها عورة لا يطلع عليه الرجال إلا للضرورة، وروى مالك عن الزهري: مضت السنة أنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، من ولادة النساء وعيوبهن. وقيس على ذلك البكارة والثيوبة.
وتثبت البكارة كذلك باليمين حسب التفصيل الذي سيأتي."
وحكاية اثبات البكارة بالشهادة أو باليمين أمر محال وإنما هو ما رتبه الله من القضاء فالبكارة تثبت بالزواجات المسجلة في المحاكم عند القضاة كما تثبت من خلال القضاء من خلال الحوادث
كما تثبت من كلام الفتاة أو أهلها فقط من خلال الشهادة على النفس كما قال تعالى :
"يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم"
لأن اثبات البكورية لمن لا يعمل بالطب سواء نساء أو رجال أمر غير ممكن
وتحدثوا عن أثر البكارة في الزواج من خلال رواية ما أنزل الله بها من سلطان وهى أن سكوت البكر يعنى رضاها وهى رواية لم يتفوه بها النبى(ص) فالسكوت لا يعنى موافقة أو رفض وفى هذا قالت الموسوعة :
"أثر البكارة في عقد النكاح:
ما يكون به إذن البكر:
5 - اتفق الفقهاء على أن سكوت البكر البالغة عند استئذانها في النكاح إذن منها، لحديث: البكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها.
ولما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها. ومثل السكوت: الضحك بغير استهزاء؛ لأنه أدل على الرضا من السكوت، وكذا التبسم والبكاء بلا صوت؛ لدلالة بكاها على الرضا ضمنا. والمعول عليه اعتبار قرائن الأحوال في البكاء والضحك، فإن تعارضت أو أشكل احتيط .
واستئمار البكر البالغة العاقلة مندوب عند الجمهور؛ لأن لوليها الحق في إجبارها على النكاح. وسنة عند الحنفية؛ لأنه ليس لوليها حق الإجبار . وتفصيل ذلك في مصطلح (نكاح) .
6 - وقد ذكر المالكية أبكارا لا يكتفى بصمتهن، بل لا بد من إذنهن بالقول عند استئذانهن في النكاح:
أ - بكر رشدها أبوها أو وصيه بعد بلوغها؛ لأنه لا جبر لأبيها عليها؛ لما قام بها من حسن التصرف على المعروف في المذهب. ب - بكر مجبرة عضلها أبوها، أي منعها من النكاح لا لمصلحتها، بل للإضرار بها، فرفعت أمرها للحاكم، فأراد تزويجها لامتناع أبيها، وزوجها.
ج - بكر يتيمة مهملة لا أب لها ولا وصي، خيف فسادها بفقر أو زنى أو عدم حاضن شرعي في قول، والمعتمد أنها تجبر.
د - بكر غير مجبرة، افتيت عليها، زوجها وليها غير المجبر - وهو غير الأب ووصيه - بغير إذنها، ثم أنهى إليها الخبر فرضيت.
ه - بكر أريد تزويجها لذي عيب موجب لخيارها، كجنون وجذام وبرص "
والبكر كالثيب كلاهما لابد أن ينطقا أمام القاضى وهما في خلوة وحدهما بالرضا أو بالرفض لأنها قد تكون مكرهة ولا يمكن التأكد من هذا إلا بالنطق الصريح وقد بين الله أن الزواج والعودة بعد الطلاق لا تكون إلا بالرضا فقال :
" "فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف"
كما تحدثوا عن اشتراط الولى وجوبا في زواج البكر وعنهم قالت الموصوعة :
اشتراط الولي وعدمه:
7 - البكر إن كانت صغيرة فالإجماع على أنها لا تزوج نفسها، بل يزوجها وليها. وأما إن كانت كبيرة، فجمهور الفقهاء من السلف والخلف على أنها لا تزوج نفسها، وإنما يزوجها وليها، وعند المالكية: ولو كانت عانسا بلغت الستين في مشهور المذهب.
وذهب الحنفية إلى أنه ليس لوليها حق إجبارها، ولها أن تزوج نفسها، فإن زوجت نفسها بغير كفء، أو بدون مهر المثل، فلوليها حق طلب الفسخ ما لم تحمل.
وروي عن أبي يوسف أن نكاح الحرة البالغة العاقلة إذا كانت بكرا لا ينعقد إلا بولي، وعن محمد ينعقد موقوفا"
وهذا الحديث لا زواج إلا بولى لم ينطق به النبى(ص) فالبكر تزوج نفسها أو توكل والدها او من شاءت في زواجها مثلها مثل الثيب كما قال تعالى :
"وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح"
فهنا لم يحدد الله نوعية المرأة المطلقة وأعطاها الحق أن تتنازل هى أو يتناول من ولى زواجها
فمن عقل أو عقلت ليس له ولى إلا بإرادته هو أو بإرادتها هى
وتحدث الفقهاء عن منع الولى البكر من الزواج وهو كلام يتنافى مع قوله تعالى :
"لا إكراه في الدين "
وعن الاجبار قالوا كما نقلت الموسوعة :
"متى يرتفع الإجبار مع وجود البكارة:
8 - أ - يرى المالكية أن الأب لا يجبر بكرا رشدها - إن بلغت - بأن قال لها: رشدتك، أو أطلقت يدك، أو رفعت الحجر عنك، أو نحو ذلك. وثبت ترشيدها بإقراره، أو ببينة إن أنكر، وحيث كانت لا تجبر فلا بد من نطقها وإذنها، وهو المعروف في المذهب،
وقال ابن عبد البر: له جبرها.
ب - إذا عضل والد البكر المجبرة، ومنعها من نكاح من ترغب فيه، ورفعت أمرها للقضاء، وثبت كفاءة من ترغب في زواجه يأمره الحاكم بتزويجها، فإن امتنع ارتفع إجباره، وزوجها الحاكم، ولا بد من نطقها برضاها بالزوج وبالصداق.
ولا يختلف مذهب الشافعية والحنابلة عن هذا إلا في بعض التفصيلات، كتكرار امتناع الولي العاضل مرارا.
ج - والبكر اليتيمة الصغيرة إذا خيف فسادها، يجبرها وليها على التزويج، وتجب مشاورة القاضي على المعتمد عند المالكية.
ولا خصوصية لهذه الحالة عند الحنفية؛ لأن مطلق الصغيرة - بكرا كانت أو ثيبا - لوليها إجبارها على النكاح، ثم إذا بلغت وكان الولي المجبر غير الأب أو الجد ثبت لها خيار البلوغ. وذهب الحنابلة - في رواية - إلى أن الولي المجبر هو الأب فقط، ولا يزوج الصغيرة غيره ولو كان جدا. وفي المذهب رواية أخرى كمذهب الحنفية. ويرى الشافعية أن ولاية الإجبار في تزويج البكر هي للأب والجد وحدهما، دون بقية الأولياء فالبكر اليتيمة تنحصر ولاية إجبارها في الجد."
ومن ثم لا إجبار في عدم التزويج لأن الله حرم اجبار وهو اكراه النساء على البغاء وهو العزوبية فقال :
" ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردت تحصنا "
والتحصن هو الزواج لأن الله سمى المتزوجات المحصنات والقضاء هو المنوط به أمر تقرير عقل البنت أو الأخت من عدمه فالولاية تكون حتى بلوغ العقل فإن بلغت الفتاة العقل فلا سلطان للأب أو الأخ أو غيرهما على الفتاة في الزواج إلا أن تتنازل له عن ذلك أمام القاضى
وتحدثوا عن اشتراط الزوج البكورة في الزوجة وتبينه بعد الزواج أنها ليست بكرا حيث قالت الموسوعة :
"اشتراط الزوج بكارة الزوجة:
9 - ذهب الحنفية إلى أن الرجل لو تزوج امرأة على أنها بكر، فتبين بعد الدخول أنها ليست كذلك، لزمه كل المهر؛ لأن المهر شرع لمجرد الاستمتاع دون البكارة، وحملا لأمرها على الصلاح، بأن زالت بوثبة. فإن كان قد تزوجها بأزيد من مهر مثلها على أنها بكر، فإذا هي غير بكر، لا تجب الزيادة؛ لأنه قابل الزيادة بما هو مرغوب فيه، وقد فات، فلا يجب ما قوبل به،ولا يثبت بتخلف شرط البكارة فسخ العقد.
وعند المالكية: إذا تزوج الرجل امرأة ظانا أنها بكر، ثم تبين أنها ثيب، ولا علم عند أبيها، فلا رد للزوج بذلك، إلا أن يقول: أتزوجها بشرط أنها (عذراء) وهي التي لم تزل بكارتها بمزيل، فإذا وجدها ثيبا فله ردها، وسواء أعلم الولي أم لا، وسواء أكانت الثيوبة بنكاح أم لا.
وأما إذا شرط أنها (بكر) فوجدها ثيبا بغير وطء نكاح، ولم يعلم الأب بذلك، ففيه تردد، قيل: يخير، وقيل: لا، وهو الأصوب لوقوع اسم البكارة عليها؛ ولأن البكارة قد تزول بوثبة ونحوها. وإن علم الأب بثيوبتها بلا وطء وكتم، فللزوج الرد على الأصح، وأحرى بوطء.
