الثلاثاء، 25 يوليو 2023

نظرات فى كتاب نظرية الأنطاكي وفلسفته في الأنباض

نظرات فى كتاب نظرية الأنطاكي وفلسفته في الأنباض
المؤلف سلمان قطايه وقد ابتدأ بمعتقد النطلكى فى كون لذائذ الدنيا المأكل، والسماع، والنكاح، والملابس حيث قال :
"يعتقد الأنطاكي أن لذائذ الدنيا أربع: المأكل، والسماع، والنكاح، والملابس
وأن أفضلها الطعام، وأردأها النكاح، وأسلمها السماع فالطعام وإن كان حاجة ماسة للجسم لكن الإكثار منه جالب للأمراض، كذلك النكاح، أما السماع فلا ضرر منه فليكثر من شاء ما شاء منه"
وهو اعتقاد خاطىء يخالف ان اللذائذ هلا النساء والبنين والمال والقوة والطعام والشراب وهى التى ذكرها الله فى قوله :
"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا"
وتحدث قطايه عن أن الموسيقى العربية التى اخترعها الفارابى لها علاقة باعضاء الجسم فقال :
"ولقد ابتكرت الأمم قبل العرب أدوات موسيقية مختلفة، إلا أن الفارابي ابتكر الآلة المسماة بالعود والتي تعتبر أساساً في علم الموسيقى العربية والعود الذي ابتكره الفارابي معروف باسم السيج، ولقد جعل أوتاره على أوزان تفرع الشريان الأبهر من القلب حتى الأصابع
وعندما أسس العرب سلمهم الموسيقي جعلوه أيضاً فيزيولوجياً فاعتبروا أخشن صوت للرجل مساوياً لأغلظ وتر في العود وهو المسمى البم
وجعلوا رتبة الصياح مساوية لأرفع وتر في العود وهو المسمى الزير وبين الاثنين وتران: أحدهما المثنى والثاني المثلث
فالعود يحتوي على هذه الأوتار الأربعة ولكن من الناس من جعلهم ثمانية والنسب بين هذه الأوتار الأربعة هي كالتالي:
البم أغلظها ويعادل المثلث + 1/3 وإذا عادلناها بطاقات الحرير المصنوع منها وجدنا أنه مؤلف من 64 طاقة حرير
بينما المثلث يساوي المثنى + 1/3 ويعادل 48 طاقة حرير
والمثنى يساوي الزير مضافاً إليه ثلث أي 36 طاقة حرير
أما الزير فيحتوي على 27 طاقة حرير"
وتحدث قطاية عن أن سماع الإنسان للألحان يؤثر فى القلب وبالتالى النبض لأن العود مبنى على ترتيب شرايين القلب فقال :
"والواقع أنه عندما يسمع الإنسان الإيقاع والألحان فإن ذلك يؤثر في القلب ومن ثم يوجب تغير النبض، ولا عجب فإن ترتيب أوتار العود مأخوذ من ترتيب شرايين القلب وتفرعاته، والأوتار من حيث السلم الموسيقي معادلة تماماً لصوت الإنسان فالعلاقة بين العود وجسم الإنسان واضحة وتامة،"
والحق أن هذا كلام حتى ولو كتب فى كتاب الفاربى أو غيره فلا علاقة للعود بالجسم فعلا فما يؤثر فى فرد قد لا يؤثر فى أخر ومن ثم نجد قولة العامة الشهيرة إنسان بلا إحساس وإنسان عنده إحساس كما نجد الاعتقاد الشهير بأ، البعض يرقص عند سماع الموسيقى والبعض الأخر جثة هامدة لا يؤثر فيها شىء
وتحدث الرجل عن نظرية أخرى عن علاقة الموسيقى بالفصول المناخية فقال :
ولقد استطاع اسحق الموصلي (767-885م) أن يتعمق في هذه العلاقة حينما أشار إلى أن الألحان تتناسب مع الفصول الأربعة المعروفة، فإذا كان الوقت شتاء فمن المفضل العزف على البم المصنوع من النحاس في القانون، فإن انتشار اللحن يؤدي إلى جو يابس حار، وهو أنسب للطقس البارد شتاء
وعلى هذا فقد وجد أن:
البم يعادل العنصر: الأرض
والمثلث يعادل: الماء
والمثنى يعادل: الهواء
والزير يعادل: النار
وعندئذ، من العناصر نصل إلى الأخلاط الأربعة وهي: الدم، والبلغم، والسوداء، والصفراء
وإلى الأمزجة الأربعة: الحار، الرطب، اليابس، الجاف"
وهذا كلام وهم لا حقيقة له فلا علاقة للموسيقى بالمناخات المختلفة
وتحدث عن نظرية الأمزجة أو الأخلاط الأربعة فقال :
"ونحن نعلم حسب النظرية البقراطية أن توازن هذه الأمزجة وتعادلها يؤديان إلى حال الصحة، التعادل crasie وأن اضطرابها يؤدي إلى سوء المزاج dyscrasie وهو حال المرض"
وجرنا قطاية لأوهام أخرى وهى تعلق مواليد الشهور كل برج بنوع من الموسيقى فقال :
"معنى هذا أن لكل مزاج وطبع ألحاناً مناسبة حسب صاحب المزاج إلا أن المزاج هذا ذو علاقة مباشرة مع البرج الذي ينتمي إليه صاحبه
فهكذا نجد أن الألحان التي تترنم بالشجاعة والحروب تناسب أصحاب برج المريخ
وأن ألحان العشق والغزل ولطف الشمائل: تناسب أبراج الزهرة وعطارد
أما ألحان الزهد والدين فهي للمشتري
وألحان السلطنة وعلو الهمة: للشمس
والرياض والسياحة: لزحل
أما التغني بالحان المآكل والنكاح: فهي لأهل الحضيض من السليقات"
وبالقطع لا علاقة للأبراج بالموسيقى فكل شىء متعلق كما قال تعالى :
" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"
أى بإرادة الفرد
وأكمل نظريته إياها بأن المطرب يستطيع أن يطرب واحد عند معرفته ولكنه لا يقدر على إطراب الكل لاختلاف ابراجهم فقال :
وقد يكون هذا الأمر سهلاً بالنسبة لصاحب الصناعة (أي المغني أو الفنان العازف) عندما يكون جليسه شخصاً واحداً يعرفه تمام المعرفة
أما إذا كان في مجلس فيه خلق كثيرون، صعب عليه الأمر لصعوبة جمع ألحان أبراج متعددة ولكن عليه هنا، حسب براعته، تأليف نسب صالحة بين الألحان تناسب الجميع فإن عجز فعليه أن يتخذ طبع رئيس الجلسة ويأخذ بعين الاعتبار أيضاً طالع الوقت
كل هذه تخدمه في عدة أمور: إما بسط قوم أو رفع تشاجر أو دفع هم أو معرفة مرض ولكن هذه الاستطبابات إذا صح القول لا علاقة لها، ظاهرياً، بالسماع الذي يقصده الناس للمتعة والترويح عن النفس"
وهذا الكلام يكذبه أننا لو جمعنا عينى من سامعى مطرب ما فى العالم فسنجدهم مختلفى الأبراج ومع هذا يطربون لسماعه
وتحدث عن اختلاف الموسيقى العربية والغربية فقال :
"ولكن الواقع بالنسبة للموسيقى العربية مغاير تماماً
كل من حضر منا حفلة موسيقية غربية (كونسيرت) يرى أن الناس يجلسون صامتين وهم يحبسون أنفاسهم، ويركزون انتباههم على ما يسمعون وكأنهم لا ينصتون بقلوبهم بل بعقولهم
والواقع أن الانفعال الإنساني تجاه الموسيقى معقد إذ تتداخل فيه عناصر كثيرة ولكن الغالب في الموسيقى الأوروبية (المسماة خطأ عالمية، وهي ليست عالمية إلا لأن الأوروبيين فرضوها على العالم فأسموها عالمية)، هو العنصر العقلاني
وإذا انتقلنا إلى الجو الشرقي وجدنا الأمر على العكس تماماً، فالناس في انفعال وهياج، ويتلاعب الفنان المغني بهذه العواطف فإذا كان من النوع الجيد والقديم ذي الجمهور المعتاد لأعماله وفنه، استطاع أن يتلاعب بعواطف الجمهور كما يريد تقريباً
وليس الأمر في رأينا عائداً إلى كون العرب عاطفيين، أو لأنهم أقل انضباطاً وانتظاماً من غيرهم فقط
بل إن الأمر عائد إلى طبيعة الموسيقى العربية نفسها لأنها فيزيولوجية محضة ذات مباشرة بجسد الإنسان، لذا فهي تحرك المستمع بدءاً من الفيزيولوجيا حتى النفس"
وبالقطع ما قاله قطايه وهم فسماع أى نوع من الموسيقى ليس عملية تعود ومن تعود على شىء أصبح التأثير فيه واحد ومن ثم يصعب التخلى عن العادة وتغييرها
وعاد لنظرية النبض عن الأنطاكى وارتباطها بالألحان فقال :
"فإذا كانت الألحان تؤثر في القلب ثم في النبض فلنر كيف يحدث ذلك
إن الألحان مؤلفة إما:
من نقرات منفصلة يفرقها سكون تنقرات الأوتار، وسرعتها مثلاً تتناسب مع سرعة ضربات القلب tachycardie المصادفة في الحميات مثلاً
-أو أنها نغمات متصلة كالمزامير، وتغير نغماتها ينجسم مع تغير النبض إذ يصبح نبضاً موحياً
والغناء مؤلف من ثلاثة عناصر:
السبب: وهو عبارة عن نقرة يليها سكون
وهو جزء من النبضة ولنقل نصف النبضة لأنها كما سبق أن قلنا: سكونان وحركة
والوتد: وهو سكون بعد نقرتين
والفاصلة: وهو سكون بعد ثلاث نقرات أي أن لدينا هنا وحدة للغناء مؤلفة من أربعة عناصر تماماً كالنبضة الواحدة فإذا انسجم النغم والغناء وإيقاعهما مع النبض غيّرا بالتالي دورة الدم، ومعنى هذا أن كل الوظائف أيضاً تغيرت لأن كل استقلاباتها متعلقة بالدم من حيث سرعته، وكمية الأوكسجين فيه إلى آخره وبالتالي فإن الحال النفساني أيضاً يتغير، ويعود هذا فيؤثر في الفيزيولوجيا وتؤثر هذه في النفس وهكذا تباعاً حتى يصبح الإنسان جميعاً طوع النغم واللحن
وحتى الأنباض المرضية ذات علاقة بالموسيقى والألحان
والواقع أن النبض كما يقول الأنطاكي "هو حركة مكانية من أوعية الروح مؤلفة من انقباض وانبساط للتدبير بالنسيم"
إذ كان القدماء يعتقدون أن غاية النبض ترويح الدم بالهواء عبر الجلد وأن هذه الحركة مثل حركة الدم أي "على حد مد المياه وجزرها الحاصلين من قبل الأشعة" إذ إن فكرة دوران الدم لم تكن موجودة في ذلك الزمان
واختلف القدماء فمنهم من قال إن حركة الشرايين مستقلة عن القلب كأهل التجربة وهي إحدى المدارس اليونانية واتفق معظمهم أنها جزء من حركة القلب وأن حركته مؤلفة من انقباض وانبساط، وأن حركة الشرايين هي ارتفاع وانخفاض
وقال ابن سينا: "إن كل نبضة مؤلفة من حركتين وسكونين لأن كل نبض مركب من: انبساط وانقباض، ولا بد من تخلل السكون بين كل حركتين متضادتين" ويقول أيضاً: "أربعة أجزاء: حركتان، وسكونان حركة انبساط وسكون بينه وبين الانقباض وحركة انقباض وسكون بينه وبين الانبساط"
أي أن كل نبضة مؤلفة من:
سكون- انبساط- سكون- انقباض
ويؤكد ابن سينا أن إدراك زمن الانقباض قصير جداً حتى إنه من الصعب إدراكه
