الثلاثاء، 27 يوليو 2021

نقد كتاب إشكالية تطور مفهوم التعاون الدولي

نقد كتاب إشكالية تطور مفهوم التعاون الدولي
المؤلفان هما جلطي غالم وبن منصور عبد الله والبحث يدور حول تعاون دول الشمال ودول الجنوب وفيه قالا :
"مقدمة:
مقابل اقتصاديات دول الشمال، المصنعة منذ زمن طويل وذات دخل مرتفع، هناك دول الجنوب أين الصناعة أقل تطورا و دخل الفرد فيها منخفض، هذه المعادلة تعتبر منذ أمد طويل من المسلمات أمام هذه الوضعية التي تتمثل في اللامساواة في توزيع الثورة المادية على مستوى الكرة الأرضية، كان التعاون بين هاتين المجموعتين يقوم على أساس مساعدات مالية و تقنية في إطار العلاقات بين الدول الغنية و الدول الفقيرة."
واستعرض المؤلفان تاريخ هذا التعاون الذى ليس تعاونا فى الحقيقة وإنما هو استغلال من قبل المتقدمين للمتخلفين فقالا:

"منذ نهاية الحرب العالمية الثانية و بداية الحرب الباردة كان هناك شماليين " Deux Nord" يتنافسان بشدة لاستقطاب دول الجنوب التي كان معظمها حديثة الاستقلال فالتعاون بهذا المفهوم كان يتميز بتحقيق أبعاد إستراتيجية غالبا ما توظف فيه نظريات اقتصادية تنموية تنتمي لهذا التيار أو ذالك حيث كانت الدول النامية تستفيد من هذا الصراع الإيديولوجي"
وقد ظن المؤلفان أن ما تقدمه دول الشمال التى يسميها متقدمة والجنوب التى يسميها متخلفة هو مساعدة من أجل التنمية والحقيقة أن تعبير الشمال والجنوب هو تعبير غير حقيقى لأن من دول الجنوب ما هو متقدم كاستراليا ونيوزلانده وجنوب أفريقيا والمساعدة ليست مساعدة وإنما هى إلزام لدول التخلف بأن تكون متخلفة فهم لا يعملون على مساعدتها إلا لتكون اسواقا لمنتجاتهم وفى هذا قالا:
"والمساعدة من أجل التنمية كانت ترتكز أساسا على الرباط السياسي (الانتماء السياسي) إلا أن الاستفادة من هذه الظروف الدولية لم تعم جميع الدول النامية، و على وجه الخصوص دول شمال إفريقيا، حيث بقيت حبيسة التخلف المتمثل في تراجع مستويات الإنتاج الزراعي و الصناعي، انخفاض الدخل الفردي، واستمرار التبعية بأشكالها المتعددة: المالية، التكنولوجية والتجارية و قد تسببت هذه الظواهر الاقتصادية في تكريس تذبذب الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني.
وعليه فإذا كانت هذه الدول قد فشلت في تحقيق التنمية في ظل المعطيات الدولية السابقة الذكر، فما هي استعدادتها وإمكانياتها المادية و البشرية التي تؤهلها للتأقلم مع أفاق المفهوم الجديد للتعاون، المنبثق عن الأحادية القطبية التي تعمل وفق آليات اقتصاد السوق لتحقيق مصالح مشتركة؟
ويبدو أن الجزائر وهي تسعى إلى تبني نظام تنموي جديد مخالف لما طبقته منذ أكثر من ثلاثين سنة في حاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى تفعيل تكتل المغرب العربي باعتبار الإطار الجيو اقتصادي و الامتداد الطبيعي والبشري و الحضاري الذي يتيح لها قاعدة الانطلاق في إطار اندماج أفقي الذي يوفر لها فرصة الاندماج الدولي العمودي الأمثل."
وبعد أن استعرضا ما ظناه مساعدة وهو ما قلنا أنه تكريس للتخلف وبقاء تلك الدول كسوق لمنتجات تلك الدول حاولا تعريف التعامل الدولى فقالا:
"ما المقصود بالتعامل الدولي؟
التعاون هو تحرك جماعي للأطراف الدولية المعنية به، فهذا الشعور الجماعي يفترض ضمنيا وجود استعداد و ارادة و رغبة وقدرة من الفاعلين بشكل جدي و منسجم يسهل التدخل في الحياة الاقتصادية للدول المرتبطة بهذا التعاون ولعل هذه المبادرات المتعددة الأطراف أو الثنائية يضمن تحقيق حقوق متساوية لكل الأطراف إلا أن التعاون في غالب الأحيان، و كما أثبته الواقع في العلاقات الاقتصادية الدولية قد ارتبط بمفهوم آخر عندما يتعلق الأمر بنشوء العلاقة بين الدول المتقدمة والدول النامية أو ما قد يعبر عنه بالعلاقة شمال جنوب، حيث تميز هذا الواقع بظاهرة تنطوي على توزيع لا متكافئ للثروات الاقتصادية؛ وعليه فالتعاون يظهر إذا من خلال أسسه النظرية والأدبيات الاقتصادية والإيديولوجية مرتبطا ارتباطا مباشرا بقيم التضامن الدولي"
التعاون حسب الإسلام إما تعاون على الخير وهو التعاون على البر والتقوى وإما تعاون على العدوان وعصيان والتعاون الدولى هو من قبل التعاون على عصيان الله لأنه خداع من المتقدمين للمتأخرين فصحيح أن وجه الخير هو تقديم قروض وعمل مشاريع تنموية فى الظاهر ولكن الكل فى النهاية يضيع فى النهاية لأن الغرض هو أن يكسب المتقدمون فقط من كل النواحى اقتصاديا وثقافيا بجعل المتخلفين مجرد توابع وعملاء مباشرين أو غير مباشرين لتلك الدول
وحدثنا المؤلفان عن ظروف التعاون الدولى فقالا:
"1- ظروف ظهور التعاون الدولي: تجمع مختلف الدراسات الاقتصادية المهتمة بموضوع التعاون الدولي أن مفهوم وسياسة التعاون قد ولدت في ظل ظروف تميزت بتصفية الاستعمار القديم الذي خضعت له معظم الدول المسماة حاليا بالدول النامية تفاؤلا أو الدول المتخلف تشاؤما وهذا من جهة أولى، أما من الجهة الثانية ظهور معطيات الحرب الباردة التي نشأت بين الكتلتين الشرقية والغربية والتي أعادت ترتيب العلاقات الدولية من جديد مستعملة في ذلك التعاون كأحد الأساليب لتحقيق أهداف استراتيجية لكل معسكر و لعل هذه الوضعية هي التي تسببت قي حدوث العديد من إلانحرافات عن القيم السامية للتعاون.
ويمكن إيضاح ذلك في العنصرين الآتيين:
1 - إن تصفية الاستعمار تعريفا تتجلى في غالب الأحيان في فقدان السيطرة السياسة المسلطة من دول المركز على دول المحيط
وغالبا ما ينجر عن ذلك فقدان الإمتيازات والمصالح الاقتصادية و التجارية القائمة على نهب خيرات وثروات المستعمرات القديمة و الأمثلة كثيرة في ذلك.
وعليه فالتعاون وفقا لهذا المتطور غالبا ما كان يستند ويحدد من أجل الحفاظ على المواقع الاستراتيجية القديمة أين تكون سيطرة شركات دول المركز سيدة الموقف، بل الأمر قد يذهب بها الأمر إلى أبعد من ذلك حيث تتدخل في الأجهزة السياسية بعزل أو تنصيب رؤساء دول كما حصل في الشيلي مع شركة ITT ، و ما حدث مؤخرا في فنزويلا.
من هنا نستنتج أن التعاون الدول في ظل هذه الظروف ما هو إلا تكريس استمرار الاستعمار للدول النامية في ثوب جديد
2 - إن بروز ظاهرة الحرب الباردة بين الكتلتين أدى بالقطبين المتصارعين إلى البحث على أكبر قدر ممكن من الحلفاء و مراكز نفوذ إقليمية و دول حليفة تقبل باقامة قواعد عسكرية على أراضيها أو على أقل إتخاد مواقف الحياد في بعض القضايا العادلة و التي يعتبر فيها الحياد تحيزا. و في خضم هذه المعطيات الدولية دخل حيز التنفيذ في العلاقات الاقتصادية الدولية حجم كبير من التعاون بمختلف أشكاله و أهدافه، غير أنه غالبا ما تم توزيعه بشكل غير متساوي بين الدول المنتمية إلى هذا المعسكر أو ذاك وهذا يتوقف على درجة الولاء للمعسكر.
و بذلك يمكن أن نخلص إلى القول أن التعاون أصبح يتحدد وفق إختيارات استراتيجية عمقت درجت التبعية في الدول النامية التي كان يملى عليها استراتيجيات ونظريات تنموية مستنبطة من الفكر الاقتصادي الاشتراكي أو الليبرالي غالبا ما كانت هذه النماذج التنموية غريبة في أصولها عن الواقع ومتناقضة مع معطيات الدول النامية.
إن السعي وراء تحقيق الأهداف الإستراتيجية بجميع الوسائل المتاحة (سياسية، إقتصادية وثقافية) أدى بالمعسكرين إلى إهمال إحداث تنمية حقيقية في البلدان النامية، بل الأمر قد تعدى ذلك حيث قد تم غض البصر في كثير من الأحيان عن الأنظمة الديكتاتورية و تدعيم النظم العسكرية بل أن دعاة الديمقراطية الغربية امتنعوا عن تقديم أدنى إنتقاد لهذه الأنظمة وعلى عكس ذلك إستمر تقديم الدعم اللازم لها ما دامت هذه الأنظمة تخدم مصالحهم و تتحالف معهم ضد المعسكر المعادي و بالتوازي مع ذلك فإن المساعدات المالية و التقنية و الفنية المقدمة في إطار التعاون غالبا ما كانت تصرف في غير أوجه محلها بل أن الظاهرة قد تنامت لتتعدى إلى إنتشار الإختلاس و التبذير و إستفحال ظاهرة الرشوة. و بهذا فقد التعاون شروطه وأهدافه الأساسية و فعالية المساعدات الإقتصادية مما يجعل التنمية المستديمة حبيسة صراعات إيديولوجية بقيت هذه الدول مسرحا لها أكثر من نصف قرن، بإستثناء بعض الدول التي إستطاعت أن تكسر هذه الدوامة و تحقق تنمية إيجابية في ظل هذا الصراع كما حدث في دول جنوب شرق آسيا و التي تعد المنطقة الوحيدة القادرة على الإندماج في ظل المعطيات الدولية الجديدة حيث انتقلت حصة الدول الأسيوية الأربعة (كوريا الجنوبية، هونكنغ، طايوان، سنغفورة) في مجال الصادرات الإجمالية من السلع المصنعة من 13,5% سنة 1965م إلى 60% سنة 1990 من مجمل صادرات الدول السائرة في طريق النمو."
عاد المؤلفان إلى قول الحقيقة وهو أن التعاون ليس تعاونا وإنما تكريس لنفوذ المتقدمين بشتى السبل المشروعة وغير المشروعة ومن يقف ضد هذا الأهداف يكون مصيره هو حرب تشن عليه حتى ينهار
وعاد المؤلفات لاستعراض التعاون فى ظل القطب الواحد وتنفيذ العولمة فقالا:
II"- التعاون الدولي في ظل المعطيات الدولية الجديدة:
لقد تميزت العشرية الأخيرة من القرن العشرين بسقوط وانهيار القطبية الثنائية, فانهيار الإتحاد السوفياتي ساهم في تكريس انفراد الولايات المتحدة بفرض آليات صناعة الإنصياع وتحولها إلى قوة عليا تبسط يدها على العالم, و يظهر ذلك جليا في الواقع الميداني حيث أحكمت سيطرتها على المصادر الرئيسية للطاقة (النفط) بإفتعالها لحرب الخليج الثانية، في ظل هذا التشكيل الجديد للعالم انفردت الولايات المتحدة بسيادتها في كافة المجالات الإقتصادية و المالية و التجارية، وضربت الإنتماءات الحضارية الأخرى في المقتل.
في غمرة هذه الأحداث برز مفهوم العولمة لتوحيد القيم و التصورات واختراق الحدود و تقليص السيادة الوطنية، فالمال و التكنولوجيا و القوة كلها أصبحت وسائل لتحقيق بنى إيديولوجية وثقافية موحدة إيذانا بميلاد حضارة واحدة للعالم مما يضفى على العولمة صفة النمطية الواحدة والأسلوب الواحد والنظرة الواحدة للإنسان والحياة وهي نظرة المنتصر السيد الذي يحكم سيطرته على العالم باسمه ولصالحه.
إن الخلاصة الأساسية مما سبق تنحو إلى أن العولمة و السيادة تبدوان متقابلتين فلا تتحقق إحداهما إلا بإلغاء الأخرى فدور الدولة القطرية أخد يتضاءل مع العولمة الحديثة وبالفعل نحن اليوم أمام دولة مقيدة في جميع ميادين الحياة فعلى سبيل المثال السياسة المالية والنقدية والإقتصادية ككل نتأثر بدور وحركة الشركات العابرة للقرارات، كذلك تنقل الأموال إلكترونيا أصبح يولد أزمات فجائية كما حدث لدول جنوب شرق آسيا التي تتحول بسرعة هائلة إلى نمور من ورق.
إن هذه المخاطرة المحدقة التي أصبحت تهدد وجود الدول منفردة دفع كثير من الباحثين والمفكرين والسياسيين إلى تشجيع فتح مجال جديد لتشكيل العالم كرد فعل تجلى في ظهور تكتلات إقليمية فالإتحاد الأوربي واليبان يحاولان فرض أنفسهما كأقطاب جديدة بالإضافة إلى ارتسام ملامح جديدة لتشكيل تكتلات جهوية أخرى والتي يتوقع أن تلعب دورا هاما في تحديد معالم النظام العالمي الجديد، فموقع الظاهرة الإقليمية من النظام أصبح يتميز بأهمية قصوى بفعل هامش التحرك والمبادرة المبنية على الموقع الجماعي، لتلبية إحتياجاتها وحل مشاكلها حيث يعجز الموقع الإنفرادي لدولة واحدة.