ولو شرط البكارة ووجدها قد ثيبت بنكاح، فله الرد مطلقا علم الأب أم لا.
وعند الشافعية: لو نكح امرأة بشرط بكارتها، فتبين فوات الشرط صح النكاح في الأظهر؛ لأن المعقود عليه معين لا يتبدل بخلف الصفة المشروطة والقول الثاني عندهم: بطلانه؛ لأن النكاح يعتمد الصفات والأسماء دون التعيين والمشاهدة، فيكون اختلاف الصفة فيه كاختلاف العين.
وورد عن الحنابلة: إن شرط في التزويج أن تكون بكرا فوجدها ثيبا بالزنى ملك الفسخ. وإن شرط أن تكون بكرا فبانت ثيبا، قال ابن قدامة: عن أحمد كلام يحتمل أمرين:
أحدهما: لا خيار له؛ لأن النكاح لا يرد فيه بعيب سوى ثمانية عيوب، فلا يرد منه بمخالفة الشرط. والأمر الثاني: له الخيار نصا؛ لأنه شرط وصفا مرغوبا فيه، فبانت بخلافه. "
قطعا هذه المسألة فيها تنوع :
أولا إذا كانت المرأة ثيبا بزواج مدخول به من قبل وأقرت أنها بكر هى أو والدها فإن العقاب على من قال أنها بكر سواء هى أو وليها هو :
جلدهم ثمانين جلدة لشهودهما زورا كما قال تعالى :
"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا"
والزوج مخير في ابقاءها أو ردها دون أخذ المهر إن كان قد جامعها
ثانيا إذا كانت المرأة ثيبا من زنى باعترافها فلا مهر لها ويتم الفصل بينهما لأحرمة زواج الزانية من غير زان كما قال تعالى :
وتجلد هى ثمانين جلدة نتيجة شهادة الزور
ثالثا إذا كانت المرأة ثيبا نتيجة حادثة كما تقول والمفروض هو تسجيل الناس تلك الحوادث في سجلات القضاء فالزوج مخير في ابقاءها أو طلاقها دون مهر إلا إذا كان جامعها
وتحدثوا عن البكارة الحكمية وهى البكارة المغتصبة والمصابة بفقدها في حادثة أو قفزة أو ما شابه فقالت الموسوعة :
البكارة الحكمية، وأثرها في الإجبار ومعرفة إذنها:
10 - من زالت بكارتها بلا وطء كوثبة، أو أصبع، أو حدة حيض، ونحو ذلك، فهي بكر حقيقة وحكما، ولا أثر لزوال بكارتها بما ذكر ونحوه في الإجبار والاستئذان ومعرفة إذنها؛ لأنها لم تمارس الرجال بالوطء في محل البكارة؛ ولأن الزائل في هذه المسائل العذرة، أي الجلدة التي على محل البكارة. وهذا عند الحنفية والمالكية والحنابلة. والأصح للشافعية، والثاني لهؤلاء، ولأبي يوسف ومحمد: أنها كالثيب من حيث عدم الاكتفاء بسكوتها، لزوال العذرة؛ لأنها ثيب حقيقة.
وقال الحنفية: من زالت بكارتها بزنى - إن لم يتكرر، ولم تحد به - هي بكر حكما. "
تثبت البكارة بتسجيل الحوادث للفتيات في سجلات القضاء ومن ثم يجب على الفور عند حدوث أيا من تلك الحوادث المسارعة للمشافى واستدعاء القاضى للطبيبات في المشفى والشهود
وتحدثوا عن تعمد الناس إزالة البكارة بغير جماع عند الدخول وفى هذا نقلا الموسوعة :
"تعمد إزالة العذرة بغير جماع وأثر ذلك:
11 - اتفق الحنفية، والحنابلة، والشافعية في الأصح عندهم على أن الزوج إذا تعمد إزالة بكارة زوجته بغير جماع، كأصبع، لا شيء عليه. ووجهه عند الحنفية: أنه لا فرق بين آلة وآلة في هذه الإزالة. وورد في أحكام الصغار في الجنايات: أن الزوج لو أزال عذرتها بالأصبع لا يضمن، ويعزر، ومقتضاه أنه مكروه فقط.
وقال الحنابلة: إنه أتلف ما يستحق إتلافه بالعقد، فلا يضمن بغيره.
وأما الشافعية فقالوا: إن الإزالة من استحقاق الزوج.
والقول الثاني لهم: إن أزال بغير ذكر فأرش.
وقال المالكية: إذا أزال الزوج بكارة زوجته بأصبعه تعمدا، يلزمه حكومة عدل (أرش) يقدره القاضي، وإزالة البكارة بالأصبع حرام، ويؤدب الزوج عليه. "
والحق أن الإزالة في الإسلام لابد أن تكون بجماع ولكن الأمهات وأحيانا الآباء يصررن لحظة الدخول على افتضاض البكارة بالاصبع أو غير هذا وهذا تصرف لابد أن ينتهى في الزواجات
وتحدث الفقهاء أن من أزال زوجها بكارتها بالإصبع أو بوسيلة غير الجماع ثم طلقها قبل جماعها فالمرأة تستحق المهر كاملا وفى هذا قالت الموسوعة :
"مقدار الصداق بإزالة البكارة بالأصبع دون الجماع:
12 - يرى الحنفية أن الزوج إذا أزال بكارة زوجته بغير جماع، ثم طلقها قبل المسيس، وجب لها جميع مهرها، إن كان مسمى ولم يقبض، وباقيه إن قبض بعضه؛ لأن إزالة البكارة بأصبع ونحوه لا يكون إلا في خلوة.
وقال المالكية: لو فعل الزوج ما ذكر لزمه أرش البكارة التي أزالها بأصبعه، مع نصف صداقها.
وقال الشافعية والحنابلة: يحكم لها بنصف صداقها؛ لمفهوم قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} إذ المراد بالمس: الجماع، ولا يستقر المهر باستمتاع وإزالة بكارة بلا آلة، فإن طلقها وجب لها الشطر دون أرش البكارة؛
وعلل الحنابلة زيادة على الآية بأن هذه مطلقة قبل المسيس والخلوة، فلم يكن لها سوى نصف الصداق المسمى؛ ولأنه أتلف ما يستحق إتلافه بالعقد، فلا يضمنه بغيره."
وافتضاض البكارة بعد دخول بيت الزوجية بأى وسيلة هو دخول كامل
وتحدثوا عن مسألة أخرى سبق الحديث عنها وهى ادعاء البكارة بالحلف فنقلت الموسوعة التالى :
" ادعاء البكارة، وأثر ذلك في الاستحلاف:
13 - يرى المالكية: أن من تزوج امرأة ظانا أنها بكر، وقال: إني وجدتها ثيبا، وقالت: بل وجدني بكرا، فالقول قولها مع يمينها إن كانت رشيدة، سواء ادعت أنها الآن بكر، أم ادعى أنها كانت بكرا، وهو أزال بكارتها على المشهور في المذهب، ولا يكشف عن حالها. فإن لم تكن رشيدة، وكانت لا تحسن التصرف، أو صغيرة، يحلف أبوها، ولا ينظرها النساء جبرا عليها، أو ابتداء، وأما برضاها فينظرنها، فإن أتى الزوج بامرأتين تشهدان له على ما هي مصدقة فيه فإنه يعمل بشهادتهما، وكذا المرأة الواحدة. وحينئذ لا تصدق الزوجة، وظاهره ولو حصلت الشهادة بعد حلفها على ما ادعت، وإن كان الأب أو غيره من الأولياء عالما بثيوبتها بلا وطء من نكاح، بل بوثبة ونحوها، أو زنى وكتم عن الزوج، فللزوج الرد على الأصح إن كان قد شرط بكارتها، ويكون له الرجوع بالصداق على الأب، وعلى غيره إن تولى العقد.
وأما إن كانت الثيوبة من نكاح فترد، وإن لم يعلم الأب.
وقال الشافعية: تصدق المرأة في دعوى بكارتها بلا يمين، وكذا في ثيوبتها، إلا إذا ادعت بعد العقد أنها كانت ثيبا قبله فلا بد من يمينها. وقال الخطيب الشربيني: يصدق الولي بيمينه هنا؛ لئلا يلزم بطلان العقد، ولا تسأل عن سبب زوال بكارتها.
ولو أقام الولي بينة ببكارتها قبل العقد لإجبارها قبلت، ولو أقامت هي بينة بعد العقد بزوال بكارتها قبل العقد لم يبطل العقد.
وقال الحنابلة: من تزوج امرأة بشرط أنها عذراء، فادعى بعد دخوله بها أنه وجدها ثيبا، وأنكرت ذلك، لا يقبل قوله بعد وطئه في عدم بكارتها؛ لأن ذلك مما يخفى، فلا يقبل في قوله بمجرد دعواه.
فإن شهدت امرأة عدل: أنها كانت ثيبا قبل الدخول قبل قولها ويثبت له الخيار، وإلا فلا. "
هذه الحالة كما سبق القول نظمها الله بوجوب تسجيل كل شىء في القضاء وذلك لعدم وجود مثل هذه الادعاءات وكما سبق القول لا يمكن الفصل في تلك المسألة قضائيا فصلا عن علم ومن ثم الزوج عليه رميها بالزنى مع أنها قد لا تكون زانية وإنما كاذبة وذلك للتخلص من الزواج وفى تلك الحالة سيخسر المهر سواء كانت صادقا أو كاذبا إذا نفت المرأة زناها