أما تصنيف هذه الأنباض فهو تابع للنظرية البقراطية وهي كما هو معلوم تقول إن ثمة أربعة عناصر وأربعة أمزجة وأربعة أخلاط:
عناصر: نار أرض هواء ماء
أخلاط: دم سوداء صفراء بلغم
أمزجة: حار يابس رطب بارد
فإذا ما مزجت بعضها ببعض حصلنا على تسعة نماذج مركبة هي: سوداء-جاف بلغم-رطب حار-دم سوداء-بارد رطب-صفراء دم-جاف بارد-بلغم صفراء-حار ثم: المعتدل
وهكذا فبالنسبة للأنباض لدينا تسعة أنباض وهي:
الطويل المعتدل القصير
العريض المعتدل الضيق
المنخفض المعتدل المشرف
وهي أنباض بسيطة
وتوجد أخرى مركبة هي:
الزائد: طولاً وعرضاً وعمقاً وهو: النبض العظيم
والناقص: طولاً وعرضاً وعمقاً وهو: النبض الصغير وبينهما المعتدل
والزائد: عرضاً، وشهوقاً وهو: النبض الغليظ
والناقص: عرضاً، وشهوقاً وهو: النبض الدقيق وبينهما المعتدل
المستوي: وهو الذي تساوت أجزاؤه
والمختلف: وهو الذي اختلفت أجزاؤه وبينهما المعتدل
إلا أن هذه التصانيف لا تهمنا في بحثنا لأنها لا تتعلق بالنغم والإيقاع بل العرض والطول والشهوق
فبالنسبة للنغم والإيقاع نستطيع القول إنهما يكونان كما يلي:
حركة- سكون
استواء- اختلاف
نظم طبيعي- غير طبيعي أو بلا نظم إطلاقاً
ثقل- خفة
وهذا تصنيف الأنباض الإيقاعية البسيطة وهي كما نرى تسعة أيضاً حسب النظرية البقراطية"
وخلص قطاية إلى النبض أربعة أنواع كالألحان العربية أربعة فقال :
"فإذا طرحنا النبض الذي لا نظم له وجدنا أن الإيقاع على أربعة أنواع، لكل نوع شكلان شديد وضعيف
والواقع أن الألحان العربية تخضع هي أيضاً إلى أربعة أجناس:
الأول: المسمى العمود الأول أو الخفيف المطلق وهو متألف من نقرة يعقبها ويسبقها سكون، وكلها متساوية
والواقع أن هذا الإيقاع هو إيقاع النبض المتواتر أو الخفيف
الثاني: العمود الثاني أو الخفيف الثاني: وهو نقرة يتبعها سكون، وفي النبض يقابله المتفاوت أو المختلف
والثالث: الثقيل الأول: مؤلف من نقرة وسكونين تاليين ويقابله النبض الثقيل
والرابع: الثقيل الثاني: وهو مؤلف من نقرة وثلاثة أزمنة سكونية ويقابله في النبض ذو النظم غير الطبيعي ولنقل إنه نوع من أنواع النبض البطيء
ولدينا أيضاً أنباض مركبة هي أيضاً تسعة:
1-المسلّي: وشبه بالمسلة وهي آلة الخياطة لأن بدايته ضعيف ثم يقوى ثم يضعف
2-المائل: وهو عكسه
3-الموجي: وهو المختلف في الأجزاء تدريجياً، ويظهر اختلافه عرضاً خشبة بالأمواج
4-الدودي: وهو موجي ضعيف
5-النملي: سمي بذلك لدقته وضعف حركته
6-المنشاري: وهو ما اختلفت أجزاؤه تواتراً وسرعة وصلابة
7-المرتعد: ويدل على الرعشة
8-المتشنج
والتاسع: هو كالعادة: المعتدل فيما بينها رغم أن هذا لا معنى له
وتبقى الأنباض التي ليس لها نظام فمنها:
-الغزالي: فهو كالغزال يطفو على الأرض ويسكن في الجو ثم ينزل مسرعاً ويدل، كما يقول الضرير: على ضعف القلب واختلال حركاته
-ذو الفترة: وهو الساكن حيث تطلب الحركة
-الواقع في الوسط: وهو عكس السابق
-المطرقي: سمي بذلك لسرعة ارتفاعه وهبوطه كالمطرقة
-ذنب الفأر: وهو نبض يدق تدريجياً إلى حد ثم يعود فيغلظ من حيث دق ويتدرج رجوعاً
ويستمر الأنطاكي في الوصف والتصنيف إلى أن يقول: "فهذه مائتان وستة عشر (نبضاً) فإذا ضربتها في أقسام الحركة بلغت ستماية وثمانية وأربعين، وهكذا المجموع في باقي الأجناس""
المهم بعد عرض تلك النظرية الوهمية للأنطاكى انتهى قطاية إلى تعارضها مع الطب السريرى فقال :
"والواقع أن هذه الأرقام من الناحية الطبية السريرية لا حقيقة لها ولكنها من الناحية الموسيقية النظرية قد يكون لها ضرب في الصحة"
ومع أنه فى الفقرة السابقة أنهى على النظرية إلا أن قطاية لا زال مصرا على ارتباط الموسيقى العربية بالجسم فقال :
"1-من كل ما تقدم نستطيع القول بأن الموسيقى العربية موسيقى مبنية على إيقاع الجسم الإنساني وفيزيولوجيته
2 وهذا ما يجعلها أكثر فاعلية وتأثيراً
فإن المستمع الشرقي بالعادة والخبرة والتجربة يستطيع أن يجعل إيقاع جسمه كله ابتداء من القلب والنبض والتنفس حتى أعمق الاستقلابات، منسجماً مع إيقاعها الموسيقي والألحان والغناء العربية من هنا نجد المستمع العربي يدخل في حالة أكثر من "النشوة" العادية أو الطرب، إنها حالة (السلطنة)
ولنذكر أن بعض الطرق الصوفية تعمد إلى الموسيقى حتى يصل المرء إلى حالة "الحال3" فيستطيع إلى حد ما التمكن من أحاسيس جسده فيبطل منها ما يريد ويزيد في غيرها فيقوم بما يبدو كالمعجزات وكثيراً ما ترد في الكتب العربية القديمة4 أثناء الحفلات الموسيقية أن أحد الحاضرين أخذ يبكي، ويمزق ثيابه، ويحثو التراب على رأسه، ويقوم بأفعال غير طبيعية
وما ذكرناه يؤكد القصة التي تروى عن الفارابي والتي قد تبدو بادئ الأمر ضرباً من المبالغة، أو حتى الخرافة وفحواها أن المعلم الثاني دخل على بلاط سيف الدولة فأخرج آلة موسيقية فضرب على عيدانها فضحك كل من كان في المجلس، ثم ضرب عليها مرة أخرى فبكوا، ومرة ثالثة فناموا فتركهم ومضى"
والحكاية فيما لو صحت لا تعود للموسيقى فالموسيقى لا تضحك ولا تبكى ولا تنيم وإنما ما يفعله الموسيقى من حركات بالإضافة إلى أنم من فى تلك البلاطات كانوا للأسف الشديد مجموعة من مدمنى الخمور والمخدرات وغيرها ومن ثم يسهل التأثير عليهم
وكل ما يحدث من تأثيرات من الموسيقا قد يعود لحالة السكر أو لحالة نفسية يكون فيه السامع يوافق كلام الغناء ما هو فيه
وتحدث عن الاستفاد من ذلك فى العلاج النفسى فقال :
ولقد استفاد العرب من هذه النظريات ومن هذه الدراسات، فطبقوها في مجال التطبيب النفساني
"فقد اعترف العالم للعرب بأنهم أول من اعتنى بالمصابين بالأمراض العقلية على حين ظل المداوون في أوروبا يضربون بالسياط، ويربطون بالسلاسل الحديدية، ويلقون في الأقبية والمغارات ولم تتحسن أحوالهم حتى زمان الطبيب فيليب بينل (1745-1826م) الذي حرر المجانين، وفك إسارهم، وذلك في القرن الثامن عشر
وعندما كنت طالباً في جامعة باريس أرتاد مستشفى السالبتريبر، كان في صدر قاعة المحاضرات لوحة ضخمة جداً تمثل المجانين راقدين في السلاسل والطبيب بينل يحررهم وإحدى المريضات جاثية على قدميها تقبل يديه اعترافاً بالجميل"
وتحدث عن المشافى الخاصة بالمجانين فقال :
"لقد تميز الطب العربي بإنسانيته فهو أول من اعتنى بالمجانين، ونظر إليهم نظره إلى المرضى، لا إلى أناس قد تقمصتهم الشياطين والأبالسة
بل قد بنيت لهم مشافٍ خاصة للاعتناء بهم من قبل أطباء تميزوا بالخبرة والعلم والرحمة
ومن جملة المعالجات كانت المعالجة بالموسيقى
وبالطبع فإن الأمر بالنسبة للأوروبي يبدو غريباً: فكيف يعالج مجنون بموسيقى عقلانية كالموسيقى الأوروبية المسماة خطأ عالمية؟
والواقع أن الموسيقى العربية كما شرحنا مختلفة تماماً"
والحق أن فى الإسلام لا وجود لمشافى المجانين فالمجانين يتواجدون فى البيوت ويذهبون للمشافى ساعة أو ساعتين فقط للعلاج ولذا قال تعالى :
"وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو أبائهن أو أباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهم أو اخوانهن أو بنى اخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال"
والمجانين هم أولى ألأربة من الرجال لأن النساء المجنونات بطبيعتهم فى البيوت
وتحدث عن تأثير الموسيقى مرة أخرى فقال :
"وأذكر القصة التالية للمثل وليس للحصر وهي مذكورة في كتاب محمد بن أحمد التميمي المقدسي "مادة البقاء، في دفع ضرر الهواء، والتحرز من الوباء"
يقول: "ومن عجيب ما بلغني من أفعال النغم وحسن تأثيرها في النفوس، ومزاولتها لعظيم الأعمال، ومعاونة الطباع على نفسها، وإزالتها عن النفوس والأجساد أنه كان في جوار يعقوب ابن اسحق الكندي، رجل من كبار التجار، موسع عليه في تجارته، وكان له ابن قد كفاه أمر بيعه وشرابه، وضبط دخله وخرجه وقد كان ذلك التاجر كثير الإزراء على الكندي، والطعن عليه، مدمناً لتكفيره والإغراء به فعرض لابنه سكتة فجأة، فورد عليه من ذلك ما أذهله، وأقطعه، وبقي حائراً لا يدري ما الذي له في أيدي الناس، وما لهم عليه، مع ما دخله من الجزع على ابنه، ولم يدع بمدينة السلام طبيباً إلا ركب إليه، لينظر إليه ويشير عليه في أمره بعلاج، فلم يجبه كثير من الأطباء لكبر العلة وخطرها، فلم يجد عنده كبير غنى
فقيل له: أنت في جوار فيلسوف زمانه، وأعلم الناس بعلاج مثل هذه العلة، فلو قصدته لوجدت عنده ما ترغب فدعته الضرورة إلى أن يحمل على الكندي من إخوانه بمن يثقل عليه فأجابه وصار معه إلى منزله فلما رأى ابنه محبته أمر بأن يحضر إليه من تلاميذه في علم الموسيقى ممن قد أنعم الحذق بضرب العود، وعرف الطرائق المحزنة والمفرحة، والمقوية للقلوب والنفوس، فحضر إليه منهم أربعة، فأمرهم أن يديموا الضرب عند رأسه، وأن يأخذوا في طرائق وقفهم عليها وأراهم مواقع النغم بها من وضعهم أصابعهم على الدساتير ونقلها
فلم يزالوا يضربون في تلك الطرائق والكندي آخذ محبة الغلام، وهو في ذلك يمتد نفسه ويقوى نبضه وترجع إليه نفسه شيئاً بعد شيء إلى أن تحرك وجلس وتكلم وأولئك يضربون في تلك الطريقة دائماً لا يفترون"
وبالطبع ليس كل ما يقال يصدق وإن كان الأمر ممكنا