في خضم هذه المعطيات نشأ التعاون متعدد الأطراف بفعل نقله نوعية تعتمد على التعامل الذي يتم من خلال وبين وعبر المجموعات الإقليمية فإذا كان التعاون الدولي اعتمد في السابق على مسألة المساعدات بشكل أساسي، فإن الأوضاع الراهنة تحتم إعطاء الأسبقية للتعاون التجاري و المالي المتعدد الأطراف، والتعاون الإقليمي والمبادرات اللامركزية، وكل هذا يستدعى إعادة بناء مؤسسات حكومية ( Institution Etatique) مكلفة بالتعاون والإشراق عليه؛ إذا أن الأمر لا يتوقف على مدى السلطات والإختصاصات الممنوحة للتكتل الإقليمي بقدر ما يتوقف على إتجاه إرادة وحرص الدول الأعضاء نحو تدعيم عملية التعاون و ترقيتها لتشمل جميع ميادين الحياة (الإقتصادية والثقافية ... )
في ضوء هذا التحليل و إذا كانت الدول المتقدمة تسعى إلى بناء التكتلات و هي قوية منفردة فالدول النامية أولى و أجدر بالسعي بكل ما أوتيت من وسائل لإنشاءه مثل هذه التكتلات. خاصة إذا علمنا أن الدول النامية بعد ظهور القطبية الأحادية وظهور ترتيبات جديدة لأوضاع العالم أصبحت تواجه مشكلتين رئيسيتين:
1 - إنخفاض أسعار المواد الأولية (بقاء أسعار المواد الأولية في مستويات متدنية) علما أن هذه المواد الأولية تعتبر المصدر الرئيسي من المداخيل من العملة الصعبة، ولعل العملية أخطر بالنسبة لمعظم دول العالم الثالث التي لم تتوصل إلى تنويع صادراتها.
2 - إتجاه المساعدات العمومية التي تقدمها الدول المتقدمة للدول النامية نحو الإنخفاض لغياب الحافز الإديولوجي و السياسي.
و إذا علمنا أيضا أنه من ضمن 53 دولة الأقل نموا في العالم و التي يتقاضى فيها الفرد أقل من 1 $ يوميا، 36 دولة منها توجد في إفريقيا، معظمها تتخبط في مشاكل عديدة نذكر منها على سبيل المثال:
1 - الدخل المنخفض.
2 - كبر حجم المديونية الخارجية (أكثر من 400 مليار دولار أمريكي و هي في معظمها ديون عمومية أقترضت بهدف إحداث التنمية).
3 - النمو الديمغرافي المرتفع.
4 - الصراعات السياسية و التي تشكل هذه الدول مسرحا خصبا لها."
وما قاله الرجلان هنا هو أن تلك الدول تكرس نفس السياسة بالأساليب جديدة وحاولت الدول النامية فى رأيهم العمل من خلال التكتلات الاقليمية للتعاون فيما بينها وفى الحقيقة أن تلك التكتلات كلها سقط لأن الحكام القائمين على دول التكتلات هم مجرد عملاء للدول المتقدمة ومن ثم انهارت كل التكتلات الإقليمية وبدلا من التنمية ظل تلك الدول تعانى من التدهور الاقتصادى فما زالت الاقتصاديات متخلفة باقية على عهدها وإن كان بعض منها زاد تدهورا عما كان من نصف قرن أو ربع قرن
وتحدثنا عن شروط وأهداف التعاون الدولي بالمفهوم الجديد فقالا:
III- شروط وأهداف التعاون الدولي بالمفهوم الجديد:
كل هذه العوامل تدفع بالدول النامية إلى تغييرا لمنهج التنموي والتعامل مع المعطيات الدولية الجديدة ولا يخفى على احد أن التعاون كمبادرات دولية قد تكيف مع المعطيات الراهنة فالدول المتقدمة أصبحت تربط قيامها للتعاون بضرورة توفر الشروط التالية:
شروط تعاون شمال جنوب:
1 - تحقيق الديمقراطية التي تضمن التداول على السلطة وتكون أداة للمراقبة الشعبية مما يؤدى إلى الاستقرار السياسي وتوفير الأمن.
2 - احترام حقوق الإنسان وترقيتها بشكل يضمن كرامة الإنسان في جميع ميادين الحياة
3 - إيجاد مؤسسات كفئة تمنح لها صلاحيات واسعة لمراقبة وأوجه واستعمالات المال العام والذي غالبا ما يهدر بطرق غير رشيدة.
4 - إعادة التوازنات الاقتصادية الكبرى حيث سبق وان طبقت مجموعة كبيرة من الدول ما يعرف ببرنامج التكييف الهيكلي تحت إشراف صندوق النقد الدولي.
5 - فتح الاسواق المحلية للمنتجات الاجنبية.
6 - توفير الشروط الضرورية للاستثمارات الاجنبية وتشجيع القطاع الخاص.
الأهداف الجديدة للتعاون:
1 - يحقق التعاون الدولي مصدرا رئيسيا لتعزيز التجارة و الاستثمار و الكفاءة الاقتصادية من خلال تطوير آليات التنافسية الاقتصادية المتمثلة في توفير منتوج ذو جودة عالية و أسعار منخفضة و كميات كبيرة
2 - القضاء على ظاهرة الهجرة بجميع أشكالها من خلال توفير الظروف اجتماعية ملائمة للعيش الكريم في بلدان النامية
3 - محاربة الجريمة المنظمة لتوفير أجواء آمنة.
4 - القضاء على الأسواق الموازية و الاقتصاد غير الرسمي، و المتاجرة في المخدات و تبييض الأموال.
5 - الإشتراك في وضع برنامج للحفاظ على البيئة و تخفيض درجات التلوث.
استنادا إلى الشروط و الأهداف المذكورة سابقا يتضح لنا أن التعاون الدولي لم يعد يقتصر على المساعدات النقدية و المالية فحسب بل يتعدى إلى المساهمة المباشرة في الحياة الاقتصادية من خلال استثمار المباشر الذي يجعل الدول المتقدمة طرفا في عملية تطوير المنتوج و الخدمة على قدم المساواة بشكل يضمن التساوي في الحقوق كما أشرنا إليه في تعريف التعاون الدولي و لعله من نافلة القول أن الشراكة الأورو-متوسطية تندرج في هذا السياق.
و خلاصة لما تم معالجته أصبح التعاون الدولي و لكي يحقق الأهداف المرجوة منه في تحقيق التنمية المستديمة ينبغي له أن يقترن بالجهود الذاتية للبلدان المعنية و حسب الهيئات الدولية لا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا إذا أخذت البلدان النامية بنفسها زمام الأمور وإن كان ذلك بمشاركة فاعلين آخرين، غير أن نقل التكنولوجيا والتحويلات المالية باتجاه بلدان الجنوب يبقى الوسائل الأساسية لمباشرة التنمية المستديمة، ويبدو دعم المساعدة التي يقدمها الفاعلون المختلفون في مجال التعاون من أجل التنمية الأكثر إلحاحا من ذي قبل أكان ذلك الدعم نوعيا أم كميا و أخيرا تبدو قضية إلغاء المديونية الخارجية حجر الزاوية التي يبنى عليها نجاح التعاون الدولي."
وبالقطع ما قيل فى الشروط والأهداف وهو كلام نظرى يبدو جميلا وهو يتجاهل المشكلة من الأساس وهى:
أن عملاء الدول المتقدمة وهم الحكام والحاشية المرتبطة بهم يعملون على تكريس الوضع القائم فلا تصنيع ولا بحث علمى ولا غير هذا فالكل يعمل على أخذ توكيلات من شركات البلاد المتقدمة وهم يقفون ضد قيام أى حركة حقيقية للتصنيع أو لتقدم الزراعة لأن قيام المصانع وزيادة الإنتاج الزراعى سيكون منهيا للتوكيلات وهو ما يعنى خسارة للطرفين الحكام والدول المتقدمة تقنيا معا ومن ثم نجد أن تلك الشركات تشترى أى اختراع قد يقلل من مبيعاتها بأموال كثيرة حتى لا يستخدم لتقليل مبيعاتها من قبل المخترعين 

الاثنين، 26 يوليو 2021

نقد كتاب تحكيم الحكمين

نقد كتاب تحكيم الحكمين
الكتاب عبارة عن سؤال للمفتى أحمد الخليلي عن تحكيم الحكمين فى خلاف الزوجين وقد استهل الكتاب بالسؤال وهو :
"أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي المفتي العام ... فكثيرا ما تعاني المحاكم من دعاوي الشقاق بين الزوجين وفي كثير من الأحيان مما يظهر من مجريات الأحداث يكون من المرأة إما لبغض فيها أو مكابرة إلى غير ذلك مما يؤدي إلى عجز المحكمة عن علاج الموضوع وردهما إلى العشرة السليمة وهنا يأتي البحث هل إذا لم يظهر للمحكمة الإضرار من الزوج بل الشقاق من الزوجة وعدم تقبلها الرجوع إلى زوجها لها أن تحكم بالتفريق؟ وفي حالة الحكم بالتفريق ماذا يترتب علية بالنسبة للصداق؟ وهل الحاكم يطلق أم يجبر الزوج على الطلاق؟
وهل تحكيم الحكمين أمر واجب أم لا؟ فإن قلتم بالوجوب وطلق القاضي قبل تحكيمهما فهل ينقض حكمه أم لا؟
وهل يطلقان إن رأيا ذلك أم يطلق القاضي بناء على رأيهما؟
وهل هما حكمان أم وكيلان؟
وهل قصة ثابت بن قيس وزوجه كان الخلع فيهما حكما من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أم إرشادا فقط إذ وردت بعض الروايات بصيغة الأمر "خذ الحديقة" وفي بعضها "أترضى" وتردين عليه حديقته".
وإن كان الأمر يقتضي الوجوب وكان الشقاق منها أو تعذرت معرفته وقلتم بالتفريق فهل ترد عليه ما أخذت منه جميعه أو بعضه أم لا ترد كونه نال منها، ولكل موطؤة صداق؟
وهل نفس حكم القاضي بالتطليق يعتبر إمضاء؟ أم لا بد من مخاطبتها كأن يقول لها "أنت طالق، أو أنت مطلقة بأمر الشرع"؟
فإن قلتم بلزوم مخاطبتها بذلك فهل إذا كتب القاضي مثلا "حكمت بتطليق المدعية أو المدعي عليها من زوجها طلقة بائنة للشقاق وتلا هذا اللفظ في جلسة النطق بالحكم دون أن يخاطبها يكون كافيا ويعتبر بمثابة مخاطبتها أم لا بد من ذلك؟وإذا بحث القاضي عن مراده في كتابه هذه هل أراد إمضاء الطلاق أم الحكم به فقط ويمضي في وقت لاحق بناء على أن في التقاضي ثلاث درجات وحكمه في الأصل قابل للاستئناف والنقض وأجاب بأنه قصد إمضاء الطلاق من نفس الوقت الذي تلا فيه حكمه فهل يعتبر فعله هذا صحيحا أم لا؟
نرجو التكرم بإيضاح ذلك وتبصرينا بالرأي المختار مع تمنينا لكم من الله جل وعلا دوام التوفيق والسعادة في الدارين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته إسحاق بن أحمد"
وكان الجواب عليه كالتالى:
"الجواب:
1- بعد حمد الله تعالى وشكره وإزجاء أكمل الصلاة وأتم التسليم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه، اعلم أن العلاقة الزوجية علاقة انسجام ووئام لأنها رابطة بين قلبين وواصلة بين روحين فهي تشد روح كل واحد من الزوجين إلى الآخر، وتعطف عليه قلبه قبل أن تجتذب إليه جسمه، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: { وجعل بينكم مودة ورحمة } بل هي امتزاج بين المشاعر واختلاط بين الأحاسيس، لذلك كان كل واحد من الزوجين بعضا من حقيقة يشملهما معناها كما أنبأ الله تعالى بذلك في قوله: { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } فإنه تجسيد لهذا المعنى البليغ الذي يصور هذه العلاقة المقدسة أتم تصوير ويؤكده تسميتهما زوجين، فإن الزوج هو ما يكون به التكامل والاتحاد بين فردين، فإن كل واحد منهما مكمل للآخر ومكمل به بما يشتارانه معا بوصالهما من طيب الحياة ونعيمها وبقدر هذه النعمة وجسامتها يتفاقم البلاء عندما يتكدر هذا الصفو وتسوء هذه العلاقة بينهما لما يكون من تنافر في طباعهما وحدة في مزاجهما، فلا تلبث حياتهما أن تتحول من وفاق إلى شقاق ومن نعيم إلى جحيم فلا يشتاران منها إلا شوكا وعلقما وبقدر عمق هذه العلاقة ومتانتها تكون مشكلاتها أعمق أثرا وأكثر تعقيدا وأصعب على من يسعى لحلها، فكثيرا ما يلتبس الأمر بسبب هذا الاختلاط في الحياة الزوجية الذي يجعل من الزوجين حقيقة واحدة حتى يتعذر أو يتعسر التمييز بين المسيء والمحسن منهما لأن ما يفضيه كل واحد منهما إلى الآخر لا يكاد يطلع عليه غيرهما، إلا أن صلة القربى التي تكتنفهما من أهليهما تمكن الأهلين أكثر من غيرهما من اكتشاف الغوامض واستظهار الخفايا، لذلك جاء التشريع الرباني العظيم متوائما مع هذا الواقع عندما أمر الله تعالى في قوله { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } بإشراك أسرتيهما في حل نزاعهما بتمثيل كل أسرة بحكم منها ليستقصي الحكمان أسباب الخلاف ويسبرا مثار الشقاق ويستكشفا عمقه وأبعاده لينظرا فيما إذا كان داؤهما ينجع فيه الدواء فيعالجانهما بما هو أشفى لعلتهما وأقطع لدابرها ليعود إليهما الصفو بعد الكدر والألفة بعد النفرة، أما إن استحكم الداء فيهما حتى استعصى على العلاج ولم يزده مبضعهما إلا استفحالا وانتشارا فإن الحل الوحيد في هذه الحالة هو الانفصال لإراحتهما من معاناة دائمة ونكد لا ينتهي إلى حد "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته" وهو وإن كان مرا مذاقه ثقيلا وقعه فإن الضرورة تلجئ إليه كما تلجئ المريض بداء عضوي إلى بتر عضوه المصاب الذي استفحل داؤه فخيف منه على سائر الجسم لأجل المحافظة على سلامة سائر الأعضاء."