 

الأربعاء، 22 يناير 2025

نظرات فى كتاب قول الفلاسفة اليونان الوثنيين في توحيد الربوبية

نظرات فى كتاب قول الفلاسفة اليونان الوثنيين في توحيد الربوبية
الكتاب من تأليف سعود بن عبد العزيز الخلف وقد قسمه لقسمين :
الأول اختصه بذكر عقيدة السلف وقد ذكر فيه أنواعا للتوحيد ثلاثة كما هى عادة القوم وهو تقسيم بلا دليل من الوحى وهذا لن ندخل فى الكلام عنه لمخالفته عنوان الكتاب وكان يمكن له بيان تلك العقيدة من خلال مناقشة أقوال القوم
وفى مقدمته تحدث عن ضلال البشرية ومن ثم ضلال الفلاسفة الذين أضلوا البشرية فقال :
"تنكبت البشرية طريق الهداية ووقعت في الغواية واستشرى فيها الفساد في نواحي كثيرة من مناحي حياتها، وكان من أكثر انحرافاتها خطرا وأعظمها جرما انحرافهم في الله عز وجل، فقد ضل البشر عن ربهم ضلالا بعيدا وجهلوه جهلا شديدا أورثهم كثيرا من الضلالات والانحرافات.
وكان من أعظم مصادر ضلال البشر اعتمادهم على نظرهم القاصر وقياسهم الغائب على الشاهد، وقولهم على الله عز وجل بلا علم.
وكان من حاملي لواء الضلالة في العالم الفلاسفة وروادهم في ذلك الضلال المتقدمون منهم وهم فلاسفة اليونان، الذين برزوا على الناس بدعوى النظر العقلي، والتدقيق في الأمور، والمسائل المتعلقة بالإنسان، ثم لم يكتفوا بذلك، حتى جادلوا في الله عز وجل بغير علم، ولم يكن ظاهرا أمام أعينهم إلا الإنسان والمخلوقات المحيطة بهم، فقاسوا ما غاب عنهم على ما يشاهدونه، فكان ذلك من أعظم أخطائهم وغلطاتهم، ثم ما لم تسعفهم به عقولهم ونظرهم استلفوه واستلهموه من عقائد مجتمعهم، وما تربوا عليه في الأصل من الوثنيات والضلالات، فنتج عن ذلك كله مقولات في الله تبارك وتعالى هي من أفسد المقالات وأقبحها، وأكثرها بعدا عن العقل السليم، إلا أنها مع ذلك راجت على كثير من بني البشر لما لبست ثوب العلم والنظر العقلي."
وتحدث عن منهجه فى نقد أقوال الفلاسفة مرجعا كل أقوال الفرق التى خالفت عقيدته إلى الفلسفة فقال :
"وفي هذه الدراسة سنذكر قول الفلاسفة في التوحيد، ونبين بطلانه بما يفتح الله عز وجل به من أوجه بطلان تلك المقالات، وإن كان يغني عن بيان بطلان الباطل سماعه، وذلك لأن مقالة الفلاسفة هي الأصل لسائر أقوال أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة وغيرهم."
وتحدث فى الجزء الأساسى من الكتاب عن أقوال الفلاسفة وقد ذكر أنه يعنى بهم فلاسفة اليونان فقال :
"قول الفلاسفة في التوحيد
يقف على الضد من قول السلف في التوحيد قول الفلاسفة، ونعني بهم: فلاسفة اليونان الوثنيين.
وذلك لأن مصدر العقيدة في كل منهما مختلف، فمصدر العقيدة لدى السلف الوحي أما العقل فهو تابع للوحي وخاضع له."

ونعى الرجل على الفلاسفة احتكامهم للعقل والحقيقة أن الفلاسفة لا يتبعون العقل فى أخطائهم وإنما أهواء أنفسهم ومن ثم كلامه عن اتباعهم للعقل وهو :
"أما الفلاسفة فلا يعرفون إلا العقل المجرد من نور الوحي، وهو عقل ملوث بالبيئات الوثنية التي كانوا يعيشون فيها، فلهذا كان قولهم في التوحيد مناقضا لقول السلف وبعيدا عنه كل البعد، بل بعيد عن العقل السليم الصحيح في أكثر مقدماته ونتائجه"
والملاحظ أنه عاد فأنكر اتباعهم للعقل السليم بجملة " بل بعيد عن العقل السليم الصحيح في أكثر مقدماته ونتائجه"
وتحدث عن تاثيرهم فى الكثير من الناس فقال :
"ومع ذلك فقد أثر في أمم كثيرة من بني آدم، وممن تأثر به كثير من المسلمين، والمنتسبين للإسلام، فمنهم من تبنى قولهم وأخذ به والتزمه، ومنهم من تأثر به تأثرا كبيرا في كثير من مناهجه العلمية ووسائله للمعرفة، فأثر بالتالي على النتائج التي توصلوا إليها خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده."
والحقيقة أن من تأثروا بالفلاسفة ليس أكثر الناس فالعامة فى كل العصور لا يدرون عن أقوال الفلسفة شىء وإنما التأثير كان على بعض دراسى الفلسفة فقط دون غيرهم وإنما هذا التأثير محدود إلا إذا اتبعه حاكم ما فى بقعة من الأرض
وبين أنه سيناقش أقوال المؤمنين بوجود الله والمنكرين لوجوده فقال :
"ولهذا سنذكر في هذه الدراسة قول فلاسفة اليونان عموما الذين أثبتوا وجود الله عز وجل، وكذلك قول من أنكر وجوده تبارك وتعالى لأن كلا القولين كان له أثر في المسلمين أو في المنتسبين للإسلام، وسنبين بطلان كل مقالة عند ذكرها."

وعرف الرجل الفلسفة فقال :
"وقبل أن نبدأ بذلك نذكر تعريفا مختصرا للفلسفة والفلاسفة.
أما الفلسفة: فعرفها أرسطو بأنها: البحث عن علل الأشياء ومبادئها الأولى أو هي العلم الذي يبحث في الوجود من حيث هو وجود..

وعرفها ابن رشد بأنها: النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع .
وهذان التعريفان خاصان بما نحن بصدده من كلامهم في الله عز وجل لارتباطهما به.
أما الفلاسفة: فهم الذين نظروا في طبائع الأشياء بفكرهم لمعرفة عللها الخفية وراء ظواهرها.
لذا نجد أن الفلاسفة لم يقتصروا على النظر والتفكر فيما هو ظاهر أمام أعينهم من المخلوقات، وإنما راحوا يبحثون فيما وراء ذلك وهو الخالق جل وعلا ويسمون ذلك ما وراء الطبيعة أو الإلهيات."

وهذا التعريف لا يفيد فى كثير أو قليل لأن من اخترعوا تلك الأقوال أرادوا معاداة دين الله فالفلسفة وهى فى نهاية كل معانى اللفظ اليونانى تعنى الحكمة والحكمة هى الوحى الإلهى كما قال تعالى :
"ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة"
وقال :
"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة"
وتحدث مرة أخرى عن احتكام القوم إلى العقل وكما سبق القول من اخترعوا تلك الأقوال أيا كانوا لا يمتون للعقل باآ صلة وإنما اهوى النفس وهو الشهوات فقال :
"وقبل أن نذكر قول الفلاسفة في التوحيد نشير إلى أن الفلاسفة ولجوا في هذا العلم بعقولهم المحدودة، ونظرهم القاصر، وقد أدركوا أن كلامهم إنما هو في أمر لا سبيل إلى التحقق منه بالعقول المجردة وإنما هي محاولات لن يصلوا منها إلى نتيجة حاسمة أبدا، فتبقى هكذا محاولات ومقدمات بلا نتائج لهذا قالوا: "إن عالم ما بعد الطبيعة عالم درج في غير عشه ببحثه عن شيء فوق الحقائق فإذا هو شاعر".
ومرادهم بقولهم: (فإذا هو شاعر) أي: أن الفيلسوف يعبر عن خيالاته وأحاسيس نفسه بالعبارات المنمقة التي لا تعتمد على عرض الحقائق على ما هي عليه."

وتحدث الرجل عن أهمية الفلسفة من خلال كلام فيلسوف حديث فقال :
"وقال رسل: " إن قيمة الفلسفة ليست فيما تقدمه من حلول نهائية للمسائل التي تطرحها، إذ ليس من الضروري أن تكون هناك دائما إجابات نهائية صحيحة، وإنما قيمة الفلسفة في مناقشاتها المفتوحة والفرصة التي تتيحها لتوسيع أفق تصورنا، ولإثراء خيالنا العقلي، ولتقليل التوكيد الجزمي، الذي يغلق كل سبيل أمام التنامي العقلي ".
هذا الكلام تعبير دقيق عن فائدة الفلسفة ـ إذا كان هناك فائدة ـ وغايتها، وهذه الفائدة تتلخص في أنها تورد الإشكالات ولا تحلها، وتجعل المجال فيما يناقشه الفلاسفة مفتوحا لسائر الآراء والتصورات، مما يمنع الجزم واليقين بالأمر، وهذا لا شك مما يدل على عدم صلاحها، وعدم صحة الاعتماد عليها في مسائل العقيدة التي يطلب فيها الجزم واليقين.
كما أنها لا تصلح بديلا ألبتة للتعاليم الدينية في جميع النواحي التعبدية والأخلاقية والعلمية، لأن مصدر العلوم الدينية والأوامر الشرعية من لدن حكيم خبير، أما الفلسفة فإنها تعتمد على نظر عقلي بشري من أهم خصائصه الواضحة النقص وقلة العلم، وتأثير البيئات المحيطة بطريقة التفكير."