الاثنين، 24 يوليو 2023

قراءة في كتاب الوصية بالأشهر العربية

قراءة في كتاب الوصية بالأشهر العربية
المؤلف سعيد عبد العظيم وهو يدور حول أن المعاصرين تركوا العمل بالسنة القمرية التى جعلها الله السنة الوحيدة في الأرض وعملوا بسنوات الكفار وفى مقدمته قال :
"أما بعد:
فغربة الأشهر العربية عند المسلمين هي من مظاهر غربة الإسلام وسط أهله وبنيه فقلما تجد من يحصيها ويعرفها أو تعرف على وظائف أيامها وأحكامها وبينما تجد الجميع يعرف شهر مارس وإبريل تلمس الجهالة المطبقة بشهر ذي القعدة وشهر ذي الحجة. ولا شك أن الجهل بالأشهر العربية وشيوع استخدام الأشهر التي تعتبرها العجم والروم والقبط قد أوقع المسلمين في كثير من المخالفات الشرعية حيث أطلت البدع برأسها وهجر الناس الكثير من الطاعات والقربات بسبب ذلك لذا كان لابد من القيام و بحقه نصحًا وبيانًا (ذلٌك ومن يعظٌمً شعائٌر اللهٌ فإنها مٌن تقًوى القلوبٌ <32>) [الحج: 32]
وتحدث عن أن الرسول أو الداعية عليه أن يذكر الناس بنعم الله في أيام الله فقال :
"وقد أُمر نبي الله موسى (ص)أن يُذكر بني إسرائيل بأيام الله وما ارتبط بها من أحكام وعظات وعبر قال سبحانه:
(وذكٌرًهم بٌأيامٌ اللهٌ) [إبراهيم: 5]
ولنا فيه أسوة حسنة وقدوة طيبة (أوًلئٌك الذٌين هدى الله فبٌهداهم اقًتدٌهً) [الأنعام: 90].
والوصية بالأشهر العربية هي من الوصية بتقوى الله تعالى التي أمر بها الأولين والآخرين (ولقدً وصيًنا الذٌين أوتوا الكٌتاب مٌن قبًلٌكمً وإياكمً أنٌ اتقوا الله) [النساء: 131]"
وتحدث ذاكرا أسماء الشهور القمرية المعروفة حاليا فقال :
"وهذه الأشهر هي على التوالي: «المحرم صفر ربيع الأول ربيع الثاني جمادى الأولى جمادى الثانية رجب شعبان رمضان شوال ذو القعدة ذو الحجة». قال تعالى: (إن عٌدة الشهورٌ عٌند اللهٌ اثنا عشر شهًرْا فٌي كٌتابٌ اللهٌ يوًم خلق السمواتٌ والأرًض) [التوبة: 36] "
ثم ذكر من التفاسير كلاما للمفسرين فيها فقال :
قال القرطبي: «هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثنى عشر شهرًا لأنها مختلفة الأعداد منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص والذي ينقص ليس يتعين له شهر وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج» "
وتحدث عن اثبات أول الشهر العربى بالمشاهدة والرؤية فقال :
"والشهر العربي يثبت برؤية الهلال أو إكمال عدة الشهر السابق ثلاثين يومًا لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» [رواه البخاري ومسلم]."
والحقيقة أن الشهور تثبت بالعد عن طريق الرؤية كما قال تعالى :
"والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب"
وتحدث عن العمل بالهلال في المواقيت كالدين والعدة وفى موعد الحج فقال:
"وقد ثبت العمل بالهلال وترتب الأحكام عليه بقوله تعالى:
(يسًألونك عنٌ الأهٌلةٌ قلً هٌي مواقٌيت لٌلناسٌ والًحجٌ) [البقرة: 189]
فأخبر سبحانه أنها مواقيت للناس وهذا عام في جميع أمورهم وخص الحج بالذكر تمييزًا له ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم ولأنه يكون في آخر شهور الحول فيكون علمًا على الحول كما أن الهلال علم على الشهر. أما الشمس فلم يعلق لنا بها حساب شهر ولا سنة وإنما علق ذلك بالهلال فالشهر هلالي بالاضطرار ويُسن عند رؤية الهلال أو العلم به أن نقول: «الله أكبر اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تُحب وترضى ربنا وربك الله» [رواه الدارمي بسند صحيح]."
وعرف اليوم وهو النهار بأنه من الشروق حتى الغروب فقال :
"واليوم أوله من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس أما الليل فمن غروب الشمس إلى طلوع الفجر ولم تكن الأمة تعمل في دخول الشهر وخروجه وتحديد الليل والنهار أو في معرفة وقت الفجر وغيره بالحسابات الفلكية وقد وردت النصوص الشرعية بتحديد كل وقت على حدة ومن ذلك ما رواه مسلم «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا» ويستطير أي ينتشر ضوؤه ويعترض في الأفق بخلاف المستطيل الذي يظهر ثم يختفي. "
وطبقا للكلام السابق فكل من يصلى الفجر حسب التقاويم الحالية مخطىء لأنه يصلى صلاة النهار في الليل حيث الظلام والنجوم ظاهرة وقد سماها صلاة الصبح وقد أوضح الله أن الصبح هو الشروق عندما تحدث عن موعد اهلاك قوم لوط0ص) فقال " أليس موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب" وفسرها بأنهم هلكوا وقت الشروق فقال :
"فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل"
وتحدث عن العمل بالحساب وعن العمل بالرؤية فقال :
"وقد أوضح العلماء أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال لا يصح التعويل فيها على الحسابات وهذا بالنص والإجماع وعلى ذلك جرى العمل في قرون الخيرية الثلاثة وما ذهب إليه بعض المتأخرين من جواز العمل بالحساب إذا غم الهلال وفي حق نفس الحاسب فقط فهو قول شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه ولو صح هذا القول - وهو غير صحيح - فيحمل على الإغمام ويختص بالحاسب أي أنه لا يجوز تعميمه أو إطلاقه على عواهنه. يقول ابن تيمية -:
«والمعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي .. ولهذا تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعًا مضطربًا وأئمتهم كبطليموس لم يتكلموا في ذلك بحرف لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي .. »
وقال الشيخ ابن باز :
« ... أما توحيد التقويم بالحساب فلا مانع أن يعتمد عليه في المسائل الإدارية ونحوها وللإيضاح والنصيحة وبراءة الذمة رأيت نشر هذا البيان» وكان قد أوضح أن إثبات الأهلة والأحكام الشرعية إنما يكون بالرؤية أو إكمال العدد.
ومن هنا تُدرك خطأ تعليق الأحكام الشرعية على الحساب وولادة القمر واختراع التلسكوب والقمر الصناعي فإن مدار الأمر على ثبوت الرؤية بالعين البصرية وقد اتفق العلماء على أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له هذا اليوم هو أول يوم من رمضان أنه لا يعمل بهذه الرؤية المنامية إذْ مدار الأمر على ما ذكرنا والواجب علينا أن ندور مع إسلامنا حيث دار ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج عن ذلك إلى الأخذ بالحساب أو الكتاب كالجداول وحساب التقويم والتعديل ... قد أدخل في الإسلام ما ليس منه فيُقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يُقابل به أهل البدع وحسبك أن تكتفي بما أغناك الله وبينه لك. لقد تفنن الأعداء وأذنابهم في تنفير المسلمين من كل شيء له علاقة بالدين كاللغة العربية والأشهر العربية واستخدموا في ذلك كل أساليب الغزو الفكري حتى وصل بنا الحال إلى أن أصبحنا نُضاهي الغرب في كل شيء حتى في شهوره وما ارتبط بها من بدع وانحرافات. والثابت أن الشرائع قبلنا إنما علقت الأحكام بالأهلة وإنما بدل من بدل من أتباعهم كما يفعله اليهود في جعل بعض الأعياد بالسنة الشمسية وكما تفعله النصارى في صومها وأعيادها. "
والعمل يكون بالرؤية والعد وهو الحساب معا من خلال رؤية القمر وتحدث عن تبديل الكفار للشهور التى سماها الله النسىء فقال:
طوما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الاضطراب فلا يجوز بعد ذلك أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وإذا كان تبديل شهر عربي مكان آخر يُذم به فاعله كمن بدل صفر مكان رجب ورجب مكان صفر فكيف بمن ترك العمل بالأشهر العربية جملة وتفصيلا واستبدلها بالأشهر الميلادية أو الإفرنجية قال تعالى: (إنما النسٌيء زٌيادةِ فٌي الكفرٌ يضل بٌهٌ الذٌين كفروا يحٌلونه عامْا ويحرٌمونه عامْا لٌيواطٌئوا عٌدة ما حرم الله فيحٌلوا ما حرم الله زيٌن لهمً سوء أعًمالٌهٌمً والله لا يهًدٌي القوًم الكافٌرٌين <37>) [التوبة: 37].
قال ابن كثير - رحمه الله -: «هذا مما ذم الله به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله .. » اهـ. والنسئ المذموم هو تأخيرهم شهر المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شن الغارات وطلب الثأر على نحو ما ذكره ابن إسحاق أو هو تأخيرهم الحج عن وقته تحريًا منهم للسنة الشمسية. وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع بعد أن استدار الزمان ووقعت حجته صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة فقال في خطبته المشهورة في الصحيحين وغيرهما: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». يقول ابن تيمية «ومن عرف ما دخل على أهل الكتابين والصابئين والمجوس وغيرهم في أعيادهم وعباداتهم وتواريخهم وغير ذلك من أمورهم من الاضطراب والحرج وغير ذلك من المفاسد ازداد شكره على نعمة الإسلام مع اتفاقهم أن الأنبياء لم يشرعوا شيئًا من ذلك وإنما دخل عليهم ذلك من جهة المتفلسفة الصابئة الذين أدخلوا في ملتهم وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله فلهذا ذكرنا ما ذكرنا حفظًا لهذا الدين عن إدخال المفسدين فإن هذا مما يخاف تغييره فإنه قد كانت العرب في جاهليتها قد غيرت ملة إبراهيم بالنسيء الذي ابتدعته .. » "
وألأية تتحدث عن تبديل شهور القمر ببعضها وما نحن فيه استبدال تقويم الله القمرى بتقويم البشر الشمسى أو الشمس قمرى أيا كان دينهم وهو طاعة للكفار وفى هذا قال عبد العظيم:
"وقد اعتبر العلماء أن من جملة مظاهر موالاة الكافرين التأريخ بتاريخهم خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح (ص)والذي ابتدعوه من أنفسهم وليس هو من دين المسيح فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم وإقامة الملة الحنيفية تقتضي مخالفة المشركين وسائر أصناف الجحيم وعدم التشبه بهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» وتشابه الظواهر قد يجر إلى تشابه البواطن ولذلك فالخطر عظيم في متابعتهم في أشهرهم الإفرنجية وترك الأشهر العربية. وقد ابتدأ عمر التاريخ الهجري وذلك باتفاق الصحابة ^ بالعام الذي هاجر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشهر الله المحرم وقد فعلوا ذلك مع معرفتهم بتواريخ الفرس والروم فخالفوها عن عمد وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف وما لم يكن يومئذ دينًا فليس باليوم دينًا ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال الإمام مالك "
ولا يجوز لمسلم ترك طاعة حكم الله إلى حكم شياطين البشر لأى سبب وتحدث عن بعض الخرافات في تقاويم البشر ككذبة إبريل فقال :
"وقد حذر العلماء من الرقي بالأعجمية وبالكلمات الشركية والغير مفهومة فقد تنطوي على مخالفات شرعية ونفس الأمر يُقال في الأشهر الإفرنجية فشهر إبريل (نيسان) وهو الشهر الرابع من السنة الإفرنجية كان يمثل مطلع الربيع وكان الرومان قد خصصوا اليوم الأول من هذا الشهر لاحتفالات «فينوز» وهي آلهة الحب والجمال وملكة المرح والضحك والسعادة عندهم وأما الأقوام الساكسونية فكانت تحتفل في هذا الشهر بعيد آلهتهم «إيستر» وهي إحدى آلهتهم القديمة وهو الإسم الذي يُطلق عليه الآن «عيد الفصح» عند النصارى في اللغة الإنجليزية وقد اقترن بهذا الشهر ما يُسمى بكذبة إبريل!!. وعامة الأشهر الميلادية لا تقل في فساد معناها عن شهر إبريل فمن أراد اليوم أن يتكلم بشهر مارس وإبريل فليس له أن يتناسى شهر رجب وذي القعدة وعليه أن يحذر المعاني الفاسدة الموجودة في الأشهر الإفرنجية ويحذر منها الناس. وقد سُئل الإمام أحمد فقيل له: إن للفرس أيامًا وشهورًا يسمونها بأسماء لا تعرف فكره ذلك أشد الكراهة وروي عن مجاهد أنه كان يكره أن يُقال: آذارماه. وورد في الخبر: «من يُحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق» وكان عمر صلى الله عليه وسلم ينهى عن الرطانة مطلقاً ومنع الشافعي من التكلم بغير العربية."
وانتهى الرجل إلى وجوب العمل بالشهور القمرية التى يسميها العربية فقال:
" فالعمل بالأشهر العربية مسئوليتنا جميعًا وعلى الدعاة بصفة أخص أن يشيعوا مفاهيم الهدى في البلاد والعباد «ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله» [رواه مسلم].
ولا يظن ظان أن هذه الدعوة أشبه بالدعوة إلى القشور فنحن لا نتبرم بإيضاح سُنة مهملة حتى وإن كانت مستحبة فضلاً عن أن تكون بهذا القدر الذي بيناه وفي الوقت ذاته ندرك أن التهاون في المستحبات يجر إلى التهاون في الواجبات وشأن من علت همته أن يهتم بالواجب والمستحب في العلم والعمل والدعوة إلى الله ولا نقبل تقسيم الدين إلى قشر ولباب (ذلٌك ومن يعظٌمً شعائٌر اللهٌ فإنها مٌن تقًوى القلوبٌ <32>)والقشرة لابد منها لحفظ الثمرة إذْ التفاحة تفسد إذا نُزعت قشرتها. فاحرص على اغتنام مواسم الفضل كالأشهر الحرم وشهر شعبان ورمضان ويوم عرفة وعاشوراء وأيام العيدين والتشريق .. وتقرب فيها إلى الله بكل طاعة يُحبها واحذر من الابتداع كالاحتفال بالمولد النبوي والهجرة وذكرى الإسراء والمعراج .. وأحسن المسير إلى ربك واعلم أن السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعة أوراقها والأنفاس ثمرها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة ومن كانت في معصية فثمرته حنظل وإنما يكون الجذاذ يوم المعاد فعند ذلك يتبين حلو الثمار من مرها كما ذكر ابن القيم والكل مسافر في هذه الدار إلى ربه ومدة سفرك عمرك والأيام والليالي مراحل فالعاقل لا يزال مهتمًا بقطع المراحل فيما يقربه إلى الله ليجد ما قدم مُحضرًا فكن أنت ذلك الرجل وإن وفقت وسُددت فقل: (وما توًفٌيقٌي إلا بٌاللهٌ عليًهٌ توكلًت وإليًهٌ أنٌيب <88>) [هود: 88]."
وواجب المسلمين هو التخلى عن تلك التقاويم البشرية الشمسية أو الشمس قمرية لكونها عصيان لحكم الله 

