الثلاثاء، 28 يوليو 2020

نقد كتاب أحكام اللمس في الطهارة

نقد كتاب أحكام اللمس في الطهارة
مؤلف الكتاب هو عبد الله بن معتق السهلي من المعاصرين وموضوع الكتاب كما قال :
"الله لم يخلق الخلق عبثا بل خلقهم لتحقيق أسمى الغايات وهي العبادة ولا يتحقق ذلك إلا بالتفقه في الدين ألا وإن من الأمور التي ينبغي للمرء معرفتها وفقهها أحكام اللمس ما تنتقض به الطهارة فلا تصح معه العبادة وما لا تنتقض به"
واستهل الكتاب بتعريف اللمس من كتب اللغة وهو كلام منقول لا يفيد فى الأحكام بشىء ثم ثنى ذلك بتعريف اللمس عن الفقهاء فقال :
"تعريف اللمس في اصطلاح الفقهاء:
هو: قوة منبثقة في جميع البدن تدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ونحو ذلك عند التماس الاتصال به
وقيل هو: إلصاق الجارحة بالشيء وهو عرف باليد؛ لأنها آلته الغالبة،ويستعمل كناية عن الجماع وقيل هو: أن يلمس الرجل بشرة المرأة والمرأة بشرة الرجل بلا حائل بينهما وقيل: حقيقة اللمس ملاقاة البشرتين وكما هو واضح من هذه التعاريف كلها تدل على أن المراد من اللمس ملاقاة البشرتين"
ومما سبق يتبين أن اللمس هو تلاقى جلد فرد بجلد فرد أخر
ثم ذكر السهلى الفرق بين اللمس والمس فقال:
"ذكرت بعض الفروق بين اللمس والمس ومن ذلك:
أن مطلق التقاء الجسمين يسمى مسا، فإن كان بالجسد سمي مباشرة، وإن كان باليد سمي مسا، وإن كان بالفم على وجه مخصوص سمي قبلة
أن المس كاللمس لكن اللمس قد يقال لطلب شيء وإن لم يوجد والمس يقال فيما يكون معه إدراك بحاسة اللمس
أن اللمس لصوق بإحساس، والمس أقل تمكنا من الإصابة وهو أقل درجاتها
أنه يكنى بالمس عن النكاح والجنون، ويقال في كل ما ينال الإنسان من أذى مس، ولا اختصاص له باليد لأنه لصوق فقط، وهذا بخلاف اللمس فإنه يكون باليد
أن اللمس أخص من المس إذ لا يطلق إلا على مس لطلب معنى من حرارة مثلا
أن المس لا يكون إلا بباطن الكف، واللمس يكون بأي جزء من البدن
أن المس يكون من شخص واحد بخلاف اللمس فإنه لا يكون إلا بين اثنين
أن المس يختص بالفرج بخلاف اللمس فلا يختص به"
الفروق التى ذكر السهلى فروق بها تناقضات فكما قال"المراد من اللمس ملاقاة البشرتين"وهو ما يعنى تلامس أى أجزاء من الجسدين وهو ما يناقض قوله أنه باليد فقط فى قوله "وهذا بخلاف اللمس فإنه يكون باليد"
وكذلك قوله فى المس " أن مطلق التقاء الجسمين يسمى مسا"فالمس يكون بأى جزء من الجسمين وهو ما يناقض كونه مس الفرج فقط فى قوله "أن المس يختص بالفرج"
والحقيقة أن لا يوجد فرق بينهما إلا نادرا إذا أضيف شىء لهما
ثم تحدث عن معنى اللمس القرآنى فقال :
"مفهوم اللمس في القرآن الكريم:
ورد ذكر اللمس والمس في عدة آيات من القرآن الكريم:
- قول الله تعالى: {أو لامستم النساء …}
- قول الله تعالى: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم}
- قول الله تعالى: {قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا }
- قول الله تعالى: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا}
واللمس في القرآن الكريم ليس مقصورا على معنى واحد أو مفهوم واحد فإنه يكنى به عن النكاح حيث يقال مسها وماسها ومن ذلك قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} والمسيس كناية عن النكاح
ويكنى به عن المس بالجنون قال تعالى: {الذي يتخبطه الشيطان من المس}
والمس يقال في كل ما ينال من أذى كقوله تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} وكقوله تعالى: {مستهم البأساء والضراء}
وكقوله تعالى: {ذوقوا مس سقر}
ويكنى باللمس عن الجس باليد كقوله تعالى: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم}
ويكنى باللمس عن الطلب كقوله تعالى: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا}
ويطلق اللمس والمس على المباشرة في الفرج ومنه قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} "
ما سبق لا علاقة له باللمس السدى عدا اول آية والآية الأخيرة ليس فيها ذكر للمس ولا للمس وقد تناول الآية الأولى فقال :
"أما قوله تعالى: {أو لامستم النساء} وقريء: {أو لمستم النساء} فاختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين:
أحدهما: أن ذلك كناية عن الجماع
الثاني: أن المراد بذلك: كل لمس بيد كان أو بغيرها من أعضاء الإنسان
قال ابن جرير: "وأولى القولين بالصواب قول من قال عنى الله بقوله: {أو لامستم النساء} الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله (ص): "أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ"
وفسره بذلك حبر الأمة ابن عباس الذي علمه الله تأويل كتابه واستجاب فيه دعوة رسوله (ص) وتفسيره أولى من تفسير غيره لتلك المزية وبناء على هذا الاختلاف في مفهوم اللمس اختلف الفقهاء في أثر هذا اللمس هل ينتقض به الوضوء أو لا؟ "
وتفسير اللمس بالجماع فى الجملة هو مخالف للآية فالآية أقول أن نتيجة اللمس الوضوء بالماء أو التيمم بالتراب وفى هذا قال تعالى " وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم"
بينما نتيجة الجماع الغسل كما قال تعالى" وإن كنتم جنبا فاطهروا"
ثم ذكر الروايات فى الموضوع فقال :
"مفهوم اللمس في السنة:
ورد ذكر اللمس في عدة أحاديث من ذلك:
-حديث أبي سعيد الخدري أن رسول (ص) نهى عن المنابذة: وهي طرح الرجل ثوبه إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه؛ ونهى عن الملامسة والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه قال ابن الأثير: "هو أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع"
الملامسة هنا لا علاقة لها بالملامسة الجسدية وإنما ملامسة الأثواب
وقال"-حديث ابن عباس قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي (ص) قال له: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ "
-ما جاء عن عائشة في حديث البيعة أنها قالت: "ولا والله ما مست يده امرأة قط في المبايعة ما يبايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك"
ويظهر من هذه الأحاديث أن اللمس الوارد فيها هو اللمس باليد وهو ليس مقصورا على ذلك"
وكلام الرجل خاطىء عن كون اللمس باليد فملامسة الأثواب ليست ملامسة الجلد للجلد والرواية الثانية ليس فيها لمس باليد وإنما لمس بالفم وهو القبلة ثم قال :
"بل ورد اللمس بمعنى البحث والتحري ومنه:
-حديث عائشة قالت: "فقدت رسول الله (ص) ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان"
-حديث ابن عباس في شأن ليلة القدر: أن النبي (ص) قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان"
والرواية الولى تتعلق باللمس الجسدى والثانية لا علاقة لها به
المبحث الأول: في لمس الفرج
1-في لمس الرجل فرجه:
اتفق الفقهاء على أن من لمس فرجه بغير يده من أعضائه أنه لا ينتقض وضوءه واختلفوا فيمن مس فرجه بيده على قولين:
القول الأول: أن من لمس ذكره انتقض وضوءه، وهو مروي عن عمر ابن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان، وبه قال مكحول، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وعروة، وسليمان بن يسار، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، والشعبي، وأبو العالية، والأوزاعي، والليث وهو المشهور من مذهب الإمام مالك والشافعي إذا كان اللمس بباطن الكف، وأحمد في المذهب، وداود وابن حزم
القول الثاني: أن من لمس ذكره لا ينتقض وضوءه، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبيالدرداء، وهو قول سعيد بن جبير، وطاووس والنخعي، والحسن بن حيي، وشريك، وابن المبارك، ويحيى بن معين، والحسن البصري، وقتادة، والثوري وإليه ذهب أبو حنيفة، ومالك في قول، وأحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وابن تيمية
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بالأدلة التالية:
-حديث بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله (ص) يقول: "من مس ذكره فليتوضأ"
-حديث أم حبيبة عن النبي (ص) أنه قال: "من مس فرجه فليتوضأ"
-حديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما شيء فليتوضأ وضوءه للصلاة"
-ولأنه لمس يفضي إلى خروج المذي فأشبه مس الفرج بالفرج
-أن الذكر يختلف عن سائر الجسد لأنه تتعلق به أحكام ينفرد بها من وجوب الغسل بإيلاجه والحد والمهر وغير ذلك
وقد اعترض على هذه الأدلة بما يأتي:
حديث بسرة اعترض عليه بعدة اعتراضات أهمها:
-رواه عنها مروان بن الحكم وهو كان يحدث في زمانه مناكير ولذلك لم يقبل عروة منه
-أن ربيعه شيخ مالك قال: "ويحكم مثل هذا يأخذ به أحد ويعمل بحديث بسرة؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذا النعل لما أجزت شهادتها، وإنما قوام الدين الصلاة، وإنما قوام الصلاة الطهور، فلم يكن في صحابة رسول الله (ص) من يقيم هذا الدين إلا بسرة"
-قال ابن معين: لم يصح في مس الذكر حديث
-رواية ابن وهب عن مالك أن الوضوء من مس الذكر سنة فكيف يصح عنده هذا الحديث ثم يستجيز هذا القول؟
-أن الرجل أولى بنقله من بسرة
-أنه مما تعم به البلوى فينبغي أن ينقل مستفيضا ولما لم يكن كذلك دل على ضعفه
-إنكار كبار الصحابة لحكمه كعلي وابن مسعود وغيرهما كما تقدم في القول الثاني
-أنه مخالف لإجماع الصحابة
-لو سلم بصحته يحمل على غسل اليد لأنهم كانوا يستجمرون ثم يعرقون ثم يؤمر من مس موضع الحدث بالوضوء الذي هو النظافة
-أنه معارض بحديث طلق، والقياس على سائر الأعضاء
وقد أجيب على هذه الاعتراضات بما يأتي:
-أن مروان كان عدلا ولذلك كانت الصحابة تأتم به وتغشى طعامه وما فعل شيئا إلا عن اجتهاد، وإنكار عروة لعدم اطلاعه
-أن عدم استقلال المرأة في الشهادة لا يدل على عدم قبول روايتها وإلا لما قبلت رواية كثير من الصحابيات