قطعا الفلسفة القديمة والحديثة لا تقدم حلولا ناجعة لمن يفكر من الناس فى المسائل العليا التى يسمونها العقيدة
وتحدث عن انقسام الفلاسفة الذين سماهم الوثنيين لمنكرين لوجود الله ومثبتين له فقال :
"ونشير هنا إلى أن الفلاسفة الوثنيين على قولين في الله تعالى من ناحية وجوده،فمنهم من أنكر وجود الله تعالى جملة وتفصيلا، فهؤلاء ملاحدتهم، ومنهم من أثبت لله تعالى وجودا، وهم من يسمون المؤلهة. وسنورد قولهم في المبحثين التاليين:
"قول ملاحدة الفلاسفة:
الفلاسفة اليونان الوثنيون الذين كانوا قبل المسيح (ص) بأكثر من ستمائة عام قد بحثوا في أصل العالم ومصدر وجوده، فمنهم من أثبت وجودا لموجود أعلى يعزى إليه علة وجود العالم، ومنهم من أنكر ذلك، وزعم أن وجود العالم أزلي، ولم يعزه إلى موجد أوجده، وهؤلاء هم الملاحدة المنكرون لوجود الله تبارك وتعالى، وهم على قولين في أصل العالم ومصدره:
القول الأول: القائلون بأن أصل العالم مادي:

أصحاب هذا القول زعموا أن أصل هذا العالم نوع أو أنواع من المادة، وأنكروا أن يكون ثم خالق، وإنما المادة هي أصل العالم.
وهي عند متقدميهم أصحاب المدرسة الأيونية إما الماء، وهو قول طاليس أو عنصران هما الهواء والماء، أو اللامحدود، كما هو قول انكسمندريس، أو الهواء كما هو قول انكسمانس.

أما متأخروهم: فزعموا أن أصل العالم: الجواهر الفردة أو الذرات التي لا نهاية لعددها وحدها وهي غير قابلة للتغير والفساد. وهذا هو قول انكساغوراس وديمقريطس وهيرقليطس وأبيقور.
فكل هؤلاء زعموا أن الكون تكون من مادة أزلية أبدية، وهذه المادة كانت دائمة الحركة، وبسبب حركتها الدائمة اصطدم بعضها ببعض فأنتجت من خلال هذا التصادم الوجود."

وبعد أن ذكر أقوال المنكرين الذين يسمونهم حاليا الملحدين ناقشه لبيان بطلانه فقال:
"بيان بطلان قول القائلين بأن أصل العالم مادي:
هذا القول ظاهر منه إنكار ربوبية الله عز وجل وألوهيته بل ظاهر منه إنكار وجوده عز وجل وأدلة بطلانه من وجوه:
أولا: إن اختلافهم وتفاوت أقوالهم في أصل الكون ومبدأ الوجود دليل على بطلان دعاويهم إذ أن التفاوت بين الماء والهواء أو اللامحدود أي الذرات الكثيرة التي لا نهاية لعددها وحدها لا يمكن الخروج منه بقول واحد، فلا بد من أن يتفقوا على شيء واحد لتثبت لهم النتيجة في أصل الكون.
ثانيا: إن هذه دعاوى تخمينية ليست قائمة على أي مبدأ علمي سليم فهم لم يرو من الوجود إلا ما يحيط بهم من الأرض وأنفسهم، فكيف زعموا أن الكون مكون مما ذكروا، مع أن ما لا يرونه وما لا يبصرونه من الكون أوسع وأعظم بملايين المرات مما رأوه، بل ما رأوه لا يعد شيئا في مقابل ما لم يروه من الكون.
ثالثا: أن المادة التي زعموا ميتة لا يمكن أن تصدر عنها الحياة، ومن المعلوم أن الكائنات المرئية على قسمين: كائنات حية، وكائنات ميتة جامدة، والمادة من ضمن الكائنات الميتة التي لا يمكن أن تصدر عنها الحياة، فمن أين جاءت الحياة؟؟

رابعا: أن المادة التي زعموا غير عاقلة ولا مدركة لما حولها، إضافة إلى موتها فكيف يمكن أن يوجد منها ما هو عاقل ومدرك؟؟
خامسا: أن المادة غير قادرة وليس لها إرادة، فكيف يمكن أن توجد ما هو قادر مريد، ففاقد الشيء لا يعطيه؟؟
سادسا: أن هذه الدعوى باطلة ببديهة العقول من ناحيتين:
- أن المادة التي زعموا أنها أزلية لا يمكن أن تكون وجدت من لا شيء فهذا مستحيل، فلا بد لها من موجد أوجدها، وإلا تكون وجدت من لا شيء وهذا مستحيل معلوم بطلانه ببداهة العقول.
- أن هذا الكون المنظم من أصغر ذرة فيه إلى أكبر جرم فيه لا بد أن يكون موجده أعظم منه وأكبر، وله صفات الكمال لأنه لا يمكن أن يوجد بهذا التنظيم وهذا الضبط بفعل حركة غير عاقلة، فإن الحركة التي لا يضبطها منظم لها لا يمكن أن يوجد منها شيء ذو معنى، كما لو وضعت حروف الهجاء في بطاقات ثم وضعتها في علبة وحركتها مئات بل ألوف الحركات فإنها لا يمكن بحال حين توقف الحركة أن تخرج لك منظومة شعرية ولا حكمة نثرية ولا خطبة ولا حتى جملة مفيدة، بل لا يخرج إلا تشويش وكلمات ليس لها معنى، هذا شيء ظاهر في أمر يسير، فما بالك بهذا الكون البديع والخلق العجيب، لا شك أن في كل ذلك دليلا واضحا على بطلان دعاوى أولئك الضلال ومن أخذ بأقوالهم، وهم في الحقيقة يكذبون على أنفسهم وإلا فوجوب وجود الخالق تبارك وتعالى من أوضح الواضحات.
وقد أقام الله عز وجل الحجة في ذلك بآية مكونة من كلمات معدودة وذلك قوله عز وجل {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} الطور (5-6) .
فإن كونهم خلقوا من غير شيئ مردود بداهة، وأوضح منه في البطلان أن يكونوا هم الخالقين، وأظهر منه بطلانا أن يكونوا خلقوا السماوات والأرض، فإذا كان الإنسان وهو أقدر المخلوقات على الأرض، وأكرمها بما أعطاه الله من قدرة وإرادة وعقل وسمع وبصر وما إلى ذلك من الصفات والخلق العجيب، لم يخلق من غير شيء فإن تركيبه دال على حاجته إلى صانع، وهو كذلك لم يخلق نفسه لأنه خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا، بل أخرج من بطن أمه رغما عنه فكيف يكون خلق نفسه؟؟
وهو كذلك لم يخلق السماوات والأرض فلم يبق إلا أن يكون هناك خالقا أوجد ذلك كله، وهذا الخالق لا بد أن يكون له من صفات الكمال والجلال ما يمكن أن يتأتى منه إيجاد هذا الكون، وهذا بديهة من البدهيات، فإن من رأى طائرة أو حاسبا آليا أو غير ذلك من المصنوعات الحديثة العجيبة فإنه يستدل بها على عظمة صانعها وأن لديه إمكانيات مالية وآلات ومواد دقيقة، وقدرات متعددة، فكذلك ولله المثل الأعلى هذا الكون دليل على كمال وعظمة وجلال موجده وخالقه."

وبعد بيان الأدلة على بطلان إنكار وجود الله تحدث عن أن هؤلاء المنكرة قلة من الفلاسفة فقال :
وهذا القول أعني: إنكار الخالق، ليس عليه إلا شرذمة قليلة من الفلاسفة الدهريين، وليس له أي صدى لدى المسلمين، بل إن جل بني آدم يستنكرونه ويردونه، فإن جميع أصحاب الأديان على خلافه، وحتى الدول الشيوعية الملحدة في هذه الأزمان إنما ملاحدتها هم الساسة ومن دار في فلك أحزابهم. أما الشعوب التي تحت حكمهم فهم ما بين نصارى ويهود ومسلمين يقرون بالخالق ويدينون له بدين."
ثم تحدث عن الفلاسفة الذين أقروا بوجود الله وأنه هو والعالم واحد وهو المذهب المعروف باسم وحدة الوجود فقال :
"القول الثاني: الوجوديون:
الوجوديون هم القائلون بوحدة الوجود، وأساس مذهبهم يقوم على قول القائلين من الملاحدة: إن أصل هذا العالم هو المادة ولا يوجد فيه إلا ما هو جسم، فركب عليه القائلون بوحدة الوجود: إن هذا العالم تشيع فيه قوة حية هذه القوة الحية هي الله تعالى عن قولهم وأنه منبث في هذا الكون في كل ذرة من ذراته وهو القوة المصرفة له.
وأول من ثبت عنه هذا القول برمنيدس ثم قال بهذا الرواقيون وعلى رأسهم زعيمهم زينون وميلوس، ثم من أخذ بهذا من الرومان واليهود والنصارى مثل سبينوزا اليهودي."

ثم تحدث عن أدلة بطلان مذهبهم فقال :
"بيان بطلان قول الوجوديين من الفلاسفة:
قول الوجوديين من جنس قول الملاحدة السابق في عدم إثبات وجود لله عز وجل وجودا متميزا به عن سائر المخلوقات، إلا أن من يسمون بالملاحدة أنكروا وجوده جملة وتفصيلا، أما هؤلاء فقد زعموا أن وجود هذا الكون هو وجوده وهو ذاته تعالى الله عن قولهم، وهو قول لا نصيب له من الحق والهدى، وأوجه بطلانه هي أوجه بطلان الذي قبله. ويزاد عليها أيضا:
- أن هذا فيه طعن في الله عز وجل وسب له هو من أقبح الطعن والسب له سبحانه حيث زعموا أنه تعالى عن قولهم هو هذه الموجودات بما فيها من طيب وخبيث وخير وشر، وجعلوه تعالى عن قولهم الناكح والمنكوح، والآكل والمأكول، والشارب والمشروب إلى غير ذلك من المعاني والأحوال المتضادة والمتناقضة، وقد عاب الله عز وجل من زعم أن الله هو المسيح بن مريم وكفره قال عز وجل: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} المائدة (7) .
كما عاب تبارك وتعالى من ادعى له الولد، وجعل هذا القول من أقبح القول وأفسده، واعتبره سبحانه سبا شنيعا له، ولم يكن لابن آدم أن يسب الله تبارك وتعالى أو ينتقصه قال عز وجل {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} مريم (88-9) .