الأحد، 23 يوليو 2023

القرآن والوحى المفسر له البيان

القرآن والوحى المفسر له البيان
بين الله فى القرآن أن هناك وحيين نزل على خاتم النبيين(ص):
الأول القرآن
الثانى بيان الله للقرآن
فقد بين الله أنه يعد أن ينزل القرآن سينزل بيانه فقال :
"لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ"
وسمى الله بيان وهو تفسير القرآن من عنده بأنه تفصيل الكتاب فقال :
"وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ"
وكرر الله نفس المعنى بأنه أنزل آيات القرآن وبعدها فصلها أى شرحها أى بينها فقال :
"الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ"
وقد سمى الله البيان وهو تفصيل الكتاب الذكر الذى يبين للناي ما نزل إليهم وما نزل إليهم هو القرآن فقال :
"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ"
وكرر نفس المعنى مسميا الذكر نفسه الكتاب فبين أنه يبين الذى اختلف فيه والمختلف فيه هو الوحى وهو القرآن كما قال :
" عمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ "
وفى هذا قال تعالى :
"وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"
وقد بين الله أنه أنزل كتابان :
الأول :
القرآن وهو آيات القرآن
الثانى الكتاب المبين وهو الكتاب المفصل للقرآن وفى هذا قال تعالى :
"طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ "
وكرر نفس المعنى فبين التالى :
أنه لم يعلم النبى(ص) الشهر وإنما علمه كتابان:
الذكر وهو تفسير القرآن
والقرآن المبين وهو العظيم فقال :
" وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ"
كما بين أن القرآن له ذكر أى تفصيل أى تفسير فقال :
"ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ"
وأخبرنا الله أنه يبين أيات القرآن وليس هناك معنى لذلك أن ألآيات نزلت وبعدها نزل البيان كما فى قوله تعالى :
"كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"
وقال :
"كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ"
وقال :
"كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"
وقد بين الله أن الذكر أكبر أى اعظم حجما من الكتاب وهو القرآن فقال :
"اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ "
وهذا لأن التفصيل هو شرح مفصل للقرآن فأى شرح أى تفسير لايد لأن يبكون أكبر حجما مما يشرحه
وقد بين الله لرسوله(ص) أن أى حق أى وحى ينزل عليه لابد أن يأتى معه التفسير الحسن له من الله فقال :
"وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا"
بالقطع لدينا وحيان من الله بقى منهما المصحف وأخفى الكفار تفسير الله لكتابه والذى كان يوجد منه نسخ لدى المسلمين حتى يخرج لنا أرباب التفسير البشرى فيختلفوا ويجعلونا نحتار ولا نعرف
بالقطع التفسير الإلهى ليس هو الأحاديث المنتشرة فى كتب بشرية سموها الحديث الشريف لأن عدد الأحاديث المفسرة لآيات فى القرآن لا يتعدى الخمسين حديثا فى أحسن الأحوال
التفسير الإلأهى موجود فى الكعبة الحقيقية وهو الكتاب الذى يجب الاحتكام له عند الاختلاف كما قال تعالى :
" وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله"

ففى الكعبة الحقيقية الكتاب محفوظ محمى لا يمكن تحريفه لأن العقاب فيها يكون على الإرادة أى النية السيئة فلا يقدر أحد على ارتكاب ذنب فيها لأنه عقابه يكون فوريا مهلكا على النية كما قال تعالى :
" ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم"
ولاتمام الموضوع :
كل الكتب المنزلة على الرسل السابقين كان لها تفسير أى تفصيل فقد كان للتوراة وهى الكتاب التام النازل على موسى(ص) تفصيل لخ كما قال تعالى :
"ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ"
ومن ثم عمل الكفار الذين أتوا بعد كل وحى منزل على رسول من رسل الله على تحريف كتب الله وقد نسخ الله والمراد :
أزال التحريفات من كل الكتب بحفظها فى المكان المقدس وهو :

الكعبة
وفى هذا قال تعالى :
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"
وكانت كل الكتب موجودة فى عهد خاتم النبيين(ص) وقد أشار لها بقوله
أن كل الذكر وهو الوحى معه المنزل عليه والمنزل على من قبله
وفى هذا قال تعالى :
" قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي"
ولا يتبقى أمامنا لانهاء تلك الخلافات بين كل من يدعى أنه مسلم إلا البحث عن كعبة الله الحقيقية فمهما حاولنا التقارب فيما بيننا فلن نصل إلى تفسير واحد لأنه كل واحد منا فى نفسه شىء معين البعض يتعصب لبلده أو يتعصب لعائلته والبعض يتعصب لرأيه والبعض يريد أن يكون هو الزعيم أو أعلم القوم ومن يرد الحق يريد تفسير الله وليس تفسيره هو 