قال الشافعي: "والذي يعيب علينا الرواية عن بسرة يروي عن عائشة بنت عجرد وأم خداش وعدة من النساء لسن بمعروفات ويحتج بروايتهن ويضعف بسرة مع سابقتها وقديم هجرتها وصحبتها النبي (ص) وقد حدثت بهذا في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون ولم يدفعه
منهم أحد بل علمنا بعضهم صار إليه منهم عروة بن الزبير"
- إذا لم يصح الحديث عند ابن معين فقد صح عند غيره فقد صححه الجماهير من الأئمة الحفاظ واحتج به الأوزاعي والشافعي وأحمد وهم أعلام الحديث والفقه فلو كان باطلا لم يحتجوا به، لكنه مع هذا لم يثبت عند ابن معين كما قال الحافظ ابن حجر وابن الجوزي
-أن مالكا لم يطعن في الصحة وإنما تردد في دلالة اللفظ هل هي للوجوب أم للندب؟
-أن بسرة لم تنفرد بروايته بل رواه نحو خمسة عشر من الرجال والنساء فإن في الباب عن أم حبيبة وأبي هريرة وأروى بنت أنس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو وسعد بن أبي وقاص وأم سلمة وابن عباس وابن عمر والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة رضي الله عنه
-أن الخبر نقل مستفيضا
-أن الحديث لم يثبت عندهم أو لم يبلغهم، وقد بلغهم حديث طلق ولم يبلغهم ما ينسخه ولو بلغهم لقالوا به ولا يجب على الصحابي أن يطلع على سائر الأحاديث
-أنه لم ينعقد في هذه المسألة إجماع وإلا لما ساغ الخلاف فيها ومن أراد الاطلاع على معرفة قدر اختلاف الصحابة فيها فليراجع المصادر التي ذكرتها عند عرض الأقوال في أول المسألة
-أن حديث طلق الذي استدل به أصحاب القول الثاني لا يصح والقياس الذي ذكروه في قبالة النص فيكون فاسدا
-أن الألفاظ الشرعية الأصل فيها أن تحمل على الحقيقة إلا إذا ورد دليل يصرفها عنها ولم يرد بل ورد هنا ما يخالفه كما تقدم في حديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره - ليس بينهما شيء - فليتوضأ وضوءه للصلاة"
قال البيهقي وغيره: "ويكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يحتج الشيخان بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بسائر رواة حديثها، وهذا وجه رجحان حديثها على حديث طلق من طريق الإسناد؛ لأن الرجحان إنما يقع بوجود شرائط الصحة والعدالة في حق هؤلاء الرواة دون من خالفهم"
واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:
-حديث قيس بن طلق، عن أبيه قال: "قدمنا على نبي الله (ص) فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال: "هل هو إلا مضغة منه؟ أو قال: بضعة منه"
-ما روى جعفر بن الزبير عن القاسم، عن أبي أمامه أن رجلا سأل النبي (ص) فقال: إني مسست ذكري وأنا أصلي، فقال: "لا بأس إنما هو حذية منك"
-إجماع أهل العلم على أن لا وضوء على من مس بولا أو غائطا أو دما فمس الذكر أولى أن لا يوجب وضوءا
وقد اعترض على هذه الأدلة بما يأتي:
-أن حديث طلق ضعيف باتفاق المحدثين وقد بين البيهقي وجوها من ضعفه
-أنه منسوخ بحديث بسرة لأن أبا هريرة قد رواه وهو متأخر الإسلام ووفادة طلق على النبي (ص) كانت في السنة الأولى من الهجرة ورسول الله (ص) يبني مسجده وقدوم أبي هريرة وإسلامه كان في السنة السابعة من الهجرة
-أنه محمول على المس من فوق حائل لأنه قال: سألته عن مس الذكر في الصلاة، والظاهر أن الإنسان لا يمس ذكره في الصلاة بدون حائل
-أن حديث بسرة أكثر رواة من حديث طلق كما تقدم
-أن حديث بسرة فيه احتياط للعبادة
-أن حديث جعفر بن الزبير حديث ضعيف كما تقدم في تخريجه
-أن القياس الذي ذكروه قياس في مقابل النص فيكون فاسدا
وقد أجيب عن هذه الاعتراضات بما يلي:
-القول بأن حديث طلق حديث ضعيف باتفاق المحدثين غير مسلم فقد صححه كما سبق في تخريجه الطحاوي، وابن حبان، وابن حزم وغيرهم
-دعوى النسخ لا تقبل إذ ليس في حديث بسرة ما يدل على النسخ
-أن كثرة الرواة لا أثر لها في باب الترجيحات لأن طريق كل واحد منهما غلبه الظن فصار كشهادة شاهدين مع شهادة أربعة
الراجح:
أطال أهل العلم النقاش حول هذه المسألة وأكثروا الاحتجاج لها وذهب كل فريق يرجح حديثه الذي احتج به بمرجحات ومبررات وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية الجمع بين الأدلة فحمل الأمر بالوضوء من مس الذكر على الاستحباب وأخذ به الشيخ محمد ابن عثيمين - رحمه الله - للقرينة الصارفة في حديث طلق السابق ذكره وهي: "وهل هو إلا بضعة منك" وليس فيه نسخ، وحمل الأمر على الاستحباب أولى من النسخ
وأما دعوى أن حديث طلق منسوخ لأنه قدم على النبي (ص) وهو يبني المسجد أول الهجرة، ولم يعد إليه بعد، فهذا غير مسلم لما يأتي:
-أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن ومن أوجه الجمع:
أ-حمل حديث بسرة وما شابهه على ما كان لشهوة، وحديث طلق على ما إذا كان لغير شهوة
ب-أن يكون الأمر في حديث بسرة للاستحباب، وحديث طلق السؤال فيه للوجوب، فهو سأل عن الواجب "أعليه" وكلمة "على" ظاهرة في الوجوب
-أن في حديث طلق علة لا يمكن أن تزول، وإذا ربط الحكم بعلة لا يمكن أن تزول، فإن الحكم لا يمكن أن يزول لأن الحكم يدور مع علته، والعلة قوله: "إنماهو بضعة منك" ولا يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكر الإنسان ليس بضعة منه، فلا يمكن النسخ
-أن أهل العلم قالوا: إن التاريخ لا يعلم بتقدم إسلام الراوي أو تقدم أخذه، لجواز أن يكون الراوي حدث به عن غيره
وخلاصة القول في المسألة كما ذكر الشيخ محمد العثيمين: "أن الإنسان إذا مس ذكره استحب له الوضوء مطلقا سواء مس بشهوة أو بغير شهوة وإذا مسه لشهوة فالقول بالوجوب قوي جدا وهو الأحوط" والله تعالى أعلم"
كل هذه المناقشات العقيمة بسبب الروايات المتناقضة ولو أنهم قرئوا قوله تعالى "أو لا مستم النساء" لعلموا أن اللمس الناقض هو تلامس النوعين أى لمس الرجل للمرأة وليس لمس الرجل لنفسه
ثم قال :
2- في لمس الرجل فرج غيره
بينت في المطلب السابق حكم انتقاض وضوء الإنسان بمس ذكره وفي هذا المطلب أذكر حكم مس الإنسان لذكر غيره والكلام في هذه المسألة مبني على الكلام في مسألة من مس ذكره فذهب الفقهاء القائلون بنقض الوضوء من مس الإنسان ذكره إلى أنه لا فرق بين مس الإنسان ذكره وذكر غيره وذهب داود وابن حزم إلى أن من مس ذكر غيره لا ينتقض وضوءه
استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:
-حديث بسرة فقد ورد في بعض ألفاظه أن النبي (ص) قال: "من مس الذكر فليتوضأ"
وجه الدلالة: أن الحديث على عمومه يدخل تحت عمومه ذكره وذكر غيره
-أن مس ذكر غيره معصية، وأدعى إلى الشهوة، وخروج الخارج، وحاجة الإنسان تدعو إلى مس ذكر نفسه، فإذا انتقض بمس ذكر نفسه فمس ذكر غيره أولى وهذا تنبيه يقدم على الدليل
-ولأن من مس فرج غيره أغلظ من مس فرجه لما يتعلق به من هتك حرمة الغير فكان بالنقض أحق
واستدل أصحاب القول الثاني بالآتي:
أنه لا نص فيه، والأخبار إنما وردت في ذكر نفسه، فيقتصر عليه واعترض على هذا الاستدلال:
أن ادعاء أنه لا نص فيه غير صحيح فقد ورد في بعض ألفاظ حديث بسرة كما سبق قوله (ص): "من مس الذكر فليتوضأ"
والراجح في المسألة:
هو كما تقدم في المسألة السابقة أن الإنسان إذا مس ذكره استحب له الوضوء مطلقا سواء مس بشهوة أو بغير شهوة، وإذا مس بشهوة فالقول بالوجوب قوي جدا وهو الأحوط فإذا كان هذا في مس ذكره ففي مس ذكر غيره من باب أولى، والله تعالى أعلم"
نفس الكلام اللمس الناقض هو لمس الرجل المرأة لقوله تعالى "أو لامستم النساء" فليس بنا حاجة للروايات المتناقضة
3-لمس المرأة فرجها:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن لمس المرأة فرجها ينتقض به الوضوء، وهو قول مالك في المشهور عنه، والشافعي إذا كان المس بباطن الكف، وأحمد في الصحيح من المذاهب
القول الثاني: أن لمس المرأة فرجها لا ينقض الوضوء، وهو قول أبي حنيفة ومالك في رواية، وأحمد في رواية الأدلة:
-حديث أم حبيبة أنها سمعت رسول الله (ص) يقول: "من مس فرجه فليتوضأ"
وجه الدلالة: أن الفرج هنا اسم جنس فيدخل فيه قبل المرأة لأن الفرج في اللغة الفرج بين الشيئين ويطلق على القبل والدبر من الرجل والمرأة وكثر استعماله في العرف في القبل، فعلى هذا ينتقض وضوء المرأة بلمسها فرجها
-حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي (ص) قال: "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ"
-حديث عائشة أن النبي (ص) قال: "ويل للذين يمسون ذكورهم ويصلون ولا يتوضئون" قالت عائشة: "فهذا للرجال فما بال النساء قال (ص) "إذا مست إحداكن فرجها توضأت "
ولأن المرأة آدمي مس فرجه فانتقض وضوءه كالرجل
واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
-أن الأصل عدم ورود دليل يدل على النقض
-أن الحديث المشهور في مس الذكر وليس مس المرأة فرجها في معناه
-أن مس الفرج لا يدعو إلى خروج خارج فلا ينقض الوضوء
-أنه عضو منها فأشبه لمسه لمس سائر بدنها
وقد أجابوا عن حديث أم حبيبة بأن فيه انقطاعا، وحديث عمرو بن شعيب قالوا: إن الإمام أحمد سئل عنه فقال: ليس بذاك وقد أجاب أصحاب القول الأول عن ذلك بأن حديث أم حبيبة حديث صحيح كما سبق تخريجه، وأن حديث عمرو بن شعيب حسن الإسناد صحيح المتن بما قبله كما سبق تخريجه
والراجح في المسألة: أن المرأة إذا مست فرجها استحب لها الوضوء مطلقا سواء مست بشهوة أم بغير شهوة، وإذا مست بشهوة فالقول بالوجوب قوي جدا وهو الأحوط"
قوله تعالى "أو لا مستم النساء" حدد اللمس الناقض بتلامس النوعين أى لمس الرجل للمرأة وليس لمس المرأة لنفسها
وتعرض فى الفصل الثانى إلى لمس غير الفرج من العورة فقال :
"في لمس الدبر
تقدم في المبحث الأول الكلام على حكم لمس الفرج ولما كان الدبر يدخل في مسمى الفرج فقد يتبادر إلى الذهن أنه يأخذ حكم القبل وحيث إن الدبر يختلف في بعض الصفات عن القبل كالشهوة وخروج المذي والمني فهل يأخذ حكم القبل أو لا؟
اختلف العلماء في لمس الدبر على قولين:
القول الأول: أن الوضوء لا ينتقض بلمس الدبر وهو مروي عن قتادة وسفيان الثوري وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي في القديم وأحمد في رواية، وداود
القول الثاني: أن الوضوء ينتقض بلمس الدبر وهو مروي عن عطاء والزهري، والأوزاعي، والشافعي في الجديد وهو الصحيح، وأحمد في الصحيح من المذهب، وإسحاق
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:
-حديث بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله (ص) يقول: " من مس ذكره فليتوضأ"
وجه الدلالة: أنه خص الذكر بالحكم وهذا ليس في معناه لأنه لا يقصد مسه
-أن مس القبل إذا كان على سبيل الشهوة يفضي إلى خروج المذي وغيره فأقيم مسه مقام خروج الخارج بخلاف الدبر
-أنه لا يلتذ بمسه كالقبل فأشبه سائر الأعضاء
واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:
-حديث أم حبيبة أنها سمعت رسول الله (ص) يقول: "من مس فرجه فليتوضأ"
وجه الدلالة: أن اسم الفرج يطلق على القبل والدبر جميعا
-أنه أحد سبيلي الحدث فوجب أن يكون مسه حدثا كالقبل
واعترض على هذين الدليلين بما يأتي:
-حديث أم حبيبة اعترض عليه بأن بعض الأحاديث أطلق فيها الفرج وبعضها صرح فيها بالذكر فتحمل الأحاديث التي جاءت بلفظ الفرج أنه يراد به الذكر الذي صرح به في بعض الأحاديث ويحمل الفرج الذي أمرت المرأة بالوضوء إذا هي مسته على ما يقابل ذكر الرجل وهو القبل منها
-دليلهم الثاني اعترض عليه بوجود الفارق بين القبل والدبر حيث إن الدبر ليس محلا للشهوة بخلاف القبل فإن الشهوة تثور بلمسه غالبا ومن أجل هذا أمر بالوضوء من مسه، أما الدبر فهو كأي جزء آخر من البدن لا تثور الشهوة بمسه فلا يلزم من مسه الوضوء
الراجح:
هو القول بعدم انتقاض الوضوء بمس الدبر لأن الأحاديث التي جاء فيها ذكر الفرج مطلقا تحمل على الفرج المصرح به في حديث بسرة ولأن القبل يختلف عن الدبر في كثير من الأحكام وهو المراد في كثير من النصوص كقول تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} خطاب للرجال بحفظ فروجهم من الزنا والمراد الذكر وقوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} خطاب للنساء بحفظ فروجهن من الزنا والمراد القبل، وقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} بيان لحال المؤمنين الذين حصنوا فروجهم من الزنا، والمراد الرجال بدلالة قوله تعالى بعد ذلك: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} فعلى هذا فإن المراد بالفرج في النصوص هو القبل الذي هو محل الشهوة دون الدبر، والله أعلم"
نلاحظ هنا ان القوم يقولون الكلام ما ليس فيه فيجعلون الذكر دال على القبل والدبر معا ونلاحظ أن قوله تعالى "أو لا مستم النساء" حدد اللمس الناقض بتلامس النوعين أى لمس الرجل للمرأة وليس لمس المرأة لنفسها أو الرجل لنفسه فى أى منطقة
وقال الرجل :
"2-في لمس الأنثيين والألية والعانة
عامة أهل العلم يرون أن الوضوء لا ينتقض بلمس الأنثيين والألية والعانة وروى عن عروة أن الوضوء ينتقض بلمسها، وقال الزهري: "أحب إلي أن يتوضأ"، وقال عكرمة: "من مس ما بين الفرجين فليتوضأ"
استدل عامة أهل العلم بما يأتي:
-أنه لا نص في هذا ولا هو في معنى المنصوص عليه فلا يثبت الحكم فيه
-ولأنها مواضع من البدن لا لذة في مسها فأشبهت سائر الأعضاء
واستدل من رأى انتقاض الوضوء بلمسها:
بما روي عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ"
وقد اعترض على هذا بأنه من قول عروة غير مرفوع، كذلك رواه الثقات، عن هشام منهم: أيوب السختياني، وحماد بن زيد وغيرهما وكلا الطريقين صحيح
وقال البيهقي: "القياس أن لا وضوء في المس، وإنما اتبعنا السنة في إيجابه بمس الفرج فلا يجب بغيره"
وقال النووي: "وهذا حديث باطل موضوع إنما هو من كلام عروة كذا قاله أهل الحديث والأصل أن لا نقض إلا بدليل"
بل نقل ابن هبيرة الإجماع على عدم النقض فقال: "وأجمعوا على أنه لا وضوء على من مس أنثييه سواء كان من وراء حائل أو من غير وراء حائل"وعلى هذا فيكون الراجح هو قول عامة العلماء أن الوضوء لا ينتقض بلمس الأنثيين والألية والعانة"
نفس ما قيل فى السابقين يقال هنا طبقا لقوله تعالى "أو لا مستم النساء" الذى حدد اللمس الناقض بتلامس النوعين أى لمس الرجل للمرأة وليس لمس المرأة لنفسها فى أماكن أخرى أو الرجل لنفسه فى أماكن أخرى ثم قال :
"3-في لمس فرج البهيمة
جمهور العلماء على أن لمس فرج البهيمة لا ينقض الوضوء وذهب الليث إلى أن لمس فرج البهيمة ينقض الوضوء، وفرق عطاء بين لمس البهيمة مأكولة اللحم وغير مأكولة اللحم فقال بالوضوء من مس مأكولة اللحم ولم يقل بالوضوء من لمس غير مأكولة اللحم
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
-أن لمس فرج البهيمة ليس بمنصوص على النقض به، ولا هو في معنى المنصوص عليه
-أنه لا حرمة لها ولا تعبد عليها أي لا حرمة لها في وجوب ستر فرجها وتحريم النظر إليه ولا تعبد عليها أي أن الخارج من فرجها لا ينقض طهرا ولا يوجب وضوءا
-أنه لمس لا لذة فيه فأشبه لمس الجماد
واستدل للقول الثاني بما يأتي:
قياس لمس فرج البهيمة على لمس فرج الآدمي واعترض على هذا الدليل:
أن نقض الوضوء بلمس فرج الآدمي قد ورد فيه نص بخلاف لمس فرج البهيمة
والراجح قول جمهور العلماء، لأن لمس فرج البهيمة مما لم يرد النص على النقض به وقياسه على فرج الآدمي قياس مردود"
المسألة هنا مختلفة فلمس فرج البهيمة يعتمد على التالى :
إن كان عند لمسه يوجد بقايا بول أو بقايا خرء فالوضوء ينتقض لكونه غائط
إن كان الفرج جافا لا يوجد به بقايا أيا من النوعين فلا ينتقض الوضوء
بقيت كلمة فى اللمس وهى :
اللمس النفسى والمراد لمس الرجل لجسده وهو غرجه ولمس المرأة لفرجها لا ينقض الوضوء إلا فى حالة واحدة وهى اللمس بقصد الشهوة أى نصب القضيب أو اللعب فى المهبل استعدادا للجماع أو الاستمناء
اللمس هرشا بسبب مرض أو عرق أو غيره أو اللمس لعدل العضو فى الملابس أو اللمس لدعك منطقة الوجع او القرص أو اللدغ أو اللمس لوضع مرهم أو اللمس لوضع حقنة أو بسبب أخر ليس الشهوة مباح
اللمس الناقض للوضوء يكون بين البالغين سن النكاح وأما لمس الأطفال حتى وإن اختلف النوع لا ينقض الوضوء لكون الأطفال لا يدخلون تحت مسمى رجل أو امرأة وهى مفرد النساء

الاثنين، 27 يوليو 2020

نظرات فى كتاب حلول التعب والآلام بوصول أبي الذهب إلى دمشق الشام

نظرات فى كتاب حلول التعب والآلام بوصول أبي الذهب إلى دمشق الشام
مؤلف الكتاب سليمان بن أحمد بن سليمان بن إسماعيل المحاسني (المتوفى: 1187هـ) والكتاب من ضمن كتب التاريخ التراثى وكالعادة فى تلك الكتب تبدأ بمدح الكبير الذى يسترزق منه الكاتب وهو هنا مصطفى خان العثمانى وفى هذا قال :
"الحمد لله مؤيد شريعة نبيه سيد الأنام، رافع أعلام كلمة التوحيد بالحق المتين إلى يوم الحشر والقيام، ناصر لواء من اختاره إما للعباد من الدولة العادلة العثمانية، المستمرة إن شاء الله على توالي الليالي والأيام، المرتبطة أحكامها بالشريعة المطهرة، المحافظة على ما فيه رضاء الملك العلام، القامعة لظلم وكفر من بغى وطغى في سالف العصور والأعوام، وإنها هي الدولة الباقية الوارثة كما استنبط من له قوة في العلم والإفهام، من قوله سبحانه وتعالى في كتابه المكنون (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) ، ألا وهم آل عثمان، ذوو الشوكة والرحمة والإيمان، أيد الله خلافتهم إلى انقضاء الدوران، وأيدهم بنصره ورفعته على ممر الأوقات والأزمان، لا سيما سلطاننا الآن من هو صفوة الدولة العثمانية، مالك سرير الخلافة الخاقانية، ملك ملوك الممالك الإسلامية، خادم الحرمين الشريفين، سلطان البرين والبحرين، سيف الله المسلول على أعداء الدين، المتوشح بنور الإيمان والعلم واليقين، ملك ملوك العالمين، السلطان بن السلطان بن السلطان الملك المؤيد الغازي مصطفى خان، دام محروسا مؤيدا أبد الآباد، بعز مديد ماله من نفاد، وسيف قهر سلطنته محكما في رقاب الطغاة البغاة اللئام، آمين.
أحمده سبحانه على نعم لا تحصى، من الإكرام، وأشكره على أن منحنا يقينا وتثبيتا على الحق والشهادة من فيض فضله الكريم الإنعام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تدفع عنا الأهوال، وتكون ذخيرة لنا يوم الزحام.
وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، المؤيد بالمعجزات العظام، الذي جاهد في الله حق جهاده، حتى نصر كلمة التوحيد، ومحا قتام الجور والظلام وعلى آله وأصحابه الكرام، الذين أسهروا في نصرته أعين رضاء للملك السلام، وطلبا لثوابه العميم بدار المقام، وسلم تسليما ما فرجت شدة من لطف ذي الجلال والإكرام"
صفحة كاملة من المدح المحرم المدخ الذى ليس له أساس فحكام هذا التاريخ كفار مهما زعم الكتاب أنهم يدافعون عن الإسلام فالدفاع هو عن الكبار الذين يعتمد عليهم الكتاب فى معيشتهم فهؤلاء الكتاب هم بتعبير العصر وسائل الإعلام الكاذبة يدافعون عمن يدفع لهم
والكتاب يدور عن محمد أبو الذهب احد المماليك الذى جاء بعساكره للشام فأذاق أهل دمشق كما يزعم الرجل الآلام وفى هذا قال :
"وبعد، فيقول العبد المفتقر إلى مولاه، الراجي من ربه سبحانه حسن الختام في دنياه، المحترق بسعير هذه النار الموقدة من الفتن العظيمة، والداهية التي لم تصب بمثلها دمشق الشام، من سالف الدهور القديمة، من حين فتح السادة الصحابة، وتمهيد البلاد على أحسن إصابة، ولكن قدر ذلك الحكم العدل، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، إنا لله وإنا إليه راجعون. وأنا الفقير سليمان بن أحمد المحاسيني التميمي، المدرس والخطيب بجامع بني أمية، لطف الله به وبالمسلمين أجمعين، وسميتها "حلول التعب والآلام بوصول أبي الذهب إلى دمشق الشام" صانها الله عن الكفرة الطغاة، على أبد الأيام آمين.
