السبت، 23 فبراير 2019

تابع تفسير سورة النساء 1

"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة النحل"إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى"فأداء الأمانات هو العدل هو الإحسان هو إيتاء الناس حقهم وقوله "أن تحكموا بالعدل "يفسره قوله بسورة المائدة"فاحكم بينهم بالقسط"فالعدل هو القسط وقوله "إن الله كان سميعا بصيرا "قوله بسورة النساء"إن الله كان عليما خبيرا "فسميعا بصيرا تعنى عليما خبيرا والمعنى إن الله يطالبكم أن تعطوا الحقوق لأصحابها وإذا قضيتم بين الخلق أن تقضوا بالحق إن لله حكما يعلمكم به إن الله كان خبيرا عليما ،يأمر أى يطلب الله من المؤمنين التالى:
أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها والمراد أن يعطوا الحقوق لأصحابها وبألفاظ أخرى أن يعملوا الواجبات لمن فرضها الله لهم،أن يحكموا بالعدل إذا حكموا بين الناس والمراد أن يقضوا بحكم الله فى قضايا الخلاف بين الخلق إذا قضوا بينهم ويبين لهم أن له نعما أى نعمة أى حكم يعظهم به والمراد يعلمهم به ما يريده منهم ،ويبين لهم أنه سميع بصير أى عليم خبير بكل شىء وسيحاسبهم عليه والخطاب للمؤمنين.
"يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا"يفسر الآية قوله "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم "لقوله تعالى بسورة الأعراف"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم" فأطيعوا تعنى اتبعوا والله والرسول(ص)هو المنزل من الله على رسوله(ص) والمعنى يا أيها الذين صدقوا حكم الله اتبعوا حكم الله أى اتبعوا الحكم المنزل على النبى(ص) واتبعوا حكم الله الذى يقضى به أصحاب الحكم منكم فإن اختلفتم فى قضية فأعيدوه لحكم الله ونبيه(ص) إن كنتم تصدقون بحكم الله ويوم القيامة ذلك نفع وأعدل تفسيرا،يطلب الله من الذين أمنوا أى صدقوا حكم الله التالى:أن يطيعوا الله أى أن يتبعوا حكم الله المنزل على رسوله(ص)أى أن يطيعوا حكم الله الذى يقضى به وحى الله المكتوب فى اللوح المحفوظ فى الكعبة ويبين لهم أنهم إذا تنازعوا فى شىء والمراد إن اختلفوا فى حكم قضية مع بعضهم فالواجب هو رده إلى الله ورسوله(ص)والمراد هو إعادته إلى حكم الله المنزل على نبيه(ص) المحفوظ فى الكعبة لكى يفصل بينهم هذا إن كانوا يؤمنون بالله أى يصدقون بحكم الله ويصدقون باليوم الأخر وهو يوم القيامة وهذا الحكم محفوظ فى الكعبة حتى يحتكم المسلمون له بعد موت النبى(ص) ،ويبين لهم أن ذلك خير أى نفع وفسر هذا بأنه أحسن تأويلا أى أعدل حكما والمراد أن حكم الله هو الأعدل.
"ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا"يفسر قوله"يزعمون أنهم أمنوا" قوله تعالى بسورة آل عمران"يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم"فزعمهم أنهم أمنوا هو قولهم بأفواههم وقوله "يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "يفسره قوله بسورة المائدة"أفحكم الجاهلية يبغون"فالطاغوت هو حكم الجاهلية وقوله "وقد أمروا أن يكفروا به "يفسره قوله بسورة التوبة"وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا"فالأمر بالكفر بالطاغوت هو الأمر بعبادة الله وحده وقوله "ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا "يفسره قوله بسورة النساء"ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما" فالشيطان هو متبع الشهوات والضلال البعيد هو الميل العظيم والمعنى ألم تعلم بالذين يقولون أنهم صدقوا حكم الله الذى أوحى إليك والذى أوحى من قبلك يحبون أن يتقاضوا إلى الكفر وقد طولبوا أن يكذبوا به ويحب الكافر أن يميلهم ميلا كبيرا،يبين الله لرسوله(ص)أن الذين يزعمون أى يكذبون قائلين أنهم أمنوا بما أنزل إليك والمراد أنهم صدقوا بالذى أوحى لك يا محمد(ص) وهو القرآن وما أنزل من قبلك والمراد والذى أوحى للرسل(ص) من قبل يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت والمراد يحبون أن يتقاضوا إلى حكم الكفر مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به والمراد أنهم طالبهم الله أن يكذبوا بالطاغوت ويبين له أن الشيطان وهو شهوة الكافر يريد أن يضل القوم ضلالا بعيدا والمراد أن يبعد القوم عن الحق بعدا عظيما حتى يدخلهم النار مثله والخطاب للنبى(ص)وما بعده.
"وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا"يفسر قوله "تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول " قوله تعالى بسورة النور"وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون "فتعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول(ص) تعنى دعوتهم لله ورسوله ليحكم بينهم والصد هو الإعراض والمعنى وإذا قال المسلمون لهم هيا إلى طاعة الذى أوحى الله أى إلى الذى أوحى الله لرسوله(ص) علمت بالمؤمنين ظاهرا الكفار فى الخفاء يبعدون عن طاعتك بعدا،يبين الله للنبى(ص) أن المنافقين إذا نصحهم المسلمون فقالوا :تعالوا إلى ما أنزل الله أى إلى الرسول (ص)والمراد هيا إلى تصديق حكم الله وطاعته أى هيا لتصديق حكم الله المنزل على النبى(ص)وطاعته يراهم يصدون عنه صدودا والمراد يعلم أنهم يبعدون عنه بعدا عظيما أى يعرضون عن تصديقه وطاعته إعراضا.
"فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا "يفسر قوله "إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم " قوله تعالى بسورة الروم"وإن تصبهم سيئة "فالمصيبة هى السيئة وقوله "بما قدمت أيديهم "يفسره قوله بسورة المائدة"ما قدمت لهم أنفسهم"فأيديهم هى أنفسهم وقوله "يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا "يفسره قوله بسورة التوبة"ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى"فالتوفيق هو الحسنى والمعنى فكيف إذا مسهم أذى بالذى عملت أنفسهم ثم أتوك يقسمون بالله إن شئنا إلا معروفا أى إصلاحا،يبين الله لرسوله (ص)أن المنافقين إذا أصابتهم مصيبة والمراد إذا مسهم عذاب من الله بسبب الذى صنعت أنفسهم من الجرائم سيجيئون إليه والمراد سيحضرون إلى مكان وجوده يحلفون بالله والمراد يقسمون بالله :إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا والمراد لقد شئنا بعملنا البر أى الإصلاح،فهم يزعمون أن جرائمهم ليست سوى حسنات والخطاب للنبى (ص)وما بعده.
"أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا"يفسر قوله "يعلم ما فى قلوبهم " قوله تعالى بسورة البقرة"الله يعلم ما فى أنفسكم"فقلوبهم هى أنفسهم وقوله "وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا "قوله بسورة الإسراء"فقل لهم قولا ميسورا"فالقول البليغ هو الميسور والمعنى أولئك الذين يعرف الذى فى أنفسهم فابتعد عنهم وانصحهم فقل لهم فى أحوالهم كلاما سديدا ،يبين الله لرسوله(ص)أن المنافقين هم الذين يعلم الله ما فى قلوبهم والمراد الذين يعرف الله الذى تخفيه أنفسهم ويطلب منه أن يعرض عنهم والمراد أن يترك معاملتهم وقبل هذا عليه أن يعظهم أى ينصحهم نصيحة غالية وفسر هذا بأن يقول لهم فى أنفسهم قولا بليغا والمراد أن يتكلم عن الذى فى قلوبهم كلاما سديدا يعرفهم به الحق .
"وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما"يفسر قوله"ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما" قوله بنفس السورة"ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما"فظلم النفس هو عمل السوء والتواب هو الغفار والمعنى وما بعثنا من نبى إلا ليتبع بأمر الله ولو أنهم إذ أساءوا لأنفسهم أتوك فتابوا إلى الله واستتاب النبى(ص)الله لهم للقوا الله غفورا نافعا،يبين الله لنبيه(ص)أنهم ما أرسل من رسول إلا ليطاع بإذن الله والمراد ما بعث فى قوم من نبى إلا لكى يتبع فى أمر الله وهو حكمه ،ويبين له أن القوم لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم والمراد حين أساءوا لحق أنفسهم بذنوبهم جاءوه أى أتوا عنده فاستغفروا الله أى طلبوا العفو من الله عن ذنوبهم أى تابوا لله واستغفر لهم الرسول(ص)والمراد وطلب النبى(ص)لهم من الله العفو عن ذنوبهم لوجدوا الله توابا رحيما والمراد لعلموا أن غافر الذنب نافع لمن يطلب منه العفو والخطاب للنبى(ص).
"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرج مما قضيت ويسلموا تسليما"المعنى فلا وإلهك لا يصدقون حتى يشركوك فيما حدث بينهم ثم لا يلقوا فى قلوبهم ضيقا من الذى حكمت به و ينفذوه تنفيذا ،يقسم الله لنبيه(ص)بنفسه فيقول لا وربك على التالى :أن الناس لا يؤمنون أى لا يصدقون حكم الله حتى يفعلوا الأتى:يحكموه فيما شجر بينهم والمراد يشركوه فى الذى اختلفوا فيه أى يجعلوه قاضيا بينهم فى قضاياهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرج مما قضى والمراد ثم لا يلقوا فى قلوبهم كره للذى حكم به ويسلموا تسليما أى وينفذوا الحكم تنفيذا أى ويتبعوه اتباعا والخطاب للنبى(ص) وما بعده.
"ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا"المعنى ولو أنا فرضنا عليهم أن اذبحوا أنفسكم أو انتقلوا من بلادكم ما صنعوه إلا بعض منهم ولو أنهم صنعوا الذى ينصحون به لكان أفضل لهم أى أعظم ثوابا ،يبين الله لرسوله (ص)أن الله لو كتب أى فرض على الناس التالى:أن اقتلوا أنفسكم والمراد أن اذبحوا بعضكم البعض أو فرض عليهم أن اخرجوا من دياركم والمراد أن اتركوا بيوتكم فستكون النتيجة هى :أن القليل من الناس هم الذين سيفعلون ويعملون فرض الله ويبين الله لنبيه(ص)أن الناس لو فعلوا أى أطاعوا الذى يوعظون به وهو ما يؤمرون به فى الوحى لكان خيرا لهم أى أشد تثبيتا والمراد أحسن ثوابا أى أفضل أجرا والخطاب للنبى(ص).
"وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما "يفسر قوله "وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما " قوله تعالى بسورة الفتح"يؤتكم الله أجرا حسنا"فالعظيم هو الحسن وقوله "ولهديناهم صراطا مستقيما "يفسره قوله بسورة مريم"أهدك صراطا سويا "فالمستقيم هو السوى والمعنى وإذا لأعطيناهم من عندنا ثوابا كبيرا أى لأدخلناهم طريقا حسنا ،يبين الله لرسوله(ص)أن الناس لو أطاعوا حكم الله لكان خيرا لهم أى أشد تثبيتا وفسر هذا بأنه سيؤتيهم من لدنه أجرا عظيما والمراد سيدخلهم عنده جنة كبرى وفسر هذا بأنه سيهديهم صراطا مستقيما والمراد سيدخلهم سبيلا حسنا هو الجنة .
"ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما"يفسر قوله "ذلك الفضل من الله" قوله تعالى بسورة الأنعام "وذلك الفوز المبين" فالفضل هو الفوز المبين وقوله "وكفى بالله عليما "يفسره قوله بسورة النساء"وكفى بالله شهيدا"فالعليم هو الشهيد والمعنى ومن يتبع حكم الله ونبيه(ص)فأولئك فى الجنة مع الذين رحمهم الله من الرسل(ص)والمؤمنين أى الحاكمين أى المحسنين ونعم أولئك وفدا تلك الرحمة من الله وكفى بالله خبيرا،يبين الله لنا أن من يطع الله ورسوله (ص)والمراد من يتبع حكم الله المنزل على نبيه(ص)يدخله الله الجنة مع الذين أنعم عليهم أى رحمهم الله وهم النبيين أى الرسل (ص)والصديقين وهو المؤمنين وفسرهم بأنهم الشهداء أى الحاكمين بالحق وفسرهم بأنهم الصالحين أى العاملين للحسنات وحسن أولئك رفيقا والمراد ونعم أولئك وفدا إلى جنة الله ،ويبين له أنه كفى به عليما أى خبيرا بكل شىء سيحاسب عليه والخطاب للمؤمنين .