السبت، 22 يوليو 2023

قراءة فى كتاب الحياة البيتية للنبي (ص)

قراءة فى كتاب الحياة البيتية للنبي (ص)
المؤلف خالد عبد الرحمن الشايع وقد استهله بالحديث عن طعام الرسول (ص) وأهل بيته فقال :
"كيف كان عيش النبي (ص)وأهل بيته؟
نستهل هذا الموضوع بما رواه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت كان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء
نعم هكذا عاش نبينا محمد (ص) وبرغم أنه (ص)كان عنده تسع نسوة لكن كل واحدة كان يمضي عليها الشهر والشهران لا يوقد في بيتها نار، وليس ذلك منه (ص)تقتيرا على نفسه وأهله، أو أن الإسلام يعاف الطيبات ويسن للناس تركها، كلا وحاشا، فإن الله تعالى يقول{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ولكنه الزهد الحقيقي والرغبة فيما عند الله تعالى{ولسوف يعطيك ربك فترضى}
والله تعالى قد آتى نبيه (ص)مفاتيح خزائن الأرض كلها، فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها
وكان من دعائه (ص) اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا رواه البخاري ومسلم
وهذا منه (ص)زهد في الدنيا وإعراض عنها ورغبة فيما عند الله تعالى، قال الله جل شأنه{وللآخرة خير لك من الأولى} وقال (ص) مالي وللدنيا، إنما أنا كرجل قال تحت ظل شجرة (يعني نام في ظلها وقت الظهر) ثم راح وتركها رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما"
والروايات عن فقر النبى(ص) وأسرته طوال سنواته فى المدينة إنما هى كذب بين ففى أول الهجرة يكون هذا مقبولا فى ظل ابتلاء الله ولبقية المؤمنين بالجوع والفقر كما قال تعالى :
"ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين"
ولكن فيما بعد تبدلت الأحوال وأصبح له سهم فى الفىء وسهم فى الغنيمة وهو ما يعطيه لكل المؤمنين بعد صبرهم كما قال تعالى :
"ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"
ويركز الرجل على زهد النبى(ص) والزهد فى الإسلام محرم فيقول:
"ويبلغ زهد نبينا (ص)في هذه الدنيا مبلغا يبين حقارتها عنده وأنها في ذاتها ظل زائل روى البخاري ومسلم عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال كنت أمشي مع النبي (ص)في حرة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقاليا أباذر، قلت لبيك يا رسول الله، فقال ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا، تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار ـ إلا شيئا أرصده لدين ـ إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه ثم مشى فقال إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم
وقوله (ص) إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة أي أن أصحاب الأموال الكثيرة هم الأقل حسنات يوم القيامة ولا يستثنى من ذلك إلا من وصفهم النبي (ص)بقوله من قال بالمال هكذا وهكذا، وهو إشارة إلى إنفاق المال في وجوهه المشروعة وعدم كنزه أو البخل به، ومن قام بهذا الحق فالمال له مستحب وهو له خير"
وهذا الكلام يتنافى مع تحريم الله الزهد بقولع :
قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق"
وتحدث عن أن النساء طلبيته بمزيد من نعيم الدنيا فقال :
"وفي ظلال هذه المعيشة أظهر نساء النبي (ص)في بعض الأحيان رغبتهن في تغييرها والخروج عنها، خاصة وأنهن في بيت أعظم رجل في العرب، وتتابع نساء النبي (ص)في تلك المطالبة، وأكثرن عليه، طالبات المزيد من النفقة ومتطلعات لمتاع الدنيا، فكره ذلك منهن النبي (ص) ولما زدن في تلك المطالبة وألحفن في مسألتهن وشددت هجرهن (ص) ولم يدخل على واحدة منهن لمدة شهر من الزمان، حتى شاع بين الناس أن النبي (ص)طلق نساءه كلهن ففزع أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ لهذه الإشاعة رعاية لخاطر رسول الله (ص) فابنة كل منهما عند رسول الله (ص) فذهبا يستأذنان ليدخلا عليه، وليتعرفا على حقيقة الأمر، فلما دخلا على النبي (ص)سأله عمر أطلقت نساءك يا رسول الله؟ قال لا، فتنفس عمر الصعداء، لكنه رأى جو الحزن يخيم على المكان، فقال لأكلمن رسول الله (ص)لعله يضحك، فقاليا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد ـ يعني زوجته ـ سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها، فضحك النبي (ص)حتى بدا ناجذه، وقال هن حولي يسألنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة يؤدبها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقول تسألن النبي (ص)ما ليس عنده؟!
فنهى النبي (ص)الأبوين أن يصنعا ببنتيهما شيئا، وكانت نساؤه نادمات يقلن والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده
وبعد مضي شهر من هجرة النبي (ص)لنسائه، نزلت آيات التخيير من عند الله تخاطبهن جميعا أن يخترن التجرد للدار الآخرة مع رسول الله (ص)وأن يرضين بعيشه، وإما أن يلحقن بأهلهن حيث الملابس الحسنة والمآكل الدسمة وغير ذلك من متاع الدنيا وزينتها، وذلكم قول ربنا{يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} ، فأثرن الله ورسوله والدار الآخرة، وعشن مع النبي (ص)معينات على الحق راغبات في الثواب، عشن معه للجهاد والتهجد، والبذل والمواساة، والتواضع والخدمة، فأقر الله أعينهن بصحبة نبيه في الجنة كما صحبنه في الدنيا
بوب الإمام البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه فقال باب كيف كان عيش النبي (ص)وأصحابه وتخليهم عن الدنيا؟ ثم ساق طائفة من الأحاديث المبينة لذلك ومنها:
ما روته أم المؤمنين عائشة قالما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض
ومنها ما روته عائشة قالت كان فراش رسول الله (ص)من أدم وحشوه ليف "
وتحدث عن عرض أم حبيبة أختها على النبى(ص)كى يتزوجها فقال :
"أم حبيبة تعرض على النبي (ص)الزواج بأختها
روى البخاري ومسلم ـ رحمهما الله ـ في صحيحيهما من طريق زينب بنت أم سلمة وربيبة النبي (ص)عن أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي (ص)قالت دخل علي رسول الله (ص) فقلت له هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال أفعل ماذا؟ قلت تنكحها، قال أو تحبين ذلك؟ قلت لست لك بمخلية، وأحب من شركني في الخير أختي، قال فإنها لا تحل لي قلت فإني أخبرت أنك تخطب درة بنت أبي سلمة قال بنت أم سلمة؟ قلتنعم، قال لو أنها لم تكن ربيبة في حجري، ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن
في هذا الموقف عدد من المسائل والفوائد، منها:
أولا بيان ما كان للنبي (ص)من المحبة والإجلال والتقدير في نفوس زوجاته، فقد ملك قلوبهن وتعلقن به وقد بلغ من حب أم حبيبة وإجلالها لرسول الله (ص)ما يبينه ما أورده أهل السير من خبر أبي سفيان لما قدم المدينة النبوية في مهمة رسمية قبل إسلامه وذلك في مدة الهدنة بين قريش والمسلمين، وفي غضون ذلك، زار بنته أم حبيبة زوج النبي (ص) فلما جاءها، أراد الجلوس على فراش رسول الله (ص) فما كان منها إلا أن طوته عنه، فقال أبو سفيان يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟، قالت بل رغبة بالفراش عنك! فإنه فراش رسول الله (ص) وأنت رجل مشرك نجس، كذا أورد أهل السير ما هذا معناه..
ثانيا أخت أم المؤمنين أم حبيبة المذكورة في الحديث والتي أرادت خطبتها للنبي هي عزة بنت أبي سفيان ما نبه لهذا بعض أهل العلم
ثالثا في الموقف ما يدل على مشروعية عرض المرأة على الرجل الصالح من قبل وليها أو من ينصح لها، ومن تبويبات الإمام البخاري على هذا الحديث المذكور قوله باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير
رابعا قول النبي (ص)لأم حبيبة أو تحبين ذلك جوابا واستفهاما لعرضها عليه الزواج بأختها، فيه التعجب من كونها تطلب أن يتزوج غيرها مع ما طبع عليه النساء من الغيرة
لكن هذه الغيرة انمحت، وتجاوزتها أم حبيبة بمقايستها المصالح
خامسا قول أم حبيبة هذا أحب من شركني في الخير أختي قيل المراد بالخير هو صحبة رسول الله (ص)المتضمنة لسعادة الدارين..
سادسا قول أم حبيبة فإني أخبرت أنك تخطب درة بنت أبي سلمة وفي رواية قالت فإنا نحدث ، وفي رواية بلغني ، وفي رواية قالت فوالله إنا لنتحدث ، وفي رواية فو الله لقد أخبرت
رابعا ولعل سائلا يقول كيف عرضت أم حبيبة أختها ليتزوجها رسول الله (ص)مع أن من المعلوم لدى كل مسلم ومسلمة تحريم الجمع بين الأختين، هل خفي عليها ذلك أم ماذا؟
فيقل إن هذا العرض من أم حبيبة كان قبل نزول آية التحريم، وهو قوله تعالى في شأن من يحرم الزواج بهن من النساء {وأن تجمعوا بين الأختين}
وقيل بل كان بعد نزول الآية، ولكن ظنت أم حبيبة أن من خصائص النبي (ص)أن له الجمع بين الأختين، بناء على ما بلغها من عزم الرسول (ص)على الزواج ببنت زوجته درة بنت أم سلمة، وهي تعلم أن ذلك غير جائز، فكأنها قالت إن كان للرسول أن يفعل ذلك، فهي خصوصية، لأن تحريم الزواج ببنت الزوجة على التأبيد، وأما تحريم الزواج بأخت الزوجة فمحصورة في الجمع فقط، وهذا أخف وليكن من الخصائص بطريق الأولى
فأجابها النبي (ص)بأن ذلك لا يحل، وأن الذي بلغها من ذلك ليس بحق، وأنها تحرم عليه من جهتين هذا معنى ما ذكره الحافظ ابن حجر
ثامنا في قول المصطفى (ص) لو أنها لم تكن ربيبة في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة المعنى لو افترض عدم كونها بنت زوجة أم سلمة، أو أن الرسول (ص)لم يتزوج أم سلمة، فإنها من جهة ثانية محرمة بالنظر لكون أبيها أخا للرسول (ص)من الرضاعة، فكان (ص) عمها بالرضاعة فكيف يتزوجها؟!..
تاسعاقول النبي (ص) إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة
نبه أهل العلم ونصوا على مراضع رسول الله (ص) فأول ما استرضع (ص) لدى ثويبة المذكورة هنا، ثم أرضعته وحضنته حليمة السعدية نحوا من أربع سنين، ويالسعادتها
أما ثويبة فقد أرضعته أياما"
وحكاية أم حبيبة لا تتفق مع كتاب الله فمن تزوجهن الرسول(ص* فى المدينة لم يكن من بينهن واحدة من بنات أبو سفيان فكلهن أينات عمه وخاله وعماته وخالاته كما قال :
"يا أيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى أتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى"
وحتى الهجرة للجبشة روايات كاذبة فرغم اشتهار الحكايات واشتهار النجاشى فى الروايات إلا أن الله لم يذكر تلك الحوادث مع أنه ذكر حوادث أقل شأنا فى القرآن
وتحدث عن تعامل النبى (ص) مع زوجاته فقال :
"التعامل بين الزوجين
مع مقتطف بهيج من بيت النبوة، وذكر ما فيه من فوائد ودروس وعبر
ونستهله بما رواه أبو داود وغيره بسند صحيح عن أم المؤمنين عائشة قالت دخل علي رسول الله (ص)فرأى في يدي فتخات من ورق وهي خواتم كبيرة من فضة يتختم بها النساء فقال (ص) ما هذا يا عائشة؟ فقلت صنعته أتزين لك يا رسول الله، قال أتؤدين زكاتهن؟ قلت لا، أو ما شاء الله، قال هو حسبك من النار "
الرواية ظاهرة الكذب فمن أين لعائشة أن تمتلك خواتم الورق والرجل كمل تقول الروايات الكاذبة فقير ؟
فإن كانت الخواتم مهر فلا زكاة فى المهر لأنه ملكية خاصة للمرأة يجوز لها وحدها التصرف فيها برضاها كما قال تعالى :
وأتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا"
والرواية تخبرنا أن الزوج أخر من يعلم والعياذ بالله أن زوجته تمتلك خواتم
وقد بنى الشايع فوائد على الرواية الكاذبة فقال :
هذا الحديث فيه بيان لجانب من الحياة البيتية للنبي (ص) وقد تضمن عددا من المسائل والفوائد، ومن ذلك:
* فيه بيان ما كانت عليه أم المؤمنين عائشة من الحرص على مراعاة جانب النبي (ص) وألا يجد منها إلا كل جميل وطيب، ولذا كانت تحرص على أن تتزين لرسول الله (ص)بما جرت عادة النساء أن يتزين به
وفي هذا تنبيه للمتزوجات أن يحرصن على التزين لأزواجهن بما أباح الله، وكان من نصيحة أم المؤمنين لامرأة سألتها عن التزين للزوج أن قالت أميطي عنك الأذى، وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزيارة، وإذا أمرك فتطيعينه، وإذا اقسم عليك فأبري به، ولا تأذني في بيته لمن يكره رواه عبد الرزاق في المصنف وبالجملة، فالذي ينبغي على المسلم والمسلمة أن يراعيا ويعتنيا بالنظافة الشخصية والهيئة الحسنة والرائحة الطيبة
وقد يغفل بعض الناس عن هدي النبي (ص)في محبته الرائحة الحسنة الطيبة في الجسد واللباس، فقد كان (ص) يكره أن يجد منه أحد رائحة كريهة، ولذلك فإنه (ص)لما أكل عند زوجته حفصة عسلا ذا رائحة، غار بعض أزواجه وكررن عليه أنهن وجدن منه رائحة متغيرة ـ وكن يعلمن كراهته لذلك ـ ولكن حملتهن الغيرة على هذا القول، فحرم النبي (ص)العسل على نفسه لأجل قول نسائه، فأنزل الله عليه قوله تعالى{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} الآية
وهذا ثابت في صحيح البخاري وغيره
وفي صحيح مسلم عن شريح بن هانئ قال قلت لعائشة بأي شيء كان النبي (ص)يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت بالسواك