فأقول كما وقع على التحقيق وبالله سبحانه التوفيق إلى أقوم طريق: إن أعظم ما توالت به المحن والآلام، ورمت به الحوادث الليالي والأيام، ما قدر ربه الباري وأراد، ليظهر حقيقة المتمسك بدينه وسلطانه على اليقين، ولا يبالي بضرب السيوف الحتوف ولا يموت على الحق ولو رغمت منهم الأنوف، ممن يظهر الخديعة والنفاق، ويبطن الكفر ويجنح إلى الشقاق، المتوطنون بدمشق الشام، الداخلون في صدقات وخيرات ملك ملوك الإسلام.
أنه توالى المحن، وخيل للباغي الفعل السيئ أنه حسن، وتوجهت عساكر مصر بمن معها من البغاة أعداء الدين، أولاد ظاهر العمر اللعين، واجتمعوا في عدة أشهر تقدمت، وغير خافي ذلك عن مسامع الدولة العلية والحضرة السلطانية. وكان عثمان باشا سببا لما أرادوا أن يتوصلوا إليه من البلية، وضبط البلاد بالكلية، وفعلوا العام الماضي ببيت الله الحرام، ما فعلوه من الكفر والإهانة والقتام، واستباحوا حرم مكة ولم يبح لأحد في الإسلام وجاؤوا مجتمعين إلى ان وصلوا إلى فناء دمشق الشام، وصربوا سرادقاتهم خارجها على رؤوس الأشهاد والأعلام، واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم وبلاد الإسلام، المقدسة المطهرة معدن الأنبياء والأولياء العظام، وذلك يوم الإثنين تسعة عشر صفر سنة 1185، وكان قائد عسكرهم محمد بيك المكنى بأبي الذهب، ذي المكايد والتعب، ومعه تسعة سناجق وخمسة من اولاد ظاهر العمر، الشقي الخبيث محرك الفساد، ومتعب البلاد والعباد، ومشايخ المتاولة والصفدية أهل البدع والرفض والكفر والفساد ومعه نحو ثمانون مدفعا ونحو أربعين ألف مقاتل."
وذكر المؤلف الأحداث المؤلمة له ولمن فى دمشق فقال:
"ففي ثاني يوم الثلاثة حصل الجنك منهم، وخرج إليهم متصرف حلب عبد الرحمن باشا ومتصرف كلز خليل باشا وعساكر عثمان باشا، وولده متصرف طرابلس الشام محمد باشا. ففي أقل من ساعة فر هاربا خليل باشا وعبد الرحمن باشا وعساكر والينا وولده، وقتل منهم شرذمة قليلة. وبقي والينا عثمان باشا وولده محمد باشا، وعسكر الشام اليرليه والقبقول، وحصل القتال معهم ثلاثة أيام وأحرقوا في محلة التركمان بيوتا وحاراتا.
ثم في ليلة الجمعة 24 صفر، ذهب عثمان باشا فارا وولده محمد باشا ليلا لطرف حماة مالكاناته.
ويوم الجمعة ورد مكتوب من ابي الذهب للأعيان والعلماء يطلبهم لمواجهته. فذهب إليه علي أفندي محدث الشام الداغستاني وأسعد افندي بكري زاده، والسيد محمد العاني المدرس بجامع بني أمية. فحين واجهوه طلب منهم تسليم البلاد، وإن ما سلموا يأخذها قهرا وحربا وقتالا، ويحرق جميع الشام. فأخذوا منه المهلة لصباح يوم السبت لأجل المشاورة مع بقية العلماء وأهل الشام والأوجاقات.
ففي تلك الليلة ليلة السبت 25 صفر بعد العشا فر هاربا يوسف آغا جبري زاده آغاة اليرليه، واليرليه جميعا وجميع القبقول، ما عدا من في القلعة فإنهم حافظوها، ومعهم آغتهم مصطفى آغا، وسكروا باب القلعة، واهتموا بأمر القتال بأدوات الحرب والمدافع. وكذلك ذهب السيد حسين أفندي المرادي المفتي، وأسعد أفندي البكري، وحسين أفندي ابن حمزة لطرف حماة ليلا، ونقيب أفندي العجلاني فر هاربا لطرف الجبل والدروز، وعمادي زاده السيد على أفندي لطرف القريا، وآلاي بيك، وكومش زاده، وبقية الأوجاقات. ولم يبق في البلدة مدافع للعساكر أو مقاتل. وبقت (كذا) أهل الشام مترقبين الحرق والنهب، والقتل وسبي النسا، وماتوا جوعا وخوفا من ذهاب والينا عثمان باشا وذهاب الأعيان وتخلية البلدة.
فحينئذ خرج شيخ المحدثين الداغستاني، ومؤلف الرسالة كاتبه سليمان المحسني الخطيب، ومفتي الشافعية، والشيخ خليل الكاملي المدرس، والشيخ عبد الخالق المدرس، وبعض أهل العلم، وأوقفنا عساكر أبي الذهب المرسلة للهجوم على البلدة إلى حين نواجهه. فحين واجهناه تكلمنا معه بما قدره الله من المدافعة عن أهل الشام وأخذنا منه أمانا ورأيا للرعايا.
وثاني يوم الأحد العصر جاء منه مرسوم مضمونه أنه نهار غدا الإثنين مع الصباح تبادر لأردينا وديواننا. وهم علي أفندي الداغستاني، واسماعيل أفندي المنيني، وكانبه سليمان المحاسني، وشاكر أفندي العمري، والشيخ أحمد المدرس العطار، والشيخ أبو الفتح العجلوني المدرس، والشيخ خليل الكاملي المدرس، والسيد محمد العاني المدرس، والشيخ حسين العطار، ومن موجود من وجوه البلدة، وكتخدا اليرليه، والإيباشيا، والشرابجة، والأدباشية، والزعما، والسباهية، وأرباب التمارات، وبيوك كاتب، وكوجك كاتب والمقابلجي، وكتاب خزينة دمشق الشام، لأجل نظام البلدة على حسب الشرع الشريف.
ففي ثاني يوم 26 صفر توجهنا جميعا لأرديه وديوانه، والسيف بين يديه والعساكر محيطة بنا.
فقال لنا: مرادي أنصب قاضيا ومفتيا وآغاة يرليه.
فقالوا له الجميع: يا مولانا! أنت خاطبتنا على حسب الشرع الشريف، والشرع مقتضاه أن هذه البلدة بلدة حضرة مولانا السلطان مصطفى خان، نصره العزيز الرحمن، وتوجيه هذه المناصب له، ولا يصح من غيره، ونحن في بيعة حضرة السلطان ورعاياه، وندعو باسمه، ومعاشنا من خيره، ولكن يمكن أن تأذنوا لأمين فتوى المفتي الغائب الشيخ إبراهيم الغزي أن يكون قيمقام عنه، ولشاكر أفندي نائب الشرع أن يكون من طرف القاضي لحين وصوله، ولحموي زاده وكالة عن يوسف آغا جبري، فانفعل كثيرا وظهر الغضب على وجهه، وبعد ذلك ألبس حموي زاده فروة، وأمين الفتوى فروة، وشاكر أفندي فروة، وقرأنا الفاتحة، وخرجنا من عنده من تحت السيف.
ثم ثاني يوم الثلاثاء 27 صفر نصب القنابر على القلعة وعلى البلدة، ووقع على سقف الجامع الأموي وأخرقوه، وهدم من الجامع ما هدم إلى ثاني يوم الأربعاء.
فعند الظهر ضاجت العالم وانتقلت، واشتد الرعب والخوف والاضطراب، وسكرت البلدة. فلما رأينا ذلك توجه كاتبه سليمان المحسني إلى أرديه وقابلته، وقلت له:
أنت أعطيت أمانا ورأيا لأهل الشام، وحينئذ نصبت القنابر، وأظهرت العذاب على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسكان بلاد الله المقدسة، ومعدن الأنبياء والأولياء، وأرض المحشر والمنشر، وما من نبي إلا من الشام أو هاجر إلى الشام. وقال صلى الله عليه وسلم: لا تزال من أمتي فرقة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة، ألا وهم بالشام. وفي بعض الأحاديث القدسية: "يا شام من أمك بسوء قصمته. أنت صوط (كذا) الله في الأرض، ينتقم بك ممن يشاء من عباده". فلو كنا مجوسا ما فعل بنا هكذا. فإما أن ترفع العذاب عنا وإلا نستأذنك ونأخذ كل أهل الشام من فقرا، ونسا، وأولاد وكبار وصغار، ونتوجه على وجهنا إلى أي مكان قدر الله تحت التهلكة، وافعل بعد ذلك بالبلدة ما شئت.
فحينئذ حصل له توقف من طرف الله، وأرسل نادى بالأمان، ورفع العذاب بعد الإحراق والنهب والقتل ونهب غالب ما في قرايا الشام ومواشيهم، ونهب سراية ودايرة عثمان باشا ما عدا سرتية الحرم.
واستقر الأمر إلى يوم الإثنين رابع ربيع الأول فجاء منه كتاب وفرج الكريم الوهاب. ومضمونه: "إنه كان سبب مجيئنا لهذه البلاد الشامية لأجل مقابلة عثمان باشا. فلو خرج لنا للخارج ما قارشناكم، وتعرضنا للقلعة أخبرونا أن بها عثمان باشا وأمواله، فلما تحققنا غيابه وأنه ليس بها رفعنا التعرض، وما مرادنا بلدتكم ولا إضراركم وأذيتكم، وهذه بلدة مولانا السلطان الأعظم مصطفى خان، والقلعة قلعته، أيد الله خلافته إلى يوم الدين. وقد عزمنا على التوجه والعود إلى طرف مصر، ولم يقع من عسكرنا أذية لأحد من أهل الشام، فنرجو أن تبتهلوا بالدعا لحضرة مولانا السلطان ولنا بالتبعية، وتذكرونا بالخير والجميل والسلام".
وطلب منا الجواب عن مكتوبه.
فكتبنا له: "إنه وصل كتابكم، وعرفتونا أن سبب مجيئكم لأجل عثمان باشا وقد ذهب، وأن البلدة بلدة حضرة مولانا السلطان، وما مرادنا البلدة، والآن عازمين على العود إلى مصر، فتوجهوا إلى حيث شئتم والسلام".
من يقرأ هذه الأحداث سيجد أن الخيانة كما يقولون تجرى فى دماء الكل أبو الذهب ومصطفى خان وظاهر العمر وغيرهم فمصطفى خان يبدو أن بينه وبين أبو الذهب اتفاق سرى فالحملة هدفها تأديب وقتل ولاة مصطفى خان فى الشام على يد أبو الذهب وكما فى أى معركة متفق عليها لابد أن يكون العامة ضمن الضحايا اتقانا للعمل
فأى قائد عسكرى مجنون يأتى لبلد ويحتلها ثم يتركها هكذا بلا حرب من جانب حاكمها الأساسى إلا أن يكون بينهم اتفاق سرى ؟
الغريب فى الأمر هو أن معظم هؤلاء القادة غير معروفى النسب حتى وإن زعمت أبواق السلطة النسب خاصة النسب الشريف فالكل ما عدا قلة نادرة أتوا من أماكن مجهولة كمماليك ومع هذا كانوا حكام البلاد وجيوشها وبالقطع هؤلاء كانوا اولاد كفار تم تدريبهم أعلى تدريب لكى يحكموا المسلمين بشرع الكفار
ويخبرنا المحاسنى بالخبل التالى :
وثاني يوم الثلاثة بكرة النهار رحل متوجها إلى طرف مصر. وكانت مدة إقامة أبو الذهب من حين مجيئه للشام إلى يوم سفره ستة عشر يوما تماما. والله سبحانه فرج بمنه وكرمه.