"يا أيها الذين أمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا"المعنى يا أيها الذين صدقوا حكم الله أعدوا قوتكم فاستعدوا دوما واستعدوا كلكم،يطلب الله من المؤمنين أخذ الحذر وهو إعداد القوة اللازمة لإرهاب الأعداء أى عمل الإحتياط لإخافة العدو ويبين لهم أن عليهم أن ينفروا ثبات والمراد أن يستعدوا دائما وفسر هذا بأن ينفروا جميعا أى أن يستعدوا كلهم للحرب كل واحد بأداء واجبات وظيفته التى يعمل بها خير أداء والخطاب للمؤمنين.
"وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا"يفسر الآية قوله تعالى بسورة التوبة"وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل"فقولهم :قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا يعنى أنهم أخذوا احتياطهم بعدم الذهاب للقتال ومن ثم لم يستشهدوا والمعنى وإن منكم لمن يتأخرن فإن مسكم ضرر قال قد تفضل الله على إذ لم أكن معهم حاضرا للقتال ،يبين الله للمؤمنين أن منهم من يبطئن أى منهم من يتأخر عن العمل المطلوب فإن أصابت المؤمنين مصيبة والمراد فإن مسهم ضرر ممثل فى استشهاد وجرح بعضهم فإنهم يقولون:قد أنعم أى قد رحمنى الله إذ لم أكن أى أصبح معهم شهيدا أى حاضرا للجرح والاستشهاد وهذا القول يبين لنا أن ذلك القاعد عن القتال يرى الجهاد عمل مؤذى وأن الحياة أفضل فهى نعمة من الله فى رأيه الخاطىء يجب أن يحافظ عليها والقول مكون من جزئين الأول حتى ليبطئن فهو خطاب للمؤمنين فى تأخر بعضهم الزمنى عن عمل وعمله فيما بعد وأما الجزء الآخر فيتحدث عن المنافقين وهو خطاب موجه للمؤمنين أن المنافقين ليسوا من المؤمنين لقوله بسورة النساء "ما هم منكم "ولذا ليس معقولا أن يقول الله لهم وإن منكم أى من المؤمنين لكونهم ليسوا مؤمنين وكذلك ما بعده .
"ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما"يفسر الجزء الأول قوله بنفس السورة"فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم"فالفضل هو الفتح أى الفوز والمعنى ولئن أتاكم نصر من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه إخوة يا ليتنى كنت معهم فأرزق رزقا كثيرا،يبين الله للمؤمنين أن القاعد عن الجهاد إن أصاب المؤمنين فضل من الله والمراد إن أعطى المؤمنين نصر على العدو من الله يقول وكأن لم تكن بينه وبين المؤمنين مودة أى محبة أى اخوة وهذا يعنى أن سيره معهم ليس سوى نفاق وليس محبة لهم:يا ليتنى كنت معهم أى يا ليتنى ذهبت معهم للقتال فأفوز فوزا عظيما والمراد فأرزق رزقا وفيرا وهذا يعنى أن هدفه من الذهاب للحرب هو الحصول على الغنيمة التى هى المال الكثير وليس إعلاء كلمة الله.
"فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالأخرة ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما"يفسر الجزء الأخير قوله تعالى بسورة آل عمران "ثوابا من عند الله"فأجرا تعنى ثوابا والمعنى فليجاهد فى نصر دين الله الذين يتركون الحياة الأولى ويعملون للقيامة ومن يجاهد فى نصر دين الله فيستشهد أو ينتصر فسوف نعطيه ثوابا كبيرا،يبين الله لنا أن الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة وهم الذين يتركون التمتع بالحياة الأولى ويطيعون حكم الله بالعمل للقيامة عليهم أن يقاتلوا أى يحاربوا فى سبيل الله والمراد فى نصر دين الله ،ويبين لنا أن من يقاتل فى سبيل الله والمراد أن من يحارب لنصر دين الله فيقتل أى فيموت شهيدا أو يغلب أى ينتصر على العدو فسوف يؤتيه الله أجرا عظيما والمراد فسوف يدخله الله جنة كبرى هى ثوابه عند الله والخطاب لمن يريد القتال فى سبيل الله.
"وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا" المعنى وما لكم لا تحاربون فى نصر دين الله أى فى نصر الواهنين من الذكور والإناث والأطفال الذين يقولون إلهنا أنقذنا من هذه البلدة الكافر سكانها وابعث لنا من عندك ناصرا أى أرسل لنا من لديك منقذا،يسأل الله المؤمنين :وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله ؟والمراد ما السبب فى أنكم لا تجاهدون لنصر دين الله ؟ويفسر الله سبيل الله بأنه نصر المستضعفين وهم الأذلاء من الرجال وهم الذكور والنساء وهن الإناث والولدان وهم أطفال الرجال والنساء الذين يقولون :ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها والمراد إلهنا أنجنا من هذه البلدة الكافر شعبها وهذا معناه أنهم يؤذونهم للارتداد عن الإسلام ويقولون :واجعل لنا من لدنك وليا وفسروه بأنه نصيرا والمراد وأرسل لنا من عندك منجيا وهذا معناه أنهم يطلبون النصر من إخوانهم والغرض من السؤال هو إخبار المؤمنين بوجوب نصر إخوانهم الذين يطلبون منهم النصر على العدو الذى يريد ردهم عن دينهم والخطاب للمؤمنين.
"الذين أمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا "يفسر قوله "يقاتلون فى سبيل الله" قوله تعالى بسورة المائدة"يجاهدون فى سبيل الله"فيقاتلون تعنى يجاهدون وقوله "فقاتلوا أولياء الشيطان "يفسره قوله بسورة التوبة"فقاتلوا أئمة الكفر"فأولياء الشيطان هم أئمة الكفر والمعنى الذين صدقوا حكم الله يحاربون فى نصر دين الله والذين كذبوا حكم الله يحاربون فى نصر الظلم فحاربوا أنصار الظلم إن مكر الظلمة كان واهنا ،يبين الله لنا أن الذين أمنوا أى صدقوا وحى الله يقاتلون فى سبيل الله والمراد يجاهدون لإعلاء دين الله وأما الذين كفروا أى كذبوا وحى الله فيقاتلون فى سبيل الطاغوت والمراد يحاربون لنصر أديان الظلم ويطلب الله من المؤمنين أن يقاتلوا أولياء الشيطان والمراد أن يجاهدوا أنصار الظلم حتى يهزموهم ويبين لهم أن كيد الشيطان وهو مكر الظالمين كان ضعيفا والمراد كان واهنا أى فاشلا لا يصمد فى مواجهة حرب المؤمنين والخطاب حتى الطاغوت موجه للنبى (ص)وما بعده موجه للمؤمنين ويبدو أنهما قولان وصلا لوجود حذف جزء من كل منهما.
"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا"يفسر قوله "قيل لهم كفوا أيديكم " قوله تعالى بسورة البقرة"وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله"فكف الأيدى هو اتباع ما أنزل الله وقوله"وأقيموا الصلاة "يفسره قوله بسورة الشورى"أن أقيموا الدين "فالصلاة هى الدين وقوله "والآخرة خير لمن اتقى "يفسره قوله بسورة يوسف"ولأجر الآخرة خير للذين أمنوا"فمن اتقى هم الذين أمنوا وقوله "ولا تظلمون فتيلا "يفسره قوله بسورة النساء"ولا تظلمون نقيرا "وقوله بسورة هود "وهم فيها لا يبخسون"فتظلمون تعنى يبخسون وفتيلا تعنى نقيرا والمعنى ألم تعلم بالذين قيل لهم اعصوا أنفسكم أى أطيعوا الدين أى اتبعوا الطهارة فلما فرض عليهم الجهاد إذا جمع منهم يخافون البشر كخوف الله أو أعظم خوفا وقالوا إلهنا لم فرضت علينا الجهاد هلا أجلتنا إلى موعد أخر قل نفع الأولى قصير والجنة أفضل لمن أطاع الله ولا تبخسون شيئا،يخبر الله رسوله(ص)عن الذين قال المسلمون لهم:كفوا أيديكم والمراد خالفوا طاعة أهواء أنفسكم وفسر هذا بأن أقيموا الدين أى أطيعوا حكم الله وفسر هذا بأن أتوا الزكاة والمراد اتبعوا الدين الطاهر الذى يطهركم من ذنوبكم فلما كتب عليهم القتال والمراد فلما فرض الله عليهم الجهاد إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية والمراد إذا جماعة منهم يخافون أذى البشر مثل خوفهم عذاب الله أو أعظم خوفا من الخوف من عذاب الله ومن ثم قالوا:ربنا لم كتبت علينا القتال والمراد إلهنا لماذا فرضت علينا الجهاد ؟لولا أخرتنا إلى أجل قريب والمراد هلا أجلتنا إلى موعد ثانى وهذا يعنى أنهم يريدون أن يجعلوا الله يسير على مزاجهم فيؤجل فرض القتال إلى الوقت الذى يحددونه ويطلب الله من رسوله أن يقول لهم متاع الدنيا قليل والمراد رزق الأولى فانى والآخرة خير لمن اتقى والمراد والجنة أحسن لمن أطاع حكم الله ولا تظلمون فتيلا أى ولا تبخسون شيئا والمراد لا تنقصون حقا من حقوقكم والخطاب للنبى(ص).
"أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا"المعنى أينما توجدوا تلحقكم الوفاة ولو كنتم فى حصون مغلقة وإن يمسهم خير يقولوا هذه من لدى الله وإن يمسهم أذى يقولوا هذه بسببك قل كل من لدى الله فمال هؤلاء الناس لا يهمون يفهمون وحيا ،يبين الله للناس وهم الفريق الخائف من الناس :أن الموت وهو الوفاة يدركهم والمراد يلحقهم أينما يكونوا وهذا يعنى أن الوفاة تأتيهم فى أى مكان يتواجدوا فيه حتى ولو كان فى بروج مشيدة أى حصون مغلقة وهذا يعنى أن لا شىء يمنع الموت من الحدوث،ويبين الله للنبى(ص)أن الفريق إن تصبهم حسنة والمراد إن يأتيهم خير من الله يقولوا :هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة والمراد وإن يأتيهم ضرر يقولوا :هذه من عندك والمراد إن الضرر أصابنا بسبب وجودك معنا يا محمد وهذا تخريف منهم ،ولذا طلب الله من نبيه(ص) أن يقول لهم:كل من عند الله والمراد السيئة والحسنة كلاهما يأتى من لدى الله كاختبار لنا ،ويسأل الله :مال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا والمراد مال هؤلاء الناس لا يهمون يطيعون حكم الله؟والغرض من السؤال هو إخبار النبى(ص)والمؤمنين أن هذا الفريق كافر لا يطيع حكم الله،والكلام مكون من قولين أولهما حتى مشيدة جزء من قول محذوف بعضه وموجه الخطاب بها للناس وما بعده موجه للنبى(ص).
"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة الشورى"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم"فالسيئة هى المصيبة والنفس هى كسب اليد وقوله "وأرسلناك للناس رسولا "يفسره قوله بسورة الفرقان"وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا"فالرسول هو المبشر النذير وقوله "وكفى بالله شهيدا "يفسره قوله بسورة النساء"وكفى بالله عليما"فشهيدا تعنى عليما والمعنى ما مسك من رحمة فمن طاعة الله وما مسك من ضرر فمن طاعة نفسك وبعثناك للبشر مبعوثا وكفى بالله خبيرا ،يبين الله للنبى(ص)وكل إنسان أن ما أصابه من حسنة فمن الله والمراد أن ما أتاه من رحمة فمن طاعته لحكم الله وأن ما أصابه من سيئة فمن نفسه والمراد وأن الذى أتاه من عذاب فهو من طاعة حكم نفسه أى هواه كما فى سورة الجاثية"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه"،ويبين الله لنبيه(ص)أنه أرسله للناس رسولا والمراد أنه بعثه للخلق مبلغا لوحى الله ويكفى النبى(ص)دليل على رسوليته أن الله شهيد أى عليم أى مقر بها والخطاب للنبى(ص) .