والذي ينبغي على المسلم والمسلمة العناية بهذا الأمر، حتى لا يوجد منه ما يجعل جلساءه ينفرون منه ويستقذرونه، لأن بعض الناس يمكث أياما والسواك وفرشاه الأسنان لا يعرفان لفمه طريقا فيورثه ذلك رائحة كريهة وبخرا قبيحا
والأمر كذلك بالنسبة لنظافة الشخص وهيئته ينبغي ملاحظته واختيار الحسن الجميل بلا تكلف، ومن عناية الإسلام بذلك أمره بالوضوء للصلوات، والغسل كل جمعة، ولبس الجديد أو النظيف لها
ومن أدلة العناية بذلك ما رواه الإمام أحمد في المسند عن النبي (ص)أنه قال حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة "
والرواية باطلة حيث اجعل الرسول(ص) زير نساء رجل لايهتم من دنياه سوى بالنسوان والروائح وهو كذب محض فرجل الدعوة ورجل الجهاد ورجل القضاء ... ر وجود له الحديث يحول النبى(ص) ىلكافر وليس لمسلم
وقال الرجل :
"وفيما يتأكد على الزوجين في هذا الباب ما ذكره الحافظ ابن كثير عند تفسير قول الله تعالى{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} إذ قال:
أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله اهـ
وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـإني لأحب أن أتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين لي، لأن الله تعالى يقول{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}
ذكر بعض أصحاب كتب الأدب والسلوك أن امرأة ذهبت إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ تطلب طلاقها من زوجها، ولما استدعاه للوقوف على سبب طلب زوجته، ولعله أن يصلح بينهما، وجده أشعث أغبر غير معتن بهندامه ولا هيئته، فعرف عمر ما كرهت زوجته منه
فأشار إلى رجل أن اذهب به وقص شعره وقلم أظافره وألبسه حسنا وائتني به، فذهب وفعل ذلك، ثم أتاه، فأومأ إليه أن خذ بيدها، فأخذ بيدها ولم تعرفه، فقالت يا عبد الله، سبحان الله، أبين يدي أمير المؤمنين تفعل هذا؟!
فما عرفته ذهبت معه، فقال عمر هكذا فاصنعوا معهن، فو الله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن، كما تحبون أن يتزين لكم
وقال أبو الفرج ابن الجوزي منبها النساء إلى ما ينبغي عليهن في هذا الباب:
إن المرأة تحظى عند الرجل بعد تمام خلقها وكمال حسنها بأن تكن مواظبة على النظافة والزينة، عالمة بما يزيد في حسنها من أنواع الحلي واختلاف الملابس ووجوه التزين، وما يوافق الزوج ويستحسنه في ذلك كله، ولتحذر كل الحذر من أن يقع بصره على شيء يكرهه من وسخ أو رائحة مستكرهة، أو تغير من شعث وغيره
وقال بعض أصحاب كتب الأدب والسلوك:
ينبغي على المرأة أن تتجمل لبعلها، وتزيد في تحسين نفسها ما أمكن ذلك، بتنظيف البشرة وتنقية المنافذ، وتزيين الألوان في البدن وما أحاط به
أما في البدن فبتبييض البشرة وتوريدها، وبتسويك الأسنان وتخليلها، وتنقية العين وتكحيلها، وتقليم الأظافر وتسويتها
وأما الثياب فبدوام نظافتها بحسب الوقت وعادة الزمان مما جرت به عادة النساء المسلمات "
والخطأ فيما سبق هو إباحة تغيير المرأة لخلقة الله بوضع ألألوان على الجلود وتبييض الجلد وتكحيل العين وهو استجابة لقول الشيطان:
" ولآمرنهم فليغيرن خلق الله
وتحدث عن أن النساء حاليا تتحمل للخروج وليس للزوج فقال :
فالمرأة الفطنة الحسنة التبعل تراعي جميع ذلك وما سواه مما تتم به سعادة الزوج ومتعته، وتحرص على ألا يسبق طرف بعلها أو أنفه لحالة يذمها أو يكرهها من أجلها وخاصة في الأوقات التي يعتاد قربه منها
والناظر في أحوال كثير من النساء اليوم يجد غالب تزينهن إنما هو عندما يردن الخروج لمناسبة أو زيارة ونحو ذلك
حتى إن زوجا خاطب زوجته أن تتجمل له وتهتم به مثلما تفعل إذا أرادت الخروج، فردت عليه مندهشة أأنت غريب عني أيها الرجل؟
وفي هذا الباب يقع من كثير من المسلمات مخالفات شرعية متنوعة، وأنبه لبعض منها هنا باختصار، فمن ذلك:
أن بعضهن يلبسن الثياب الضيقة أو غير الساترة، ويخرجن بها إلى الأسواق، وربما زدن على ذلك كشف وجوههن أو بعض الوجه مع ظهور زينتها من كحل وغيره من طيب وعطر ونحو ذلك، وهذا نوع من التبرج المحرم
والعجب من بعض الأزواج وأولياء الأمور أنهم لا ينكرون ذلك، مع مخالفته للستر والحشمة
وهكذا لبس بعض النساء ملابس غير ساترة عند النساء بحيث تكشف ما جرت عادة النساء المسلمات بستره، متحججات بأنهن عند نساء مثلهن، والذي دلت عليه النصوص الشرعية أن الضيق والعاري لا يجوز لبسه حتى عند النساء، لما فيه من الفتنة، ولكونه مخالفا لما جاءت به الشريعة من الحشمة والعفاف والحياء
وهكذا تشبه بعض المسلمات في لبسهن بالكافرات، مما ينبغي على المسلمة أن تحذره، فقد جاء فيه الوعيد الشديد، ومن ذلك قوله (ص) من تشبه بقوم فهو منهم
وهذا التشبه يورث الميل إلى الكافرات ويفضي إلى محبتهن، وهذا يعرضها لأن تحشر معهن يوم القيامة، لما صح عن النبي (ص)أنه قال المرء مع من أحب
وهذا عام في الرجال والنساء، وعام في محبة أهل الإيمان والصلاح وأهل الكفر والفسوق
ومما يحزن أن تلك المظاهر تقع من بعض أخواتنا المسلمات العفيفات، اللاتي يؤمل منهن الصلاح والإصلاح، ونأمل لنا ولهن السعادة في الدنيا والآخرة
ولو أن الواحدة منهن قارنت بين تلك المظاهر المحرمة وبين لحظات تشييعها إلى قبرها حين تلبس تلك الثياب المتواضعة وتلف فيها، والقلوب من حولها خاشعة والعيون دامعة، ولا تدري على أي حال تكون في ذلك المثوى العظيم
روى البخاري وغيره عن النبي (ص)أنه قال إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها يا وليها، أين يذهبون بها، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق "
والخطأ فى الحديث السابق الذى أورده الشايع أن كل شىء يسمع صوت الجنازة عدا الإنسان وهو يخالف أن الجن معزولون عن السمع بدليل قوله تعالى "وإنهم عن السمع لمعزولون "وقوله "لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا "فهنا الجن لا يسمعون الأصوات وقطعا أى الروح الميتة تصعد للملأ الأعلى ككل شىء بعد أن انتهى بدليل قوله "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة "إذا فالجن لا يسمعون شىء عن الموتى الصاعدين للسماء سواء منهم أو من غيرهم
وعاد للحديث عن التجمل فقال :
"وعودا على الزينة والتزين فإنهما محبوبان للنفس إذا كانا بما أحل الله، وعند من أحل الله له الاطلاع عليها، قال الله تعالى{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ، ثم قال سبحانه{قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} إلخ الآية
وقال رسول الله (ص) إن الله جميل يحب الجمال
وخير ما يتجمل به الشخص تقوى الله وعبادته، والأخلاق الكريمة، والمعاملة الحسنة"
والتجمل الجسدى هو النظافة وعلاج التشوهات والأمراض وتحدث عن دور أمهات المؤمنين فى الدعوة فقال :
"نساء النبي (ص)وأثرهن في نقل كثير من الأحكام الشرعية للأمة:
كنا قد ذكرنا غير مرة أن لتعدد زوجات النبي (ص)حكما عديدة وعظيمة، فقط كن أمهات المؤمنين معلمات ومفتيات لنساء الأمة ورجالها في القضايا النسائية والأحكام الشرعية والآداب الزوجية والحكم النبوية
وكن قدوة صالحة في الخير والبر والإحسان، كما كان الرسول (ص)أسوة حسنة لهن في حسن الخلق والطيب العشرة
وفيما يلي سوف نستعرض ـ بعون الله ـ بعضا من اللمحات والدلائل التي تبين عظيم أثر أمهات المؤمنين في نقل جوانب عديدة من سنة المصطفى (ص)وتشريع الأحكام الشرعية وتبليغها للأمة، وخاصة مما لا يطلع عليه من قبل كل أحد
كان نساء النبي (ص)ـ أمهات المؤمنين ـ موئلا ومرجعا لكثير من القضايا التي يهتم لها المسلمون وخاصة ما له صلة بأهليهم وما يتعلق بالحياة البيتية
ومن تلك القضايا ما رواه البخاري في صحيحه أن رفاعة طلق امرأته، فتزوجها بعد الرحمن بن الزبير القرظي، فجاءت تشكو إلى عائشة حالها مع زوجها الآخر، قالت عائشة وعليها ـ أي تلك المرأة ـ خمار أخضر، فشكت إليها، وأرتها خضرة بجلدها ـ تعني بسبب ضرب زوجها، فلما جاء رسول الله (ص)ـ والنساء ينصر بعضهن بعضا ـ قالت عائشة ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لجلدها أشد خضرة من ثوبها إلخ الحديث
فتبين من خلال هذا الموقف أن أمهات المؤمنين كن يستمعن إلى ما يردهن من استفتاءات وشكاوى يعرضنها على النبي (ص) وأن لهن أثرا عظيما في نشر العلم والاهتمام بما ينفع المسلمين والمسلمات، وهكذا ينبغي أن تكون كل مسلمة متطلعة إلى معالي الأمور وبما يعود عليها وعلى أسرتها ومجتمعها بالنفع الديني والدنيوي
وروى أبو داود وابن ماجه وغيرهما عن إياس بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله (ص) لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله (ص)فقال ذئرن النساء على أزواجهن أي اجترأن ونشزن ، فرخص في ضربهن يعني إذا دعت الضرورة ولكن ضربا غير مبرح فأطاف بآل رسول الله (ص) يعني أحاط النساء بيوت رسول الله (ص)يشكون أزواجهن عند أمهات المؤمنين فقال رسول الله (ص) لقد أطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم
وهذا يدل أيضا على أثر أمهات المؤمنين في رفع المعاناة عن غيرهن
وفيه دلالة على النهي عن الجور والتعدي على الزوجة، وأن من استقصى في التغليظ على أهله فقد جانب وصف الخيرية
ومما عني أمهات المؤمنين به وبتبليغه للأمة كثير من مسائل الطهارة عموما، والمسائل النسائية خصوصا
ومن ذلكما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة أن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ كان يأمر النساء أي يفتيهن إذا اغتسلن يعني من الجنابة أن ينقضن رؤوسهن، فقالت يا عجبا لابن عمرو هذا؟! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن! أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله (ص)من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات
وأكدت هذا الحكم وزيادة أم المؤمنين أم سلمة إذ قالت قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للحيضة والجنابة يعني عند الاغتسال منهما ، فقال لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين
ومما نقله أمهات المؤمنين ـ رضي الله عنهن ـ من العلم ما رواه البخاري ومسلم عن معاذة بنت عبد الله أن امرأة قالت لعائشة أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي (ص)فلا يأمرنا به، أو قالت قلا نفعله
وفي رواية قالت كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة
وإنما نسبتها إلى حروراء لأنها مكان تجمع الخوارج ولهم آراء مبتدعة ضالة، ومنها أنهم يرون أن على الحائض قضاء الصلاة وذلك على أصلهم في رد السنة
وكان نساء الصحابة يكثرن من استفتاء أمهات المؤمنين وخاصة في مسائل الطهارة, وكن يرسلن إلى عائشة ليتبين الطهر، كما نقل ذلك البخاري في صحيحه عن عائشة
وبين أمهات المؤمنين جوانب من هديه (ص)في بيته وتعامله مع أهله، ومن ذلك ما رواه مسلم عن أم المؤمنين عائشة قالتكنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي (ص)فيضع فاه على موضع في فيشرب، وأتعرق العرق وأنا حائض أي تأكل اللحم من العظم بأسنانها ثم أناوله النبي (ص)فيضع فاه على موضع في
وهذا يوضح مدى تلطفه (ص)بأهله، خاصة وأن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجالسوها في البيوت
ولما بلغ اليهود هذا الهدي قالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه
وأوضحت عائشة ما يكون من رسول الله (ص)حينما يكون في بيته، وبينت قيامه الليل وصلاته وتهجده، وبينت جوانب عظيمة من تعامله (ص)
ومن ذلك ما رواه البخاري عنها أنها سئلتما كان رسول الله (ص)يصنع في بيته؟ قالت كان يكون في مهنة أهله ـ تعني خدمة أهله ـ فإذا حضرت الصلاة خرج إل الصلاة
قال الحافظ ابن حجر في شرحه :
وفيه الترغيب في التواضع وترك التكبر، وخدمة الرجل أهله
وترجم عليه المؤلف الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب من صحيحه فقال كيف يكون الرجل في أهله
وروي عن عائشة أنها وصفت النبي (ص)فقالت كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان رجلا من رجالكم، إلا أنه كان بساما
إن هذه اللمحات من هديه (ص)في معاملة أهله وعيشه معهم لتبين بجلاء الأخلاق الإسلامية التي ينبغي أن يكون عليها كل مسلم
لقد عاش رسول الله (ص)مع أهله عيش المحب لهم الحريص على إدخال السرور على أنفسهم، وإيصال كل نفع وخير إليهم، فوجدوا من غبطة العيش وسروره وأنسه وفرحه ما لا يمكن وصفه على الكمال ولا الإحاطة به على التمام
وهذه دعوة لكل زوج وكل أسرة أن تتبصر في هذا الهدي الكريم، وأن تجعله نبراسا لها تسير من خلاله في دروب الحياة المتنوعة، وسيجد الناس من آثار الخير والبركة ما لا يخطر على البال ولا يحده الخيال
وصدق الله رب العالمين إذ قال{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} "
والحق أن زوجات النبى(ص) لم يكن مفتيات فلو كن مفتيات فلماذا دخلت المجادلة حجرة النبى(ص) وتحدثت عما يخصها دون أن تسمع زوجاته أى شىء منها وفى هذا قال تعالى :
" قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله"