فإذا كان ادعاء أن الله هو المسيح، وادعاء الولد له بهذه الشناعة والقباحة والاعتداء والظلم فلا شك أن ادعاء أن الله هو هذا الكون بكل ما فيه من طيب وخبيث أشد ظلما وبغيا وقباحة، ولا يعدو أن يكون قول سفيه أملاه عليه الشيطان وصور له هذه المقولة والدعوى وزينها له حتى نطق بذلك الإفك المبين.
- إن هذا القول يلزم منه أن الله تبارك وتعالى يزيد بزيادة المخلوقات كما يلزم منه في نفس الوقت أنه ينقص ويفنى بنقص المخلوقات وفنائها.
- يلزم من هذا القول أن الله تبارك وتعالى يموت ويحرق ويغرق ويتألم ويتأذى ويهان سبحانه وتعالى ويصيبه كل ما يصيب المخلوقات عزيزها وذليلها.
- أن هذا يلزم منه أن يكون المخلوق خالقا لنفسه موجدا لها، وهذا شيء يعلم كل إنسان من نفسه بطلانه، فهو كما سبق أن ذكرنا خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا، بل إنه خلق وأوجد بغير إرادة منه واختيار، وإذا كان هذا حال الإنسان وهو ذو الإرادة والقدرة والقوة فغيره من المخلوقات من باب أولى.
- أن هذا القول يلزم منه أن كل مخلوق صغير أو كبير، حقير أو جليل إله ورب، وجميع العقلاء يدركون بطلان ذلك من أنفسهم ببداهة العقول، إلا أن يكون من سفهاء بني آدم وطغاتهم مثل فرعون وأضرابه، ولا شك أن تصور هذا القول دال على بطلانه ومغن عن الرد عليه."

وتحدث عن أقوال من أثبتوا وجود الله وأنه خارج الكون فقال :
"قول المؤلهة :
المؤلهة من الفلاسفة هم: الذين يقولون بوجود موجود أعلى يسمونه الإله، وهم كثير من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، إلا أنهم يختلفون في تصوراتهم وعباراتهم عن الإله بالنسبة لصفاته وأفعاله."

 

الثلاثاء، 21 يناير 2025

قراءة لكتاب الآيات البينات في عدم سماع الأموات

قراءة لكتاب الآيات البينات في عدم سماع الأموات على مذهب الحنفية السادات
المؤلف نعمان بن محمود بن عبد الله، أبو البركات خير الدين الآلوسي والكتاب يدور حول مسائل متعددة وليس كما فى العنوان من اختصاصه بمسألة عدم سماع الأموات ومن ثم حديثنا هنا عن هذه المسألة وأما بقية المسائل كالحياة البرزخية ومنكر ونكير فلم نتحدث عنها لمخالفتها عنوان الكتاب وقد تحدث الألوسى فى مقدمته عن سبب تأليف الكتاب وهو تحريف بعضهم ما قاله فى أحد دروسه فقال:
"أما بعد فإني في شهر رمضان عام خمس وثلثمائة وألف من هجرة من أنزل عليه القرآن تفصيلا لكل شئ وتبيانا ذكرت في مجلس درسي العام ما قالته الأئمة الأحناف الأعلام في كتبهم الفقهية وأحكامهم الشرعية من عدم سماع الموتى كلام الأحياء وأن من خلف لا يكلم زيدا فكلمه وهو ميت لا يحنث وعليه فتوى العلماء فأشاع بعض من انتسب إلى العلم من غير إدراك لما حرروه ولا فهم أن هذا العزو غير صحيح وأنه قول منكر مغاير للشرع الرجيح وأنه لم يعتقد ذلك أحد من أصحاب الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فاتبعه أتباع كل ناعق من أفراد الجهلة
والعوام والمرجفون في مدينة السلام فأحببت للنصيحة في الدين ولتبيان ما أتى في الكتاب المبين وتعليم إخواني المسلمين أن أجمع في هذه الرسالة أقوال أصحابنا الأحناف وما قاله غيرهم من الأئمة والفقهاء الأشراف وأن احرر ما قالوه وأنقل من كتبهم ما سطروه بعباراتهم المفصلة ونصوصهم المطولة وأدلتهم المحبرة وأجوبتهم المحررة ليتضح للعامة ما جهلوه ويظهر للمعاندين صواب ما أخطأوه ورتبتها على ثلاثة فصول وخاتمة جامعة إن شاء الله تعالى للمعقول والمنقول وللنزاع حاسمة وسميتها الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات والله سبحانه المسئول أن يوفقنا للصواب ويرزقنا استماع الحق واتباعه في المبدأ والمآب أمين"
فى مستهل الكتاب ذكر آراء علماء المذهب الحنفى فى مسألة عدم سماع الموتى وكعادة الفقهاء لا يذكرون آيات القرآن إلا نادرا وإذا عارضت كلامهم حاولوا تأويلها لتتوافق مع الأحاديث التى هى نفسها كما يتحدثون متناقضة فى المسألة
والآراء هى:
"في نقل كلام الأئمة الحنفية في ذلك:
قال العلامة الحصكفي الحنفي في كتابه الشهير بالدر المختار شرح تنوير الأبصار في باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ما لفظه
ما شارك الميت فيه الحي يقع اليمين فيه على الحالتين الموت والحياة وما اختص بحالة الحياة وهو كل فعل يلذ ويؤلم ويغم ويسر كشتم وتقبيل تقيد بها ثم فرغ عليه فلو قال إن ضربتك أو كسوتك أو كلمتك أو دخلت عليك أو قبلتك تقيد كل منها بالحياة حتى لو علق بها طلاقا أو عتقا لم يحنث بفعلها في ميت بخلاف الغسل والحمل والمس وإلباس الثوب كحلفه لا يغسله أو لا يحمله لا تتقيد بالحياة انتهى"

ونقل بعد نقل هذا الكلام محشيه والمراد صاحب الحاشية التى تعلق على الكتاب فقال :
"وقال محشيه العلامة الطحطاوي ما لفظه قوله أو كلمتك إنما تقيد بالحياة لأن المقصود من الكلام الإفهام والموت ينافيه لأن الميت لا يسمع ولا يفهم وأورد أنه (ص)قال لأهل القليب قليب بدر هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم
وأجيب عنه بأنه غير ثابت يعني من جهة المعنى وإلا فهو في الصحيح وذلك أن عائشة رضي الله عنها ردته بقوله تعالى {وما أنت بمسمع من في القبور} {إنك لا تسمع الموتى} وقوله من جهة المعنى ينظر ما المراد به فإن ظاهره يقتضي ورود اللفظ عن الشارع صلى الله عليه وسلم وأن المعنى لا يستقيم وفيه ما فيه
وأجيب أيضا بأنه إنما قاله (ص) على وجه الموعظة للأحياء لا لإفهام الموتى كما روي عن علي أنه قال السلام عليكم دار قوم مؤمنين أما نساؤكم فنكحت وأما أموالكم فقسمت وأما دوركم فقد سكنت فهذا خبركم عندنا فما خبرنا عندكم
ويرده أن بعض الأموات رد عليه بقوله الجلود تمزقت والأحداق قد سالت ما قدمنا ما لقينا وما أكلنا ربحنا وما خلفنا خسرنا أو كلاما هذا كما في بعض شراح الجامع الصغير وأيضا ورد عنه (ص) إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا انصرفوا كمال وفي النهر أحسن ما أجيب به أنه كان معجزة له صلى الله عليه وسلم "

والكلام كله هو أخذ ورد بين الأحاديث المتناقضة وكلام الحصكفى لا أدرى كيف فسره القوم بمسألة سماع الموتى لأنه يتحدث عن الحياة فى هذا الجزء وليس عن الموتى وأيضا الحاشية الثانية على الكتاب لابن عابدين نقل عنها كلامها فى مسألة سماع الموتى وهى غير مذ كورة فى كلام الحصطفى :
"وقال شيخ مشائخنا العلامة ابن عابدين في حاشيته على الكتاب المذكور ما لفظه

وأما الكلام فلأن المقصود منه الإفهام والموت ينافيه ولا يرد ما في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم لأهل قليب بدر هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقال عمر رضي الله عنه أتكلم الميت يا رسول الله فقال (ص)والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم أو من هؤلاء فقد أجاب عنه المشايخ بأنه غير ثابت يعني من جهة المعنى وذلك لأن عائشة رضي الله تعالى عنها ردته بقوله تعالى {وما أنت بمسمع من في القبور} و {إنك لا تسمع الموتى} وأنه إنما قاله على وجه الموعظة للأحياء وبأنه مخصوص بأولئك تضعيفا للحسرة عليهم وبأنه خصوصية له (ص)معجزة لكن يشكل عليهم ما في مسلم إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال جمعا بينه وبين الآيتين فإنه شبه فيهما الكفار بالموتى لإفادة بعد سماعهم وهو فرع عدم سماع الموتى هذا حاصل ما ذكره في الفتح هنا وفي الجنائز
ومعنى الجواب الأول أنه وإن صح سنده لكنه معلول من جهة المعنى بعلة تقتضي عدم ثبوته عنه (ص)وهي مخالفته للقرآن فافهم انتهى كلام ابن عابدين عليه الرحمة"