أشار الخليلى هنا إلى أسس الحياة الزوجية وإلى أن تحكيم الحكمين هو حل قبل الانفصال إن لم يؤدى للتصالح وفات عليه أن يشير إلى الحل ألأول الذى شرعه الله وهو :
قوامة الزوج والتى وضعها لحل نشوز الزوجة وهو عصيانها لحكم أو أكثر من أحكام الله بالوعظ ثم هجر المضاجع ثم الضرب نهاية المطاف
ومن ثم لا يمكن أن يسير الوضع إلا كما بين الله وهو أولا الحل الداخلى عن طريق القوامة ثم ثانيا الحل الخارجى إذا لم ينفع الحل الداخلى بين الزوجين
وحدثنا الخليلى عن اختلاف الفقهاء فى الحكمين فقال:
هذا وقد اختلف أهل العلم في هذين الحكمين وصفة وظيفتهما الشرعية أهما محكمان في أمر الزوجين أم هما شاهدان عليهما وموكلان عنهما؟ وبناء على كونهما محكمين فإن لهما بل عليهما أن يفرقا بين الزوجين إن رأيا تعذر الوفاق بينهما كما أن عليهما أن يسعيا إلى الجمع في حال رجائهما الألفة بعد النفرة والوئام بعد الخصام، وأما على القول بأن وظيفتهما لا تعدو الشهادة على الزوجين أو الوكالة عنهما فلا يسوغ لهما التفريق بينهما لأن بعثهما لا يعدو أن يكون للإصلاح بينهما وتحديد وسائل كبح جماح المشاقق منهما كقطع النفقة عن المرأة حتى تستقيم بعد اعوجاجها وتحسن معاملة بعلها، وفرض النفقة على الزوج مع عدم تمكينه من المرأة إلى أن ينقاد لمطلب الشرع في رفع الإساءة عنها وإمساكها بالمعروف كما أمره الله تعالى، ولكل واحد من القولين نصراء من أهل العلم سلفا وخلفا فالقول الأول محكي عن عدد من الصحابة فقد روي قضاء عن الخلفاء الثلاثة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وهو مذهب ابن عباس، وقال به سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي سلمة والقاضي شريح والنخعي والشعبي وإليه ذهب مالك والشافعي –في أحد قوليه– والأوزاعي وإسحاق وأحمد –في إحدى الروايتين عنه–، وبالغ ابن كثير حيث قال: "وقد أجمع العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة"، ودعوى الإجماع مردودة بما نقله ابن كثير نفسه -كما رواه من قبله ومن بعده- من الرأي المخالف لهذا عن بعض السلف، وسيأتي ذلك إن شاء الله، وقال ابن عبد البر: "أجمعوا أن قولهما نافذ في الجمع بينهما بغير توكيل من الزوجين، واختلفوا في الفرقة بينهما هل تحتاج إلى توكيل من الزوج أو لا؟".
ومما جاء في هذا ما أخرجه مالك في "المدونة" والشافعي في "الأم" وعبد الرزاق في مصنفه وابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما وسعيد بن منصور في سننه وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه بأسانيدهم المتعددة عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال: "شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما فقال علي للحكمين: "أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا" فقالت المرأة: "رضيت بكتاب الله فيما علي ولي فيه" فقال الرجل: "أما الفرقة فلا" فقال علي: "كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به".
وفي "مصنف عبد الرزاق" قال: أخبرني معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد عن ابن عباس قال: "بعثت أنا ومعاوية حكمين" قال معمر بلغني أن عثمان بعثهما وقال: "إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما" ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره عن عبد الرزاق بإسناده المتقدم وروى ابن جرير أيضا عن محمد ابن كعب القرظي أن عليا كرم الله وجهه قال: "الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرق".
وروى الشافعي في "الأم" والبيهقي في "السنن الكبرى" بإسنادهما إلى ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة فقالت: "اصبر لي وأنفق عليك" فكان إذا دخل عليها قالت: "أين عتبة بن ربيعة؟ أين شيبة بن ربيعة؟ فقال على يسارك في النار إذا دخلت". فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان بن عفان فذكرت له ذلك فأرسل ابن عباس ومعاوية فقال ابن عباس لأفرقن بينهما وقال معاوية ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف قال فأتاهما فوجدهما قد شدا عليهما أثوابهما وأصلحا أمرهما ورواه ابن جرير الطبري باختصار.
وروى البيهقي بإسناده إلى علي بن أبي طلحة أن ابن عباس قال: "إن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز" وأخرج الطبري في تفسيره والبيهقي في السنن عن الشعبي أن امرأة نشزت عن زوجها فاختصموا إلى شريح فقال شريح: "ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها" فنظر الحكمان في أمرهما ورأيا أن يفرقا بينهما فكره ذلك الرجل فقال شريح: "ففيم كانا اليوم؟" وفي رواية البيهقي: "ففيم كنا فيه اليوم؟" وأجاز أمرهما وروى الطبري في تفسيره عن إبراهيم النخعي أنه قال: "ما حكما من شيء فهو جائز، إن فرقا بينهما بثلاث تطليقات أو تطليقتين فهو جائز، وإن فرقا بتطليقة فهو جائز، وإن حكما عليه بهذا من ماله فهو جائز، فإن أصلحا فهو جائز، وإن وضعا من شيء فهو جائز".
وعن سعيد بن جبير أنه قال: "فما حكما من شيء فهو جائز"وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "إن شاء الحكمان أن يفرقا فرقا، وإن شاءا أن يجمعا جمعا".
وأما القول الثاني فقد ذهب إليه جماعة منهم الحسن وقتادة وعطاء وابن زيد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وداود وهو المشهور عن أحمد وعليه عول الشافعي في "الأم"، وحكي عن أبي ثور واختاره الطبري في تفسيره والبيهقي في سننه وبه قال أصحابنا.
ومما جاء في هذا ما رواه الطبري في تفسيره قال: حدثنا بشار قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة عن الحسن – وهو قول قتادة – أنهما قالا: إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه، وأما الفرقة فليست في أيديهما، ولم يملكا ذلك ورواه البيهقي في سننه بمعناه عن قتادة عن الحسن"
من الكلام السابق نجد رأيين:
الأول أن قول الحكمين إصلاحا أو انفصالا واجب
الثانى أن قول الحكمين يكون للإصلاح فقط
وقد نصر الخليلى القول الأول بأن قول الحكمين واجب فى الإصلاح وواجب فى الانفصال فقال :
"والقول الأول هو أقوى حجة فيما أرى لأنه يعتضد بوجوه:
أولها: أن الله سمى المبعوثين حكمين، والتحكيم يقتضي تفويض المحكم وإسلاس القياد له والرضى بقراره ونفاذ قوله بين المتخاصمين وهو مما ألفته الأمم ومن بينها العرب قبل أن يكرمهم الله بالإسلام ويقضي على خصوماتهم بحكم القرآن إذ لم تكن لهم محاكم منصوبة لفض نزاعاتهم ولكنهم – مع ما عرف عنهم من الاحتكام في خصوماتهم إلى سيوفهم – كانوا ينزعون أحيانا منزع العقل ويفكرون في العواقب فيجعلون أمرهم إلى عقلائهم الذين عرفوا بسداد الرأي وتوقد البصيرة والتوسط بين الأطراف في دفع الخصومات ولا يجدون غضاضة في النزول إلى حكمهم والتزام ما يفرضونه عليهم ولو كان على غير هواهم وهو مما تأصل في عاداتهم وسجله التاريخ عن أقدميهم حتى كانوا يوصون بذلك أبناءهم فيما لو وقع بينهم نزاع، وقد يعينون لهم من يحتكمون إليه من بعدهم كما أوصى نزار بن معد ابن عدنان أبناءه الأربعة – وهم ربيعة ومضر وإياد وأنمار – إن اختلفوا بعده أن يحتكموا إلى ملك نجران الأفعى الجرهمي وقد فعلوا ذلك، واحتكم عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة إلى هرم بن سنان العبسي، وعندما تشاجرت بطون قريش في رفع الحجر الأسود إلى محله عندما جددوا بناء الكعبة المشرفة فكادت سيوفهم تنتضى ودماؤهم تسيل في البلد الحرام تراجعوا فاتفقوا على تحكيم أول داخل من باب بني شيبة فكان النبي - صلى الله عليه وسلم – هو الذي ساقه القدر الإلهي لرأب صدعهم وصون دمائهم وأرواحهم بقراره العادل الأمين الذي انقادوا له جميعا."
وكلام الخليلى الذى استشهد فيه بوقائع الجاهلية على حكم فى الإسلام لا يجوز سواء سمى ذلك شرع من قبلنا أو سمى وهو الحق شرع الكفار لأن الحكم يكون حكم الله كما قال تعالى :
" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"
وانتقل الخليلى إلى كون الحكم غسر الشاهد فقال:
"ومعنى هذا أن الحكم غير الشاهد، فلكل واحد منهما معناه الذي ينساق إلى الذهن تطابقا مع اسمه ووظيفته الخاصة التي يقوم بها في عمله إذ الشاهد لا يعدو أن يكون مصورا للقضية المتنازع فيها بحسب ما سمع وأبصر وناقلا إلى الحكم حقيقتها الغائبة في حال الحكم وأما الحكم فإنه يقضي بين المتخاصمين بما يراه عدلا وصوابا بعد أن يسبرها وتتكشف له حقيقتها إما باعتراف المدعى عليه أو بالبينة العادلة التي تعضد دعوى المدعي أو بما يراه بناظريه في حال الخصومة بين المتداعيين وعليه فإن من جعل الحكمين في الآية شاهدين وسلبهما وصف التحكيم المعروف عند العرب الذين نزل بلغتهم القرآن قد أبعد النجعة لأن الله خاطب العرب بلسانهم المعهود وشرفهم إذ جعل لغتهم وعاء كلامه المنزل للهداية والإعجاز فلا يسوغ حمل شيء من ألفاظ كتابه على خلاف المعنى المعهود في التخاطب بين العرب اللهم إلا أن تدل القرينة على إرادة معنى مجازي آخر وهو أسلوب معهود عند العرب أيضا ولكن أنى لهم بالقرينة الصارفة للفظ الحكمين عن حقيقته المعهودة؟.
وقد أجاد القرطبي حيث قال بعد ذكره نص ما في الآية: "وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى وللحكم اسم في الشريعة ومعنى فإذا بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ – فكيف لعالم – أن يركب معنى أحدهما على الآخر."
قطعا لا خلاف فى كون الحكمين ليسا شهودا مع أن الشهادة قد تكون حكما كما فى قضية يوسف(ص) وامرأة العزيز فالرجل الذى مع زوجها لم يشاهد شىء بينهما لأن ما جرى جرى خلف الأبواب المغلقة ومع هذا سمى الله حكمه شهادة فقال " وشهد شاهد من أهلها "
ثانيها: أن هذا القول محكي عن أربعة من الصحابة ثلاثة منهم من الخلفاء الراشدين ولم أجد أثرا عن صحابي قط يدل على خلافه ولا ريب أنه إذا تعارضت الأقوال فإن قول الصحابة أولى بالاتباع إذا لم يختلفوا لأنهم أعلم بكتاب الله وبهدي رسوله (ص)وهو معنى ما حكي عن أبي يعقوب الوارجلاني أنه قال مشيرا إلى قبر نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام "لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم برسول الله (ص)وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال"
الخطأ فى الكلام الخليلة هو أن حكم الآثار فى قول الله وقول الله هو الفيصل وأما الآثار المروية فيضرب عرض الحائط فهى ليست عن النبى(ص) وحتى لو كانت عن الخلفاء فما الذى يثبت وقوعها ؟
إنها أحاديث آحاد وهى فى الغالب لم تقع لمخالفتها كلام الله فى كون الطلاق هو حق الزوج وليس حق الحكمين كما قال تعالى :
"فإن طلقها"
ثم قال :
ثالثها: أن بعث الحكمين إنما شرع في الكتاب العزيز لاستئصال شأفة الخصام والشقاق ونزع فتيل الفتنة الهوجاء بين الزوجين أن يشب ضرامها وينفجر بركانها ومن المعلوم أن المصلحة لا تكون دائما في الجمع بينهما فقد تتأصل علتهما ويستحكم داؤهما حتى لا يكون له دواء إلا التفرق ولذلك شرع الطلاق لرفع الحرج عنهما وقد يكون بقاء العلاقة الزوجية أوغر للصدور وأنكى للجراح وأبقى للخصومة عندما يبلغ تنافرهما حدا يتعذر معه الوفاق بحيث لا يكون إلا مدعاة للاحتكاك المهيج للفتنة فماذا عسى أن يكون قرارهما في مثل هذه الحالة أيلزمان أن يجمعا بين من لا يريان جمعهما إلا مدعاة لمزيد الخصومة والشقاق واستحكام البغضاء والكراهية؟ أوليس الواجب في مثل هذه الحالة أن يبتا بما يريانه أقرب إلى العدل وأوفق مع التقوى وأرضى لله سبحانه ثم للضمير الحي ولا ريب أن الشريعة تدور مع جلب المصالح ودرء المفاسد وحيث ما كانت المصلحة فثم شرع الله كما قال ابن القيم"
والكلام هو تكرار لكلام سابق ثم قال :
"رابعها: أن النص على أن يكون أحدهما من أهله والآخر من أهلها دليل على أن الحكمة في ذلك مراعاة استقصاء أسباب الوفاق والشقاق لأن الأهلين أمكن في ذلك من غيرهم إذ بإمكان الأقربين أن يطلعوا على مكامن الداء ومناشيء الشقاق التي لا يطلع عليها الأبعدون ومن خلال ذلك يمكنهم سبر أحوال الزوجين ودراسة أسباب الشقاق بينهما والنظر في إمكان الوفاق أو تعذره والحكم كالطبيب لابد له من استقصاء العلة لاستئصالها وعلاج كل أحد بما يلائمه فإذا رأى الحكمان أن اجتماعهما مع تنافر طباعهما هو منشأ علتهما المزمنة فلا مجال للعلاج في مثل ذلك إلا بالانفصال إذ ليس من الحكمة أن يعالج الداء بغير دوائه وفرضهما بقاء العلاقة الزوجية بينهما في هذه الحالة لا يعدو أن يكون من علاج الداء بالداء وأنى بمثل ذلك يكون الشفاء؟."
والحكمان ليسوا هنا بمقام الطبيب وليسوا بمقام القاضى لسبب بسيط هو أن أول أية الحكمين يقول:
"وإن خفتم شقاق بينهما "
فسبب استدعاء الحكمين هو الخوف من الطلاق ومن ثم فالحكمين يأتيان لسبب واحد وهو الإصلاح حتى لا يقع الطلاق كما قال تعالى :
"وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا"
ولذا لم يذكر الله غير الإصلاح فلو كان هناك تفريق لذكره مع الإصلاح فالحكمان هنا مصلحين فقط لا غير
ثم قال :
"وبما ذكرته في هذا الوجه يظهر أن الراجح عدم جواز تحكيم الأجنبيين منهما مع وجود من هو أهل للتحكيم من أهلهما وإن ذهب جماعة من أهل العلم إلى خلاف هذا إذ حملوا ما في الآية من كون أحد الحكمين من أهله والآخر من أهلها على الاستحباب لا الوجوب وليس ذلك بشيء لأنه يودي إلى إلغاء كثير من القيود الواردة في النصوص الشرعية وذلك مفض إلى التعويل على الآراء في مقابل النصوص وبالجملة فإن هذه الوجوه شاهدة على صحة القول بأن للحكمين التفريق كما أن لهما الجمع بحسب ما يريانه من أحوال الزوجين المقتضية لاتباع أحد المسلكين، وبهذا يحل كثير من المشكلات الناجمة عن الخلافات الزوجية لو أحسن الناس الأخذ بهذا التوجيه الرباني وكان في الأسر من أولي البصيرة والفقه من هم أهل لتحمل هذه التبعات فإن قيل ليس ما قلته مسلما فأما الآية الكريمة فإن الشافعي استدل في كتابه الأم على عدم تسويغ تفريق الحكمين للزوجين بما جاء فيها من توجيههما إلى الإصلاح مع عدم تعرضها للتفريق وذلك في قوله تعالى { إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } وأما ما روي عن الصحابة فمنه ما يحتمل أكثر من وجه ولذلك استدل الشافعي في الأم بقول علي للرجل "كذبت لا والله حتى تقر بما أقرت به " على أنه لا يسوغ التفريق إلا بإقراره من كلا الزوجين كما استدل لذلك بقول علي لمن حضروا: ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها حيث لم يقم وحده ببعث الحكمين وإنما أمر به الزوجين على أن بعض أصحاب الشافعي حكى عنه أنه قال في هذا المحكي عن علي "وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل، أما دليل القول الأول وهو أنه بعثهما من غير رضى الزوجين وقال: "عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا" وأقل ما في قوله (عليكما) أنه يجوز ذلك، وأما دليل القول الثاني أن الزوج لما لم يرض توقف علي ومعنى قوله كذبت أنك لست بمنصف في دعواك.