"من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة آل عمران"إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله"فطاعة الرسول(ص)هى اتباعه وقوله "فما أرسلناك عليهم حفيظا"يفسره قوله بسورة الإسراء"وما أرسلناك عليهم وكيلا"فحفيظا تعنى وكيلا والمعنى من يتبع حكم النبى(ص)فقد اتبع حكم الله ومن عصى حكمه فما بعثناك إليهم حاميا ،يبين الله لنا أن من يطع الرسول فقد أطاع الله والمراد أن من يتبع حكم النبى(ص)فقد اتبع حكم الله وهذا يعنى أن حكم الرسول (ص)هو نفسه حكم الله المنزل عليه وهو الوحى ممثلا فى القرآن وتفسيره الإلهى الذكر وأما من تولى أى عصى أى خالف حكم الله فقد عصى الله ويبين الله لنبيه(ص)أنه ما أرسله عليهم حفيظا والمراد ما بعثه حاميا لهم وهذا يعنى أنه لا يجب عليه أن يرهق نفسه فى حمل الناس على طاعة حكم الله لأنه ليس مسئولا عنهم والكلام مكون من قولين الأول حتى تولى فهو خطاب للناس وما بعده خطاب للنبى(ص).
"ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا" يفسر قوله "فإذا برزوا من عندك" قوله تعالى بسورة محمد"حتى إذا خرجوا من عندك"فبرزوا تعنى خرجوا وقوله "وكفى بالله وكيلا "يفسره قوله بسورة الفرقان"وكفى بربك هاديا ونصيرا"فوكيلا تعنى نصيرا والمعنى ويقولون اتباع لما تقول يا محمد فإذا خرجوا من مكانك نوى جمع منهم غير الذى تطلب منهم والله يسجل ما ينوون فتولى عنهم واعتمد على الله وكفى بالله حاميا،يبين الله لرسوله(ص)أن الفريق المنافق يقول له:طاعة أى سننفذ ما تقول ،فإذا برزوا من عندك والمراد فإذا خرجوا من مكان إقامتك بيت طائفة منهم غير الذى تقول والمراد نوت جماعة منهم عمل غير الذى طلبت منهم والله يكتب ما يبيتون والمراد والله يسجل الذى ينوون عمله من الشر فى كتبهم ،ويطلب الله من نبيه(ص)أن يعرض عنهم والمراد أن يترك التعامل معهم وأن يتوكل على الله والمراد أن يحتمى من عذاب الله بطاعة حكم الله ويكفيه الله وكيلا والمراد ويكفيه الله حاميا له من شرهم ومن عذاب الأخرة والخطاب للنبى(ص) وما بعده.
"أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"المعنى أفلا يطيعون الوحى؟ولو كان من لدى سوى الله للقوا فيه تناقضا عظيما،يسأل الله أفلا يتدبرون القرآن أى أفلا يتبعون حكم الله؟والغرض من السؤال هو إخبارنا أن الناس لا يطيعون حكم الله ،ويبين للجميع أن القرآن لو كان من عند غيره والمراد لو كان مصدره غير الله لوجدوا فيه اختلافا عظيما والمراد لعلموا به تناقضا كبيرا يظهر أن مصدره ليس هو الله وهذا يعنى أن دليل كون القرآن من عند الله هو خلوه من التناقض وهو الاختلاف غير المنصوص عليه وهو الناسخ والمنسوخ.
"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلا"المعنى وإذا أتاهم شىء من الطمأنينة أو الرعب نشروه ولو أعادوه إلى النبى(ص)وإلى أهل الحكم منهم لعرفه الذين يستخرجونه منهم ولولا نفع الله لكم أى فائدته لأطعتم الكافر إلا قليلا،يبين الله للمؤمنين أن الفريق المنافق إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف والمراد إذا أتاهم موضوع من السكينة أو الفزع أى من الخير أو الشر أذاعوا به والمراد نشروه بين الناس لإحداث الخلاف ولو ردوا الأمر إلى الرسول وإلى أولى الأمر والمراد لو أعادوا الموضوع إلى النبى(ص) وإلى أهل العلم منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم والمراد لعرفه الذين يدرسونه فى الوحى فيعرفون حكم الموضوع فيه والغرض من رد الأمر للنبى(ص)وأولى الأمر هو أن يصدروا الحكم الصحيح فى القضية ،ويبين الله للمؤمنين أن لولا فضل الله وهو رحمته أى رأفته أى نفعه لهم لاتبعتم الشيطان إلا قليلا والمراد لأطعتم الكفار إلا عدد قليل منهم والقول مكون من ثلاث أقوال أولها حتى أذاعوا به يخاطب النبى (ص)وما بعده حتى يستنبطونه منهم يخاطب الناس وما بعده يخاطب المؤمنين والظاهر أنها ثلاث أقوال حذف من كل منها بقيتها.
"فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا"يفسر قوله"فقاتل فى سبيل الله" قوله تعالى بسورة التوبة "جاهد الكفار والمنافقين"فقاتل تعنى جاهد وقوله "وحرض المؤمنين "يفسره قوله بسورة الأنفال "حرض المؤمنين على القتال"فتحريض المؤمنين هو على القتال وقوله "عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا "يفسره قوله بسورة الفتح"وكف أيدى الناس عنكم"فبأس الذين كفروا هو أيدى الناس وقوله"والله أشد بأسا وأشد تنكيلا "يفسره قوله بسورة فصلت "ألم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة"فبأسا أى تنكيلا تعنى قوة والمعنى فحارب فى نصر دين الله لا يفرض عليك إلا ذاتك وحث المصدقين بالوحى عسى أن يمنع الله أذى الذين كذبوا الوحى والله أعظم إيذاء أى أكبر عقابا ،يطلب الله من نبيه(ص)أن يقاتل فى سبيل الله والمراد أن يجاهد لإعلاء دين الله ويبين له أنه لا يكلف إلا نفسه والمراد لا يحمل سوى قدرته وهى أن يقاتل بنفسه وأما المؤمنين وهم المصدقين بحكم الله فكل ما عليه هو أن يحرضهم أى يحثهم أى يدعوهم للخروج إلى القتال والسبب هو أن يكف الله بأس الذين كفروا والمراد أن يمنع الله أذى الذين كذبوا بحكم الله عن طريق إرهابهم وقتالهم ويبين له أن الله أشد بأسا أى تنكيلا والمراد أعظم أذى للكفار وهذا يعنى أن أذاه أكبر من أذى الكفار للمؤمنين والخطاب للنبى(ص) وما بعده.
"من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شىء مقيتا"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة النمل"من جاء بالحسنة فله خير منه ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم فى النار" فالشفاعة هى الحسنة والنصيب هو الخير من الحسنة والشفاعة هى السيئة والكفل هو النار وقوله"وكان الله على كل شىء مقيتا "يفسره قوله بسورة النساء"إن الله كان على كل شىء حسيبا"فمقيتا تعنى حسيبا والمعنى من يعمل عملا صالحا يكن له ثواب عليه ومن عمل عملا فاسدا يكن له عقاب عليه وكان الله على كل عمل رازق،يبين الله لنا أن من يشفع شفاعة حسنة والمراد من يفعل فعلا صالحا يكن له نصيب منه والمراد يصبح له ثواب له عليه من الله ومن يشفع شفاعة سيئة أى من يفعل فعلا فاسدا يكن له كفل منه أى يصبح له عقاب على فعله والشفاعة بمعنى المناصرة ممنوعة فى الإسلام حيث قال بسورة النساء"ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم" ويبين الله لنا أنه مقيت أى رازق على العمل
"وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شىء حسيبا"يفسر الجزء الأخير قوله تعالى بسورة النساء"وكان الله على كل شىء مقيتا "فحسيبا تعنى مقيتا والمعنى وإذا سلم عليكم بسلام فسلموا بأفضل منه أو أعيدوه إن الله كان على كل عمل مجازيا ،يبين الله للمؤمنين أن الناس إذا حيوهم بتحية والمراد إذا قالوا لهم سلام مثل السلام عليكم وصباح الخير وأسعد الله مساءك وسميت التحية بهذا لأنها تطلب الحياة وهى الخير للناس فالواجب على المؤمنين أن يحيوهم بأحسن منها أو يردوها والمراد أن يقولوا لهم قولا يزيد عليها فى طلب الخير أو يكرروا ما قاله الأخرون لهم ويبين الله لهم أنه حسيب أى مجازى على كل شىء أى على كل عمل والخطاب للمؤمنين .
"الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا"يفسر قوله"ليجمعنكم إلى يوم القيامة " قوله تعالى بسورة الإسراء"ونحشرهم يوم القيامة"فيجمع تعنى يحشر وقوله "لا ريب فيه "يفسره قوله بسورة غافر"لا ظلم اليوم"فالريب هو الظلم وقوله "ومن أصدق من الله حديثا "يفسره قوله بسورة النساء"ومن أصدق من الله قيلا"وقوله بسورة الأنعام"ومن أحسن من الله حكما"فأصدق تعنى أحسن وحديثا تعنى حكما تعنى قيلا والمعنى الله لا رب سواه ليحشرنكم إلى يوم البعث لا ظلم فيه ومن أحسن من الله حكما،يبين الله للمؤمنين أن الله لا إله إلا هو والمراد لا رب يستحق الطاعة سواه وهو سيجمعهم ليوم القيامة والمراد سيبعثهم يوم البعث للحساب حيث لا ريب فيه والمراد حيث لا ظلم فى ذلك اليوم لأحد،ويبين لهم أنه لا يوجد أصدق من الله حديثا والمراد لا يوجد أعدل من الله فى حكمه المنزل فى صورة كلام والخطاب للناس.
"فما لكم فى المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا "يفسر قوله "والله أركسهم بما كسبوا " قوله بسورة الزمر"فأصابهم سيئات ما كسبوا"فأركسهم تعنى أصابهم السيئات وقوله "أتريدون أن تهدوا من أضل الله"يفسره قوله بسورة البقرة"أفتطمعون أن يؤمنوا لكم "فإرادة أن تهدوا من أضل الله هى الطمع أن يؤمنوا وقوله "ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا "يفسره قوله بسورة الرعد"ومن يضلل الله فما له من هاد"فالسبيل هى الهادى أى المنقذ والمعنى فما لكم فى المذبذبين جماعتين ؟ والله عاقبهم بالذى عملوا ،أتحبون أن ترحموا من عذب الله؟ومن يعذب الله فلن تلق له منقذا من العذاب؟،يسأل الله المؤمنين فما لكم فى المنافقين فئتين؟ والمراد لماذا أنتم فى المذبذبين بين الإسلام والكفر جماعتين ؟والغرض من السؤال هو إخبارهم أن موقفهم من المنافقين لابد أن يكون واحدا وهو عداوتهم والسبب هو أن الله أركسهم بما كسبوا والمراد هو أن الله عذبهم بالذى عملوا من الذنوب ،ويسألهم الله :أتريدون أن تهدوا من أضل الله؟والمراد هل تحبون أن تقربوا للجنة من أبعد الله عنها للنار ؟ والغرض من السؤال هو إخبارهم أنهم لن يستطيعوا إنقاذ المنافقين من النار والسبب هو أنهم لن يؤمنوا ويبين الله للمؤمنين أن من يضلل الله أى من يعاقب الله فلن تجد له سبيلا والمراد فلن تلق له منقذا من عذاب النار والخطاب حتى أضل الله للمؤمنين وما بعده للنبى(ص) والقول بعده خطاب للمؤمنين.
"ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا "يفسر قوله "ودوا لو تكفرون" قوله تعالى بسورة آل عمران"ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم"فود كفر المؤمنين هو ود إضلالهم وقوله "فلا تتخذوا منهم أولياء "يفسره قوله بسورة الممتحنة "لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء " يعنى أن المنافقين هم عدو الله والمسلمين وقوله "واقتلوهم حيث ثقفتموهم "يفسره قوله بسورة البقرة"واقتلوهم حيث ثقفتموهم"فوجدتموهم تعنى ثقفتموهم والمعنى أحبوا لو تكذبون بالوحى كما كذبوا به فتصبحون متساوين فلا تجعلوا منهم أنصار حتى ينتقلوا إلى دين الله فإن أعرضوا فأمسكوهم أى اذبحوهم حيث لقيتموهم ولا تجعلوا منهم لكم معينا أى ناصرا ،يبين الله للمؤمنين أن سبب طلبه عداوة المنافقين أنهم ودوا لو تكفرون كما كفروا والمراد أنهم أرادوا أن تكذبوا حكم الله كما كذبوه هم فتكونون سواء والمراد فتصبحون متساوين فى الكفر والعقاب ،ومن ثم يطلب الله من المؤمنين ألا يتخذوا منهم أولياء والمراد ألا يجعلوا المنافقين أنصار لهم إلا أن يهاجروا فى سبيل الله أى إلا أن ينتقلوا صادقين إلى دين الله أى يصبحوا مؤمنين حقا ،ويبين للمؤمنين أن المنافقين إن تولوا أى كفروا فالواجب هو أخذهم أى إمساكهم أى قتلهم حيث وجدوهم والمراد ذبحهم حيث لقوهم تطبيقا لحد الردة حيث سبق أن أعلنوا إسلامهم ويكرر الله طلبه للمؤمنين ألا يتخذوا من المنافقين وليا أى نصيرا والمراد ألا يجعلوا المذبذبين بين الإسلام والكفر معينين لهم أى ناصرين لهم

الجمعة، 22 فبراير 2019

تابع تفسير سورة النساء


"يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم"يفسر قوله "يريد الله ليبين لكم "قوله تعالى بسورة المائدة"يريد الله ليطهركم"فيبين لكم تعنى يطهركم وقوله "ويهديكم سنن الذين من قبلكم"يفسره قوله بسورة النور "ومثلا من الذين خلوا من قبلكم"فسنن تعنى أمثال وقوله "ويتوب عليكم "يفسره قوله بسورة الأحزاب"ويغفر لكم ذنوبكم"فيتوب تعنى يغفر والمعنى يحب الله أن يوضح لكم أحكامه ويعرفكم عواقب كفر الذين سبقوكم ويغفر لكم والله خبير قاضى ،يبين الله للمؤمنين أنه يريد ليبين لهم والمراد أن يوضح لهم أحكامه فيطيعوها فيطهروا من ذنوبهم بطاعتها وأنه يريد أن يهديهم سنن الذين من قبلهم والمراد يعرفهم عقوبات الذين كفروا ممن سبقوهم ويريد أن يتوب عليهم أى يغفر لهم ذنوبهم فيدخلهم الجنة ويبين لهم أنه عليم أى خبير بكل شىء حكيم أى قاضى يقضى بالحق.
"والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما"يفسر قوله "والله يريد أن يتوب عليكم "قوله تعالى بسورة المائدة"يريد الله ليطهركم"فيتوب عليكم تعنى يطهركم ويفسر قوله "ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما "قوله بسورة النساء"ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا"فالشهوات هى الشيطان والميل هى الضلال والعظيم هو البعيد والمعنى يحب الله أن يغفر لكم ويحب الذين يطيعون أهواء أنفسهم أن تكفروا كفرا مستمرا،يبين الله للمؤمنين أنه يريد أن يتوب عليهم والمراد أن يغفر لهم ذنوبهم فيدخلهم الجنة وأما الذين يتبعون الشهوات وهم الذين يطيعون أهواء أنفسهم وهى أراء أنفسهم فيريدون أن يميلوا ميلا عظيما والمراد فيحبون أن يكذب المسلمون حكم الله تكذيبا مستمرا حتى الموت حتى يتساووا فى العقاب عند الله معهم والخطاب وما بعده للمؤمنين.
"يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا"يفسر الآية قوله تعالى بسورة البقرة"يريد الله بكم اليسر "فالتخفيف هو اليسر وقوله بسورة الروم "والله الذى خلقكم من ضعف "فالضعيف هو المخلوق من الضعف وهو الوهن والمعنى يحب الله أن ييسر عليكم وأنشأ الإنسان واهنا ،يبين الله للمؤمنين أنه يريد أن يخفف عنهم أى ييسر عليهم أى يرحمهم ويبين لهم أن الإنسان خلق ضعيفا والمراد أنه أنشأ وهو واهن صغير.
"يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما"يفسر قوله"لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا تكون تجارة عن تراض منكم"قوله تعالى بسورة البقرة"وأحل الله البيع"فالتجارة هى البيع وقوله "ولا تقتلوا أنفسكم "يفسره قوله بسورة الإسراء"ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق"فقتل الأنفس هو قتل النفس المحرمة وقوله "إن الله كان بكم رحيما "يفسره قوله بسورة آل عمران "والله رءوف بالعباد"فالرحيم بهم هو الرءوف والمعنى يا أيها الذين صدقوا وحى الله لا تضموا أمتعتكم بينكم بالحرام إلا أن تصبح بيع عن توافق منكم ولا تذبحوا بعضكم إن الله كان لكم نافعا،ينهى الله المؤمنين عن أكل أموالهم بينهم بالباطل والمراد عن أخذ بعضهم لأموال البعض الأخر بالحرام وهو الكفر واستثنى من الحرام التجارة وهى البيع الذى يشترط لكى يكون مباحا تراضى أطرافه والمراد اتفاق أصحابه اتفاق يقبله كل منهم ولا يصبح فى نفسه منه شيئا ،وينهى الله المؤمنين عن قتل أنفسهم والمراد ذبح بعضهم البعض دون حق ،ويبين لهم أنه كان بهم رحيما والمراد كان لهم نافعا برحمته والخطاب وما بعده للمؤمنين وما بعده.
"ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا "يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة الفرقان"ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب"فالنار هى الآثام التى هى العذاب وقوله "وكان ذلك على الله يسيرا"يفسره قوله بسورة مريم"قال ربك هو على هين"فاليسير هو الهين والمعنى ومن يعمل ذلك إثما أى فسادا فسوف ندخله جهنم وكان هذا على الله هينا،يبين الله للمؤمنين أن من يفعل ذلك أى من يأكل مال الأخرين ويقتل النفس عدوانا أى ظلما أى بدون حق يبيح له هذه الأفعال سوف يصليه الله النار والمراد سوف يدخله الله جهنم وكان إدخاله النار أمرا يسيرا أى هينا أى سهلا على الله .
"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة الشورى"والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش"فما ينهون عنه هو الإثم أى الفواحش وقوله "نكفر عنكم سيئاتكم "يفسره قوله بسورة آل عمران"يغفر لكم ذنوبكم"فنكفر تعنى نغفر وسيئاتكم تعنى ذنوبكم وقوله "وندخلكم مدخلا كريما "يفسره قوله بسورة التحريم"ويدخلكم جنات"فالمدخل الكريم هو الجنات والمعنى إن تتركوا فعل الذى تزجرون عنه نمحو لكم ذنوبكم ونسكنكم سكنا حسنا،يبين الله للمؤمنين أنهم إن يجتنبوا كبائر ما ينهون عنه والمراد إن يتركوا أعمال الذى يزجرون عنه أى إن يبتعدوا عن أفعال الذى يطلب الله منهم عدم فعله وهو الباطل يكفر لهم سيئاتهم والمراد يغفر لهم ذنوبهم حيث يترك عقابهم عليها ويدخلهم مدخلا كريما والمراد يسكنهم مسكنا عظيما هو الجنة .
"ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شىء عليما"يفسر قوله"وسئلوا الله من فضله "قوله تعالى بسورة العنكبوت"وابتغوا عند الله الرزق"فسؤال الله من فضله هو ابتغاء الرزق من الله وقوله "إن الله كان بكل شىء عليما "يفسره قوله بسورة النساء"وكان الله بكل شىء محيطا"فعليما تعنى محيطا والمعنى ولا تطلبوا ما ميز الله بعضكم على بعض للذكور أجر بالذى عملوا وللإناث أجر بالذى عملن واطلبوا من الله رزقه إن الله كان بكل أمر خبيرا،ينهى الله المؤمنين والمؤمنات عن تمنى ما فضل الله بعضهم على بعض أى ما ميز به كل جنس على الأخر فهو ينهى هنا الرجال عن طلب مهام النساء الخاصة وينهى النساء عن طلب سلطة الرجال عليهن ،ويبين لهم أن الرجال لهم نصيب مما اكتسبوا والمراد لهم أجر الذى عملوا فى حياتهم والنساء لهن نصيب مما اكتسبن والمراد لهن أجر الذى عملن فى حياتهن ويطلب منهم أن يسألوه من فضله والمراد أن يطلبوا من الله الرزق فى الدنيا والآخرة ويبين لهم أنه عليم أى خبير بكل شىء أى بكل أمر يقع فى الكون ومن ثم عليهم أن يحذروا من مخالفته حتى لا يعاقبهم على فعلهم الباطل والخطاب وما بعده للمؤمنين .
"ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شىء شهيدا"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بنفس السورة "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون"فالموالى هى أنصبة الرجال والنساء وقوله "إن الله كان على كل شىء شهيدا "قوله بنفس السورة"إن الله على كل شىء رقيبا"فالشهيد هو الرقيب والمعنى ولكل حددنا أنصبة من الذى فات الأبوان والأقارب والذين ملكت أنفسكم فأعطوهن حظهن إن الله كان على كل أمر رقيبا ،يبين الله للمؤمنين أنه جعل موالى والمراد حدد أنصبة لكل من الرجال والنساء فى الذى ترك أى فات الوالدان وهما الأبوان والأقارب من المال بعد موتهم كما حدد للذين عقدت أيماننا نصيبهم وهن اللاتى عاهدتهن أنفس الرجال على الزواج والمراد أن الله يطلب منا أن نعطى الزوجات نصيبهن فى الميراث فيقول أتوهن نصيبهن أى أعطوهن حظهن فى الميراث ويبين لهم أنه شهيد على كل شىء أى رقيب أى عليم بكل أمر وسيحاسب عليه .
"الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا"المعنى الذكور مسلطون على الزوجات بما ميز الله بعضهم على بعض وبالذى صرفوا من أملاكهم فالمحسنات مطيعات صائنات للبعد بالذى أمر الله واللاتى تخشون عصيانهن فذكرونهن وابعدوا عنهن فى المضاجع واجلدوهن فإن اتبعنكم فلا تنفذوا فيهن عقابا إن الله كان عظيما عاليا،يبين الله للمؤمنين والمؤمنات أن الرجال وهم الأزواج قوامون على النساء والمراد مسلطون على الزوجات وبألفاظ القرآن فى سورة البقرة"وللرجال عليهن درجة"فدرجة الرجال هى رئاسة الأسرة والأسباب هى :
-تفضيل الله بعضهم على بعض أى تمييز الله الرجال على النساء فى الخلقة البدنية والنفسية.
-ما أنفق الرجال من أموالهم على النساء والمراد ما صرف الأزواج على الزوجات من مال.
ويبين الله لهم أن الزوجات الصالحات وهن المحسنات قانتات أى مطيعات لحكم الله حافظات للغيب بما حفظ الله والمراد صائنات لأنفسهن فى حالة بعد الأزواج عنهن للعمل أو للسفر أو لأى أمر أخر بالذى أمر الله وهو عدم الزنى وهذا يعنى أن الزوجة الصالحة مطيعة للزوج فى حضوره حامية لعرضه فى غيابه.
ويبين الله للرجال أن اللاتى يخافون نشوزهن والمراد أن اللاتى تعرفون منهن العصيان لأمر الله بطاعتكم فى الخير عليهم أن يتبعوا معهن التالى:
-وعظهن أى تذكيرهن بالحق ووجوب الطاعة فإن أطعن فقد انتهت المشكلة.
-وإذا لم يطعن الوعظ فالواجب هو هجرهن فى المضاجع والمراد البعد عن الرقاد معهن فى الفرش فإن أطعن فقد انتهت المشكلة.
-وإذا لم ينفع هذا البعد عن المضاجع فالواجب على الرجال ضربهن أى جلدهن جلدا موجعا لا يجرح ولا يدمى فإن أطعن أى اتبعن حكم الرجل العادل فعلى الرجال ألا يبغوا عليهن سبيلا والمراد ألا ينزلوا بهن عقابا أخر ،ويبين لهم أنه على أى كبير أى عظيم أى صاحب الكبرياء فى السموات والأرض كما قال بسورة الجاثية"وله الكبرياء فى السموات والأرض".
"وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا"يفسر قوله "وإن خفتم شقاق بينهما"قوله تعالى بسورة البقرة"فإن خفتم ألا يقيما حدود الله"فالشقاق هى عدم إقامة حدود الله وقوله "إن الله كان عليما خبيرا "يفسره قوله بسورة النساء"وكان الله بكل شىء محيطا"فعليما خبيرا أى محيطا والمعنى وإن خشيتم خلاف بينهما فأرسلوا قاضيا من أسرته وقاضيا من أسرتها إن يشاءا الزوجان توفيقا يصلح الله بينهما إن الله كان محيطا عارفا،يبين الله للمؤمنين أنهم إن خافوا الشقاق بينهما والمراد إن خشوا حدوث الخلاف بين الزوجين مما يؤدى لمخالفتهم لحكم الله فالواجب هو بعث حكم من أهله وحكم من أهلها والمراد إرسال قاضى يختاره الزوج من أسرته وقاضى تختاره الزوجة من أسرتها يسمعان لكل منهما ثم يحددا نقاط الخلاف بينهما ويحددا المخطىء ويطلبان منه التراجع عن رأيه هذا إن يريدا إصلاحا والمراد إن يحب الزوجان التوفيق وهو التراضى على المعروف يوفق الله بينهما أى يصلح الله بين الزوجين ويبين الله لنا أنه عليما أى خبيرا أى عارفا بكل شىء وسيحاسب عليه .
"واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا"يفسر قوله "واعبدوا الله "قوله تعالى بسورة التغابن"وأطيعوا الله"فاعبدوا تعنى أطيعوا وقوله "ولا تشركوا به شيئا"يفسره قوله بسورة البقرة"فلا تجعلوا لله أندادا"فتشركوا تعنى تجعلوا وشيئا تعنى أندادا وقوله"إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا "يفسره قوله بنفس السورة"والله لا يحب كل كفار أثيم"فالمختال الفخور هو الكفار الأثيم والمعنى وأطيعوا حكم الله أى لا تطيعوا مع حكمه حكما أخر وبالأبوين معروفا وأهل القرابة وفاقدى الأباء والمحتاجين وصاحب الدار الملاصقة لنا صاحب القرابة وصاحب الدار الملاصقة والصديق فى الجوار وابن الطريق والذى تصرفت أنفسكم إن الله لا يرحم من كان كافرا مكذبا،يطلب الله منا كناس أن نعبده أى نطيع حكمه المنزل وفسر هذا بأن لا نشرك به شيئا والمراد ألا نطيع مع حكم الله حكم أخر ومن ضمن طاعة حكم الله أن نحسن أى نتعامل بالعدل مع كل من الوالدين وهم الأبوين وذى القربى وهم الأقارب واليتامى وهم من مات آباؤهم وهم صغار والمساكين وهم المحتاجين للعون والجار ذى القربى وهو صاحب البيت الملاصق لدارنا صاحب القرابة والجار الجنب وهو صاحب البيت القريب لبيتنا والصاحب بالجنب وهو الصديق فى السكن القريب وابن السبيل وهو المسافر الذى ليس معه مال يوصله لبلده وما ملكت الأيمان وهم العبيد والإماء الذين تتصرف فيهم أنفسنا وهذا يعنى العدل مع كل البشر لأن المذكورين هنا لا يخرج منهم أحد من القرابة والجوار واليتم والمسكنة والسبيل،ويبين الله لنا أنه لا يحب من كان مختالا فخورا أى لا يرحم من كان كافرا عاصيا لحكمه والخطاب للناس.
"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما أتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا"يفسر قوله "ويأمرون الناس بالبخل"قوله تعالى بسورة التوبة"يأمرون بالمنكر"فالبخل هو المنكر وقوله "وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا "يفسره قوله بسورة الإنسان"والظالمين أعد لهم عذابا أليما"فالكافرين هم الظالمين والعذاب المهين تعنى العذاب الأليم والمعنى الذين يكفرون ويطالبون الخلق بالكفر ويخفون الذى أوحى لهم الله من رحمته وجهزنا للمكذبين بحكمنا عقابا أليما،يبين الله لنا المختالين الفخورين هم الذين يبخلون أى يكذبون حكم الله ويأمرون الناس بالبخل والمراد ويطالبون الخلق بالتكذيب لحكم الله ويكتمون ما أتاهم الله من فضله والمراد ويخفون الذى أعطاهم الله من وحيه وقد أعد الله للكافرين عذابا مهينا والمراد وقد جهز للمكذبين بحكمه عقابا شديدا هو النار والخطاب للمؤمنين وهو محذوف منه أوله وهو غير معلوم والغالب أنه سؤال من المنافقين البخلاء؟ وما بعده وما بعده مثله.
"والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا"يفسر قوله "والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس"قوله تعالى بسورة النساء"وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس"فينفقون أموالهم تعنى صلاتهم أى طاعتهم لله وهم كسالى وقوله "ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر "يفسره قوله بسورة المطففين"الذين يكذبون بيوم الدين"فاليوم الأخر هو يوم الدين ولا يؤمنون تعنى يكذبون وقوله "ومن يكن الشيطان "يفسره قوله بسورة النساء"ومن يتخذ الشيطان"فيكن تعنى يتخذ وقوله "فساء قرينا "يفسره قوله بسورة الزخرف"فبئس القرين"فساء تعنى بئس والمعنى والذين يقدمون طاعتهم لله إرضاء للخلق ولا يصدقون بحكم الله ويوم القيامة ومن تصبح الشهوة له إلها فقبح إلها ،يبين الله لنا أن الكافرين ينفقون أموالهم رئاء الناس والمراد يظهرون طاعتهم لحكم الله إرضاء للمسلمين مع أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر والمراد مع أنهم لا يصدقون بحكم الله ولا يصدقون بيوم البعث،ويبين الله لنا أن من يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا والمراد أن من يطيع الشهوة وهى هوى النفس إلها له فقبح الإله الذين يطيعونه .
"وماذا عليهم لو أمنوا بالله واليوم الأخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما"المعنى وماذا عليهم لو صدقوا بوحى الله ويوم القيامة وعملوا من الذى أوحى الله لهم وكان الله بهم خبيرا؟،يسأل الله :ماذا على الناس لو صدقوا بحكم الله ويوم البعث وفعلوا من الذى أمرهم الله به ؟والغرض من السؤال أن لا عقاب على من أمن بحكم الله ويوم القيامة وعمل صالحا من الذى أوحى الله للمؤمنين ،ويبين لهم أنه عليم أى خبير بهم وسيحاسبهم على عملهم .
"إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما"يفسر قوله "ون تك حسنة يضاعفها "قوله تعالى بسورة النمل"من جاء بالحسنة فله خير منها"فمضاعفة الحسنة هى أن يكون لصاحبها خير منها وقوله "ويؤت من لدنه أجرا عظيما "يفسره قوله بسورة الفتح"يؤتكم الله أجرا حسنا"فعظيما تعنى حسنا والمعنى إن الله لا يبخس قدر ذرة وإن يكن عمل صالح يزيده أى يعطى من عنده ثوابا كبيرا،يبين الله للمؤمنين أن الله لا يظلم مثقال ذرة والمراد أن الله لا ينقص من حقوق الخلق قدر ذرة لأنه عادل وإن كان لمخلوق حسنة أى عمل صالح يضاعفه له والمراد يزيد له ثوابه عليه وفسر هذا أنه يؤتيه من لدنه أجرا عظيما والمراد يعطيه من عنده ثواب حسن هو الجنة والخطاب وما بعده للنبى(ص).
"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا"المعنى فكيف إذا بعثنا من كل جماعة حاكم وبعثناك على هؤلاء حاكما؟ يسأل الله رسوله(ص)كيف إذا أتينا من كل قوم بشاهد يقول لنا ما عملوه وأتينا بك لتصبح شاهد على المسلمين بالذى عملوا فى الدنيا وأنت حى ،والغرض من السؤال هو إخبار الرسول(ص)أن كل قوم سيكون لهم شهيد أى شاهد يحكم عليهم بقوله ما عملوه معه وهو رسول القوم وسيكون هو أى محمد(ص)شهيد على المسلمين فى عصره أى الشاهد عليهم بما عملوا فتكون شهادته حكم بصلاح المسلمين فى عصره ومن ثم استحقاقهم الجنة.
"يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو نسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة النبأ"يقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا"فتسوية الأرض بهم هى جعلهم تراب والمعنى يوم القيامة يحب الذين كذبوا بحكم الله أى خالفوا النبى(ص)لو نمهد بهم الأرض ولا يخفون عن الله قولا ،يبين الله لنا أن فى يوم القيامة يود الذين كفروا أى يريد الذين كذبوا بحكم الله وفسرهم الله بأنهم الذين عصوا الرسول والمراد الذين خالفوا حكم الله المنزل على النبى(ص)لو نسوى بهم الأرض والمراد لو يمهد الله بهم الأرض وهذا يعنى أنهم يتمنون التحول لتراب ولا يكتمون الله حديثا والمراد ولا يخفون عن الله قولا .
"يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا"المعنى يا أيها الذين صدقوا بحكم الله لا تؤدوا الصلاة وأنتم مخمورين حتى تعرفوا ما تتحدثون به ولا قاذفى منى إلا مسافرين للجهاد حتى تتطهروا وإن كنتم عليلين أو على ترحال أو أتى إنسان منكم من الكنيف أو مسستم الإناث فلم تلقوا ماء فاطلبوا ترابا طاهرا فامسحوا به وجوهكم وأيديكم إن الله كان توابا صفوحا،ينهى الله المؤمنين عن قرب الصلاة وهم سكارى والمراد عن أداء الصلوات المعروفة وهم شاربين للخمر والسبب فى النهى هو أن يعلموا ما يقولون أى حتى يعرفوا الذى يتحدثون به فى الصلاة من الكلام وهو القرآن وهذا يعنى أن المخمور لا يدرى ما يقول لكونه فاقد لعقله،وينهاهم عن أداء الصلاة وهم جنب أى قاذفى للماء المهين فى الجماع أو فى غيره واستثنى من النهى حالتين الأولى :هى أن يكونوا عابرى سبيل والمراد مسافرين إلى الجهاد والثانية إن كانوا مرضى أى مصابين بعلل تضرهم إن اغتسلوا،وأما إذا لم يكونوا كذلك فعليهم ألا يصلوا إلا بعد أن يغتسلوا أى يتطهروا بالماء،ويبين لهم أنهم إن جاءوا من الغائط والمراد إن أتوا من مكان قضاء الحاجة من بول أو براز أو فساء أو ضراط أو لامسوا النساء والمراد إن مس جلدهم جلد الإناث البالغات فعليهم الوضوء فإن لم يجدوا ماء والمراد فإن لم يلقوا ماء للوضوء فعليهم أن يتيمموا صعيدا طيبا والمراد أن يقصدوا ترابا طاهرا فيمسحوا بوجوههم وأيديهم والمراد أن يلمسوا بالتراب الوجوه والكفوف،ويبين الله لنا أنه عفو أى غفور والمراد مثيب لمن تاب إليه نافع له والخطاب للمؤمنين.
"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل"يفسر قوله"يشترون الضلالة "قوله تعالى بسورة التوبة "اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا"فالضلالة هى الثمن القليل وقوله "ويريدون أن تضلوا السبيل"يفسره قوله بسورة البقرة"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا"فإرادة أن يضل المسلمون السبيل هى إرادة ردهم كفارا بعد إيمانهم والمعنى ألم تعلم أن الذين أعطوا علما بالكتاب يعملون الكفر ويحبون أن تتركوا الإسلام؟يخبر الله رسوله(ص)أن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وهم الذين أعطوا بعضا من وحى الله للبشر يشترون الضلالة والمراد يعملون أعمال الكفر تاركين الإسلام وهم يريدون أن يضل المسلمون السبيل والمراد وهم يحبون أن يترك المسلمون الإسلام ويعملون الكفر مثلهم والخطاب للنبى(ص).