والكلام السابق نجد أن صاحب الحاشية ألأولى رغم نفيه لسماع الموتى إلا أنه اعتبر حادثة بدر معجزة خارجة عن ذلك وصاحب الحاشية الثانية نفى تماما سماع الموتى
وأما ابن الهمام فقد نقل عنه نفى سماع الموتى ومع هذا أثبت حادثة بدر كمعجزة وقد حاول ابن الهمام تأويل الأحاديث على غير ظاهرها فقال :
"ولنذكر كلام إمام الحنفية ابن الهمام في فتح القدير حاشية الهداية فإنه قال في باب الجنائز على قوله ولقن الشهادة لقوله (ص)لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله والمراد الذي قرب من الموت ما نصه
قوله والمراد الذي قرب من الموت مثل لفظ القتيل في قوله (ص)من قتل قتيلا فله سلبه وأما التلقين من بعد الموت وهو في القبر فقيل يفعل لحقيقة ما روينا ونسب لأهل السنة والجماعة وخلافه إلى المعتزلة وقيل لا يؤمر به ولا ينهى عنه ويقول يا فلان بن فلان اذكر دينك الذي كنت عليه في دار الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولا شك أن اللفظ لا يجوز إخراجه عن حقيقته إلا بدليل فيجب تعيينه وما في الكافي من أنه إن كان مات مسلما لم يحتج إليه من بعد الموت وإلا لم يفد يمكن جعله الصارف يعني أن المقصود منه التذكير في وقت تعرض الشيطان وهذا لا يفيد بعد الموت وقد يختار الشق الأول والاحتياج إليه في حق التذكير لتثبت الجنان للسؤال فنفي الفائدة مطلقا ممنوع نعم الفائدة الأصلية منتفية

وعندي أن مبنى ارتكاب هذا المجاز هنا عند أكثر مشايخنا هو أن الميت لا يسمع عندهم على ما صرحوا به في كتاب الإيمان في باب اليمين بالضرب لو حلف لا يكلمه فكلمه ميتا لا يحنث لأنها تنعقد على ما بحيث يفهم والميت ليس كذلك لعدم السماع وورد عليه قوله (ص) في أهل القليب ما أنتم بأسمع منهم
وأجابوا تارة بأنه مردود من عائشة قالت كيف يقول (ص)ذلك والله تعالى يقول وما أنت بمسمع من في القبور وإنك لا تسمع الموتى وتارة بأن تلك خصوصية له (ص) معجزة وزيادة حسرة على الكافرين وتارة بأنه من ضرب المثل كما قال علي رضي الله تعالى عنه

ويشكل عليهم ما في مسلم إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا اللهم إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال جمعا بينه وبين الآيتين فإنهما تفيدان تحقيق عدم سماعهم فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى لإفادة تعذر سماعهم وهو فرع عدم سماع الموتى إلا أنه على هذا ينبغي التلقين من بعد الموت لأنه يكون حين إرجاع الروح فيكون حينئذ لفظ موتاكم في حقيقته وهو قول طائفة من المشايخ أو هو مجاز باعتبار ما كان نظرا إلى أنه الآن حي إذ ليس معنى الحديث إلا من في بدنه الروح وعلى كل حال هو محتاج إلى دليل آخر في التلقين حالة الاحتضار إذ لا يراد الحقيقي والمجازي معا ولا مجازيان وليس يظهر معنى يعم الحقيقي والمجازي حتى يعتبر مستعملا فيه ليكون من عموم المجاز للتضاد وشرط إعماله فيهما أن لا يتضادا انتهى كلام العلامة ابن الهمام"
إذا ألأحاديث متناقضة لا يمكن الجمع بينها ومع هذا القوم يحاولون التوفيق بينها ويلفقون الكلام فابن الهمام مع أنه نفى صحة حديث التلقين قبل الموت وفسره بأنه قبل الموت إلا أنه لم يحرم تلقين الميت عند دفنه
ونفس الرأى هو للطحطاوى حيث نقل عنه كلاما مشابها فقال :
"وقال أيضا العلامة الشيخ أحمد الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح للشرنبلالي شرح نور الإيضاح في باب أحكام الجنائز على قول الشارح قال المحقق ابن همام وحمل أكثر مشايخنا إياه على المجاز أي من قرب من الموت مبناه على أن الميت لا يسمع عندهم ما نصه
قوله مبناه على أن الميت لا يسمع عندهم على ما صرحوا به في كتاب الإيمان لو حلف لا يكلمه فكلمه ميتا لا يحنث لأنها تنعقد على من يفهم والميت ليس كذلك لعدم السماع قال الله تعالى {وما أنت بمسمع من في القبور} {إنك لا تسمع الموتى} وهو يفيد تحقيق عدم سماع الموتى إذ هو فرعه انتهى كلام الشرنبلالي والطحطاوي"


كما نقل كلام العينى فى المسألة فقال كلاما مشابها منتهيا إلى عدم سماع الميت بعد خروج روحه فقال :
" وقال العلامة العيني في شرح الكنز في باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك بعد قول الماتن وكلمتك تقيد بالحياة ما لفظه
لأن الضرب هو الفعل المؤلم ولا يتحقق في الميت

والمراد في الكلام الإفهام وأنه يختص بالحي انتهى ومثله في البحر ونصه
لأن المقصود من الكلام الإفهام والموت ينافيه
وقال العلامة ابن ملك في مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار الجامع بين الصحيحين في قوله

(ص)إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا
وفيه دلالة على حياة الميت في القبر لأن الإحساس بدون الحياة ممتنع عادة وهل ذلك بإعادة الروح أولا ففيه اختلاف العلماء فمنهم من يقول بتلك وتوقف أبو حنيفة في ذلك انتهى بلفظه
فتبين من تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشيته للطحطاوي ولابن عابدين ومن فتح القدير والهداية ومن مراقي الفلاح وحاشيته وشروح الكنز ومن سائر المتون المبنية على المفتي به من قول الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ومشايخ المذهب أن الميت لا يسمع بعد خروج روحه كما قالت عائشة وتبعها طائفة من أهل العلم والمذاهب الأخرى وأن الحنفية لم يحكوا خلافا في حكمهم هذا عن أحد من علماء المذهب ولم يحنثوا الحالف كما فصلنا وهو المطلوب ولله الحمد"

وفرق الألوسى بين أمرين :
الأول السماع بعد خروج الموت
الثاني السماع بعد الدفن وذكر اختلاف القوم فى الثاني وأنهم اتفقوا على أن لا سماع فى الأول فقال :
"تتمة في التلقين بعد الدفن:
اعلم أن مسألة التلقين قبل الموت لم نعلم فيها خلافا وأما بعد الموت وهي التي تقدم ذكرها في الهداية وغيرها فاختلف الأئمة والعلماء فيها فالحنفية لهم فيها ثلاثة أقوال
الأول أنه يلقن بعد الموت لعود الروح للسؤال
والثاني لا يلقن
والثالث لا يؤمر به ولا ينهى عنه
وعند الشافعية يلقن كما قال ابن حجر في التحفة:

ويستحب تلقين بالغ عاقل أو مجنون سبق له تكليف ولو شهيدا كما اقتضاه إطلاقهم بعد تمام الدفن لخبر فيه وضعفه اعتضد بشواهد على أنه من الفضائل فاندفع قول ابن عبد السلام أنه بدعة انتهى"
وأما عند الإمام مالك نفسه فمكروه قال الشيخ علي المالكي في كتابه كفاية الطالب الرباني لختم رسالة ابن أبي زيد القيرواني ما لفظه
وأرخص بمعنى استحب بعض العلماء هو ابن حبيب في القراءة عند رأسه أو رجليه أو غيرهما ذلك بسورة يس لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال ما من ميت يقرأ عند رأسه سورة يس إلا هون الله تعالى عليه ولم يكن ذلك أي ما ذكر من القراءة عند المحتضر عند مالك أمرا معمولا وإنما هو مكروه عنده وكذا يكره عند تلقينه بعد وضعه في قبره انتهى"

وأما الحنبلية فعند أكثرهم يستحب قال الشيخ عبد القادر بن عمر الشيباني الحنبلي في شرح دليل الطالب ما لفظه:
واستحب الأكثر تلقينه بعد الدفن انتهى"
واستفيد منه أن غير الأكثر من الحنابلة يقول بعدم التلقين بعد الموت أيضا
وأما الظاهرية فالظاهر من كلام أبي محمد بن حزم الذي هو من أجل العلماء الظاهرية عدم التلقين أيضا "
وانتهى الألوسى إلى أن مذهب الحنفية هو عدم سماع الموتى فقال :
"إن مذهب الحنفية كغيرهم سماع الموتى لقول إمامنا الأعظم إذا صح الحديث فهو مذهبي ويجري ذلك على عمومه وهل هذا إلا مكابرة على الثابت بالعيان وإخفاء لضوء الشمس الذي تجحده العينان أو خيانة في حمل علوم الدين لمآرب خبيثة يستخف بها ضعفاء المسلمين (لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي)"
قطعا كل هذا المحاورات والمشاحنات هى بسبب الروايات المتناقضة ولو لجأ القوم للقرآن ما اختلفوا وبعيدا تأويل بعضهم لقوله تعالى :
" وما أنت بمسمع من فى القبور "

فإن قوله تعالى عن ارتفاع الموتى للسماء حيث الجنة والنار حيث تتواجد الملائكة فى السموات فقط ينفى تماما السماع:
" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)"
وقال :
" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)"
فالجثة هى التى فى القبر وأما النفس فهى فى الجنة أو النار كما قال تعالى :
" يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى"

والملائكة لا تتواجد فى ألأرض لخوفها وهو عدم طمأنينتها كما قال تعالى :
" قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا "

فهنا نفى الله وجود الملائكة فى الأرض بالحرف لو ومن ثم لا وجود للملكين منكر ونكير فى القبور كما يزعمون
وأثبت الله وجودهم فى السموات فقال :
" وكم من ملك فى السموات "

 

الاثنين، 20 يناير 2025

قراءة في كتاب رؤية النبي (ص) لربه

قراءة في كتاب رؤية النبي (ص) لربه
المؤلف محمد بن خليفة بن علي التميمي وهو يدور حول الروايات التى ذكرت رؤية النبى(ص)لله تعالى في اليقظة وفى المنام تعالى عن ذلاك علوا كبيرا وقد أعلم التميمى قى مقدمته أن الرؤية محالة في الدنيا فقال :
"قبل البدء في إيضاح هذه المسائل لابد من الإشارة إلى أن الأمة أجمعت على أن الله عز وجل لا يراه أحد في الدنيا بعينه."
وكعادة القوم بدلا من اللجوء للقرآن استشهد التميمى بالروايات على هذا الرأى فقال :
"وقد صح عنه (ص) في الحديث المشهور في التحذير من فتنة المسيح الدجال أنه قال: "تعلَّموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت" وفي لفظ الترمذي "تعلمون""
وحكى التميمى خلافات الفقهاء في المسألة مفرقا بين ثلاثة أمور هى :
الرؤية في الإسراء والرؤية في المنام ورؤية النبى (ص) لله عيانا
وفى الرؤية ليلة المعراج أثبت إيمان أكثر علماء السنة بها فقال :
"والخلاف إنما وقع في حصول الرؤية للنبي (ص) خاصة ليلة المعراج، وأكثر علماء أهل السنة يثبتون ذلك، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأكثر علماء أهل السنة يقولون: إن محمدًا (ص) رأى ربه ليلة المعراج""
وهو رأى فنده التميمى بذكره للروايات في المسألة حيث ذكر الأحاديث المنسوبة للمؤمنين فى عصر النبى (ص) فقال :
"المبحث الأول: رؤية النبي (ص) لربه ليلة المعراج
أقوال الصحابة في هذه المسألة:
القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا:
1 - قول ابن عباس:
أ - عن عكرمة عن ابن عباس قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد (ص)".
ب - عن ابن عباس في قوله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى}.قال: "رأى ربه فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى"
ج - عن عكرمة عن ابن عباس قال: "رأى محمدٌ ربَّه". قلت: أليس الله يقول {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام 103] ، قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقال: أُرِيَه مرتين"
د - عن عبد الله بن عمر أنه بَعَثَ إلى عبد الله بن عباس يسأله: هل رأى محمدٌ (ص) ربَّه؟ فبعث إليه: "أن نعم قد رآه"، فرد رسوله إليه وقال: كيف رآه؟ فقال: "رآه على كرسي من ذهب، تحمله أربعة من الملائكة، ملك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، في روضة خضراء، دونه فراش من ذهب
- قول أنس بن مالك
عن قتادة أن أنسًا قال: "رأى محمدٌ ربَّه".
3 - قول أبي هريرة
قال داود بن حصين: سأل مروان أبا هريرة رضي الله عنه: هل رأى
محمدٌ (ص) ربَّه عز وجل؟ فقال: "نعم، قد رآه""
هذا ما نقله التيمى من الكتب عن إثبات الرؤية بالعين ثم ذكر أقوال الأخرين في كونها رؤية قلبية فقال :
"القول الثاني: من قيدها بالرؤية القلبية:
وقد روي في ذلك حديث مرفوع لكنه ضعيف؛ لإرساله وهو ما رواه محمد بن كعب القرظي قال: سئل النبي (ص): هل رأيت ربك؟ قال: "رأيته بفؤادي، ولم أره بعيني"
1 - قول ابن عباس:
أ - عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةًأُخْرَى} [النجم 13] قال: "إن النبي (ص) رأى ربه بقلبه"
ب - وعن أبي العالية عن ابن عباس: "أن النبي (ص) رأى ربه بفؤاده مرتين"
2 - قول أبي ذر
أ - عن إبراهيم التيمي أن أبا ذر قال: "رآه بقلبه ولم تره عيناه". وفي رواية: "رآه بقلبه"
ب - وأخرج النسائي عن أبي ذر قال: "رأى رسول الله (ص) ربَّه بقلبه ولم يره ببصره"."
الغريب فيما نقله التميمى هو أنه نقل عن ابن عباس رأيين متناقضين الرؤية عيانا والرؤية القلبية
ثم روى عن بعض أخر نفى الرؤية مطلقا لا عيانا ولا قلبية فقال :
"القول الثالث: من نفى الرؤية مطلقا.
1 - قول عائشة
عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: "ياأبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله الفرية، من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين: أنظريني ولا تعجليني: ألم يقل الله عز وجل {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} فقالت: أنا أول هذه الأمة، سأل رسول الله (ص) فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض. فقالت: ألم تسمع أن الله يقول {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار} [الأنعام 103] . أو لم تسمع أن الله يقول {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى 51] .....".
2 - قول ابن مسعود
عن زر بن عبد الله بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم 13] ، قال: "رأى رسول الله (ص) جبريل في صورته، له ستمائة جناح3 - قول أبي هريرة رضي الله عنه
عن عطاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في قوله تعالى {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} قال: "رأى جبريل".
4 - قول أبي ذر
عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله (ص) لسألته، قال: عما كنت تسأله؟ قال: إذن لسألته هل رأى ربه؟ فقال: قد سألته أنا، قلت: فما قال؟ قال: "نور أنى أراه"، وفي رواية "رأيت نوراً"
والغريب هو نقل رأيين لأبى ذر الرؤية القلبية ونفى الرؤية تماما كما في النقل عن ابن عباس والمؤمنون في عهد الصحابة لن يختلفوا أبدا في حكم لأن معلمهم واحد وقد علمهم شىء واحد وقد علق التميمى على الأقوال السابقة فقال
"التعليق على الأقوال السابقة:
الذي يلاحظ من الآثار السالفة الذكر أنها خلت من النص على رؤية العين فهي: إما أثبتت الرؤية مطلقًا، أو قيدتها بالرؤية القلبية أو نفتها مطلقًا.
ولذلك علق شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا بقوله: "ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رؤية النبي (ص) لربه في المنام"
قطعا الرسول (ص) هو أو غيره من البشر لا يرون الله عيانا ولا قلبيا والمراد بقلبيا تمثل الله في مخيلتهم وهو أمر محال والرؤية منفية بنص القرآن في المعراج كما قال تعالى :
" لقد رأى من آيات ربه الكبرى"