قلت: تندفع هذه الاعتراضات كلها بحسن التأمل ودقة النظر أما النص على الإصلاح في الآية مع السكوت عن التفريق فلا يدل على عدم تسويغ التفريق ذلك لأن المسكوت عنه لا يدل عليه حكم من حيث السكوت وقد فهمت من معنى التحكيم ما يدل أن للحكمين أن يجمعا وأن يفرقا وإنما اقتصر على ذكر الإصلاح لأجل الترغيب في الألفة والتنفير من الفرقة ما وجد إلى ذلك سبيل وأما ما قاله علي كرم الله وجهه للرجل فقصارى ما فيه أنه ما أراد به إلا زجره على تعنته حيث أبى أن يرضى بما حكم الله به وإنما أراد به أن يرده للحق الذي أباه ولو كان ذلك من أجل أن التفريق لا يسوغ إلا برضاهما معا لما كان له أن يكرهه على قبول ما لم يرض به فإن الصلح لا يكون بإكراه أحد ولو كان الحكمان وكيلين أو شاهدين لما كان معنى لقوله "أتدريان ما عليكما" وإنما كان المناسب في ذلك أن يقول لهما "أتدريان بما وكلتكما" كما نبه عليه ابن عبد البر في الاستذكار وأما قوله (ابعثوا) فهو لا يدل على أنه خطاب للزوجين وإلا لقال ابعثا من أهلكما بصيغة التثنية مع إضافة الأهل إلى ضمير الخطاب المثنى دون ضمير الغيبة وإنما قال ذلك ولم يكتف بأن يبعث بنفسه الحكمين لقصد إشراك من معه في القيام بهذا الأمر بانتخاب الحكمين الصالحين من أهليهما كما قصد بيان الحكم الشرعي في ذلك ليعرفه من لم يكن به عارفا."
وكلام الخليلى فى أوله عن حرمة اتخاذ حكمين من غير الأهل كلام صحيح لأن ما يقال من الزوجين فى حق كل منهما من قبلا ألأخر أحيانا يكون كلاما لا يصح نشره ويتطلب كتمانا
وحاول الخليلى أن يفند كون الطلاق حق الزوج فقال:
"وقد يستدل للقول الآخر بأن الطلاق إنما هو من اختصاص الزوج فلا يكون بيد الحكمين إلا إن فوضهما فيه الزوج ولكن يدفع ذلك بأن الطلاق قد يصدر من غير الزوج في أحوال معينة فقد يكون بحكم من القاضي الشرعي لرفع الضرر عن المرأة وقد يكون من الولي في حال تعذر أن يقوم به الزوج إما لغيابه أو لعدم أهليته له وذلك فيما إذا طالبت به المرأة لتضررها ببقائها في عصمة الزوج وبهذا التحرير تدرك أن قرار الحكمين يعد قضاء وبه تخرج المرأة عن عصمة الزوج إن اتفقا على التفريق بينهما ولا يتوقف قرارهما على حكم من القاضي إن كانا أهلين لما وكل إليهما وذلك بأن يكونا عدلين صالحين فقيهين فإن اختلفا في الحكم فلا عبرة بقرار أحدهما حتى يوافقه الآخر وليس لهما أن يطلقا أكثر من طلقة واحدة على الصحيح لأن الغرض يتم بها ولبدعية الزيادة عليها في الموقف الواحد غير أنها تكون بائنة بها بينونة صغرى كما لو طلقها القاضي وروي عن ابن القاسم من أصحاب مالك جواز جمعهما بين التطليقتين والثلاث إن اتفقا على ذلك وقاله المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ من علماء المالكية وهو قول إبراهيم النخعي كما سبق ذكره.
2- لا يصار إلى تحكيم الحكمين إلا عندما يلتبس أمر الزوجين بحيث لا يعرف المسيء منهما من المحسن أما لو عرف من أساء منهما وترافعا إلى القضاء الشرعي فإن على القاضي أن يردع المسيء منهما ويرده إلى الحق رغم أنفه ولذلك فإن تطليقه للمرأة قبل التحكيم إما لتبينه إساءة الزوج أو لا فإن كان بعد تبينه ذلك فحكمه ماض لأنه بناه على أصل شرعي فلا وجه لنقضه وإن كان عكس ذلك فحكمه جائر إذ لا يسوغ له التطليق قبل أن تتضح له حقيقة أمرهما ويرد حكمه وينظر في أمرهما فإن اقتضى بعث حكمين لالتباسه بعثا وإلا فلا.
3- الأصل في تطليق الحكمين إن طلقا ألا يكون مشروطا برد الصداق إلى الرجل أو بعض منه لأن الصداق حق للمرأة على الزوج لا يجوز غمطها إياه اللهم إلا أن يكون ذلك برضاها على أن الطلاق إنما يكون بثبوت سوء معاملة الزوج لها وفي هذه الحالة لا يسوغ للزوج أن يرزأها شيئا منه كما نص عليه القرآن في قوله تعالى: { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } وقوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } لهذا ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يسوغ أن يحكما بالطلاق مع رد شيء مما آتاها إليه وذهب ابراهيم النخعي إلى جواز أن يحكما بالطلاق مع رد جميع الصداق أو بعضه كما سبق نقل ذلك عنه، والذي أراه أنه يسوغ الحكم بالتفريق بشيء من المال سواء كان جميع الصداق أو بعضه في حالة واحدة وهي أن يريا تعذر استمرار العلاقة الزوجية بينهما لشدة نفور المرأة عن الرجل لسبب قهري لا تملك دفعه مع إحسان الرجل إليها وعدم تسببه في نفورها لأن هذه الحالة تسوغ أن يسترد منها ما آتاها ليخلي سبيلها بخلاف ما إذا كان نفورها ناشئا عن سوء عشرته ومبالغته في القسوة عليها
4- إذا ترافع الزوجان إلى القاضي الشرعي وتبين له موجب التفريق بينهما فإن الأصل أن يأمر الزوج بالطلاق ويجبره عليه إن امتنع إلا إن أصر على الامتناع أو تعذر أن يأمره بالطلاق لغيبته أو كونه يتعذر إحضاره للحكم عليه بسبب من الأسباب فإن القاضي في هذه الأحوال يوقع الطلاق عليها بنفسه.
5- إذا حكم القاضي بالطلاق من قبله عد حكمه تطليقا للمرأة فلا يرد قضاؤه ولا تبقى للزوج عصمة النكاح على المرأة إلا إن كان قضاؤه ليس له مسوغ شرعا، ولكنني أستحسن أن يصرح القاضي بإيقاع الطلاق دفعا للبس.
6- أما حديث فاطمة بنت قيس وما فيه من الأمر بأخذ الحديقة منها فليس إلزاما لهما بالخلع وإنما أراد به رسول الله (ص)الترفق بإرشادهما إلى ما فيه مصلحتهما لما رآه من نفورها عنه ولم يكن ذلك قضاء يوجب عليهما المخالعة وهو مما يتبين بالنظر فيما جاء من ألفاظه المروية عنه (ص)."
وكل ما سبق قوله من الخليلى هو كلام مخالف لكلام الله فى التالى :
الأول كون الطلاق حق الزوج وحده كما قال تعالى :
"فلإن طلقها"
الثانى سبب وجود الحكمين هو منع الشقاق وهو الطلاق كما قال تعالى
"وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما "
الثالث أن أية الحكمين ذكرت أن الحكمين يصلحان فقط ولم تذكر حالة الفراق أو الطلاق وهى :
"وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا"

الأحد، 25 يوليو 2021

قراءة فى كتاب إسلاميون في الوحل الديمقراطي

قراءة فى كتاب إسلاميون في الوحل الديمقراطي!!
الكتاب تأليف أبي المنذر الشنقيطي وموضوعه هو أن الديمقراطية كفر لا يمت للإسلام بصلة وقد استهل الشنقيطى الكتاب بنتيجة أن مشاركات ما يسمى التيار الإسلامى المعتدل فى الديمقراطية لم تأت بأى نتيجة إيجابية خلال قرن كامل فحكام البلاد لم يمكنوهم من تولى الحكم حتى بعد فوزهم بالانتخابات سواء قبل او بعد الانتخابات ففى الجزائر تك إلغاء الانتخابات وسجن الفائزين وفى مصر عمل الفاسدون على اسقاطهم بعد سنة واحدة بابتكار المشاكل وتكريه الناس فيهم وفى تونس ما زال الكل يعمل على دفنهم وهم أحياء وفى المغرب والأردن تم تدجينهم أحيانا وأحيانا أخرى مكنوا من الحكم دون ان يحكموا فى الحقيقة لأن الحاكم الفعلى كان الملك والمخابرات
وفى النتيجة قال الشنقيطى :
لم تكن الديمقراطية في يوم من الأيام طريقا لإقامة حكم إسلامي، ومنذ أن عرفت بلاد الإسلام الديمقراطية إلى اليوم لم تنشأ دولة إسلامية انطلاقا من هذا النظام!!
وإذا كان " الإسلاميون " الذين يروجون للنظام الديمقراطي يعتقدون بأن النظام الإسلامي - نظام الخلافة والحكم بما أنزل الله- أفضل من النظام الديمقراطي وأمكن في تحقيق العدالة والحرية، فلماذا لا ينشغلون بالدعوة إليه والسعي إلى تطبيقه بدلا من الانشغال بالدعوة إلى الديمقراطية؟ولمصلحة من يقوم هؤلاء " الإسلاميون " بالتعمية على مفاسد الديمقراطية ومحاذيرها الشرعية والمبالغة في تضخيم محاسنها حتى زعموها تطبيقا عصريا لنظام الشورى!!"
وبين الشنقيطى أن المشاركين فى الجهلانية المسماة الديمقراطية يحاولون أبعاد الناس عن معايب الديمقراطية التى أسماها الرجل الوحل فقال:
"إن من التجاسر على شرع الله والافتئات عليه أن نعطي لأنفسنا الضوء الأخضر في إقرار التحاكم إلى غير شرع الله ثم ندعي كذبا أن هذا ما لا يمكن سواه، وأننا مضطرون!
الحقيقة المرة التي لا بد من الصدع بها هي أن الولوج إلى الديمقراطية يعني الخروج من الإسلام فالديمقراطية ليست إلا عبارة عن وحل أوقف مسيرة الدعوة إلى تطبيق شرع الله أو انحرف بها عن المسار الصحيح
حقيقة الديمقراطية"
بين الشنقيطى نشأة الديمقراطية فيما أسماه الغرب مع أنها نشأت فى بلاد يعتبرها الغرب شرقية هى اليونان وقبلها فقال:
" الديمقراطية " نظام غربي النشأة غربي القيم غربي الصورة لا يخالفنا في ذلك أحد "
وبين الرجل مثالب الديمقراطية وهى أن تتحاكم للبشر وليس لله فقال:
النتيجة النهائية لهذا النظام هي إعطاء الحاكمية للبشر لا لله والتعريف البسيط له هو: حكم الشعب بالشعب لكن بعض المفتونين بهذا النظام يريدون منا أن نفهم شيئا آخر:
يريدون منا أن نفهم أن " النظام الديمقراطي " الغربي توجد منه نسخة إسلامية لا تتعارض مع الإسلام!ويريدون منا أن نفهم أنه يمكن أن يكون الحكم للشعب ومع ذلك تظل الحاكمية لله وحده!"
وبين أن التيار المشارك فى الديمقراطية باسم الإسلام زورا يحاول خداع الناس حيث يحسن المحرم فقال:
"ويريدون منا أن نفهم أنه يمكن للمسلمين أن يقتبسوا نظم الحياة ومناهج الحكم من الغرب "العظيم" دون أن يكون ذلك تقليدا لهم أو اتباعا لسننهم!ويريدون منا أن نفهم أن نظام الحكم في الإسلام ليست له قواعد محددة أو شكل ثابت بل يتقلب مع تقلب الزمان والمكان؛ فقد يكون على هيئة الخلفاء في زمن الخلفاء الراشدين وقد يكون شبيها بنظام الحكم في أمريكا أو فرنسا أو غيرها من دول الكفر! ويريدون منا أن نفهم أن سن القوانين والتشريعات من طرف ما يسمي بالسلطة التشريعية لا يتنافى مع الشريعة الإسلامية ويريدون منا أن نفهم أن الشورى هي الديمقراطية والديمقراطية هي الشورى لا فرق إلا في الاسم ويريدون منا أن نفهم أن المصلحة العظمي في تربعهم على كرسي السلطة أكبر من جميع المصالح الدينية بما في ذلك توحيد الحاكمية!