نعم من الممكن أن يوضحن بعض الأمور التى لا تفعلها سوى النساء ولا يسمح لرجل أن يبينها عيانا بيانا لامرأة عند الفتوى

الجمعة، 21 يوليو 2023

نقد خطبة توحيد الباري جل جلاله

نقد خطبة توحيد الباري جل جلاله
الخطيب عبدالمحسن القاسم وقد استهلها بالحديث عن خلق الله الناس لطاعته وأنهم يرزقهم ,ان معرفة الرب أول سؤال في القبر فقال:
"أيّها المسلمون، خلق الله الخَلقَ لتكونَ الطاعة له والتذلُّلُ إليه، وكمالُ السعادة في معرفةِ الله والإيمان به، ومعرفةُ العبد ربَّه هو الأصل الأوّلُ الذي يجب على الإنسانِ معرفتُه، وهو أوّلُ ما يسأَل عنه العبد في قبرِه."
والخطأ وجود ملائكة تسأل الإنسان من ربك في القبرلا لأن الملائكة لا تنزل الأرض لعدم اطمئنانها وهو خوفها كما قال تعالى :
" قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا"
وتحدث عن رزق الله لهم فقال :
"أوجدَ الله الخلقَ بعد عدَمٍ، وأغدق عليهم من النِّعَم، وضمِن لهم الرّزق، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]. أوجدَ العالمين بعدَ أن لم يكونوا شيئًا، هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]."
وتحدث عما يسمونه صفات البارى فقال :
"رَبٌّ متفرِّد بالخلق والرّزق والتدبير، أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54]، منفرِد بالوحدانيّة متَّصِف بالعظمَة والجبروت، مقاليدُ الأمور كلِّها بيديه، قويٌ متين قاهِر فوقَ عباده، لا يرضَى أن تصرَفَ العبادة إلا له، إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7]."
وتحدث عن أن الله جعل في الإنسان وغيره ما يدل على الوحدانية فقال :
"نصَب في كلِّ مخلوقٍ آيةً دلالةً على وحدانيّته ليزدادَ تعلُّق القلب بربِّه، آيَتان تتعاقَبان علينا تذكِّرنا بوحدانيّة الله: ليلٌ يغشى ونهارُ يتجلَّى، يطلبُ كلٌّ منهما الآخَرَ طلبًا سريعًا، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [الأعراف:54]، والشمس والقمرُ يجريان في مسارٍ دقيق أبهر ذوِي العقول، هذه تشرِق، وذاك يدبِر، سَيرٌ منتظِم، لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40]. أرضٌ تُقِلّنا وسماء تظِلّنا، لا غِنى لنا عن أحدِهما، خَلقٌ متقَن وتدبير من بديعٍ، هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان:11]."
وهو كلام خاطىء فما في الكون دليل على القدرة وليس دليل على الوحدانية التى هى أمر يأتى من الوحى والتفكير
وتحدث عن عبودية المسلم لله فقال :
"والمسلِم يعتَزّ إذا كان عبدًا لمدبِّر هذا الكونِ العظيم، قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:161]، لا يعبد إلا ربَّ هذا الكون جلّ وعلا، ولا يصرِف شيئًا من أنواع العبادة لغيرِه، يلجأ إليه في الملِمّات، ويخاف منه وحدَه في العلانية والحفيّات، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ [يونس:107]، فلا يخاف من ميِّتٍ أن يضرَّه بسوء، أو يرجو منه إحسانًا. والفَزَع إليه وحدَه رُجحان في العقلِ وأمانٌ في القلب وطمأنينَة على الروح، ومن خافَ ربَّه لم يفزَعه أحدٌ، بل هو ثابِت القلبِ ساكنُ الجوارح، وأنعِم بنفسٍ لا تأنس إلاّ مع الله، فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، يقول أبو سليمان الداراني: "ما فارَق الخوف قلبًا إلا خرِب"."
وتحدث عن أقرب العباد لله هو أخوفهم منه فقال :
وأقرَبُ العباد إلى الله أخوَفهم منه، يقول المصطفى : ((إني أعلَمكم بالله وأشَدُّكم له خشية)) متفق عليه، وهو مِن لوازِم الإيمان وموجباته، ومَن خاف ربَّه وحده فتِّحَت له أبواب الجنان، قال سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، قال أهلُ العلم: "لا يجمَع الله على عبده بين خوفَين؛ فمن خافَه في الدنيا أمِنَه يومَ القيامة، ومن أمِنَه في الدنيا ولم يخَف ربَّه أخافه في الآخرة". فراقِب ربَّك وخَف من خالقِك تكن أسعَدَ الخلقِ عند الله."
واأقرب العباد لله هم المجاهدون في سيبيله بأموالهم وأنفسهم كما قال تعالى :
"فضل الله المجاهدين بأموالهم ,أنفسهم على القاعدين درجة"