فعند ذلك اجتمعنا جميع علماء البلدة بالسرايا، واستأجرنا ساعيا، وكتبنا كتابا لوالينا عثمان باشا إلى حماه وأخبرناه بما وقع، وقيام أبو الذهب من الشام، وأرسلنا له صورة مكتوب أبي الذهب، وفتحت البلدة كما كانت أولا.
ثم في يوم الخميس سادس عشر من ربيع الأول جاء عثمان باشا، وولده محمد باشا، ومعه عسكر من حماه، وجاء قاضي الشام معه مكي أفندي، والأفندية، وجاء النقيب من عند الدروز، وجاء يوسف آغا جبري أوغلي من جبل الدروز ومعه نحو خمسة آلاف درزي، أنزلهم في البلدة بأمر من عثمان باشا. وعاد خليل باشا بعسكره، ونزل خارج البلدة. وهذا ما وقع على وجه الصدق.
واستمرت أهل الشام بعد ذلك في عظيم الشدة والضيق لذهاب أموالهم وخراب قرايا الشام.
وكان قبل ذلك أخذ منهم عثمان باشا نحو ألف كيسا (كذا) من البازركان على سبيل القرض ليوفيهم إياها بواسطة يوسف آغا جبري زاده."
ماذا نستنتج من نصوص اختلط الحابل فيها بالنابل فالدروز وهم كفار ضمن جيوش المسلمين وهو عصيان لقوله تعالى :
"يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم"
ويكمل المحاسنى مادح ولي نعمته الكلام فيقول:
"وكان سبب جميع ما وقع بقضاء الله تعالي على أهل هذه البلدة المقدسة سببه الظلم التعدي، وتولية الأمور من عثمان باشا لغير أهلها لرعاع الناس.
قال صلى الله عليه وسلم: "إذا وسد الأمر لغير اهله فارتقبوا الساعة".
وقال الله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"."
وكون عثمان هو السبب هو الخبل فالسبب هم الشعب الذى سكت على الظلم وعلى عصيان الكلام طاعة للمحاسنى وغيره من علماء السلطة الذين يحرمون الخروج على الحكام إذا عصوا الله تاركين قوله تعالى " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار"
والرجل يحاول أن يمحو عقولنا فيقول أن الدول العثمانية بجيوشها ومؤسساتها لم تعلم بتلك الحرب فيقول:
"ولم يقدر أحد يتكلم ويعلم الدولة العلية بذلك وحضرة الدولة العلية غير عالمة بأهل الشام والذي حل بها وكان السبب مع الجل في موت مفتي الشام السيد علي أفندي المرادي ما حل بدمشق من البلايا، ولم يجسر أن يعلم الدولة العلية بالواقع خوفا من أمور يلحقه بها الضرر من بعض الأشخاص، فمات هما وغما وحزنا وخوفا. رحمه الله رحمة واسعة، وعوضه الجنة، فإنه كان صادقا في خدمة الدولة العلية. فنسأل الله سبحانه بالأنبياء العظام، بالملائكة الكرام، أن يلهم الدولة العلية الانتقام ممن كان السبب في تحريك هذه الأمور وتخريب البلاد وإيذاء العباد، ونهب الأموال، حيث بقت أهالي الشام في أسوأ حال، رمتهم حوادث الليالي بالنبال، فيا أسفا عليها مذ توالت الخطوب إليها، وأن يشملوا أهل هذه البلدة المقدسة بعميم أنظارهم ويخرجونهم (كذا) من ظلمات الظلم إلى النور، ويكشفوا عنهم عظيم ما حل بهم من البلاء المسطور، فإن ذلك عند الله تعالى أعظم أجرا من الحج المبرور والسعي المشكور، ولله سبحانه وتعالى مقاليد الأمور.
قال صلى الله عليه وسلم: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"."
الغريب هو أن دولة الخونة العثمانية ككل دول التاريخ المزعومة كافئت محمد أبو الذهب على حربه بمنحه لقب باشا ونصبته على مصر
الغريب فى هذه الحكاية هو أن كل هذه الحكايات تدل على شىء واحد وهو كفر كل الحكام فالدولة السفلى التى يسمونها العلية كانت تعين الدروز والمارون حكاما وجباة وهم على أديان غير الإسلام وكانت تستعين بهم فى جيش يفترض أنه مسلك وظاهر العمر تخالف مع الدروز الكفار ومع الروس الكفار ومع أبو الذهب الكافر أو الخائن الذى كان يلعب على كل الحبال فتحالف مع العثمانيين وقبلهم تحالف مع ظاهر العمر وخلع ولى نعمته من حكم مصر
اى تاريخ هذا الذى يفخر به البعض وهو ليس سوى تاريخ كفار كان دينهم الخيانة وتمكين الكفار من رقاب المسلمين والاستيلاء على ثروات البلاد حتى أن أبو الذهب اكتسب اسمه من توزيع ذهب الشعب على حاشيته عقب انتصاراته المزعومة
والغريب أن المحاسنى العالم أى المدرس وهو يستعين بالروايات كان عليه أن يقول ان هؤلاء كلهم فى النار طبقا لرواية "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار"
معارك كلها دارت بين ناس يحملون أسماء مسلمين والغريب أن هؤلاء القليل جدا منهم من حارب غير المسلمين

السبت، 25 يوليو 2020

قراءة فى كتاب حجاب المرأة ولباسها في الصلاة2

وقد ثبت في الصحيح: أن النبي (ص) لما دخل بصفية قال أصحابه: إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه فضرب عليها الحجاب وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي (ص) وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع فيظهر من الأمة رأسها ويداها ووجهها وقال تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن} فرخص للعجوز التي لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقي عليها جلبابها ولا تحتجب وإن كانت مستثناة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة في غيرها كما استثنى التابعين غير أولي الإربة من الرجال في إظهار الزينة لهم في عدم الشهوة التي تتولد منها الفتنة وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب ووجب غض البصر عنها ومنها وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر
الحرائر والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجابا واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيهن شهوة وشغف لم يجز إبداء الزينة الخفية له فالخطاب خرج عاما على العادة فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع من ذلك كما لو كانت في غير ذلك وهكذا الرجل مع الرجال والمرأة مع النساء: لو كان في المرأة فتنة للنساء وفي الرجل فتنة للرجال لكان الأمر بالغض للناظر من بصره متوجها كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه فالإماء والصبيان إذا كن حسانا تخشى الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك كما ذكر ذلك العلماء
قال المروذي: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل - الرجل ينظر إلى المملوك؟ قال: إذا خاف الفتنة لم ينظر إليه كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: رجل تاب وقال: لو ضرب ظهري بالسياط ما دخلت في معصية إلا أنه لا يدع النظر فقال: أي توبة هذه؟ قال جرير سألت رسول الله (ص) عن نظرة الفجأة فقال: "اصرف بصرك" وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبي وسويد قالا: حدثني إبراهيم بن هراسة عن عثمان بن صالح عن الحسن بن ذكوان قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى وهذا الاستدلال والقياس والتنبيه بالأدنى على الأعلى إلى أن قال: وكذلك المرأة مع المرأة وكذلك محارم المرأة مع ابن زوجها وابنه وابن أخيها وابن أختها ومملوكها عند من يجعله محرما متى كان يخاف عليه الفتنة أو عليها توجه الاحتجاب بل وجب
وهذه المواضع التي أمر الله تعالى بالاحتجاب فيها مظنة الفتنة ولهذا قال تعالى: {ذلك أزكى لهم} فقد تحصل الزكاة والطهارة بدون ذلك لكن هذا أزكى وإذا كان النظر والبروز قد انتفى فيه الزكاة والطهارة لما يوجد في ذلك من شهوة القلب واللذة بالنظر كان ترك النظر والاحتجاب أولى بالوجوب
وروى الجماعة إلا مسلما أن النبي (ص) لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: "أخرجوهم من بيوتكم وأخرجوا فلانا وفلانا": يعني المخنثين وقد ذكر بعضهم أنهم كانوا ثلاثة: - بيم وهيت وماتع - على عهد رسول الله (ص) ولم يكونوا يرمون بالفاحشة الكبرى إنما كان تخنثهم وتأنيثهم لينا في القول وخضابا في الأيدي والأرجل كخضاب النساء ولعبا كلعبهن
وفي سنن أبي داود عن أبي يسار القرشي عن أبي هاشم عن أبي هريرة أن النبي (ص) أتي بمخنث وقد خضب رجليه ويديه بالحناء فقال: "ما بال هذا؟ " فقيل: يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع فقيل: يا رسول الله ألا نقتله فقال: " إني نهيت عن قتل المصلين"
فإذا كان النبي (ص) قد أمر بإخراج مثل هؤلاء من البيوت فمعلوم أن الذي يمكن الرجال من نفسه والاستمتاع به وبما يشاهدونه من محاسنه وفعل الفاحشة الكبرى به شر من هؤلاء وهو أحق بالنفي من بين أظهر المسلمين وإخراجه عنهم فإن المخنث فيه إفساد للرجال والنساء لأنه تشبه بالنساء فقد تعاشره النساء ويتعلمن منه وهو رجل فيفسدهن ولأن الرجال إذا مالوا إليه فقد يعرضون عن النساء ولأن المرأة إذا رأت الرجل يتخنث فقد تترجل هي وتتشبه بالرجال فتعاشر الصنفين وتختار هي مجامعة النساء كما يختار هو مجامعة الرجال والله سبحانه قد أمر في كتابه بغض البصر وهو نوعان: غض البصر عن العورة وغضه عن محل الشهوة
فالأول: كغض الرجل بصره عن عورة غيره كما قال النبي (ص): "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة" ويجب على الإنسان أن يستر عورته كما قال لمعاوية بن حيدة: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" قلت: فإذا كان أحدنا مع قومه؟ قال: "إن استطعت أن لا تريها أحدا فلا يرينها"قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس" ويجوز كشفها بقدر الحاجة كما تكشف عند التخلي ولهذا إذا اغتسل الرجل وحده - بحيث يجد ما يستره - فله أن يغتسل عريانا كما اغتسل موسى عريانا وأيوب وكما في اغتسال النبي (ص) يوم الفتح واغتساله في حديث ميمونة
وأما النوع الثاني من النظر - كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية - فهذا أشد من الأول كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير وعلى صاحبها الحد وتلك المحرمات إذا تناولها مستحلا لها5 كان عليه التعزير لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهي الخمر وكذلك النظر إلى عورة الرجل لا يشتهى كما يشتهى النظر إلى النساء ونحوهن وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب
وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم بشهوة إلى أن قال: فصار النظر إلى المردان ثلاثة أقسام:
أحدها: ما تقترن به الشهوة فهو محرم بالاتفاق
والثاني: ما يجزم أنه لا شهوة معه كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن وابنته الحسنة وأمه الحسنة فهذا لا يقترن به شهوة إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس ومتى اقترنت به الشهوة حرم
وعلى هذا نظر من لا يميل قلبه إلى المردان كما كان الصحابة وكالأمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة فإن الواحد من هؤلاء لا يفرق من هذا الوجه بين نظره إلى ابنه وابن جاره وصبي أجنبي لا يخطر بقلبه شيء من الشهوة لأنه لم يعتد ذلك وهو سليم القلب من قبل ذلك وقد كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في الطرقات متكشفات الرءوس ويخدمن الرجال مع سلامة القلوب فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين كان هذا من باب الفساد وكذلك المردان الحسان لا يصلح أن يخرجوا في الأمكنة والأزقة التي يخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة فلا يمكن الأمرد الحسن من التبرج ولا من الجلوس في الحمام بين الأجانب ولا من رقصه بين الرجال ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس والنظر إليه كذلك وإنما وقع النزاع بين العلماء في القسم الثالث من النظر وهو النظر إليه بغير شهوة لكن مع خوف ثورانها ففيه وجهان في مذهب أحمد أصحهما وهو المحكي عن نص الشافعي وغيره أنه لا يجوز والثاني: يجوز لأن الأصل عدم ثورانها فلا يحرم بالشك بل قد يكره والأول هو الراجح كما أن الراجح في مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية لكن لأنه يخاف ثورانها ولهذا حرم الخلوة بالأجنبية لأنه مظنة الفتنة، والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز فإن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة ولهذا كان النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لحاجة راجحة مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة مع عدم الشهوة وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز
وأما الأبصار فلا بد من فتحها والنظر بها وقد يفجأ الإنسان ما ينظر إليه بغير قصد فلا يمكن غضها مطلقا ولهذا أمر تعالى عباده بالغض منها كما أمر لقمان ابنه بالغض من صوته وأما قوله تعالى: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله}[الحجرات: ] الآية فإنه مدحهم على غض الصوت عند رسوله مطلقا فهم مأمورون بذلك في مثل ذلك ينهون عن رفع الصوت عنده (ص) وأما غض الصوت مطلقا عند رسول الله (ص) فهو غض خاص ممدوح ويمكن العبد أن يغض صوته مطلقا في كل حال ولم يؤمر العبد به بل يؤمر برفع الصوت في مواضع: إما أمر إيجاب أو استحباب فلهذا قال: {واغضض من صوتك} [لقمان] ، فإن الغض في الصوت والبصر جماع ما يدخل إلى القلب ويخرج منه فبالسمع يدخل القلب وبالصوت يخرج منه كما جمع العضوين في قوله: {ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين} [البلد] ، فبالعين والنظر يعرف القلب الأمور واللسان والصوت يخرجان من عند القلب الأمور هذا رائد القلب وصاحب خبره وجاسوسه وهذا ترجمانه
ثم قال تعالى: {ذلك أزكى لهم} [النور] ، وقال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: ] ، وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: ] ، وقال في آية الاستئذان: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} [النور] ، وقال: {فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} [الأحزاب] ، وقال: {فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر} [المجادلة ]
وقال النبي (ص): "اللهم طهر قلبي من خطاياي بالماء والثلج والبرد" وقال في دعاء الجنازة: "واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس"
فالطهارة - والله أعلم - هي من الذنوب التي هي رجس والزكاة تتضمن معنى الطهارة التي هي عدم الذنوب ومعنى النماء بالأعمال الصالحة: مثل المغفرة والرحمة ومثل النجاة من العذاب والفوز بالثواب ومثل عدم الشر وحصول الخير وأما نظر الفجأة فهو عفو إذا صرف بصره كما ثبت في "الصحاح" عن جرير قال سألت رسول الله (ص) عن نظر الفجأة قال: "اصرف بصرك"وفي السنن أنه قال لعلي رضي الله عنه: " يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية" وفي الحديث الذي في المسند وغيره: "النظر سهم مسموم من سهام إبليس" وفيه: " من نظر إلى محاسن امرأة ثم غض بصره عنها أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة" أو كما قال ولهذا يقال: إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن النظر إليها: كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر:
إحداها: حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله " فإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه"
وأما الفائدة الثانية من غض البصر: فهو يورث نور القلب والفراسة قال تعالى عن قوم لوط: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر] ، فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه
وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال: {الله نور السماوات والأرض} [النور] وكان شاه بن شجاع الكرماني لا تخطئ له فراسة وكان يقول:
من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة سادسة أظنه هو أكل الحلال: لم تخطئ له فراسة والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال ببصيرة القلب
الفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل الله له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة فإن الرجل الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه
وإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه قال الله تعالى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] ، وقال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 9] ولهذا كان في كلام الشيوخ: الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله
وكان الحسن البصري يقول: وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال فإن ذل المعصية في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه وفي دعاء القنوت: "إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت"
وأما أهل الفواحش الذين لا يغضون أبصارهم ولا يحفظون فروجهم فقد وصفهم الله بضد ذلك: من السكرة والعمه والجهالة وعدم العقل وعدم الرشد والبغض وطمس الأبصار هذا مع ما وصفهم به من الخبث والفسوق والعدوان والإسراف والسوء والفحش والفساد والإجرام فقال عن قوم لوط: {بل أنتم قوم تجهلون} فوصفهم بالجهل وقال: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} وقال: {أليس منكم رجل رشيد} وقال: {لطمسنا على أعينهم} وقال: {بل أنتم قوم مسرفون} وقال: {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} وقال: {إنهم كانوا قوم سوء فاسقين} وقال: {أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر} [العنكبوت]
إلى قوله: {انصرني على القوم المفسدين} إلى قوله: {بما كانوا يفسقون} وقوله: {مسومة عند ربك للمسرفين}
بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} [البقرة]
ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان والله تعالى إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة وعن قوم لوط المشركين والعاشق المتيم يصير عبدا لمعشوقه منقادا له أسير القلب له"
الأخطاء فى الفقرات السابقة هى :
الأول أن ظهور النساء سبب الفتنة وهو كلام يخالف ان كل الأشياء خيرا أو شرا فتنة أى ابتلاء كما قال تعالى " ونبلوكم بالشر والخير فتنة"
الثانى: ذكر عبيدة السلماني وغيره: أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رءوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق وقال: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فلما نزل ذلك عمد نساء المؤمنين إلى خمرهن فشققنهن وأرخينها على أعناقهن و"الجيب": هو شق في طول القميص فإذا ضربت المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها "
نجد هنا تناقض بين القول كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رءوسهن فالجلابيب ترمى من فوق الرءوس وهو ما يناقض تغطية الأعناق بقوله وأرخينها على أعناقهن" والجنون فى الفقرة أن النساء لو رفعت الجلابيب من الخلف على رءوسهن فإن سيقاهن وظهورهن من الخلف ستكون عارية فأى كلام هذا؟
الثالث النص طوكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع فيظهر من الأمة رأسها ويداها ووجهها "
عقاب المسلمة الأمة على طاعتها أمر الله فالله قال " ونساء المؤمنين " والإماء المسلمات هن من ضمن نساء المؤمنين فالآية لم تذكر حرات ولا عبدات والجنون أن الآية ذكرت الجلابيب ومع هذا يتحدث عن الأخمرة
الرابع قال تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن} فرخص للعجوز التي لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقي عليها جلبابها ولا تحتجب وإن كانت مستثناة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة في غيرها كما استثنى التابعين غير أولي الإربة من الرجال في إظهار الزينة لهم في عدم الشهوة التي تتولد منها الفتنة "
الجنون هنا هو كون القواعد العجائز وهو تفسير خاطىء وإنما المراد النساء اللاتى لا يردن الزواج بعد طلاقهن أو ترملهن لقوله " اللاتي لا يرجون نكاحا"
والجنون ألا ترتدى المرأة الجلباب وهذا معناه أن تسبر وتجلس فى المجتمع عارية فأى كلام هذا عذا تركب المرأة ثوبها دون أن ترتديه ولو فهم القوم لعرفوا أن المرأة ترتدى جلبابين فى الأماكن العامة فالتاركة الزواج ترتدى جلباب واحد يغطى عورتها تماما كاللابسات اثنين وإنما جعل جلباب واحد للتفرقة بين مريدات الزواج وبين المتعففات عنه
الخامس القول "وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب ووجب وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء" فهنا يطلب الرجل من الأمة لبس الجلباب والحجاب مع أن ابن عمر فى فقرة سابقة كان يضرب الإماء على هذا وهو تناقض لا وجود له لأن ابن عمر لم يفعل شىء من هذا
السادس القول لو كان في المرأة فتنة للنساء وفي الرجل فتنة للرجال لكان الأمر بالغض للناظر من بصره متوجها كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه فالإماء والصبيان إذا كن حسانا تخشى الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك كما ذكر ذلك العلماء ومثله :
"عن الحسن بن ذكوان قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى " ومثله:
"وكذلك المرأة مع المرأة وكذلك محارم المرأة مع ابن زوجها وابنه وابن أخيها وابن أختها ومملوكها عند من يجعله محرما متى كان يخاف عليه الفتنة أو عليها توجه الاحتجاب بل وجب" وأيضا قولهم :
"وفي سنن أبي داود عن أبي يسار القرشي عن أبي هاشم عن أبي هريرة أن النبي (ص) أتي بمخنث وقد خضب رجليه ويديه بالحناء فقال: "ما بال هذا؟ " فقيل: يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع فقيل: يا رسول الله ألا نقتله فقال: " إني نهيت عن قتل المصلين"
وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم بشهوة إلى أن قال: فصار النظر إلى المردان ثلاثة أقسام:
أحدها: ما تقترن به الشهوة فهو محرم بالاتفاق
والثاني: ما يجزم أنه لا شهوة معه كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن وابنته الحسنة وأمه الحسنة فهذا لا يقترن به شهوة إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس ومتى اقترنت به الشهوة حرم "
وما سبق من تحريم نظر من أباح الله لهم النظر بدعوى الخوف من الفتنة هو جنون لأن كل شىء فى حياتنا دعوة للفتنة خيرا أو شرا كما قال تعالى "ونبلوكم بالشر والخير فتنة" ومن ثم فطبقا لأقوالهم تلك فكل شىء فى حياتنا حرام طالما خفنا من فتنته وهو كلام لا يقوله مسلم فالحلال ما اخل الله والحرام ما حرم الله وأما اصحاب النفوس المريضة فليذهبوا إلى جهنم طالما يريدون ويرتكبون تلك الذنوب
الشريعة للكل حسب امر ونهى الله وليس حسب أصحاب النفوس المريضة
السابع القول :من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة سادسة أظنه هو أكل الحلال: لم تخطئ له فراسة "
بالقطع الفراسة ليست أمر لازم لكل مسلم بدليل أن داود (ص) نفسه أخطأت فراسته فى قصة الغنم والحرث فالفراسة المذكورة هى ظنون قد تصدق وقد تكذب

الجمعة، 24 يوليو 2020

قراءة فى كتاب حجاب المرأة ولباسها في الصلاة

قراءة فى كتاب حجاب المرأة ولباسها في الصلاة
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 78هـ)
يبدو أنه لا يوجد كتاب بهذا الاسم لابن تيمية وإنما قام الألبانى محقق الكتاب بانتزاع بعض الفصول من كتب اخرى وضمها إلى بعضها وأطلق عليها اسم الكتاب الذى نتناوله وقد استهل الكتاب بفصل فى لباس الصلاة فقال :