ويريدون منا أن نفهم أن الشريعة التي جاء بها محمد صلي الله عليه وسلم لا يمكن في هذا العصر تطبيقها إلا عن طريق " نظرية العقد الاجتماعي " التي جاء بها (جان جك روسو)
ويريدون منا أن نفهم انه يمكن أن تسود فينا القوانين الوضعية وأنظمة الحكم الطاغوتية ثم نظل بعد ذلك مسلمين"
وحاول الشنقيطى أن يبين أنه فهم أن الصحيح هو التالى فقال:
"هكذا يريدون منا أن نفهم لكننا فهمنا ما هو مخالف لذلك تماما:
- فهمنا أن الأمة لم ولن تجتمع على ضلالة أبدا
- وفهمنا أن الإسلام الذي كلفنا الله به هو ما كان اقتداء بالنبي صلي الله عليه وسلم شبرا بشبر وذراعا بذراع في كل شأن من شئون الحياة بما في ذلك أهمها وأعظمها: " نظام الحكم
- وفهمنا أن الدعوة إلى الله لا تعني استنفاد كل الوسائل بغض النظر عن كونها شرعية من أجل الوصول إلى الحكم، وإنما تعني بيان الدين وإبلاغه للناس مهما كان غريبا في واقعهم ومهما كان شديدا على أنفسهم
- وفهمنا أن الله عز وجل تعبدنا بإقامة الدين قبل إقامة الدنيا وترسيخ العقيدة قبل الوصول إلى الحكم
- وفهمنا أن إقامة الدين في واقع الناس لا يكون باستجداء الباطل والركون للظالمين والتخلي عن مبدأ الولاء والبراء
- وفهمنا أن النجاح في الدعوة لا يعني تحقيق النتائج والحصول على المكاسب بقدر ما يعني تطبيق الأمر الإلهي والإصابة في العمل
- وفهمنا أن الخلط بين " الشورى " و " الديمقراطية " خلط بين الإيمان والكفر والحق والباطل
- وفهمنا أن طريق الجهاد بما فيه من مشقة وتعب ونصب أمكن في تطبيق الشرع وأبلغ في تحقيق المراد من طريق الديمقراطية بما فيه من عذوبة ونعومة وعسل مصفى
- وفهمنا أن الدعوة إلى الالتزام بالديمقراطية تعني الدعوة إلى مفارقة الإسلام وأن الاقتراب من الديمقراطية يعني الابتعاد عن الإسلام
- وفهمنا أن ممارسة " الشورى " عن طريق " الديمقراطية " هي من باب ممارسة الشيء بنقيضه وفتح الباب بمغلاقه وإطفاء النار بالزيت هكذا فهمنا الديمقراطية، وهكذا هي حقيقتها كما يشهد الواقع "
وقطعا كلام الشنقيطى فيه خطأ وهو أن الأمة لا تجتمع على خطأ وقد ضرب الله مثلين على اجتماع المسلمين على خطأ :
ألأول اجماع اخوة يوسف على باطل هو التخلص منه كما قال تعالى :
"فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابات الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون"
الثانى اجماع النبى(ص) والمسلمين على الدفاع عن المجرم بدعوى أنه برىء واتهام البرىء بكونه مجرم حتى نزل أمر الله ناهيا إياهم عن ذلك فقال :
"ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما"
وبين الشنقيطى أن الديمقراطية شرك بمعنى أن تشريع البشر عن طريق المجالس النيابية هو مشاركة لله فى التشريع فقال:
"الإصرار على الشرك
إن عدم المبالاة بالوقوع في الشرك من الإصرار فيجب على المؤمن أن يكون حريصا على تحقيق التوحيد وأن يكون شديد الحذر من الوقوع في الشرك شديد التجنب له فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلم)ويجب على المؤمن أن يفر من الشرك في العمل كما يفر منه في القول والمعتقد وهذا يقتضي منه الترك الجازم لكل ما كان فيه شبهة شرك تركا للشبهة وحسما للريبة وطلبا للأحوط أما من يحذر من الشرك فيقابل ذلك بالاستهزاء، أو الإعراض، أو الجدال بلا برهان فهذا يخشي عليه أن يكون من المعاندين المستكبرين الذين قال الله تعالى في شأنهم: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق }
إذ ليس هو من المستسلمين الذين ينقادون لأوامر الله وأحكامه إذا سمعوها ونحن اليوم نرى المفتونين بالديمقراطية إذا حذروا مما تحويه من الشرك جادلوا بشبه ومعاذير لا تغني من الحق شيئا وما هذه المعاذير والأقاويل التي يجادلون بها ويردون بها نصوص الوحي الصريحة إلا مما أوحاه الشيطان إليهم فهي دليل على عنادهم وعدم انقيادهم لحكم ربهم
قال تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون}
وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا}
فهذا هو الإسلام إسلام الوجه لله والانقياد لحكمه كيفما كان واتباع ملة إبراهيم الحنيفية السمحة النقية من الشرك:
قال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} حنيفا أي مائلا عن الشرك وكون أهل الشرك لهم تأويلات في شركهم فإن ذلك لا يدفع عنهم وصف المشركين فهذه قريش في عبادتها للأصنام تقول: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي} !
وهاهم " القبوريون " في زماننا يقولون: إنما ندعوا صاحب القبر ليشفع لنا ولن تجد صاحب شرك وكفر وضلال إلا له نوع من التأويل أوحاه الشيطان إليه يخيل إليك لأول وهلة أن له أصلا ومتمسكا فإذا بحثت لم تجد إلا الحيل والأباطيل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء!
إن هؤلاء الإسلاميين بتمسكهم بالديمقراطية قد ابتعدوا من الإسلام ووقعوا في منزلق عظيم هوى بهم إلى الكثير من المحاذير الشرعية والمخالفات العقدية جعلتهم يخرجون من وصف دعاة التوحيد إلى دعاة الشرك وهم بترويجهم للمنهج "الديمقراطي" الشركي أضروا بالدعوة الإسلامية من حيث يشعرون أو لا يشعرون فقد فتحوا الباب أمام هذه البدعة الشركية وزادوا الخرق اتساعا على الدعاة إلى الله عز وجل مما اضطر الكثير من الدعاة وأهل العلم إلى التفرغ للتحذير منها وتبيين ما فيها من شرك ومخالفة لشرع الله، فضاعت بذلك جهود وطاقات كان من الممكن أن يتفرغ أصحابها للتحذير من شرك القبور وسائر البدع والضلالات المنتشرة بين المسلمين "
وبين الشنقيطى أن الديمقراطية هى ضد الإسلام لأنها نظام يشرع للحياة كلها وهو بذلك دين كافر لأنه يخالف الإسلام فقال :
"الديمقراطية نقيض الشرع
الديمقراطية ليست فقط وسيلة لاختيار الحاكم كما يريد البعض أن يختزلها كلا كلا
بل هي أشمل من ذلك وأوسع إنها نظام حكم متكامل بما في الكلمة من معنى والاحتكام لهذا النظام لا يدع مجالا للاحتكام إلى غيره، لأنه نظام يهيمن على سلوك الفرد والجماعة و يحدد علاقة الفرد بالجماعة وعلاقة الجماعة فيما بينها إنها باختصار: نظام بديل عن شرع الله إن أول خطوة ينبغي أن نقوم بها من أجل المطالبة بتطبيق شرع الله هي المطالبة بإلغاء الديمقراطية ذلك أن البنية الهيكلية للنظام الديمقراطي لا تنسجم مع النظام الإسلامي بل تناقضه جملة وتفصيلا:
فلكي نطبق الشريعة الإسلامية لابد من إلغاء الدستور العلماني (الديمقراطي) ولا بد من حل البرلمان (ليكون التشريع لله وحده) ولا بد من حل الأحزاب ولا بد من إلغاء تعدد السلطات ولا بد من إلغاء التناوب على السلطة والديمقراطية تعني جعل إرادة الشعب هي الشرع البديل عن شريعة الله باعتبار أصوات أغلب ممثليه والدستور والقانون يعبران عن إرادة الشعب وليس عن إرادة الله تعالى والقاضي حين يحكم يحكم باسم الشعب وليس باسم الله تعالى!فإرادة الشعب هي الوجهة والمبتغى وهي المنطلق والمنتهى فإذا وافقت إرادة الشعب إرادة الله تعالى فالعبرة بإرادة الشعب وإذا خالفت إرادة الشعب إرادة الله تعالى فالعبرة بإرادة الشعب وسواء كانت العبرة بإرادة الشعب كله كما هو المعلن؛ أو إرادة فئة منه؛ كما هو المطبق فإن ذلك كله يتنافى مع الإسلام ويناقضه لا يمكن أن ندعوا إلى الديمقراطية وفي الوقت نفسه ندعوا إلى الإسلام ولا يمكن أن ننشغل بتطبيق الديمقراطية وفي الوقت نفسه ننشغل بتطبيق الإسلام ولأن الظرف الزماني والمكاني يستحيل عقلا أن يجتمع فيه الأمر مع نقيضه فلا يمكن أن نجمع بين حكم الإسلام وحكم الديمقراطية "
وبين الشنقيطى أن التيار المشارك فى الديمقراطية قلب قانون الأديان فكلها أولا تصنع المؤمنين بها من خلال الدعوة ومن خلال تجمع المؤمنين فى مكان تتحول لدولة تطبق الدين وأما التيار المشارك فهو غير ذاك فأراد أن يحكم قبل أن يكون هناك مؤمنين حقا وصدقا وفى هذا قال :
"صراع القيم
لقد لاحظت أن كل الدعوات الدينية والمناهج الفكرية التي حكمت أو تحكم واقع الناس اليوم إنما بدأت أول ما بدأت بالدعوة إلى مجموعة من القيم والأفكار والنظريات التي ينبني عليها نظامها ومنهجها فلما انتشرت تلك القيم والأفكار والنظريات وتلقاها الناس بالقبول استطاع أصحابها أن يسعوا إلى تطبيقها على أرض الواقع
إن الدعوة إلى تطبيق أي نظام قبل السعي إلى ترسيخ قيمه تعتبر قفزا على الواقع وحرقا للمراحل الطبيعية للتسلسل السببي ومهمتنا نحن اليوم كدعاة إلى الإسلام أن نقوم بالسعي إلى ترسيخ القيم التي يقوم عليها الحكم الإسلامي قبل السعي إلى ترسيخ الحكم الإسلامي نفسه لأن التنازل عن هذه القيم يعني التنازل تلقائيا عن الحكم الإسلامي الذي لا يقوم إلا عليها
إن هذه القيم هي الأساس الذي يقوم عليه بناء الحكم الإسلامي، و تطبيق الإسلام على غير أساس من هذه القيم الإسلامية ليس تطبيقا للإسلام وحين نحاول تطبيق الحكم الإسلامي قبل ترسيخ قيمه نكون كالجراح الذي يخيط الجرح قبل انتهاء العملية والدعوة كذلك إلى أي نظام تقتضي محاربة القيم والمبادئ التي تتناقض مع قيمه ومبادئه فإن من يحاول تطبيق نظام - أي نظام - من خلال القيم التي تتناقض مع البنية الجوهرية له إنما يؤسس بنيانه على شفا جرف هار فإن لكل نظام و منهج شكلا و مضمونا بهما تعرف حقيقته و يمتاز عن غيره ولا يمكن التفريق بين الشكل والمضمون في أي نظام، لأن العلاقة بينهما كالعلاقة بين الجسد والروح "
وبين الشنقيطى أن المشاركين فى الديمقراطية بعملهم يهدمون قيم الإسلام لأنهم فى سبيل الوصول للحكم يخالفون اخلاقا عديدة ويستخدمون الكذب وتشويه الأخر... وهو قوله:
"إن المشاركة في " النظام الديمقراطي " والدعوة إليه وترويجه هي دعوة صريحة إلى إلغاء القيم الإسلامية التي تتعارض مع النظام الديمقراطي دعوة إلى إلغائها إما نهائيا وإما إلى أجل!!
وبعد انتهاء هذا الأجل نحن بين خيارين:
إما أن نترك الناس على ما هم عليه من قيم مخالفة للإسلام، وحينها يتعذر علينا تطبيق الإسلام
وإما أن نكشف لهم الحقيقة ونقول بصراحة: هذا ليس هو الإسلام؟
وعندها سوف يعترضون علينا ويقولون: أنتم الذين دعوتمونا إليه وأوصلتمونا إليه فهل كنتم تخدعوننا؟!إن رجوع الناس عن قيم تشبعوها ومبادئ اعتنقوها من أعسر العسير، والداعي إليه متجشم عناء كبيرا فكيف إذا كان هذا الداعي هو من بنا تلك الأسس ودعا إليها ثم جاء يروم هدمها ونقضها من بعد ما تجذرت في قلوب الناس وترسخت في نفوسهم!!ولا يجدي نفعا الزعم بأنا نمارس الديمقراطية من أجل الوصول إلى الإسلام لأن ذلك يعني أنا جعلنا الشرك طريقا إلى التوحيد وما مثلنا في هذه الحالة إلا كالمتوضئ بماء نجس! كما لا يجدي نفعا أن نعتذر بأنا نمارس " الديمقراطية " دون الدعوة إلى قيمها أو التأثر بها
لأن " الديمقراطية " هي " الديمقراطية " بشكلها وقيمها ومظهرها ومخبرها إن بعض " الإسلاميين " يحاولون إقناعنا بأنهم يمارسون الديمقراطية مفصولة عن قيمها الغربية بالطريقة نفسها التي يحاول بها قساوسة النصارى إقناع الناس بعقيدة التثليث!!
إذ أن من يقول: تحكيم الشعب لا يتنافى مع تحكيم الله تعالى، شبيه تماما بمن يقول: الأب والإبن وروح القدس ثلاثة تساوي واحد!!إن للديمقراطية شكلها وقيمها ولنظام الحكم الإسلامي شكله وقيمه وأما من يريد جعل الشكل ديمقراطيا والقيم إسلامية فلا هو بالديمقراطي ولا هو بالإسلامي:
أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان
ولو فرضنا جدلا أنه توجد ديمقراطية منفصلة عن القيمة فإن الواقع يشهد أن هؤلاء " الإسلاميين " يمارسون " الديمقراطية " بكل قيمها وشروطها المنافية للإسلام "
بين الشنقيطى أن الطريق لتحكيم الشرع إما الدعوة وإما القوة فقال:
"الطريق إلى شرع الله
نحن في طريقنا إلى تحكيم شرع الله عز وجل ينبغي أن نتخذ وسائل شرعية يرضاها الله ورسوله؛ ولا تتنافي مع أي من مبادئ الإسلام وهذا الأمر لا يتحقق عن طريق اتخاذنا الديمقراطية وسيلة نحن في طريقنا إلى تحكيم شرع الله عز وجل أمامنا طريقان شرعيان لا ثالث لهما:طريق التغيير بالدعوة وطريق التغيير بالقوة أما طريق التغيير بالدعوة فيعني أن ننشغل بالدعوة إلى الله وتربية الناس على أخلاق الإسلام وتعليمهم أحكامه ودعوة الناس جميعا حكاما ومحكومين، حتى يفيء معظم الأمة إلى الدين، ويخضعوا لشرع الله عز وجل، ويشتاقوا إلى الحياة في ظلال الإسلام، عندها ــ إن شاء الله ــ يحدث أمران:
إما أن يتخذ الجميع حكاما ومحكومين مبادرة بالرجوع الكامل إلى شرع الله عز وجل، دون أن يطلب أحد منهم ذلك وإما أن تنحصر معارضة شرع الله عز وجل في قلة من الناس، لكنها تضطر إلى الخضوع له نزولا عند رغبة الأكثرية أو تصر على معارضة شرع الله إصرارا يفضي إلى تصادمها مع الأغلبية صداما يؤدي إلى زوالها دفعة واحدة أو ذوبانها رويدا رويدا
وطريق الدعوة هذا يحتاج إلى الحكمة في الدعوة، والصبر على الأذى؛ والثبات على المبدأ؛ والوضوح في الطرح؛ والحذر من تمييع الدين
أما طريق التغيير بالقوة فيعني تربية شباب الدعوة على إعداد العدة واتخاذ كل أسبابها حتى تكون لهم قوة يدفعون بها عن أنفسهم إن احتاجوا إلى المدافعة، ويدعمون بها ما لديهم من مطالب وحقوق، ويصدون بها ما يرفضون من منكر وفسوق، وإن تيسر لهم إزاحة الأنظمة الخارجة على شرع الله عز وجل والرافضة له فهذا مسعى نبيل وعمل جليل
إن من المرفوض شرعا أن يكون العلمانيون واللادينيون مدعومين بقوة العسكر وتأييد الغرب في حين أن الدعاة إلى الله عز وجل عزل من كل أسباب القوة ولا يملكون من أوراق الضغط إلا الاستجداء والاستعطاف وإن غضبوا فلا أكثر من الشجب والتنديد!!