وتحدث عن وجوب الرغبة وهى الرجاء في الله وحده فقال :
"ولا ترجُ من غيرِ الله تحقيقَ مرغوبٍ أو سلامةً من مرهوب مِن زوال عِلّة أو شفاءِ سقمٍ أو طلب رزقٍ أو جلب عافية، وحقِّق رجاءك بالله دون سِواه، فالخَلق مجبولون على الضّعف، عاجزون عن جلبِ النفع لأنفسهم ودفع الضرِّ عنهم، وهم أعجَز عن ذلك لغيرِهم. وما رجَا أحدٌ مخلوقًا إلا خابَ ظنّه فيه، فلا تعلِّق أطماعَك وأملَك بغير الله، فلن تجنيَ سوى العَدَم وذلّ المسألة، وارجُ كرَم الله وعطاءَه وجزيلَ مِنَنه، فرجاء ما عندَ الله تعبُّدٌ، وفي ذلّ القلبِ لله عِزّة النفس ورفعُ الدرجات وتحقيقُ المأمول."
وتحدث عن راحة النفس بتفويض الأمر للخالق فقال :
"وراحةُ النفسِ في تفويض أمرِها لخالقها، ويزداد تعلّقُها بباريها إذا تذكَّرَت أن الربَّ عليمٌ بحالِها رَحيم بأمرِها قديرٌ على كشفِ ضرِّها، ولِمَ التّعلُّق بمخلوقٍ عاجزٍ عن كشفِ الضر قتورٍ في العطاء؟! وربُّك كافيك جميعَ أمورك، وهو متولِّيها إن ألقيتَ إليه حاجاتِك وسلَّمتَ إليه مقاليدَ أمورك، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]."
والحق أن الراحة وهى الطمأنينة ليست عملية استسلام لأمر الله بمعنى قدره وإنما استسلام بمعنى طاعة أحكام الله وهى ذكر الله كما قال تعالى :
" ألا بذكر الله تطمئن القلوب"

وتحدث عمن هو السعيد وهو الراغب الراهب لله فقال :
"والسّعيدُ هو الراغِب في رحمةِ الله الرّاهِب من عذابِه الخاضِع المتذلّل في عبادتِه لمولاه، وتلك المحامِدُ السنيّة اتَّصفَت بها بيوتُ الأنبياء، قال سبحانه عن زكريّا وأهلِه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].
والرّسُل سبَّاقون إلى الرغبة فيما عند الله، قال جلّ وعلا لنبيِّه محمّد : وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:8]، وهي تنحسِر عن العبدِ على قدرِ ذنوبه، وتزيد بزيادةِ إيمانه، قال ابن القيم رحمه الله: "إذا أرادَ الله بعبدِه خيرًا وفَّقه لاستفراغِ وسعِه وبذلِ جهده في الرّغبة والرّهبة إليه، فإنهما مادَتَّا التوفيق، فبقدرِ قِيام الرّغبة والرّهبة في القلبِ يحصل التوفيق".
والخشيةُ من المخلوقِ ذلٌّ ومَهانة، ومن خَشِي من خالقِه عاش عَزيزًا، وفي حياتِه سعيدًا، وأنار بصيرتَه فكان متذكِّرًا، قال سبحانه: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10]، واتَّعَظ بالمواعظ والعِبَر، قال جلّ وعلا: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات:26] وكان كتابُ الله له سعادَة وذِكرًا: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:2، 3]، وهي موجِبَة لمغفِرة الله وجزيل نواله: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12]."
ووعظ المسلم طالبا المحال وهو وضع الله بين ناظريه والمفروض وضع حكم الله في نفسه ليكون هو الحاكم المتحكم فيها فقال :
"فاجعَل ربَّك بين ناظِرَيك، واخشَ الأمنَ من مكره وحلولِ عقوبته، ولا تخشَ غيرَ الله في قطع رزقٍ أو تأخّر شفاء أو حلولِ شقاء، قال سبحانه: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:150]." وتحدث عن افتقار العبد لله فقال :
"والعبدُ ضَعيف بنفسه مفتقِرٌ إلى عون ربِّه القويّ، وبالاستعانة به جلّ وعلا تستَغني عن الاستعانةِ بالخلق، ومن سعَى في تحقيق مطلوبٍ ولم يكن مستعِينًا بالله مفتقِرًا إليه في حصولِه أغلِقَت في وجههِ الدّروب، وتعثَّرَت أمامه المكاسِب، يقول النبيّ لابن عبّاس رضي الله عنهما: ((يا غلام، إني أعلّمُك كلِّمات: احفَظِ الله يحفظك، احفظِ الله تجِده تجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله)) رواه الترمذي.
والاستعانَةُ عليها مدار الدّين: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وبها أمر الرسل أقوامَهم، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا [الأعراف:128]، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "الدّين أن لا يُعبَد إلا الله، ولا يستعان إلاّ به".
وكمالُ غِنى العبد في تعلّقِه بربِّه، ومِن فضل الله على عبادِه أن من تعلَّقَ به أعانَه، فالرِّزق يتيسَّر بالطاعة والاستعانة، ويزداد بالتوكّل والاستكانَة، قال سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3]."
وتحدث عن الابتلاءات التى سماها المكاره والآفات فقال :
"والحياةُ مليئةٌ بالآفاتِ والمكارهِ، قال سبحانه: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4]، ولكلِّ مخلوقٍ أعداء منه الجنِّ والإنس، وفي مقدِّمَتهم إبليس لعنَه الله، قال جل وعلا: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6].
ولا غِنى للعبد من الاحتماءِ بجناب اللهِ والاستعاذةِ به وحدَه والاعتصامِ بحِماه من الشرور، والرّبُّ متَّصِف بالجبَروتِ والعِزّة، من اعتصَم به لم ينَله أذى أحَدٍ، وتخلَّف عنه الضّرَر ولو مع وجودِ السّبب، قال : ((من نزَل منزلاً فقال: أعوذ بكلماتِ الله التامات من شرِّ ما خلَق لم يضرَّه شيء حتى يرتحِلَ من منزله ذلك)) رواه مسلم، قال القرطبيّ رحمه الله: "منذ سمِعتُ هذا الخبر عمِلت به فلم يضرَّني شيء، إلى أن تركتُه فلدغَتني عقربٌ بالمهديّة ليلاً، فتفكَّرتُ في نفسي فإذا بي قد نسِيتُ أن أتعوَّذَ بتلك الكلمات".
والمَخلوق يتعرَّض للأذى، ولن تهنَأَ حياتُه إلاّ بالاعتصام بالله واللّياذةِ به، فالضّرَر والنّفع كلُّه بيدِ الله، ومن سعى للإضرارِ بك لم يتحقَّق له مُناه ما لم يشأ الله ذلك، قال المصطفى : ((واعلَم أنَّ الأمة لو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)) رواه الترمذي، وقد أمر الله نبيَّه أن يستعيذَ بخالِقِ الإصباحِ من شرِّ جميعِ المخلوقات ومِن شرِّ الغاسقِ والحاسد، والقادِرُ على إزالةِ هذه الظّلمةِ عن الكون قادِرٌ أن يرفعَ عن المستعيذِ ما يخافه ويخشاه، والمعتصِم بالله المستعيذ به في كلِّ شأن في حِصنٍ مكين من أهل الشّرور والماكرين."
وبالطبع الله يبتلى بالشر وهو المكاره كما يبتلى بالخير ةفى هذا قال تعالى :
" ونبلوكم بالشر والخير فتنة"

وتحدث عن الاستغاثة بالله وحده ولم يبين ماهيتها ولكنه نهى عن الاستغاثة بالموتى فقال :
"وربُّنا لا مفزَعَ لنا في الشدائد سواه، ولا ملجَأَ لنا منه إلا إليه، والمستغيثُ بالله المستجير به يطرُق أخصَّ أنواع الدعاء، والاستغاثة بالربِّ العظيم مفزَعُ الأنبياء والصالحين في الشدائدِ والمكائد، قال سبحانه: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9]، وقال سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62].
ومَن دعا الأمواتَ فنِداؤه لا يسمَع وحاجاتُه لا تُرفَع، قال سبحانه: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ [فاطر:13، 14]، فإذا حلَّت بك الخطوبُ واشتدَّت بك الكروب فاستغِث بعلاّم الغيوب، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]."
والحق أن معنى الاستغاثة بالله هو ألأخذ بالأسباب التى بينها الله كالذهاب للطبيب عند المرض وكطلب المساعدة عن السقوط على الرض من المارة وليست مجرد دعاء لله وحده
وتحدث عما يجلب السعادة ويقفلا باب الشرور فقال :
أيّها المسلِمون، أبوابُ السّعادةِ والخيرِ تفتَّح بتعلُّق القلب بالله، وتغلَق "أبواب الشّرور بالتوبةِ والاستغفار، وعافِيَة القلبِ في تركِ الآثام، ونَعيم الدّنيا في انجذابِ القلب إلى اللهِ حُبًّا له وخوفًا منه ورجاءَ فضله، فالخوفُ يبعدِك عن معصيةِ الله، والرّجاء يدفعك إلى طاعتِه، ومحبّتُه تسوقك إليه سوقًا، فاجعَل أعمالَك كلَّها خالصة لله، قائمةً على أكمل الوجوه في الظاهرِ والباطن، مع اليقين بأنَّ الله مطَّلعٌ على السرائر والنّيات، بصيرٌ عليم بالخفيّات."
والحقيقة ان لا أحد يقدر على قفل باب الشرور في الدنيا وإنما تقفل في الآخرة فقط لأن الحياة ابتلاء بالشرور والخيرات كما قال تعالى :
"ونبلوكم بالشر والخير فتنة"