"فصل في "اللباس في الصلاة"
وهو أخذ الزينة عند كل مسجد: الذي يسميه الفقهاء: "باب ستر العورة في الصلاة" فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة هو الذي يستر عن أعين الناظرين وهو العورة وأخذ ما يستر في الصلاة من قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن} ثم قال {ولا يبدين زينتهن} يعني الباطنة {إلا لبعولتهن} الآية، فقالوا: يجوز لها في الصلاة أن تبدي الزينة الظاهرة دون الباطنة
والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين:
- فقال: ابن مسعود ومن وافقه هي الثياب
- وقال ابن عباس ومن وافقه: هو ما في الوجه واليدين،
مثل الكحل والخاتم وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية
فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد
وقيل: لا يجوز وهو ظاهر مذهب أحمد قال: كل شيء منها عورة حتى ظفرها وهو قول مالك
وحقيقة الأمر: أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم"
فى الفقرة أخطاء عديدة:
الأول كون الزينة عند كل مسجد اللباس ونص الآية "يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"هنا خاطب الله بنى آدم(ص) وهم أولاد الإنسان الأول فيقول :خذوا زينتكم عند كل مسجد والمراد افعلوا واجبكم لدى كل حكم وأخذ الزينة هو أخذ ما أتاهم الرسول(ص) وهو حكم الله مصداق لقوله بسورة الحشر"وما أتاكم الرسول فخذوه"وهذا يعنى طاعة كل حكم يأتى به ويطلب منهم فيقول كلوا أى اطعموا الطعام واشربوا أى ارتووا من الأشربة ولا يسرفوا أى لا يفرطوا فى طاعة حكم الله ويبين لهم أنه لا يحب المسرفين وهم الكافرين مصداق لقوله بسورة آل عمران"فإن الله لا يحب الكافرين"والمراد أنه لا يرحم من يفرط فى طاعته ولو اعتبرنا الزينة اللباس لكان هذا محالا لأن الإنسان لا يحمل ملابسه عندما يذهب إلى منطقة أو بلد مخالفة لمنطقة سكنه كما أن هذا معناه إباحة العرى والقذارة خارج المساجد وهو ما لم يقل به أحد
الثانى أن المرأة وحدها كلها عورة والحق أن المرأة والرجل كلاهما عورة بعضها مورى أى مخفى وبعضها ظاهر كما قال تعالى" فوسوس لهما الشيطان ليبدى ما ورى عنهما من سوءاتهما" وقال " فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سواءتهما" وقال " ينزع عنهما لباسهما ليريهما سواءتهما"
فهنا الرجل والمرأة على حد سواء كلاهما سوءة أى عورة وكل منهما من سوءته ما يغطيه الملابس ومنها ما هو معرى من الملابس
الثالث أن الزينة هى الثياب والكحل والخاتم وأشباههم أو الوجه واليدين
والزينة تطلق على جسم المرأة كله كما قال تعالى" ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن" فنتيجة ضرب أى رفع الأرجل هو انكشاف الزينة والزينة هى التى يظهرها رفع الرجل هى السيقان والأفخاذ وما علاهما فلو قلنا أنها الملابس وما شاكلها فلا معنى بضرب الأرجل لأن الملابس ظاهرة فوقهما رفعت الأرجل أم لا
الرابع أن ما يبدى فى الصلاة يبدى للناظرين المباح لهم النظر وبالقطع ليس كل ما يخفى الصلاة يظهر للناظرين المذكورين فمثلا أثداء الأم واجب كشفها لرضاعة اطفالها وعورة الأطفال كلها تكشف للأبوين أو الاخوة والأخوات عند الطفولة المبكرة لغسل مكان البول والبراز من قبل الرضع وأحيانا من يكبرونهم بسنة أو أكثر وبالمقابل فإن كشف العورتين للأبوين عند الكبر فى حالة العجز أو النسيان واجبة لغسلهما من البول والبراز ومن ثم فليست عورة الصلاة المغطاة هى العورة التى ينظر لها المباح لهم النظر فهناك لكل حالة حكم والمتعارف عليه للكل هو :
أن النساء فى البيت يلبسن ثوبا واحدا ويعرين بعض أيديهن أو أرجلهن وشعرهن ولكنهن لا يكن عاريات تماما أو مظهرات للأثداء مثلا أو المهابل أو السوءات وهذا هو المباح النظر له للكل وأما الزوج فيباح له التعرى التام والأطفال الرضع والأبناء والأبوين والنساء يباح لهم النظر عند الرضاعة وأما غيرهم فلا
ثم قال خبلا وهو أن النساء كانت تخرج بلا جلباب :
"وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره"
وهذا معناه أنهن يخرجن عرايا لأنهن بلا جلابيب ومن ثم فقوله لظهور الوجوه واليدين هو تناقض لأنهن فى تلك الحال مكشوفات تماما لكونهن بلا جلابيب
وفى الفقرة التالية نجد القول :
"ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} حجب النساء عن الرجال وكان ذلك لما تزوج النبي (ص) زينب بنت جحش فأرخى النبي (ص) الستر ومنع أنسا أن ينظر ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإلا فهي ملكت يمينه فحجبها فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن و"الجلباب" هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره: الرداء وتسميه العامة الإزار وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها وقد حكى عبيدة وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها ومن جنسه النقاب فكن النساء ينتقبن وفي الصحيح: "أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين" فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب: كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا الثياب الظاهرة فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين"
الخطأ هنا هو أن آية الجلابيب تعنى الحجاب وهو الفصل بين الرجال والنساء وهو خبل فى الفهم فالآية تقول "يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما"
فهنا لا ذكر للرجال حتى يكون هناك فصل والمطلوب واضح وهو إطالة الجلابيب والسبب أن يعلمن حكم الله بإطالته فينفذنه حتى لا يؤذين أى لا يعاقبن فمن تخالف حكم ارتداء الجلباب الطويل فى الأماكن العامة يجب ضربها وهو عقابها حتى لا تعود لذلك
ثم بين أن المرأة تظهر لمملوكها الزينة الباطنة فقال :
"وعلى هذا فقوله: {أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن} يدل على أن لها أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها وفيه قولان:
- قيل المراد الإماء والإماء الكتابيات كما قاله ابن المسيب ورجحه أحمد وغيره
- وقيل: هو المملوك الرجل: كما قاله ابن عباس وغيره وهذا مذهب الشافعي وغيره وهو الرواية الأخرى عن أحمد فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته
وقد جاءت بذلك أحاديث وهذا لأجل الحاجة لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد والعامل والخاطب فإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد أولى وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرما يسافر بها كغير أولي الإربة فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها
فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها فإنه لم يدخل في قوله (ص): "لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم" فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عتق كما يجوز لزوج أختها أن يتزوجها إذا طلق أختها والمحرم: من تحرم عليه على التأبيد ولهذا قال ابن عمر: سفر المرأة مع عبدها ضيعة
فالآية رخصت في إبداء الزينة لذوي المحارم وغيرهم وحديث السفر ليس فيه إلا ذوو المحارم وذكر في الآية {أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن} و {غير أولي الأربة} وهي لا تسافر معهم وقوله: {أو نسائهن} قال: احتراز عن النساء المشركات فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن الحمام لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها بخلاف الرجال فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره ولهذا كان أقاربها تبدي لهن الباطنة وللزوج خاصة ليست للأقارب وقوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} دليل على أنها تغطي العنق فيكون من الباطن لا الظاهر ما فيه من القلادة وغيرها"
والفقرة بها اخطاء هى :
الأول ابداء الزينة الباطنة للمملوك وهو ما يخالف أن مماليك المرأة الرجال لا يجوز لهم الاطلاع على كامل عورة المرأة وإنما لهم الاطلاع على المتعارف عليه عموما وهو رؤية بعض ذراع المرأة وبعض رجلها حتى الركبة وشعرها باعتبارهم من أهل البيت
الثانى أن نسائهن تعنى المسلمات دون غيرهن والخطأ أن نسائهن كلمة على اطلاقها سواء كن مسلمات او كافرات خاصة أن فى أيام الدعوة الأولى كان كثير من الأمهات والخالات والعمات والبنات كافرات وهؤلاء يجوز لهن رؤية ما لا يراه غيرهم
ثم عقد فصلا في ستر النساء والرجال فقال :
"فصل في ستر النساء والرجال:
فهذا ستر النساء عن الرجال وستر الرجال عن الرجال والنساء عن النساء في العورة الخاصة كما قال (ص): "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة" وكما قال: "احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك"قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: "فالله أحق أن يستحيا منه"
نجد هنا فهم خاطىء للرواية الأولى والثانية فالرواية الأولى "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة" تعنى عدم نظرة الرجل لعورة الرجل والمرأة لعورة المرأة وهو ما يخالف قوله فى أول الفقرة "فهذا ستر النساء عن الرجال"
ونجد الخبل فى الاستحياء من الله بعدم رؤية الله للعورة فالاستحياء من الله يكون فى عدم عمل الذنوب وأما التعرى الجزئى أو الكامل المباح فليس هذا استحياء من الله وإنما عصيان لله لأن الله أباح التعرى عند الاغتسال وعند جماع المرأة وعند الجلوس فى البيت مع المباح لهم النظر
ثم نجد الاستدلال الخاطىء فى القول التالى:
"ونهى أن يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد والمرأة إلى المرأة في ثوب واحد" وقال عن الأولاد: " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع"
فهذا نهي عن النظر والمس لعورة النظير لما في ذلك من القبح والفحش وأما الرجال مع النساء فلأجل شهوة النكاح فهذان نوعان وفي الصلاة نوع ثالث فإن المرأة لو صلت وحدها كانت مأمورة بالاختمار وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها فأخذ الزينة في الصلاة لحق الله فليس لأحد أن يطوف بالبيت عريانا ولو كان وحده بالليل ولا يصلي عريانا ولو كان وحده فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس فهذا نوع وهذا نوع"
والاستدلال الخاطىء هنا هو أن التفرقة فى المضاجع تعنى عدم مشاهدة الاخوة والأخوات لأجزاء من عورات بعضهم المتعارف عليها فى البيوت
ثم بين أن ما يستر فى الصلاة يجوز كشفه فى غيرها فقال :
"وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال فالأول: مثل المنكبين فإن النبي (ص) نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء فهذا لحق الصلاة ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة, وكذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة كما قال النبي (ص): " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" وهي لا تختمر عند زوجها ولا عند ذوي محارمها فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء ولا يجوز لها في الصلاة أن تكشف رأسها لهؤلاء ولا لغيرهم وعكس ذلك: الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب وأما ستر ذلك في الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين بل يجوز لها كشف الوجه بالإجماع وإن كان من الزينة الباطنة وكذلك اليدان يجوز إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد وكذلك القدم يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة وهو الأقوى فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة قالت: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قالت: "الفتخ" حلق من فضة تكون في أصابع الرجلين رواه ابن أبي حاتم فهذا دليل على أن النساء كن يظهرن أقدامهن أولا كما يظهرن الوجه واليدين فإنهن كن يرخين ذيولهن فهي إذا مشت قد يظهر قدمها ولم يكن يمشين في خفاف وأحذية وتغطية هذا في الصلاة فيه حرج عظيم وأم سلمة قالت: "تصلي المرأة في ثوب سابغ يغطي ظهور قدميها " فهي إذا سجدت قد يبدو باطن القدم وبالجملة: قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها وإنما ذلك إذا خرجت وحينئذ فتصلي في بيتها وإن بدا وجهها ويداها وقدماها كما كن يمشين أولا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا وابن مسعود رضي الله عنه لما قال: الزينة الظاهرة هي الثياب لم يقل إنها كلها عورة حتى ظفرها بل هذا قول أحمد يعني به أنها تستره في الصلاة فإن الفقهاء يسمون ذلك: "باب ستر العورة" وليس هذا من ألفاظ الرسول ولا في الكتاب والسنة أن ما يستره المصلي فهو عورة بل قال تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} ونهى النبي (ص) أن يطوف بالبيت عريانا فالصلاة أولى وسئل عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: "أو لكلكم ثوبان؟ " وقال في الثوب الواحد: "إن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فاتزر به" ونهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء5 فهذا دليل على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة: الفخذ وغيره وإن جوزنا للرجل النظر إلى ذلك فإذا قلنا على أحد القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد: أن العورة هي السوءتان وأن الفخذ ليست بعورة فهذا في جواز نظر الرجل إليها ليس هو في الصلاة والطواف فلا يجوز أن يصلي الرجل مكشوف الفخذين سواء قيل هما عورة أو لا ولا يطوف عريانا بل عليه أن يصلي في ثوب واحد ولا بد من ذلك إن كان ضيقا اتزر به وإن كان واسعا التحف به كما أنه لو صلى وحده في بيت كان عليه تغطية ذلك باتفاق العلماء
وأما صلاة الرجل بادي الفخذين مع القدرة على الإزار فهذا لا يجوز ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف ومن بنى هذا على الروايتين في العورة كما فعله طائفة فقد غلطوا ولم يقل أحمد ولا غيره: أن المصلي يصلي على هذه الحال كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين؟ فكيف يبيح له كشف الفخذ؟ فهذا هذا وقد اختلف في وجوب ستر العورة إذا كان الرجل خاليا ولم يختلف في أنه في الصلاة لا بد من اللباس وأنه لا تجوز الصلاة عريانا مع القدرة على اللباس باتفاق العلماء ولهذا جوز أحمد وغيره للعراة أن يصلوا قعودا ويكون إمامهم وسطهم بخلاف خارج الصلاة هذا الستر لحرمة الصلاة لا لأجل النظر وقد قال النبي (ص) في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال: يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: "فالله أحق أن يستحيا منه من الناس" فإذا كان هذا خارج الصلاة فهو في الصلاة أحق أن يستحيا منه فتؤخذ الزينة لمناجاته سبحانه وتعالى ولهذا قال ابن عمر لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسرا: أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا قال: فالله أحق من يتجمل له
وفي الحديث الصحيح لما قيل له (ص) الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال: "إن الله جميل يحب الجمال" وهذا كما أمر المصلي بالطهارة والنظافة والطيب فقد أمر النبي (ص) "أن تتخذ المساجد في البيوت وتنظف وتطيب" وعلى هذا فيستتر في الصلاة أبلغ مما يستتر الرجل من الرجل والمرأة من المرأة ولهذا أمرت المرأة أن تختمر في الصلاة وأما وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب لم تنه عن إبدائه للنساء ولا لذوي المحارم، فعلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة التي نهي عنها لأجل الفحش وقبح كشف العورة بل هذا من مقدمات الفاحشة فكان النهي عن إبدائها نهيا عن مقدمات الفاحشة كما قال في الآية: {ذلك أزكى لهم} وقال في آية الحجاب: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} فنهى عن هذا سدا للذريعة لا أنه عورة مطلقة لا في الصلاة ولا غيرها فهذا هذا وأمر المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيد جدا واليدان يسجدان كما يسجد الوجه والنساء على عهد النبي (ص) إنما كان لهن قمص وكن يصنعن الصنائع والقمص عليهن فتبدي المرأة يديها إذا عجنت وطحنت وخبزت ولو كان ستر اليدين في الصلاة واجبا لبينه النبي (ص) وكذلك القدمان وإنما أمر بالخمار فقط مع القميص فكن وأما الثوب التي كانت المرأة ترخيه وسألت عن ذلك النبي (ص) فقال: "شبرا" فقلن: إذن تبدو سوقهن؟ فقال: "ذراع لا يزدن عليه" وقول عمر بن أبي ربيعة:
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول فهذا كان إذا خرجن من البيوت ولهذا سئل عن المرأة تجر ذيلها على المكان القذر فقال: "يطهره ما بعده" وأما في نفس البيت فلم تكن تلبس ذلك كما أن الخفاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السوق إذا خرجن وهن لا يلبسنها في البيوت ولهذا قلن: إذن تبدوا سوقهن وكان المقصود تغطية الساق لأن الثوب إذا كان فوق الكعبين بدا الساق عند المشي
وقد روي: "أعروا النساء يلزمن الحجال" يعني إذا لم يكن لها ما تلبسه في الخروج لزمت بيتها وكن نساء المسلمين يصلين في بيوتهن وقد قال النبي (ص): "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن" ولم يؤمرن مع القمص إلا بالخمر لم تؤمر بما يغطي رجليها لا خف ولا جورب ولا بما يغطي يديها لا بقفازين ولا غير ذلك
فدل على أنه لا يجب عليها في الصلاة ستر ذلك إذا لم يكن عندها رجال أجانب وقد روي: "أن الملائكة لا تنظر إلى الزينة الباطنة فإذا وضعت خمارها وقميصها لم ينظر إليها" وروي في ذلك حديث عن خديجة فهذا القدر للقميص والخمار هو المأمور به لحق الصلاة كما يؤمر الرجل إذا صلى في ثوب واسع أن يلتحف به فيغطي عورته ومنكبيه والمنكبان في حقه كالرأس في حق المرأة لأنه يصلي في قميص أو ما يقوم مقام القميص وهو في الإحرام لا يلبس على بدنه ما يقدر له كالقميص والجبة كما أن المرأة لا تنتقب ولا تلبس القفازين وأما رأسه فلا يخمره"
والفقرات السابقة بها أخطاء تتمثل فى التالى :
الأول حرمة حسر الرجل رأسه فى الصلاة وهو قولهم ولهذا قال ابن عمر لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسرا: أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا قال: فالله أحق من يتجمل له" وهو كلام يناقض قوله فى أخر الفقرات" وأما رأسه فلا يخمره"
الثانى أن من حق الرجل اظهار بعض العورة فى الحج وهو كلام فارغ فالله حرم التعرى فى الصلاة فكيف يأمر بتعرية الكتف والمنكب فى الحج حيث المكان اعظم حرمة من أى مكان أخر كما قال تعالى " اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى" فهنا المخلوع فقط النعال وليس الملابس التى تروى الروايات بلبسها وهو ملابس تكشف العورة فى أعظم مكان فأى كفر أكبر من ارتكاب ذنب رؤية العورة المغلظة وغير المغلظة عند السجود المعروف حيث يظهر لكل حاج خلف حاج عورة الأخر بسبب هذا اللباس غير المخيط
الثالث حرمة تنقب المرأة فى الحج وحرمة لبسها القفازين وهو كلام يمكن تحويره لو أخذنا أن كلمة المحرمة فأعطيناها معنى المحرمة على أهلها فساعتها يكون المعنى أن المرأة تكشف وجهها ويديها لأقاربها
وبالقطع لا يوجد نص فى النقاب غير هذا ولا يمكن استنباط حكم وجوب النقاب فى غير الحج من هذا النص لأن نصوص القرآن تقول برؤية الرجال لحسن النساء مثل " ولو أعجبك حسنهن" وقوله " ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم" وحسن النساء لا يمكن ظهوره إلا من خلال أشياء مكشوفة كالوجوه واليدين فلو قلنا أن المسلمات منتقبات فكيف بحسن المشركات هنا؟
ثم تناول وجه المرأة فقال :
"ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره:
- قيل: إنه كرأس الرجل فلا يغطى
- وقيل: إنه كيديه فلا يغطى بالنقاب والبرقع ونحو ذلك مما صنع على قدره وهذا هو الصحيح فإن النبي (ص) لم ينه إلا عن القفازين والنقاب
وكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال من غير وضع ما يجافيها عن الوجه فعلم أن وجهها كيدي الرجل ويديها وذلك أن المرأة كلها عورة كما تقدم فلها أن تغطي وجهها ويديها لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو كما أن الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإزار والله سبحانه وتعالى أعلم
وعليه ففي الحديث دليل على أن وجه المرأة ليس بعورة وإلا لأمرها (ص) أن تستره وهذا لا ينافي أن التغطية أفضل كما شرحته في "الحجاب" وإنما الكلام في الوجوب فتنبه"
الخطأ هنا ان وجه المرأة ليس بعورة وهو ما يخالف كون العورة منها ما ورى أى أخفى من السوءة ومنها ما ظهر وهما معا العورة فى قوله تعالى "فوسوس لهما الشيطان ليبدى ما ورى عنهما من سوءاتهما"
ثم ذكر الألبانى استنباطات لابن تيمية فى حديث عن سورة النور وهو تقريبا نفس الكلام المذكور فى الفصلين السابقين فقال:
"معاني الاستنباط من سورة النور:
ومن كلامه رحمه الله تعالى في جوابه واستنباطه من معاني سورة النور في معنى ما تقدم قوله المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجل ولهذا خصت بالاحتجاب وترك إبداء الزينة وترك التبرج فيجب في حقها الاستتار باللباس والبيوت ما لا يجب في حق الرجل لأن ظهور النساء سبب الفتنة والرجال قوامون عليهن وقال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} الآية إلى قوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} فأمر الله سبحانه الرجال والنساء بالغض من البصر وحفظ الفرج كما أمرهم جميعا بالتوبة
وأمر النساء خصوصا بالاستتار وأن لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن استثناه الله تعالى في الآية فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة فهذا لا جناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر فإن هذه لا بد من إبدائها وهذا قول ابن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد
وقال ابن عباس: الوجه واليدان من الزينة الظاهرة وهي الرواية الثانية عن أحمد وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره وأمر سبحانه النساء بإرخاء الجلابيب لئلا يعرفن ولا يؤذين وهذا دليل على القول الأول وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره: أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رءوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق وثبت في الصحيح أن المرأة المحرمة تنهى عن الانتقاب والقفازين وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن وقد نهى الله تعالى عما يوجب العلم بالزينة الخفية بالسمع أو غيره فقال: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} وقال: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فلما نزل ذلك عمد نساء المؤمنين إلى خمرهن فشققنهن وأرخينها على أعناقهن و"الجيب": هو شق في طول القميص فإذا ضربت المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها وأمرت بعد ذلك أن ترخي من جلبابها والإرخاء إنما يكون إذا خرجت من البيت فأما إذا كانت في البيت فلا تؤمر بذلك"