إن الحكم الذي يفيض بمعاني السيطرة والغلبة لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع ولا يمكن أن يستمر بعد تحققه إلا بقدر من القوة والتاريخ البشري عموما و الأحداث المعاصرة خصوصا تشهد لصحة ذلك لكن طريق التغيير بالقوة يحتاج إلى تضحيات جسام وجدية في العمل وصرامة في المواقف
هذان هما الطريقان الشرعيان الوحيدان أمام الدعاة إلى الله عز وجل "
وبعد أن بين طرق الوصول لتحكيم الشرع عاد فبين أن الظروف خى من تحكم الطريق الذى يجب سلوكه فقال:
لكن سلوك أحد هذين الطريقين ليس مسألة اختيارية بل هو محكوم بتحقيق المصلحة والمناسبة للظرف، فقد تكون الظروف والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية أكثر تهيئة لأحد الطريقين من الآخر والأمر يحتاج إلى بعد نظر وتأمل وروية وصدق نية
ثم إن الفصل بين هذين الطريقين مسألة نظرية أكثر من كونها عملية لأن كل واحد منهما لا يستغني عن الآخر ففي طريق الدعوة نحتاج إلى القوة عند اصطدام الأغلبية المطالبة بشرع الله بالأقلية الرافضة له وفي طريق التغيير بالقوة نحتاج إلى الدعوة لأنها هي الوسيلة لتكثير السواد وجمع الأنصار فبان بذلك أن هذين الطريقين ليسا في الحقيقة إلا طريقا واحدا يجمع بين حكمة الدعوة باللسان وقوة الجهاد بالسيف والسنان وأنهما مترابطان لا ينفصلان "
وما قاله الشنقيطى هو فصل للدعوة عن القوة وهو أمر خاطىء فلابد أولا من وجود نواة لدولة المسلمين أرض يجتمع فيها المؤمنون بتحكيم شرع الله وهو أمر غير متحقق حاليا وساعتها تنطلق الدعوة تحميها القوة
ما يواجه القوم حاليا هو أن المؤمنين الذين يريدون التضحية بأنفسهم قلة وهى متفرقة فى بلاد كثيرة ومن ثم إذا نِشأت الدولة بالقوة ومعظم من فيها لا يؤمنون بالدعوة وإن أعلنوا أنهم مسلمون فإنها سرعان ما تسقط لأن المدافعون عنها قلة نادرة وإذا اتبع أسلوب الدعوة مع عدم وجود قوة فإن الدعوة ستستمر ليوم القيامة بدون وجود دولة
وحدثنا الشنقيطى عن كون الديمقراطية ليست بديلا شرعيا فقال :
"أما الديمقراطية فليست بديلا شرعيا وليست بديلا عمليا ليست بديلا شرعيا لأنها غير مشروعة والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا وليست بديلا عمليا لأنها لا تستغني عن طريق الدعوة وطريق القوة هي تحتاج إلى الدعوة من أجل كسب الأنصار والمؤيدين وتحتاج إلى القوة من أجل المحافظة على المكاسب والانتصارات فإذا لم يكن لهذه المكاسب والانتصارات قوة تمنع من انقلاب الآخرين عليها فسوف تكون في مهب الريح أو تحت رحمة العسكر أقول: إذا كان طريق الديمقراطية هذا لا يستغني عن الدعوة، ولا يستغني عن القوة فليس له من مميزات إلا تناقضه مع شرع الله، ولو استخدم الإسلاميون السالكون لهذا الطريق جهودهم وطاقاتهم في الطريق الشرعي لجمعوا بين الإصابة في العمل وبلوغ الغرض "
وبين الشنقيطى أن الخداع الديمقراطى للتيار المشارك يتمثل فى مبادى تناوب السلطة وتعدد السلطات فقال :
"الطعم الجذاب
هناك مبدآن أساسيان في " الديمقراطية " يمثلان الطعم الذي جعل بعض الإسلاميين يتشبثون بها ويغضون الطرف عن كل مساوئها؛ هذان المبدآن هما:
- التناوب على السلطة- وتعدد السلطات
أما بالنسبة للتناوب على السلطة فهم يرون أن هذا المبدأ من أحسن ما توصلت إليه البشرية في مجال أنظمة الحكم إذا كان المقصود هو إقامة العدل ودفع الظلم فلا شك أن العدل كان موجودا من فترة إلى أخرى قبل أن يشيع نظام التناوب على السلطة فلا تلازم -إذن- بين العدالة والتناوب على السلطة
ونحن نعتقد أن استقرار السلطة في يد شخص واحد (تتوفر فيه المواصفات الشرعية) دون تناوب عامل إيجابي من عدة نواحي:
الأولى: أن تكون المسئولية الأولى موجهة إلى شخص واحد وهو في هذه الحالة سوف يسعى ما أمكنه إلى تحقيق أكبر إصلاح لأن ذلك يعتبر نجاحا له وقد كان هذا هو السبب في كون القطاع الخاص أكثر نجاحا من القطاع العام
الثانية: توفير الطاقات والجهود المالية والبدنية والفكرية التي تضيع في حشد الناس لهذا المرشح أو ذاك ووضعها في الاتجاه الصحيح الذي تحتاج إليه البلاد والعباد
الثالثة: غلق الباب أمام شهوة السلطة التي يهيجها مبدأ التناوب على السلطة والذي يعني بالضرورة انقسام الناس إلى موالاة ومعارضة أو معارضات تتنازع كلها على فريسة السلطة في صراع يثير غبار الفتنة!!
الرابعة: توجيه سياسة الحكم في اتجاه واحد لا تناقض فيه ولا اختلاف يحدث ذلك فقط عندما تستقر السلطة بيد شخص واحد أما حين يتناوب عليها المتناوبون فلن تستقر الأمور في اتجاه محدد بل قد يهدم الخلف كل ما بناه سلفه
أما بالنسبة لتعدد السلطات فأعتقد أن مفهوم " نظرية العقد الاجتماعي " التي دعا إليها الإنجليزي (توماس هوبز) لا يمكن تحقيقها إلا في ظل نظام شبيه بنظام البيعة في الخلافة الإسلامية، على العكس تماما من مفهوم هذه النظرية عند الفرنسي (جان جك روسو) الذي يعتبر كتابه (العقد الاجتماعي) إنجيل الثورة الفرنسية يري (هوبز) أن الناس كانوا متحاربين ثم رغبوا في السلام والأمن فتنازل كل واحد منهم عن دعواه في حق السيطرة على كل شيء لشخص واحد وكان هذا التنازل بمثابة عقد اجتماعي ولا يمانع (هوبز) من اعتماد هذا العقد الاجتماعي على القوة في حين يري (روسو) أن العقد الاجتماعي ضرب من المشاركة القائمة على التضامن والحرية والمساواة حيث يتخلى كل فرد عن حقوقه برغبة منه لا لشخص معين وإنما للدولة التي تمثل إرادة واحدة عامة هي إرادة الشعب!!ومن هذا المفهوم الذي ذكر (روسو) ولدت فكرة تعدد السلطات!تلك الفكرة التي يفهم فسادها بدلالة الإيماء من قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ومن هذا المفهوم أيضا ولدت فكرة سيادة الشعب التي تعني عدم الخضوع لله تعالى ثم إن الخصائص الإيجابية الموجودة في مبدأ تعدد السلطات مثل رقابة السلطة ومحاسبتها موجودة أيضا في نظام الحكم الإسلامي لكنها تعني الرقابة والمحاسبة على الخطأ دون المشاركة في الحكم التي كثيرا ما تؤدي إلى تصادم أقطاب السلطة وعرقلة اتخاذ القرارات
ليس من الغريب أن يكون في " الديمقراطية " خير بالنسبة للغرب لأنها ربما نقلتهم من سوء إلى سوء أخف عندما جاءت " الديمقراطية " إلى الغرب حررته من كهنوت الباباوات الجائر ومن سلطة دين زائف محرف فهل ستفعل "الديمقراطية "الشيء نفسه عندما تطبق في بلاد الإسلام؟كلا إن بلاد الإسلام لا تعرف كهنوت البابوات ولا تدين بأديان محرفة
إن الشعوب المسلمة لا تدين بالحكم لغير الله ولا يقرها الإسلام الذي تؤمن به على الخضوع لغير شرع الله فإذا جاءت " الديمقراطية " ألغت ذلك كله وجعلت الشعب هو مصدر الحكم وإرادته هي الوجهة وقانونه هو المطاع!!فهل في هذا خير للإسلام والمسلمين؟!!"
وما قاله الشنقيطى هو كلام كتب فالواقع فى بلادنا هو أن النخبة الفاسدة التى تحكم يرأسها العسكر وهم لن يمكنوا أحد من الحكم أبدا لأنه قد يقضى عليهم وعلى فسادهم ومن ثم فهم يعملون إما على إلغاء نتائج أى انتخابات تأتى بمن سيحاكمهم وإما ان يضعوا العراقيب والمعوقات لافشال من يجعلونه يتولى السلطة كصورة
وأخيرا تحدث عما سماه وحل الديمقراطية فبين ان شعوب المنطقة لم ـاتى بالديمقراطية ولم تطالب بها وإنما فرضت عليها من النخبة الفاسدة الحاكمة كى تشرعن فسادها فقال :
"الوحل الديمقراطي
يخطئ من يظن بأن الشعوب المسلمة هي التي انتزعت الديمقراطية أو طالبت بها
إن اتخاذ القرار بتطبيق الديمقراطية في بلاد الإسلام هو نفسه لم يكن ديمقراطيا!
لقد قام الغرب بتصدير الديمقراطية إلينا لأنه يعلم أن كوننا ديمقراطيين بلا إسلام خير له من كوننا مسلمين بلا ديمقراطية كان قرار تصدير الديمقراطية إلى بلاد الإسلام أمرا مدروسا ومخططا له بعناية من طرف الغرب وكان الغرب بتصديره للديمقراطية إلى بلاد الإسلام يعلم بأنه قد يفتح على نفسه بابا من الشر عظيما لأن هذه الديمقراطية سوف تؤدي إلى تحرير هذه الشعوب أكثر وخروجها عن سيطرة الغرب أكثر لكن الغرب كان يتعامل معنا بنفسية التاجر الذي يقبل الخسارة القليلة من أجل أرباح كثيرة ومن هذا المنطلق كان اتخاذه لقرار إنهاء الاستعمار المباشر والاكتفاء بتنصيب وكلاء له من أبناء الأوطان يحققون مصالحه الاستعمارية
المهم عند الغرب هو تحقيق المصالح، أما الوسائل بحد ذاتها فليست مهمة وليس من الضروري أن تكون ثابتة ولهذا فقد استعمل في كل فترة الوسيلة التي يري بأنها أنسب
استعمل أولا الاستعمار العسكري المباشر، ولما اشتد عليه الخناق لجأ إلى الاستعمار غير المباشر عن طريق عملائه من الحكام الدكتاتوريين ولما ضاقت الشعوب ذرعا بظلم هؤلاء الحكام وإفسادهم جاء بالبديل الجديد وهو " لعبة الديمقراطية "!!
وكان الغرب في تصديره لهذه اللعبة يسعي لعدة أهداف:
الأول: أن تكون " الديمقراطية " بديلا عن الإسلام الثاني: فرض النموذج الغربي على بلاد الإسلام الثالث: استغلال الجو اللاديني الذي تفرضه " الديمقراطية " من اجل نشر الفساد والرذيلة والإباحية والأفكار الضالة والمنحرفة الرابع: تخفيف الضغط ـ شكليا ـ عن الشعوب الإسلامية المقهورة خشية أن تثور؛ فكان هذا التخفيف الخفيف متمثلا في ديمقراطية التزييف
وكان الغرب عند تصديره لهذه الديمقراطية إلى بلاد الإسلام يتظاهر بخبث ودهاء أنه مكره لا بطل!وأنه مغلوب على أمره وكاره لهذا التصدير!!
وانطلت الحيلة الماكرة على بعض الطيبين من أبناء الحركة الإسلامية المتعطشين للانتصارفاستقبلوا الديمقراطية القادمة من بلاد الغرب بالتكبير والتهليل واعتبروها فتحا جديدا كيوم الفرقان!!أما الغرب المنتصر في هذه المعركة فقد تظاهر بالهزيمة كما يتظاهر الجيش المتحيز بالهروب للإيقاع بعدوه في كمين!ونجحت خطة الغرب بإحكام ووقع " الإسلاميون " في كمين " الديمقراطية "، وابتلعوا طعم الحرية الزائفة!!وغاصت أقدامهم في الوحل الديمقراطي فلم يستطيعوا التقدم نحو الحكم الإسلامي الذي أمر الله به، ولم يستطيعوا التراجع عن هذا الطريق حتى لا يفقدوا مكتسباتهم الوهمية "
وفى النهاية بين الشنقيطى أنه يطالب كل مسلم بعدم المشاركة فى الديمقراطية بأى صورة من الصور وأن يستغل الدعاة ثغرات الديمقراطية لنشر الدعوة فقال :
"ختاما
فنحن حينما نطالب المسلمين بعدم المشاركة في النظام الديمقراطي، فلسنا نطالبهم بعدم الاستفادة منه كلا ينبغي ان تكون هناك استفادة من الحرية الجزئية التي يمنحها هذا النظام استفادة في نشر الدعوة وتبليغ الحجة وتصحيح المفاهيم ومن ذلك: وضع " الديمقراطية " وضعها الصحيح وتوصيفها للناس توصيفا شرعيا: أنها وإن كانت أخف من الظلم والاستبداد في نظر البعض فإنها تناقض الإسلام ولا تلتقي معه لا في الإسم ولا في المضمون
وبهذا نستفيد من " الديمقراطية " دون أن نقرها أو ندعوا إليها، بل نستفيد منها ونحن نحذر منها وحين نفعل ذلك فنحن لا ندعوا الناس إلى الخضوع لأنظمة مستبدة جائرة، بل ندعوهم إلى التقدم إلى شريعة الله العادلة وهذا هو المتاح وهو ما كلفنا الله به إذ {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} 

السبت، 24 يوليو 2021

قراءة فى كتاب البت في صيام الست

قراءة فى كتاب البت في صيام الست
الكتاب تأليف فيحان بن شالي المطيري وهو يدور حول حكم صوم الست من شوال وبين سبب تأليفه الكتاب وهو المساهمة فى الفقه الشرعى فقال:
" وبعد:
فإن المساهمة في طلب العلم الشرعي من أجل الأعمال لما فيه من النفع العظيم الحاصل للباحث نفسه ولأفراد المجتمع الإسلامي، ...أردت أن أساهم بجهد مقل في خدمة هذا الفن أعني الفقه الشرعي، ونظرا لفضل التطوع من صيام وصلاة وصدقة، وأنه مكمل للفرائض، وقد وردت النصوص الشرعية بالحث على فعله؛ لما فيه من الثواب العظيم، فقد دونت وريقات -أرجو ثوابها من الله- عن حكم صيام الست من شوال بعد رمضان، ومن الأسباب الحاملة على ذلك ما يلي:
1- ما تقرر في الشريعة وفهمه أهل العلم قديما وحديثا من الثمرة المترتبة على هذا العمل الجليل أعني تحصيل الفقه وتدوينه، ومعلوم أنه من الصدقات الجارية التي يدوم نفعها بعد الموت.