"من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظر لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا"يفسر قوله "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه "قوله تعالى بسورة المائدة"وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا"فيحرفون الكلم عن مواضعه يعنى زيادة المنزل كفرا وطغيانا وقوله "ولكن لعنهم الله بكفرهم "يفسره قوله بسورة النساء"وغضب الله عليهم"فلعنهم تعنى غضب عليهم والمعنى من اليهود من يبعدون الوحى عن معانيه ويقولون عرفنا وخالفنا واعرف غير مطيع وعاقبنا تحريفا بأفواههم أى تحريفا للإسلام ولو أنهم قالوا عرفنا واتبعنا واعلم وارحمنا لكان أفضل لهم أى أحسن أجرا ولكن غضب الله عليهم بتكذيبهم فلا يصدقون إلا بعضا منهم،يبين الله للمؤمنين أن الذين هادوا وهم اليهود منهم جماعة يحرفون الكلم عن مواضعه والمراد يبعدون ألفاظ الوحى الإلهى عن معانيها أى يغيرون الوحى عن مقاصده التى أرادها الله وهم يقولون :سمعنا وعصينا أى عرفنا المعنى الحقيقى وخالفنا واسمع غير مسمع أى اعرف غير مطيع والمراد إنك يا مبلغ الوحى أنت تعرف من لا يطيع الوحى وراعنا أى عاقبنا بما تريد وهذا هو لى بالألسن والمراد تحريف للوحى بالكلمات وفسره بأنه طعن فى الدين أى تحريف للإسلام أى إطفاء لنور الله ،ويبين الله لهم أنهم لو قالوا :سمعنا وأطعنا أى عرفنا المعنى الحقيقى ونفذناه واسمع أى وأعلم الناس بالوحى لينفذوه وانظرنا أى وارحمنا لتنفيذنا ما تريد لكان خير لهم أى أقوم والمراد لكان هذا أحسن ثوابا أى أفضل أجرا،ويبين الله لنا أنه لعنهم بكفرهم أى غضب الله عليهم بتكذيبهم للوحى والمراد عاقبهم الله بسبب تكذيبهم لحكم الله ومن ثم فهم لا يؤمنون إلا قليلا أى فلا يصدقون بالوحى إلا عدد قليل منهم والخطاب للنبى(ص).
"يا أيها الذين أوتوا الكتاب أمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا "يفسر الجزء الأخير قوله بسورة مريم"وكان أمرا مقضيا"فمفعولا تعنى مقضيا والمعنى يا أيها الذين أعطوا الوحى سابقا صدقوا بالذى أوحينا مشابها للذى عندكم من قبل أن نغير أجساما فنعيدها إلى ظهورها أو نعاقبهم كما عاقبنا أهل السبت وكان حكم الله واقعا،يخاطب الله الذين أوتوا الكتاب وهم الذين أعطوا الوحى سابقا وهم اليهود والنصارى فيطلب منهم التالى:
أن يؤمنوا بما نزل مصدق لما معهم والمراد أن يصدقوا بالذى أوحى إلى محمد(ص)مطابق للكتب التى عندهم ،ويبين الله لهم أنهم إذا لم يؤمنوا فإنه سيفعل بهم أحد أمرين :
الأول:أن يطمس وجوههم بردها على أدبارها والمراد أن يبدل وجوههم بإرجاعها إلى أقفيتهم وبألفاظ أخرى أن يجعل الوجه مكان القفا والقفا مكان الوجه وباقى الجسم كما هو فيكون القفا مع البطن والوجه مع الظهر .
الثانى:أن يلعنهم كما لعن أصحاب السبت والمراد أن يعاقبهم كما عاقب المخالفين لحكم الراحة فى السبت فيحول أجسامهم لأجسام قردة ويبين لهم أن أمره وهو حكمه بالعقاب سيكون مفعولا والمراد سيكون حادثا إن كفروا والخطاب لأهل الكتاب.
"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة آل عمران"ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه"فيغفر تعنى يقبل ودون ذلك هو الإسلام وقوله "ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما "يفسره قوله بسورة النساء"ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا مبينا"فإثما تعنى ضلالا وعظيما تعنى مبينا والمعنى إن الله لا يقبل أن يكفر به ويقبل ما غير الكفر ممن يريد ومن يكفر بالله فقد أتى جرما كبيرا،يبين الله للناس أنه لا يغفر أن يشرك به والمراد لا يقبل أن يكفر بحكمه وهذا يعنى أنه حرم الكفر وهو يغفر ما دون ذلك لمن يشاء والمراد ويقبل ما سوى الكفر وهو الإسلام ممن يصدق به ويبين لهم أن من يشرك به أى من يكفر بوحى الله فقد افترى إثما عظيما والمراد فقد فعل جريمة كبرى هى الكفر بحكم الله والخطاب للناس.
"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة آل عمران"ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"فيزكون أنفسهم تعنى حبهم الحمد وقوله "ولا يظلمون فتيلا "يفسره قوله بسورة النساء "ولا يظلمون نقيرا"ففتيلا تعنى نقيرا وقوله "بل الله يزكى من يشاء "يفسره قوله بسورة آل عمران"ويختص برحمته من يشاء"فيزكى تعنى يختص برحمته والمعنى ألم تعلم بالذين يشكرون أنفسهم؟ إن الله يشكر من يريد ولا يبخسون شيئا،يبين الله لرسوله(ص)أن هناك فريق من الناس يزكون أنفسهم أى يشكرون فى أنفسهم أمام الآخرين والمراد أنهم يقولون أنهم أحباء الله سيدخلهم الجنة،ويبين له أن الله يزكى أى يشكر أى يرحم من يشاء أى من يريد من الخلق بإدخالهم الجنة وهم لا يظلمون فتيلا أى لا يبخسهم أى لا ينقصهم الله شيئا من حقهم مهما كان صغيرا والخطاب وما بعده للنبى(ص).
"انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة آل عمران"يقولون على الله الكذب"فيفترون تعنى يقولون وقوله"إثما مبينا "يفسره قوله بسورة النساء"إثما عظيما"فمبينا أى عظيما والمعنى اعلم كيف يقولون على الله الباطل وكفى بالتقول ذنبا عظيما،يطلب الله من رسوله(ص)أن ينظر والمراد أن يفكر كيف يفترون على الله الكذب أى أن يفكر كيف ينسبون إلى حكم الله أحكام الباطل ،والغرض من الطلب هو معرفة طرق عمل نفوس القوم لمحاربتها ويبين له أنه كفى بنسبة الباطل إلى الله إثما مبينا أى جرما كبيرا،وهذا يعنى أن نسبة الباطل لله هو جريمة عظيمة.
"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلا "يفسر قوله"يؤمنون بالجبت والطاغوت"قوله تعالى بسورة العنكبوت"أفبالباطل يؤمنون"فالجبت أى الطاغوت هو الباطل والمعنى ألم تعلم بالذين أعطوا حكما من الوحى الإلهى يصدقون بالباطل أى الكفر ويقولون للذين كذبوا حكم الله هؤلاء أفضل من الذين صدقوا حكم الله دينا،يخاطب الله رسوله(ص)مخبرا إياه أن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وهم الذين أعطوا حكما من وحى الله يؤمنون بالجبت أى الطاغوت والمراد يصدقون بالباطل وهو الظلم ،ويبين له أنهم يقولون للذين كفروا وهم الذين أشركوا بحكم الله :هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلا والمراد المشركون أفضل من الذين صدقوا دينا،وهذا يعنى أنهم يعتبرون أديان الشرك أحسن من دين المسلمين والخطاب وما بعده للنبى(ص)وما بعده.
"أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا"يفسر قوله "لعنهم الله "قوله تعالى بسورة الفتح"وغضب الله عليهم"فلعنهم تعنى غضب عليهم وقوله "ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا"يفسره قوله بسورة الكهف"ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدا"فيلعن تعنى يضلل ونصيرا تعنى وليا مرشدا والمعنى أولئك الذين عاقبهم الله ومن يعاقب الله فلن تلق له منقذا من العقاب،يبين الله لرسوله(ص)أن الفريق الكتابى هم الذين لعنهم الله أى عذبهم بسبب كفرهم ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا والمراد ومن يعذب الله فلن تلق له منجيا من العذاب .
"أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا"يفسر قوله"أم لهم نصيب من الملك"قوله تعالى بسورة ص"أم عندهم خزائن رحمة ربك "فالنصيب من الملك هو خزائن رحمة الله ويفسر الآية قوله بسورة الإسراء"قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الإنفاق"فخزائن رحمة الرب هى الملك وعدم إيتاء الناس النقير هو الإمساك خشية الإنفاق والمعنى هل لهم حظ من الرزق؟فإذا لا يعطون الخلق شيئا،يبين الله لرسوله (ص)أن الفريق الكتابى لو له نصيب من الملك والمراد لو له تصرف فى رزق الله فالحادث هو أنهم لا يؤتون الناس نقيرا والمراد لا يعطون خلق الله من الرزق أى شىء مهما كان صغيرا.
"أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد أتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وأتيناهم ملكا عظيما"يفسر قوله"أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله"قوله تعالى بسورة البقرة"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم"فما أتاهم الله من فضله هو الإيمان وقوله "فقد أتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما "يفسره قوله بسورة العنكبوت "وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب وأتيناه أجره فى الدنيا"فالكتاب هو الحكمة هو النبوة أى الملك هو الأجر العظيم والمعنى هل يحقدون على المسلمين بسبب الذى أعطاهم الله من رحمته ؟فقد أعطينا ذرية إبراهيم(ص)الوحى أى حكم الله أى أعطيناهم حكما كبيرا،يبين الله لرسوله(ص)أن الفريق الكتابى يحسدون الناس على ما أتاهم من فضله والمراد يحقدون على المسلمين والسبب الإيمان الذى أعطاه الله من رحمته لهم فهم يريدون زوال هذا الإيمان حتى يصبحوا مثلهم كفارا،ويبين له أنه أتى آل إبراهيم(ص)والمراد أعطى ذرية إبراهيم(ص)الكتاب أى الحكمة وهو وحى الله وفسر هذا بأنه أتاهم الملك العظيم أى أعطاهم الحكم الحق ليحكموا به العالم والخطاب للنبى(ص)وما بعده.
"فمنهم من أمن ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا"يفسر الجزء الأول قوله تعالى بسورة البقرة"فمنهم من أمن ومنهم من كفر"فصد عنه تعنى كفر به وقوله "وكفى بجهنم سعيرا "يفسره قوله بسورة المجادلة"حسبهم جهنم"فكفى تعنى حسب والمعنى فمنهم من صدق بحكم الله ومنهم من كفر به وحسبهم النار عذابا،يبين الله لرسوله(ص)أن ذرية إبراهيم(ص)منهم من أمن أى صدق حكم الله وعمل به ومنهم من صد عنه أى كفر به وهؤلاء كافيهم جهنم سعيرا والمراد جزاؤهم النار تعذيبا لهم .
"إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما"يفسر الآية قوله تعالى بسورة فاطر"والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها"فنضج الجلود هو عدم تخفيف العذاب وتبديلها يعنى عدم إماتتهم وقوله بسورة الأنعام "والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب"فالذين كفروا هم الذين كذبوا بآيات الله والمعنى إن الذين كذبوا بأحكامنا سوف نذيقهم ألما كلما احترقت أجسامهم غيرنا لهم أجساما سواها ليعرفوا الألم إن الله كان قويا قاضيا،يبين الله لرسوله(ص)أن الذين كفروا وهم الذين كذبوا آيات الله وهى أحكام الوحى المنزل من عند الله سوف يصليهم نارا والمراد سوف يذيقهم عذابا هو أن جلودهم وهى أجسامهم كلما نضجت أى كلما احترقت بدلهم جلود غيرها والمراد خلق لهم أجسام مثلها والسبب أن يذوقوا العذاب والمراد أن يعرفوا الألم باستمرار ومن هنا نعلم أن الجسم أى الجلد هو الذى يوصل الإحساس بالألم للنفس ،ويبين له أنه عزيز أى قوى حكيم أى قاضى يقضى بالحق والخطاب للنبى وما بعده.
"والذين أمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا"يفسر قوله "سندخلهم جنات "قوله تعالى بسورة الفتح"يدخل فى رحمته من يشاء"فالجنات هى الرحمة وقوله "خالدين فيها "يفسره قوله بسورة الدخان"لا يذوقون فيها إلا الموتة الأولى "فخالدين تعنى أنهم لا يموتون إلا موتة الدنيا وقوله "لهم فيها أزواج مطهرة"يفسره قوله "وزوجناهم بحور عين"فالأزواج المطهرة هى الحور العين وقوله "وندخلهم ظلا ظليلا "يفسره قوله بسورة النساء"وندخلكم مدخلا كريما"فالظل الظليل هى المدخل الكريم والمعنى والذين صدقوا حكم الله وفعلوا الحسنات سنسكنهم حدائق تسير فى أرضها العيون باقين فيها دوما لهم فيها زوجات زكيات ونسكنهم ظلا ممدودا ،يبين الله لرسوله(ص)أن الذين أمنوا أى صدقوا وحى الله وعملوا الصالحات أى وفعلوا الحسنات فى الدنيا سوف يدخلهم أى يسكنهم الله جنات تجرى من تحتها الأنهار والمراد حدائق تسير فى أرضها مجارى السوائل اللذيذة وهم خالدين فيها أبدا أى"ماكثين فيها أبدا "كما بسورة الكهف والمراد باقين فيها لا يخرجون منها لأى سبب ولهم فيها أزواجا مطهرة أى زوجات زكيات أى حور عين وفسر الله الجنات بأنها الظل الظليل والمراد المكان المغطى غطاء دائم ليس فيه شمسا ولا زمهريرا.