فهنا لم تقل الاية رأى الله وإنما رأى بعض من آيات الله
وأما الرؤية المنامية فقد ذكر الرجل الأحاديث التى ذكرت فيها ذاكرا أنها كلها معلولة الأسانيد فقال :
الأحاديث الواردة في المسألة.
"الاعتماد في هذه المسألة على بعض الأحاديث من بينها:
1- الحديث الأول.
عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: "احتبس عنا رسول الله (ص) ذات غداة في صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله (ص) سريعا فثوّب بالصلاة، وصلى وتجوّز في صلاته فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم، ثم أقبل إلينا فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي - عز وجل - في أحسن صورة. فقال: يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب. قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب. فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلى لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: في الكفارات والدرجات. قال وما الكفارات؟ قلت نقل الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات.
قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله (ص): إنها حق فادرسوها وتعلموها".
هذا الحديث جاء عن جمع من الصحابة من عدة طرق إليك تفصيلها:
الأول: عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - مرفوعا..
أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/243. والترمذي في السنن 5/368 كتاب التفسير باب ومن سورة (ص) رقم 3235 وقال: "هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح".وابن خزيمة في التوحيد 2/540 رقم 320 وقال عن هذه الرواية: أنها "أشبه بالصواب". والحاكم في المستدرك 1/521. والطبراني في المعجم الكبير 20/109. والدارقطني في الرؤية ص 167 رقم 253 وص 170 رقم 259. وأورد هذا الحديث بمختلف طرقه في كتابه العلل (6/54-57 رقم 973) وتكلم عليها بكلام طويل ثم حكم عليها في نهاية كلامه بقوله: "ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة". والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/125. وابن عدي في الكامل 6/2344والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 55-56 رقم 74-75.
وحديث معاذ هذا صححه الإمام أحمد كما في الكامل لابن عدي 6/2344 وتهذيب التهذيب6/205.
الثاني: عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي مرفوعا.
أخرجه الدارمي في السنن 2/126 كتاب الرؤية باب في رؤية النبي (ص) الرب تعالى في النوم. وابن خزيمة في التوحيد 2/534 رقم 318. وابن أبي عاصم في السنة 1/169 رقم 388 وفي 1/204 رقم 467-468 وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة 3/1549-1551 رقم 1041. والحاكم في المستدرك 1/520 وصححه ووافقه الذهبي. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/514 رقم 901-902 مختصرا. والدراقطني في الرؤية ص 170 رقم 260. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 57 رقم 77 وص 58 رقم 80-81. والبغوي في تفسيره 7/101 وفي شرح السنة 4/35-36 رقم 924. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/17. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 7/176-177 وقال رجاله ثقات.
وانظر الكلام حول أسانيد هذا الطريق في الميزان 2/571 والإصابة 2/405 وتهذيب التهذيب 6/204.
الثالث: عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي (ص) مرفوعا.
أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/378.وعبد الله بن أحمد في السنة 2/489 رقم 1121. وابن خزيمة في التوحيد 2/537. الرابع: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعا.
أخرجه الترمذي في السنن 5/366 كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم 3234 وقال: "حسن غريب من هذا الوجه". وابن خزيمة في التوحيد 2/538 رقم 319. وابن أبي عاصم في السنة 1/204 رقم 469 وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة 3/1547-1549رقم 1039-1040. والدارقطني في الرؤية ص 175-176 رقم 268-269. كلهم من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس مرفوعا مطولا
ومع نفى ثبات الأحاديث للعلل فيها فإن الرجل أعلن ثبوت الرؤية المنامية لله تعالى عن ذلك فقال :
"القول في رؤية النبي (ص) لربه في المنام.
أثبت العلماء رؤية النبي (ص) المنامية لربه - عز وجل -، واعتمدوا في ذلك على الأحاديث الواردة بهذا الشأن، والتي تقدم ذكرها في المطلب الأول، وهذه الرؤيا ليست محل خلاف، وقد وقعت بالمدينة النبوية، وهناك فرق بينها وبين الرؤية التي وقعت ليلة الإسراء بمكة، والتي دار الخلاف عليها حسب ما تقدم ذكره في المبحث الأول، وهذه الرؤيا التي وقعت في المنام داخلة في عموم أن رؤيا الأنبياء وحي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي تبارك وتعالى" ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه - تبارك وتعالى - تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد"
وهو كلام متناقض فكيف ينفى أحاديث الرؤية المنامية بعد بيانه علل أسانيدها ثم يتفق مع القوم قفى ثبوت الرؤية مناميا رغم أن الحديث فيه عدى أخداء هى :
الأول صلاة الفجر ليلا قبل طلوع الشمس في قولهم :
"احتبس عنا رسول الله (ص) ذات غداة في صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس"
وصلاة الفجر اسمها صلاة الصبح والصبح هو النهار وهو لا يكون إلا بعد طلوع الشمس وقد فسر الله مشرقين بمصبحين في قصة لوط(ص) فقال :
وقضينا إليه الأمر ذلك أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين"
وقال :
" لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل"
الثانى جعل المسجد مكان للحديث في غير الصلاة في قول الحديث " وصلى وتجوّز في صلاته فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم، ثم أقبل إلينا فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة "
والمسجد لا يصح فيها الكلام عن شىء إلا الصلاة وهى ذكر الله كما قال تعالى :
" في بيوت أذنه أن ترفع ويذكر فيها اسمه "
الثالث أن الله متجسد بدليل وجود صورة له في قول الحديث "فإذا أنا بربي - عز وجل - في أحسن صورة " وبدليل أنه له كفه باردة في قول الحديث "وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري"
تعالى الله عن هذا فهو تكذيب لقوله تعالى" ليس كمثله شىء" فهنا يشبه الحديث الله بخلقه في وجود كف وأصابع وصورة
الرابع أن الكفارات صلاة الجمعة والجلوس في المساجد واسباغ الوضوء بينما الكفارات في القرآن عتق الرقاب واطعام المساكين أو كسوتهم أو الصوم أيام أو شهور كما في الحديث " الكفارات؟ قلت نقل الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات"والكفارات هى كما قال تعالى :
"وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له"
والعفو عن القاتل أو الجارح من الكفارات كما قال تعالى :
"فكفارته عشرة مساكين من أوسط مما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم"
الخامس أن الدرجات في قول الحديث "وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام" بينما الدرجات إما درجات القيادة والتبعية كما في قوله تعالى " وللرجال عليهم درجة "
وإما درجات الجنة وهى درجتين واحدة للمجاهدين وواحدة للقاعدين كما قال تعالى :
" فضا الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة"

وتحدث الرجل عن رؤية الله عيانا في الدنيا في غير المنام نافيا إياه فقال :
" رؤية النبي (ص) لربه في الدنيا عيانا
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أن النبي (ص) لم ير ربه بعينه في الأرض، وأن الله ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي (ص) قط حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: "أن الله يدنو عشية عرفة"وفي رواية "إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا."
قطعا هذا الحديث كغيره لم يقله النبى(ص) فالله لا ينزل لمكان لأنه تعالى عن المكان ولا يمكن رؤيته لا دنيا ولا أخرة
هناك أدلة كثيرة منها قوله تعالى بسورة الشورى "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء "فهنا ورد أن تكليم الله للبشر هو أحد الصورتين الوحى وهو ما يسمى الكلام من وراء حجاب وإرسال رسول بالوحى وهكذا لا توجد رؤية مع كلام مما يدل على امتناعها وقوله بنفس السورة "ليس كمثله شىء "فإذا كان الله يشاهد ويرى كل خلقه فإنهم لا يرونه وإلا أشبهوه فى شىء وهذا هو المحال وقوله بسورة الأنبياء "كما بدأنا أول خلق نعيده "فإذا كنا سنبعث بنفس العيون التى لا تقدر على تحمل ضوء الشمس فكيف بخالق الشمس مع الأخذ فى الاعتبار أنه ليس له ضوء أى نور بمعناه المعروف ؟وقوله بسورة الأعراف "قال رب أرنى انظر إليك قال لن ترانى "فهنا أخبر الله موسى (ص)باستحالة رؤيته بقوله "لن ترانى "ولن تفيد النفى المستمر وإذا كان الله عاقب رجال بنى إسرائيل عندما طلبوا الرؤية بالموت صعقا بدليل قوله بسورة البقرة "وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون " وقد عاقب الله موسى (ص)بنفس العقوبة بدليل قوله بسورة الأعراف "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا "فهذا دليل على استحالة الرؤية لأن الله اعتبر طالبها مذنبا وعاقبه بالصعق وهو الموت المؤقت ومن الأدلة أيضا أن الله ليس بجسم حتى يمكن رؤيته ومن المعلوم أن المرئى لابد أن يكون مجسما أى له شكل ملون وإذا كان الله خارج المكان فذلك يعنى استحالة رؤيته ولأن الله ليس بجسم فلا تجوز رؤيته ومعنى رؤية الله هو حلوله فى المكان وهو الجنة كما يزعمون وإذا حل الله فى مكان فقد أصبح هو والكون شىء واحد وهذا هو الكفر عينه فى فكر أصحاب الرؤية ولو تأملنا أخبار الرؤية لوجدنا أن الرب يكون كالقمر ليلة البدر وهذا معناه أن يكون الرب قرص منير صغير الحجم يطلع كما يطلع القمر وهذا القول جنون وكفر أولا لأنه يجسم الإله وثانيا لأنه يجعله يحل فى المكان .
وأما الاحتجاج بقوله تعالى بسورة القيامة "وجوه يومئذ إلى ربها ناظرة "وهذا الاحتجاج فلا معنى له للتالى :
-أن الله قال وجوه ولم يقل أبصار أو عيون ومما هو معروف أن الوجوه لا ترى سواء كان المراد بها ما تحمل الرقبة أو النفوس .
-أن لو فسرنا كلمة ربها بأنها الذات الإلهية لوجب علينا أن نفسر قوله تعالى بسورة البقرة "فأينما تولوا فثم وجه الله "بأن الوجه يعنى ذات الله وهذا جنون لأننا عندما ننظر نرى آيات الله فى الكون وليس ذات الله ،إذا فالمراد بربها هو آيات ربها والدليل على أن الوجوه ليس مراد به العيون هو قوله تعالى بسورة المطففين "على الأرائك ينظرون تعرف فى وجوههم نضرة النعيم "فهنا الوجوه فيها نضرة النعيم أى أثر النعيم أى فرحة النعيم بدليل قوله بسورة عبس "وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة "وأما احتجاجهم بقوله بسورة المطففين "إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون "فساقط لعدم ذكر الرؤية وأما الحجب فيعنى الإبعاد عن الرحمة الممثلة فى الجنة بدليل أنهم بعد الإبعاد يدخلون النار بدليل قوله بعد الآية مباشرة "ثم إنهم لصالوا الجحيم ".
وقد وصف موسى (ص)وصف طلاب الرؤية بأنهم سفهاء وجعل أمر الرؤية فتنة واختبار يسقط فيه من يضل فيطلبها وينجح فيه من يهتدى فلا يطلبها .
وهو قوله بسورة الأعراف "واختار موسى سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء " وقد بين الله لنا أن الكفار فى عهد الرسول (ص)طلبوا رؤية الله وفى هذا قال تعالى بسورة الإسراء على لسان الكفار "أو تأتى بالله والملائكة قبيلا ".
والرؤية لو افترضنا وجودها فالمعنى أن الله جسم ويحل بالمكان وله لون وحجم والله كاذب فى الوحى وهذا كله ينفى صحة الألوهية عن الله لأنه يثبت تشابهه مع الخلق .
وأما زعم القوم أن الرؤية محرمة فى الدنيا وليست فى الأخرة فلو كان الأمر كما يزعمون ما نفيت فى إطار حديث الله عن طرق كلام الله للبشر وما نفيت بلن التى تفيد النفى المستمر فى حديث الله لموسى (ص)ولو كان الأمر كما يدعون لكان الزنا المحرم فى الدنيا مباح فى الأخرة وفى تلك الحال سيسمح الله لنا بأن يضاجع كل منا حليلة صاحبه والمحرمات فى الدنيا محرمات فى الأخرة بدليل قوله بسورة الواقعة "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما " أى لا يعرفون فى الجنة اللغو أى الإثم أى لا يرتكبون فى الجنة الذنب
ولو كانت ملاقاة الله تعنى كما يقولون رؤية الله لرآه الكفار لأن الله يقول فى سورة الإنشقاق "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه "فهنا الإنسان وهو فى معظم تفاسيرهم إن لم يكن كلها مراد به الكافر سيلاقى الله وهم يقولون بمنع الرؤية عن الكفار