2- ما يحصل من تكرر هذه العبادة كل عام بعد شهر رمضان، وحاجة المجتمع المسلم الماسة إلى معرفة حكمها، خصوصا من يكون عليه دين من شهر رمضان هل يقدم الدين أو التطوع.
3- ما حصل من الجرأة من بعض الكتاب في بعض الصحف من إنكار شرعية صيامها، وأن ذلك من البدعة، مع قلة علمهم ومعرفتهم بالأحكام الشرعية.
4- لا شك أن جمع المادة المتفرقة في مكان واحد من الأسباب التي تيسر الحصول عليها وحفظها وفهمها وهو ما قصدناه هنا. "
وهى مقدمة تبين تعدد أسباب التأليف فى الموضوع وقد استهل ببيان حكم صوم الست فقال:
"المبحث الأول: حكم صيام الست من شوال بعد رمضان:
اعلم أن الأعمال الصالحة تنقسم قسمين، واجبات ومستحبات، فالواجبات كالصلوات الخمس والزكاة وصيام رمضان والحج في العمر مرة واحدة.
والمستحبات كالرواتب والوتر وصيام الاثنين والخميس وصيام يوم وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم عرفة وعاشوراء، وصيام ستة أيام من شوال بعد رمضان، وغير ذلك من المستحبات التي دلت على سنيتها النصوص الصحيحة المستفيضة عند أهل العلم وإنما كان هذا التنويع ليأخذ المسلم من كل عبادة بطرف؛ حتى لا يمل العبادة الواحدة فيتركها فيشقى شقاء ليس بعده شقاء، وأمر آخر وهو أن الواجبات قد يحصل فيها نقص وخلل فتكمل من النوافل"
والخطأ فى الفقرة السابقة هو كون المباحات تنقسم لفروض ومستحبات وهو تقسيم بشرى فالتقسيم الموجود هو
الفروض الواحدة بمعنى أن المسألة فيها حكم واحد فقط
الفروض الاختيارية بمعنى أن المسألة يكون فيها حكمين أو ثلاثة كالقتل ففيه القصاص وفيه العفو مع الدية وفيه العفو بلا دية وكحكم المهر عند طلاق المخطوبة ففيه حكمين اعطاء الزوج المطلق نصف المهر والحكم الثانى اعطاء الزوج المطلق المهر كله
وتحدث عن كون صيام الست مستحب فقال:
"وقد أثير في هذه الأيام -من بعض الكتاب الذين ليس لهم خبرة بالمسائل الفقهية وأدلتها الشرعية- عدم صيام الست من شوال بعد رمضان، بحجة الخوف من اعتقاد العامة بوجوبها بعد رمضان، وأظن أن هذا الكاتب لو اطلع على أقوال الفقهاء في المسألة وأدلتها لما تجرأ إن كان عنده خوف من الله -عز وجل- على إثارة مثل هذه الشبهة، وأقول -بيانا للحق- إن صيام الست من شوال سنة مستحبة، وهو من فضائل الأعمال التي يثاب عليها الإنسان، وإلى استحباب صيامها ذهب أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعية والحنابلة والظاهرية، وطائفة من الحنفية والمالكية.
قال ابن قدامة في المغني:"وجملة ذلك أن صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم، روي ذلك عن كعب الأحبار والشعبي وميمون بن مهران وبه قال الشافعي"أ.هـ. (المغني 4/438).
وقال النووي في المجموع:"يستحب صوم ستة أيام من شوال لهذا الحديث، قالوا: ويستحب أن يصومها متتابعة في أول شوال، فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز، وكان فاعلا لأصل هذه السنة لعموم الحديث وإطلاقه. وهذا لا خلاف فيه عندنا وبه قال أحمد وداود"أ.هـ. (المجموع 6/347).
وقال الشوكاني في (النيل):"وقد استدل بأحاديث الباب على استحباب صوم ستة أيام من شوال، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وداود وغيرهم"أ.هـ وقال النووي في شرح صحيح مسلم بعدما ذكر حديث أبي أيوب وهو قوله (ص)"من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر" فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة"أ.هـ (النيل 3/266).
وقال الترمذي حديث أبي أيوب حسن صحيح، وقد استحب قوم صيام ستة أيام من شوال بهذا الحديث قال ابن المبارك: هو حسن هو مثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر"أ.هـ (جامع الترمذي مع العارضة 3/290).
هذا ما قاله بعض الأئمة الأعلام في هذه المسألة وهو غيض من فيض وقليل من كثير والمعول عليه هو الدليل."
وكل هذه النقول ليس منها فائدة فلا يوجد شىء اسمه صوم التطوع أيا كان لأنه تشريع من قبل البشر لم ينص الله عليه وهو مشاركة لله فى التشريع الذى أنزله كاملا فقال " اليوم أكملت لكم دينكم" ومن ثم لا يجوز إضافة أحكام للدين حتى ولو نسبت للنبى(ص)
الصوم فى كتاب الله هو فرض فى رمضان لقوله " فمن شهد منكم الشهر فليصمه" وهو عقاب على الذنوب أى كفارة كما فى الظهار والقتل الخطأ والحنث فى اليمين ومن ثم لا يمكن استحباب عقاب كعمل
المصيبة الكبرى هى فى تصديق الروايات المنسوبة للنبى(ص) فى الأمر وسوف نبين المصيبة فيما بعد وفيها قال المطيرى :
ومعلوم أن الفيصل في كل مسألة عند الاختلاف هو السنة الثابتة عن رسول الله (ص)ولا قول لأحد –مهما كانت منزلته- إذا كان يعارض سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- القولية أو الفعلية أو التقريرية والوارد في ذلك من السنة مما وقفنا عليه ما يلي:
1- ما أخرجه الجماعة إلا البخاري والنسائي من حديث أبي أيوب "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذلك صيام الدهر" (صحيح مسلم ح (1164) في الصيام: باب استحباب صوم ستة أيام من شوال، مسند أحمد (5/417) سنن أبي داود ح (2433)في الصوم باب: في صوم ستة أيام من شوال، مسند الترمذي ح (759) في الصوم باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال، سنن ابن ماجة (1716) في الصيام باب: صيام ستة أيام من شوال).
2- ما أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد والدارمي والبزار من حديث ثوبان عن النبي (ص)قال:"من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" (سنن ابن ماجة (1715) في الصيام باب صيام ستة أيام من شوال، مسند أحمد (5/280) وسنن الدارمي (2/21) وانظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (8/398) ح (3635).
3- وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سمعت رسول الله (ص)يقول:"من صام رمضان وستا من شوال فكأنما صام السنة كلها" رواه أحمد (3/308)، والبزار والطبراني في الأوسط: قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/183) وفي إسناده عمرو بن جابر وهو ضعيف".
4- وعن أبي هريرة عن النبي (ص)قال:"من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر" قال في المجمع رواه البزار وله طرق رجال بعضها رجال الصحيح" مجمع الزوائد (3/183).
5- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)"من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعة فكأنما صام السنة كلها" قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لا أعرفه" مجمع الزوائد (3/183).
6- وعن ابن عباس وجابر أن النبي (ص)قال:"من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال صام السنة كلها" قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الأوسط وفيه يحيى بن سعيد المازني وهو متروك" مجمع الزوائد (3/184).
7- وعن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص)"من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" قال في المجمع رواه الطبراني في الأوسط وفيه مسلمة بن علي الخشني وهو ضعيف" مجمع الزوائد (3/184).
8- وعن عبد الرحمن بن غنام قال: قال رسول الله (ص)"من صام ستا بعد يوم الفطر فكأنما صام الدهر والسنة" وقال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الكبير وقال عبد الرحمن بن غنام لم أعرفه" مجمع الزوائد (3/183).
فهذه ثمانية أحاديث دالة بمنطوقها على استحباب صيام ست من شوال، وبيان وجه الدلالة على المراد من وجوه:
الوجه الأول: ما ورد من التنصيص الصريح على الاستحباب، ومعلوم أن الحكم الشرعي -خصوصا العبادات- لا يؤخذ إلا من الدليل، وقد دلت هذه الأحاديث على مشروعية صيامها، ولا شك أن حكم العبادات توقيفي لا يقال فيه بالرأي.
الوجه الثاني: بعض الأحاديث لا تخلو من مقال غير حديث أبي أيوب الذي أخرجه السبعة إلا البخاري والنسائي، والقاعدة عند أهل العلم أن الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه يرتقي إلى درجة الحسن لغيره ويصبح صالحا للاستدلال، فلا مجال لرد الاستدلال بحجة ضعف أسانيدها، لكون ما أورد على بعضها مجبرا بكثرة الطرق على أن مثل ذلك مفتقر في الفضائل.
الوجه الثالث: لا يخفى أن المعول عليه عند التعارض هو السنة الصحيحة، فلا قول لأحد مخالف لقول رسول الله (ص)والقاعدة عند أهل العلم أن القياس المعارض للنص فاسد الاعتبار، ولم ينقل في هذه المسألة نص صحيح ولا ضعيف يعارض هذه الأحاديث، وكذلك لم ينقل نص واحد فيما اطلعنا عليه عن الصحابة في عدم استحباب صيامها، وإنما ذهب من ذهب إلى الكراهة لشبهة سنذكرها فيما بعد، وهي شبهة لا يصلح التعويل عليها ولا تصلح دليلا معارضا للسنة.
هذا ما استدل به القائلون باستحباب صيام الست من شوال، وهي أدلة ظاهرة كما ترى، وقد تعلق الكاتب لمنع صيامها بما نقل عن بعض الفقهاء من الكراهة، وهو القول الثاني في المسألة.
القول الثاني: كراهة صيامها، وبه قالت الحنفية والمالكية، والناظر في أقوال الفقهاء يرى أنها لا تخرج عن الجواز، بيد أن أصحاب القول الأول يرون الاستحباب والفضيلة وأصحاب القول الثاني يرون الجواز مع الكراهة.
والتحقيق أن أصحاب القول الثاني الذين تنسب إليهم الكراهة يرى كثير منهم الاستحباب كالقول الأول، أعني أن من فقهاء الحنفية والمالكية من يرى الاستحباب مطلقا ومنهم من قيده بقيود.
ولا شك أن المشهور عن الإمام مالك الكراهة، وإليك بعض النصوص من مصادر المذهب المعتمدة. فالمشهور في المذهب عنه في شروح الحديث وكتب الخلافيات كالبداية وغيره الكراهة عنده مطلقا مخافة أن يلحق الناس برمضان ما ليس منه، قال ابن رشد في البداية "لعله لم يبلغه الحديث أو لم يصح عنده وهو الأظهر" (بداية المجتهد 1/308).
وانظر إلى ما قاله الدردير في الشرح الكبير "ستة من شوال تكره لمقتد به متصلة برمضان متتابعة وأظهرها معتقدا سنة اتصالها" (الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1/517).
فهذه أمور خمسة كما ترى في كلام الدردير قال الدسوقي:"فالكراهة مقيدة بهذه الأمور الخمسة فإن انتفى منها فلا كراهة".
أما الحنفية فالمشهور عندهم –كالمالكية- الكراهة، ولم يتفقوا على ذلك وإنما صرح بعضهم باستحباب صيامها، كما في "نور الإيضاح" وشرحه "مراقي الفلاح" فقد نص على أنها من المندوبات.
وقال في "البدائع" والاتباع المكروه هو أن يصوم يوم الفطر ويصوم بعده خمسة أيام، فأما إذا أفطر يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه بل هو مستحب وسنة. (بدائع الصنائع 2/78).
وفي "الدر المختار" ندب تفريق الست من شوال ولا يكره التتابع على المختار خلافا للثاني "رأي أبي يوسف" والاتباع المكروه أن يصوم الفطر وخمسة بعده، فلو أفطر الفطر لم يكره بل يستحب ويسن "ابن كمال" (فتح القدير).
وانظر إلى حاشية ابن عابدين حيث بسط كثيرا من نصوص المذهب في عدم الكراهة. ثم قال"وتمام ذلك في رسالة تحرير الأقوال في صوم الست من شوال للعلامة قاسم، وقد رد فيها على ما في منظومة التباني وشرحها من عزوه الكراهة مطلقا إلى أبي حنيفة وأنه الأصح بأنه على غير رواية الأصول، وأنه صحيح ما لم يسبقه أحد إلى تصحيحه، وأنه صحح الضعيف وعمد إلى تعطيل ما فيه الثواب الجزيل بدعوى كاذبة بلا دليل" (حاشية ابن عابدين 2/435).
ومنه تعلم أن المرجح عند فقهاء الحنفية هو الندب، وما حكي عنهم خلاف ذلك إما مرجوح غير رواية الأصول أو محمول على صوم يوم العيد"
المصيبة فى روايات الست أن الروايات التى يعترف بها القوم كلها تقول "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذلك صيام الدهر"
فهنا صيام36 متتابعة بلا فطر هذه هى المصيبة التى تتعارض مع قوله تعالى ط فمن شهد منكم الشهر فليصمه" ومن ثم الشهر واجب بعد الفطر ولكن هنا36 يوم متصلة
الحديث يتعارض مع ما يسمونه السنة العملية وهى أن الناس يفطرون يوم عبد الفطر الأول ثم يصمون بعده
صوم الست سواء مباشرة بعد رمضان أو حتى بعده يتعارض مع تسمية العيد بعيد الفطر الذى لابد فيه من الفطر وهو الأكل والشرب والجماع
الإرب هو أن الروايات المرفوضة الواهية بسبب أسانيدها هى الصحيحة المعنى نوعا ما وهى :
"من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"
الناس والفقهاء يطبقون إذا الروايات المنكرة عمليا فى الحياة ويتركون العمل بالروايات الصحيحة عند الفقهاء وهى مصيبة كبرى
المصيبة الأخرى أن صيام الست هو تمام السنة والسنة ليست 6 أيام لأنها فى الغالب 360 يوم ومن ثم صوم 30+6=36×10 حسنات =360 حسنة وتناست الروايات وجود روايات تقول بأن رمضان قد يكون30 أو 29 يوم ومن ثم لا يكون ذلك تمام السنة
وسنرى فى نقول المطيرى عجبا فهو ينقل عن مالك التالى:
"دليل القائلين بالكراهة:
لم أر فيما اطلعت عليه دليلا لهؤلاء منصوصا من الكتاب أو السنة، وإنما تمسكوا بأدلة عقلية. قال يحي:"سمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان أنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه، أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك"أ.هـ (الموطأ 1/311).
ويمكن الجواب عن هذا الاستدلال بأن قول الإمام مالك "لم أر أحدا يصومها" لا يصلح دليلا ترد به السنة الصحيحة، وقد نقل عن الإمام مالك في أكثر من موضع عدم الاعتبار بقوله إذا خالف السنة، ولا ريب في مكانته ومعرفته للسنة رحمه الله، وقد اعتذر بعض المحققين في مذهب مالك عن مخالفة الإمام لهذه الأحاديث بأنها لم تبلغه أو لم تصح عنده.
قال النووي في المجموع مجيبا عن الاستدلال المذكور، وأما قول مالك "لم أر أحدا يصومها" فليس بحجة في الكراهة لأن السنة ثبتت في ذلك بلا معارض فكونه لم ير لا يضر. وقولهم لأنه قد يخفى ذلك فيعتقد وجوبه ضعيف لأنه لا يخفى ذلك على أحد، ويلزم على قوله "إنه يكره" صوم يوم عرفة وعاشوراء وسائر الصوم المندوب إليه، وهذا لا يقوله أحد. (المجموع 6/347).
فإن قيل الأحاديث لا دلالة فيها وذلك لأمرين، الأمر الأول: حديث أبي أيوب المتقدم ليس فيه دلالة على فضيلتها؛ لأن النبي (ص)شبه صيامها بصيام الدهر وهو مكروه، قلنا: إنما كره صوم الدهر لما فيه من الضعف والتشبيه بالتبتل لولا ذلك لكان فضلا عظيما لاستغراقه الزمن بالعبادة والطاعة، والمراد بالخير التشبيه به في حصول العبادة به على وجه عري عن المشقة، كما قال (ص):"من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر" (سبق تخريجه) ذكر ذلك حثا على صيامها، وبيان فضلها، ولا خلاف في استحبابها، ونهى عبد الله بن عمرو عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، وقال:"من قرأ قل هو الله أحد" فكأنما قرأ ثلث القرآن" أراد التشبيه بثلث القرآن في الفضل لا في كراهة الزيادة عليه (المغني 4/439).
الأمر الثاني: سائر الأحاديث غير حديث أبي أيوب ضعيفة لا تقوم بها حجة كما بين ذلك أصحاب الفن، قلنا نعم الأحاديث المذكورة لا تخلو أسانيدها من مقال بيد أنه قد تقرر عند أهل العلم أن الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه يتقوى بها ويرتقي إلى درجة الحسن فيصبح صالحا للاستدلال وهو ما تراه بالنسبة لهذه المسألة وقرره غير واحد من أهل العلم لما بيناه في الوجه الثاني من النقولات التي تدل على صحة هذه القاعدة.
ومما تقدم يتبين لك جليا أن القول الأول -وهو استحباب صيام الست من شوال- هو القول الراجح الذي دل له الدليل وأن ما عداه قول مرجوح لا يجوز أن يعارض به الدليل الصحيح، والقول بالاستحباب هو قول أكثر أهل العلم من الشافعية والحنابلة والظاهرية والصحيح عند الحنفية وبعض المحققين من المالكية فلا يعول على قول بعض المعاصرين الكتاب الذين ليس لهم باع في هذا الباب، ويكتبون في بعض الصحف ويرون أن صيامها بدعة دون معرفة للدليل ولا فهم لأقوال أهل العلم.
وقد نقل الكاتب عن ابن القيم تضعيفه لحديث أبي أيوب ونسبه إلى تهذيب السنن ولم يصب في النقل المشار إليه، ولم يضعف ابن القيم حديث أبي أيوب بل نص على تصحيحه صراحة، وهذا نص كلامه من تهذيب السنن "هذا الحديث قد اختلف فيه" وذكر كلام أهل العلم عليه من تصحيح وتضعيف إلى أن قال:"وهذه العلل –وإن منعته أن يكون في أعلى درجات الصحيح فإنها لا توجب وهنه، وقد تابع سعدا ويحيى وعبد ربه عن عمر بن ثابت عثمان بن عمر والخزاعي عن عمر لكن قال: عن عمر عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب. ورواه أيضا صفوان بن سليم عن عمر بن ثابت ذكره ابن حبان في صحيحه وأبو داود والنسائي، فهؤلاء الخمسة: ويحيى، وسعيد، وعبد ربه، وبنو سعد، وصفوان بن سليم، وعثمان بن عمرو الخزاعي، كلهم رووه عن عمرو. فالحديث صحيح"أ.هـ (تهذيب سنن أبي داود مع المختصر 3/295).
وفيه يتبين أن الكاتب تجنى على ابن القيم أو أنه لا يفهم ما يكتب لعدم الخبرة في هذا الباب.
إذا ثبت هذا فإنه لا فرق بين صيامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره بشرط عدم صيام يوم العيد، ولا يشترط التتابع في استحباب صيامها، لأن الحديث ورد مطلقا من غير تقييد، ولأن فضيلتها لكونها تصير مع الشهر ستة وثلاثين يوما، والحسنة بعشر أمثالها فيكون ذلك كثلاثمائة وستين يوما وهي السنة كلها، فإذا وجد ذلك في كل سنة صام كصيام الدهر كله، وهذا المعنى يحصل مع التفريق ويقوى عندي استحباب التتابع تشبيها لصيامها بالواجب، والله أعلم."
كلام مالك مصيبة عظمى لأن هذا معناه أنه لم يكن فى عصره حديث عن صيام الست ولهذا قال ما قاله ومن ثم فطبقا لكلامه هذا فروايات حديث صوم الست مخترعة بعد عصره ومن ثم كلام المطيرى ونقوله عمن بعد مالك لا يصلح للاستدلال
وحدثنا الرجل عن كون صوم الست هى لمن أفطر أياما فى رمضان فقال :
"المبحث الثاني: في صيام الست لمن عليه قضاء من رمضان:
عرفنا في المبحث السابق أن من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كمن صام الدهر في حصول الأجر، وقد يعرض للإنسان عارض يبيح له الفطر في شهر رمضان كالمرض والسفر والحيض للمرأة وسائر الأعذار المبيحة للفطر، فإذا أفطر الإنسان في رمضان فعليه القضاء إن كان من أهل القضاء، لقوله تعالى:"فعدة من أيام أخر" ومعلوم أن زمن القضاء موسع حتى يضيق الوقت عن القضاء قبل رمضان القادم، فإذا كان الأمر كذلك فهل يجوز لمن عليه القضاء أن يصوم تطوعا قبل القضاء. قولان لأهل العلم، القول الأول ليس لمن عليه قضاء أن يصوم تطوعا سواء كان هذا التطوع ستا من شوال أو غيره وهو رواية في مذهب الإمام أحمد نقلها عنه حمبل، قال في الإنصاف "وهو المذهب". وقال في الحاويين لم يصح في أصح الروايتين، وقال أبي المرداوي وهو من مفردات المذهب" (الإنصاف 3/350، والمغني 4/438).
ودليله المنقول والمعقول، أما المنقول فما أخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة عن رسول الله (ص)قال:"من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه ومن صام تطوعا وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه" (المسند إشراف الأرناؤوط 14/47).
وأما المعقول فهو أنه عبادة يدخل في جبرانها المال فلم يصح التطوع بها قبل أداء فرضها كالحج.
القول الثاني: جواز التطوع بالصيام لمن كان عليه قضاء واجب وبه قال الجمهور منهم المالكية (شرح الخرشي 2/245، مواهب الجليل 2/22 باب: متى يقضى قضاء رمضان رقم (39) والحنفية (بدائع الصنائع، والبحر الرائق) والشافعية (حاشية المرداوي مع تحفة ...) والحنابلة (المغني 4/438 والإنصاف 3/350) في رواية .
ودليله المنقول والمعقول: أما المنقول فما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع عائشة زوج النبي (ص)تقول:"إن كان ليكون علي الصيام من رمضان فما أستطيع أصومه حتى يأتي شعبان" متفق عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة بعد ما ذكر الرواية القائلة بالجواز عن الإمام أحمد "ولأن عائشة أخبرت أنها كانت تقضي رمضان في شعبان ويبعد أن لا تكون قد تطوعت بيوم مع أن النبي (ص)كان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم، وكان يصوم يوم عرفة وعاشوراء وكان يكثر صوم الاثنين والخميس، وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهو كما قال رحمه الله". فإن عائشة الصديقة بنت الصديق زوج النبي (ص)معروف عنها الحرص على فعل الخير، فيبعد -وهي تعايش الرسول (ص)ليلا ونهارا، وتقدم له ما يحتاجه من لوازم الصوم- ألا تصوم معه ولا يوما واحدا لمدة سنة كاملة، ولم ينقل أنه أنكر عليها (ص)صيام النافلة قبل قضاء الواجب ولو حصل ذلك لنقلته إلى الأمة.
والأصل وجود الصيام منها؛ لأنه سنة النبي (ص)القولية والفعلية.
وأما دليله من المعقول فمن وجهين:
أ . إن القضاء مؤقت فجاز التنفل قبل خروج وقته، كما يجوز التنفل أول وقت المكتوبة.
ب . إن القضاء عبادة تتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع في وقتها قبل فعلها، كالصلاة يتطوع في أول وقتها.
هذا ما يمكن الاستدلال به لهذا القول وهو أرجح عندي لما يلي:
أ - حديث عائشة أصح من حديث أبي هريرة ولم يقدح فيه أحد من أهل العلم لا في سنده ولا في متنه وهو دليل ظاهر على جواز تأخير القضاء وأن وقته موسع ويبعد جدا أن عائشة لم تصم تطوعا طيلة سنة كاملة.
أما حديث أبي هريرة فلا يصح الاستدلال به لأمرين:
الأمر الأول: ضعف إسناده، وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم منهم ابن قدامة في المغني فقد قال:"الحديث يرويه ابن لهيعة وفيه ضعف وفي سياقه ما هو متروك" (المغني 4/402). ومنهم المشرفون على تحقيق المسند وقد جاء فيه ما نصه "إسناده ضعيف وابن لهيعة سيئ الحفظ" (المسند 14/270) ومثل هذا لا يصح بناء الحكم الشرعي عليه لضعفه، ومعلوم أن الفقهاء مجمعون على عدم جواز الاحتجاج بالحديث الضعيف في الأحكام، وإنما الخلاف بينهم هل يجوز الاحتجاج به في فضائل الأعمال أو لا.
الأمر الثاني: ورد في الحديث قوله "من صام تطوعا وعليه من رمضان شيء لم يصمه لم يتقبل منه حتى يصومه"وهذا الظاهر لم يقل به أحد من العلماء حسب علمي فهو متروك الظاهر وبهذا يتضح أن الحديث ضعيف الإسناد وضعيف المتن، وإلى هذا أشار ابن قدامة في المغني "الحديث يرويه ابن لهيعة وفيه ضعف، وفي سياقه ما هو متروك فإنه قال في آخره "ومن أدركه رمضان وعليه من رمضان شيء لم يتقبل منه" (المغني 4/402).
ب - الأصل جواز صيام النافلة؛ وذلك لعموم النصوص الوارد فيها الأمر بصيامها، وهي عامة فلا يخص من عمومها أمر دون آخر ولا حالة دون غيرها، وقد تبين أن الحديث المذكور لا يصلح دليلا على التحقيق لضعف إسناده ومتنه، ولا شك أن الأولى البدء بالقضاء لأن الذمة مشغولة به، والذي يظهر لي أن القائلين بالجواز يرون ذلك أي أن المستحب البدء بالقضاء لأنه كالدين على الإنسان، وقد نص غير واحد من السلف على كراهة التطوع لمن كان عليه قضاء، ومنهم إبراهيم النخعي، والحسن البصري، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار وسعيد بن المسيب، ومجاهد فهؤلاء جملة من فقهاء التابعين يرون كراهة التطوع بالصيام لمن كان عليه قضاء، والذي يظهر أنهم نقلوا ذلك عن الصحابة" (مصنف بن أبي شيبة 3/48).
فإن قيل ورد في وصية أبي بكر لعمر "اعلم أنه لا تقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة" ما يفيد عدم الجواز، قلنا: لا يصح هذا عن أبي بكر لأن في سنده انقطاعا وبعض أسانيده معضلة" (شرح العمدة لابن تيمية 1/359).
لكن ورد عن أبي هريرة بسند صحيح ما يفيد عدم الجواز، وذلك أن رجلا سأل أبا هريرة قال:"إني كنت أصوم هذه الأيام أيام العشر يعني ذي الحجة وإني مرضت في رمضان وعلي أيام من رمضان أفأصوم هذه الأيام قال:"ابدأ بحق الله عليك" رواه سعيد (شرح العمدة 1/359).
ويحمل هذا على كراهة التنزيه بدليل ما تقدم عن التابعين خصوصا سعيد بن المسيب فإن علاقته وثيقة بأبي هريرة لكونه صهره، فلو كان المراد التحريم لنقله عنه، وعلى فرض أن المراد به التحريم فهو قول صحابي فيما يمكن فيه الاجتهاد"
هذه النقول عن الاختلافات الظاهر منها هو أنه كان يوجد نص يقول أن الصوم فى شوال قضاء لما أفطره الناس فى رمضان خاصة النساء بسبب حيضهن واجب لأن الإنسان لا يدرى متى يموت ومن ثم عليه أن يقضى الأيام التى عليه قبل موته
الروايات التى فى الست لو طبقناها لكان الفطر واجبا فيها لأنه أكثر أجرا من الصوم فاليوم بعشر حسنات بينما المفطر إذا أكل وجبتين فى النهار أخذ عليهما عشرين حسنة وإذا شرب شربتين أيضا فى النهار اخذ عشرين حسنة ومن ثم يكون الفطر أفضل أجرا وأحسن فى الراحة لأن الصائم يصاب بالضيق من الصوم
ومن ثم كيف يكون ألأكثر أجرا والأحسن فى الراحة النفسية والجسدية مكروه بينما الأقل أجرا وهو الصوم والأكثر اتعابا هو المستحب ؟
السؤال الذى طرحناه من قبل :
أى فقهاء هؤلاء الذين يخالفون الرواية الصحيحة عندهم بعدم فطر يوم عيد الفطر ويفطرون ويتبعون الرواية المنكرة التى تقول بوجوب فطر يوم عيد الفطر ؟