الخميس، 21 فبراير 2019

تفسير سورة النساء

سورة النساء
سميت بهذا الاسم – حتى الآن- لذكر كلمة النساء بها وكثير من قضاياهن فيها .
"بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " يفسر الآية قوله تعالى بسورة البقرة"يا أيها الناس اعبدوا ربكم"فاتقوا تعنى اعبدوا وقوله بسورة الحجرات"إنا خلقناكم من ذكر وأنثى"فالنفس هى الذكر وزوجها هو الأنثى وقوله بسورة الحجرات "وجعلناكم شعوبا وقبائل"فبث منهما تعنى جعلناكم والرجال والنساء الكثير هم الشعوب والقبائل وقوله بسورة الأعراف"واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم"فاتقوا تعنى اتبعوا الذى أنزله الله وقوله بسورة الأعراف"وجعل منها زوجها"فخلق تعنى جعل وقوله بسورة النساء"إن الله كان على كل شىء شهيدا"فرقيبا تعنى شهيدا والمعنى بحكم الرب النافع المفيد يا أيها الخلق اعبدوا إلهكم الذى أبدعكم من رجل واحد وأبدع منه امرأته وخلق منهما ذكورا كثيرين وإناثا كثيرات أى أطيعوا حكم الرب الذى تحلفون به والمخلوقات إن الله كان بكم عليما،يبين الله للناس أن باسمه الرحمن الرحيم قد حكم على الناس أن يتقوه والمراد أن الله النافع المفيد حكمه وهو اسمه أن يعبده الناس أى أن يطيعوا حكمه ،ويبين لهم أنه قد خلقهم من نفس واحدة والمراد قد أنشأهم من إنسان واحد هو آدم(ص)وقد خلق منه زوجه والمراد وقد أنشأ من آدم(ص) امرأته وبث منهما رجالا كثيرا ونساء والمراد وخلق منهما ذكورا كثيرين وإناث كثيرات ويبين الله بقوله اتقوا ربكم أن المطلوب من الناس أن يطيعوا حكم الله والله هو الذى يتساءل به الناس والأرحام والمراد أنه الذى يقسم به الخلق هو والمخلوقات وهذا معناه إباحة القسم بالله ومخلوقاته ،ويبين لهم أنه رقيب عليهم أى خبير بما يعملون وسيحاسبهم عليه .
"وأتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا"يفسر الآية قوله بنفس السورة"فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم"فأتوا تعنى ادفعوا وقوله بسورة البقرة"ومن يتبدل الكفر بالإيمان "فالخبيث هو الكفر والطيب هو الإيمان وقوله بسورة النساء"فقد افترى إثما عظيما"فالحوب هو الإثم وكبيرا تعنى عظيما والمعنى وأعطوا فاقدى الأباء وهم صغار أملاكهم ولا تشتروا الضار بالنافع ولا تضموا أملاكهم إلى أملاككم إنه كان إثما عظيما ،يطلب الله من المؤمنين أن يؤتوا اليتامى أموالهم والمراد أن يدفعوا لمن مات آباؤهم وهم صغار أملاكهم التى ورثوها من الأباء ،وفسر طلبه منهم بأن لا يتبدلوا الخبيث بالطيب والمراد ألا يأخذوا المال بالباطل ويتركوا أخذه بالحق وفسر طلبه بألا يأكلوا أموالهم إلى أموالهم والمراد ألا يضموا أملاك اليتامى إلى أملاكهم هم بالباطل لأن هذا حوب كبير والمراد ذنب عظيم والخطاب هنا وما بعده للمؤمنين.
"وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا"المعنى وإن خشيتم ألا تعدلوا فى فاقدات الأباء وهن صغيرات فتزوجوا ما حسن لكم من الإناث اثنين وثلاثة وأربعة فإن خشيتم ألا تعدلوا فواحدة أو الذى أمرت أنفسكم ذلك أفضل ألا تظلموا ،يبين الله للمؤمنين الرجال أنهم إن خافوا ألا يقسطوا فى اليتامى والمراد إن خشوا ألا يعدلوا فى أمر زواج فاقدات الأباء وهن صغيرات بعدم إعطاءهن المهور فالواجب عليهم أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء والمراد أن يتزوجوا ما حسن لهم من الإناث الأخريات غير اليتيمات اللاتى فى كفالتهن سواء كن فى العدد اثنتان أو ثلاثة أو أربعة ،ويبين لهم أنهم إن خافوا ألا يعدلوا والمراد إن خشوا ألا يقسطوا مع العدد فوق الواحدة فى المعاملة فالواجب عليهم أن يتزوجوا واحدة فقط أو يكتفوا بزواج ما ملكت أيمانهم والمراد اللاتى تصرفت فيهن أنفسهم وهن الإماء ،ويبين لهم أن ذلك أدنى ألا يعولوا والمراد أن العدل أفضل من أن يظلموا النساء معهم.
"وأتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا"يفسر الآية قوله تعالى بسورة النساء"وأتوهن أجورهن بالمعروف"فالصدقات هى الأجور هى المهور وقوله بنفس السورة"فأتوهن أجورهن فريضة"فنحلة تعنى فريضة والمعنى وأعطوا الزوجات مهورهن فريضة فإن تنازلن لكم عن بعض منه رضا فخذوه حلالا طيبا،يطلب الله من رجال المؤمنين أن يؤتوا النساء صدقاتهن نحلة والمراد أن يعطوا الزوجات مهورهن وهى قنطار ذهب لكل امرأة وهى الفريضة التى فرضها الله للحرات من النساء وهذا يعنى أن المهر لابد أن يعطى كله مرة واحدة للمرأة قبل الدخول بها،ويبين لهم أن الزوجات إن طبن لهم عن شىء منه نفسا والمراد أن الزوجات إن تنازلت للأزواج عن بعض من القنطار بعد أخذهن له رضا منهن بالتنازل فعليهم أن يأكلوه هنيئا مريئا والمراد أن يأخذوه منهن حلالا طيبا ،ونلاحظ هنا أن الشرط الأول هو التنازل عن بعض المهر وليس كله والشرط الثانى أن يكون التنازل برضا المرأة والخطاب وما بعده للمؤمنين.
"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا"يفسر الجزء الأخير قوله تعالى بسورة النساء"وليقولوا قولا سديدا"فمعروفا تعنى سديدا والمعنى ولا تعطوا المجانين أملاككم التى عين لكم حياة وأطعموهم منها وألبسوهم وتحدثوا معهم حديثا حسنا،ينهى الله المؤمنين عن إيتاء السفهاء أموالهم والمراد عن إعطاء المجانين أملاك المسلمين التى جعل الله لهم قياما والمراد التى عينها لهم رزقا يتعيشون منه والسبب ألا يضيعها المجانين وطلب منهم أن يرزقوهم أى يطعموهم والمراد يحضروا لهم الأكل والشرب وأن يكسوهم أى يلبسوهم الملابس من مالهم وأن يقولوا لهم قولا معروفا والمراد أن يتحدثوا معهم حديثا سديدا أى عادلا.
"وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا"يفسر الآية قوله تعالى بسورة النساء"وأتوا اليتامى أموالهم"فادفعوا تعنى أتوا وقوله بسورة الأنعام"ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده "فالمعروف هو التى هى أحسن والرشد هو الأشد وقوله بسورة النور"وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم"فالنكاح هو الحلم وقوله بسورة الفتح"وكفى بالله شهيدا"فالحسيب هو الشهيد والمعنى واختبروا فاقدى الأباء حتى إذا وصلوا البلوغ فإن عرفتم منهم عقلا فأعطوا لهم أملاكهم ولا تأخذوها تضييعا أى تفريطا فى حقهم قبل أن يرشدوا ومن كان مستكفيا فليمتنع عن الأخذ ومن كان محتاجا فليأخذ بالعدل فإذا أعطيتم لهم أملاكهم فأقروا عليهم شهودا وكفى بالله شهيدا،يطلب الله من المؤمنين أن يبتلوا اليتامى إذا بلغوا النكاح والمراد أن يمتحنوا فاقدى الأباء وهم صغار إذا وصلوا سن البلوغ وهو سن القدرة على الزواج بدنيا والامتحان يكون بعمل اختبارات مالية حيث يعطى اليتيم بعض من المال وينظر الوصى كيف يتصرف فيه فإن أنس منه رشدا والمراد إن وجد منه عقلا فى التصرف أى إن لقاه تصرف تصرفا سليما فعليه أن يدفع إليه ماله والمراد أن يعطيه ميراثه ليتصرف فيه وينهى الله الأوصياء عن أكل مال اليتيم إسرافا أى بدارا قبل أن يكبر والمراد أن يمتنعوا عن أخذ مال اليتيم لهم بسرعة قبل وصوله لسن الرشد ويطلب الله من الغنى وهو غير المحتاج أن يستعفف أى أن يمتنع عن أخذ أى شىء من مال اليتيم وأما الوصى الفقير وهو المحتاج فله أن يأكل بالمعروف والمراد أن يأخذ لنفسه من مال اليتيم القدر الذى يسد حاجته من مأكل ومشرب وكساء ويبين الله للأوصياء أنهم إذا جاء وقت دفع المال لليتيم وهو الوقت الذى يستلم فيه ملكه فعليهم أن يشهدوا عليه والمراد أن يحضروا أناس لعملية تسليم المال حتى إذا اتهموا بعدم التسليم وجدوا من يشهدوا لهم ،ويبين الله لنا أنه كفى به حسيبا أى كفى به شهيدا يعلم بالعمل ويحاسب عليه والخطاب وما بعده للمؤمنين.
"للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا"يفسر الآية قوله تعالى بسورة النساء"ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون" فالنصيب هو الموالى والمعنى للذكور بعض مما فات الأبوان والأقارب وللإناث بعض من الذى فات الأبوان والأقارب مما نقص منه أو زاد جزء معروفا،يبين الله لنا أن الرجال وهم الذكور لهم نصيب معروف والمراد لهم جزء محدد مما ترك الوالدان والأقربون والمراد من المال الذى فاته بعد الموت الأبوان والأقارب وللنساء وهن الإناث نصيب معروف أى جزء محدد فى مال الأبوين والأقارب سواء قل أى كان المال صغيرا أو كثر أى كان المال المتروك كبيرا وهذا النصيب مفروض أى واجب أن يعطى لصاحبه أو صاحبته.
"وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا"يفسر الجزء الأخير قوله تعالى بسورة النساء"وليقولوا قولا سديدا"فمعروفا تعنى سديدا والمعنى وإذا شهد توزيع الميراث أهل القرابة وفاقدى الأباء فارزقوهم منه والمال فأطعموهم من مال الميراث وتحدثوا معهم حديثا حسنا،يطلب الله من المؤمنين إذا حضر القسمة والمراد إذا شهد توزيع الميراث على الورثة كل من أولوا القربى وهم أهل الميت واليتامى وهم الأطفال الذين مات آباؤهم والمساكين وهم المحتاجين فالواجب على المقسم للميراث أن يرزقهم أى يطعمهم من مال الميراث وأن يقول لهم قولا معروفا والمراد أن يتحدث معهم حديثا بليغا يعظهم فيه .
"وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا"يفسر الجزء الأخير قوله تعالى بسورة النساء"وقولوا لهم قولا معروفا"فسديدا تعنى معروفا والمعنى وليخف الذين لو فاتوا من بعد وفاتهم أولادا صغارا خشوا عليهم الفقر فليطيعوا الله وليوصوا وصية عادلة ،يبين الله لنا أن الذين لو تركوا من خلفهم والمراد أن الذين لو فاتوا من بعد مماتهم ذرية ضعافا أى أولادا صغارا عليهم أن يخشوا عليهم والمراد عليهم أن يخافوا عليهم فى المستقبل ومن ثم فعليهم أن يطمئنوا على مستقبلهم بالتالى أن يتقوا الله أى أن يطيعوا حكم الله فيقولوا قولا سديدا والمراد أن يوصوا وصية عادلة حيث يوصوا للصغار بكل المال حتى ولو حرموا بقية الورثة الكبار من ورثهم لأن هذا المال مخصص لتربية الصغار حتى يعتمدوا على أنفسهم كالكبار والخطاب للمؤمنين وما بعده.
"إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا"يفسر الآية قوله تعالى بسورة الأعلى"الذى يصلى النار الكبرى"فالسعير هو النار والمعنى إن الذين يأخذون أملاك فاقدى الأباء وهم صغار جورا إنما يجمعون لأنفسهم جهنم وسيذوقون نارا،يبين الله لنا أن الذين يأكلون أموال اليتامى أى أن الذين يأخذون ميراث فاقدى الأباء ظلما أى جورا أى عدوانا إنما يأكلون فى بطونهم نارا والمراد إنما يجهزون لأنفسهم النار وفسر هذا بأنهم سيصلون سعيرا أى سيدخلون النار بعد الموت.
"يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له اخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما " المعنى فرض لكم الله فى عيالكم للولد قدر نصيب البنتين فإن كن بنات أكثر من اثنتين فلهن ثلثا الذى فات وإن كانت بنتا فلها نصف المال ولوالديه لكل واحد منهما السدس من الذى فات إن كان له ابن فإن لم يكن له ابن وملك ماله والداه فلأمه الثلث فإن كان له اخوة فلوالدته السدس من بعد وصية يقولها أو سلف ،آباؤكم وأبناؤكم لا تعرفون أيهم أدنى لكم إفادة ،واجبا من الله إن الله كان محيطا قاضيا ،يبين الله لنا أن وصيته وهى حكمه فى الميراث هو أن للذكر مثل حظ الأنثيين والمراد أن للولد قدر نصيب البنتين فى مال الورث،وبين لنا أن النساء وهن البنات إن كن فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك والمراد أن البنات لو كن هن الوارثات ليس معهن ولد وكان عددهن أكثر من اثنتين فنصيبهن فى الميراث هو الثلثان من الذى فات الميت وإن كانت واحدة أى بنت فقط فنصيبها هو نصف الورث ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك والمراد أن أب الميت له سدس الورث وأم الميت لها سدس الورث الذى فاته الميت وهذا التقسيم إن كان للميت ولد أى عيال بنات وأما إذا لم يكن له ولد أى عيال بنات أو بنين فلأمه وهى والدته ثلث الورث ولأبيه الثلثين فإن كان للميت اخوة فالأم لها السدس وللأب الثلث والباقى للاخوة وهو نصف الميراث و الميراث هو الذهب والفضة والنقود والمعادن الثمينة ولا يقسم إلا من بعد تنفيذ الوصية وهى القول الذى أوجبه فى الورث لمن أحب فى حياته لسبب مما شرع الله ويأتى قبل تنفيذ الوصية سداد الدين وهو السلف الذى أخذه من الآخرين فى حياته ويبين الله لنا أن الأباء وهو الأب والأم والأبناء وهم العيال بنات وبنين لا أحد منا يدرى أيهم أقرب نفعا والمراد لا أحد منا يعرف أيهم أعطى لنا فائدة والمعنى أن لا أحد منهم يعلم من يموت أولا فنستفيد منه الورث وما قاله الله هو فريضة أى حكم واجب من الله والله هو العليم أى العارف لكل شىء ومنه الميت المستفاد منه وهو الحكيم أى القاضى المشرع بالحق،والخطاب وما بعده للمؤمنين.
"ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم"يفسر الآية قوله تعالى بسورة النساء"قل الله يفتيكم فى الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد"فالكلالة هو الذى ليس له عيال أى العاقر ذكرا أو أنثى وقوله بسورة النساء"فريضة من الله "فالوصية هى الفريضة هنا والمعنى ولكم نصف الذى فاتت زوجاتكم إن لم يكن عندهن عيال فإن كان لديهن عيال فلكم الربع من الذى فتن من بعد فرض يفرضنه أو سلف ولهن الربع من الذى فتم إن لم يكن لديكم عيال فإن كان لكم عيال فلهن الثمن من الذى تركتم من بعد فرض تفرضونه أو سلف وإن كان ذكر يملك ماله عاقر أو أنثى وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكبر عددا من هذا فهم متقاسمون فى الثلث من بعد فرض تفرضونه أو سلف غير مؤذى فريضة من الله والله خبير قاضى ،يبين الله لنا أن الرجال لهم نصف ما تركت أى الذى فاتت الزوجات إذا لم يكن لهن ولد والمراد إذا لم يكن لديهن عيال بنات أو بنين فإن كان لهن ولد والمراد إن كان لديهن عيال فللزوج ربع مما تركن أى من الذى فتن من المال والزوج لا يأخذ ميراثه إلا من بعد وصية يوصين بها أو دين والمراد من بعد تنفيذ فرض فرضنه فى حياتهن أو سداد مال سلف أخذنه من الآخرين وأما الزوجات فلهن الربع مما ترك أى من الذى فات الأزواج الميتون إن لم يكن لهم ولد أى إذا لم يكن لديهم عيال يرثونهم ويقسم بينهن بالتساوى إن كن أكثر من واحدة وأما إذا كان لهم ولد أى عيال فللزوجات الثمن يقسم عليهن بالتساوى إن كن أكثر من واحدة وهذا ينفذ من بعد وصية يوصون بها أو دين والمراد من بعد تنفيذ فرض يفرضه الأزواج أو سداد مال السلف الذى أخذوه من الآخرين ،ويبين الله لنا أن الرجل وهو الذكر أو المرأة أى الأنثى إن كانوا كلالة أى ليس لهم عيال بنين وبنات وله أخ أو أخت فنصيب الواحد منهما مساوى لنصيب الأخر وهو السدس فإن كان الاخوة أكثر من ذلك والمراد إن كان عدد الاخوة أكبر من الاثنين فهم شركاء فى الثلث والمراد فهم متساوون فى الأنصبة التى يأخذونها من الثلث وهذا من بعد وصية يوصى بها أو دين والمراد من بعد تنفيذ فرض يفرضه العاقر أو سداد مال السلف الذى أخذه من الآخرين ويشترط فى الوصية أن تكون غير مضارة أى غير ظالمة للورثة وكل ما سبق هو وصية من الله أى حكم واجب التنفيذ من الله وهو العليم الحليم أى الخبير بكل شىء النافع لعباده المؤمنين.
"تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم"يفسر الآية قوله تعالى بسورة القصص"تلك آيات الكتاب المبين"فحدود الله هى آيات الله وقوله بسورة الجاثية "فيدخلهم ربهم فى رحمته"فالجنات هى الرحمة وقوله بسورة البروج"ذلك الفوز الكبير"فالعظيم هو الكبير والمعنى تلك أحكام الله ومن يتبع حكم الله ونبيه(ص)يسكنه حدائق تسير فى أرضها العيون باقين فيها وذلك النصر الكبير ،يبين الله لنا أن ما سبق ذكره هو حدود الله أى أحكام كتاب الله ومن يطع الله ورسوله(ص)أى ومن يتبع حكم الله ونبيه(ص)يدخله الله جنات تجرى من تحتها الأنهار والمراد يسكنه الله فى حدائق تسير فى أرضها العيون التى بها السوائل اللذيذة وهم خالدين أى باقين فيها لا يخرجون ولا يموتون ودخول الجنة هو الفوز العظيم أى النصر الكبير الذى ليس هناك نصر أكبر منه والخطاب وما بعده للناس.
"ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين"يفسر الآية قوله تعالى بسورة التوبة"ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم"فيعص تعنى يحادد وقوله بسورة آل عمران"وله عذاب عظيم "فالمهين هو العظيم والمعنى ومن يخالف حكم الله ونبيه(ص)أى يعصى أحكامه يسكنه جحيما باقيا فيه أى له عقاب أليم ،يبين الله لنا أن من يعص أى يخالف حكم الله ورسوله(ص) وفسره بأنه يتعد حدوده أى يعصى أحكام الله يدخله نارا والمراد يسكنه جهنم خالدا فيها والمراد باقيا فيها لا يخرج منها ولا يموت بها وفسر دخوله النار بأن له عذاب مهين أى له عقاب كبير .
"واللاتى يأتين الفاحشة من نساءكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا"المعنى والنساء اللاتى يرتكبن الزنى من إناثكم فأعلموا بهن أربعة منكم فإن أقروا بزناهن فاحبسوهن فى المساكن حتى يهلكهن الهلاك أو يشرع الله لهن مخرجا،يبين الله لنا أن اللاتى يأتين الفاحشة والمراد أن الإناث اللاتى يرتكبن الزنى مع بعضهن وهو ما يسمى السحاق يجب علينا أن نستشهد عليهن والمراد أن نحضر فى مكان زناهن أربعة من الرجال ليروا الزنى فإن شهدوا والمراد فإن حضروا فأقروا عند القاضى بزنى النساء فالواجب هو إمساكهن فى البيوت أى حبسهن فى المساكن حتى يتوفاهن الموت والمراد حتى تأتى لهن الوفاة فيخرجن للمقابر أو يجعل الله لهن سبيلا والمراد أو يشرع الله لهن حكما أخر يخرجهن من حبس البيوت وقد شرع الله هذا الحكم فى سورة النور وهو جلد الزناة مائة جلدة فقال "الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة"والخطاب وما بعده للمؤمنين.
"واللذان يأتيانها منكم فأذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما"يفسر الآية قوله تعالى بسورة النور "الزانية والزانى فاجلدوهما"فأذوهما تعنى فاجلدوهما وقوله بسورة طه"وإنى لغفار لمن تاب وأمن وعمل صالحا"فأصلحا تعنى عملا صالحا والمعنى والرجلان يرتكبان الزنى مع بعضهما فاجلدوهما فإن استغفرا وأحسنا فتولوا عنهما إن الله كان عفوا نافعا ،يطلب الله منا أن نؤذى أى نجلد اللذان يأتيان الفاحشة من الرجال والمراد اللذان يرتكبان الزنى الذى يسميه الناس اللواط خطأ فإن تابا أى استغفروا الله لذنبهم وأصلحا أى عملوا الحسنات وهى طاعة أحكام الله فيجب علينا أن نعرض عنهما والمراد أن نتركهما دون إيذاء ويبين الله لنا أنه تواب والمراد قابل لاستغفار المذنب رحيم أى نافع له برحمته .
"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما"يفسر الآية قوله بنفس السورة"ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما"فعمل السوء هو ظلم النفس ويتوبون تعنى يستغفرون ويتوب الله عليه تعنى يجد الله غفورا والمعنى إنما الغفران عند الله للذين يفعلون الذنب بتعمد ثم يستغفرون من بعد فأولئك يغفر الله لهم وكان الله خبيرا قاضيا،يبين الله لنا أن التوبة وهى قبول الاستغفار أى العفو عن المذنب هى للذين يعملون السوء بجهالة والمراد الذين يرتكبون الذنب بتعمد أى الذين يفعلون الجرم بقصد ثم يتوبون من قريب والمراد ثم يستغفرون الله من بعد ارتكابهم للذنب وكلمة قريب تعنى أى وقت عدا وقت الموت وأولئك يتوب الله عليهم أى يغفر لهم ذنبهم أى يترك عقابهم على جريمتهم وهو العليم أى الخبير بكل شىء الحكيم أى القاضى بالحق والخطاب وما بعده للمؤمنين .
"وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما "يفسر الآية قوله تعالى بسورة محمد"إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم "فليست التوبة للكفار تعنى أن الله لن يغفر لهم وقوله بسورة المجادلة"أعد الله لهم عذابا شديدا"فأليما تعنى شديدا والمعنى وليس الغفران للذين يفعلون الذنوب حتى إذا جاءت أحدهم الوفاة قال إنى أنبت الآن أى والذين يتوفون وهم مكذبون بحكم الله أولئك جهزنا لهم عقابا مهينا،يبين الله لنا أن التوبة وهى قبول الاستغفار ليس للتالين من الناس :الذين يعملون السيئات وهم الكفار الذين يرتكبون الذنوب حتى إذا حضر أحدهم الموت أى حتى إذا بلغت أحدهم الوفاة قال :إنى تبت الآن والمراد إنى رجعت لدين الله فى هذا الوقت ،وفسرهم بأنهم الذين يموتون وهم كفار والمراد الذين يتوفون وهم مصرون على تكذيب حكم الله ويبين الله لنا أنه أعتد للكفار عذابا أليما والمراد جهز لهم عقابا شديدا هو النار.
"يا أيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا "يفسر الآية قوله تعالى بسورة البقرة"ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا" فترثوا تعنى تأخذوا وقوله بسورة الطلاق "ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين فاحشة مبينة"فتعضلوهن تعنى تخرجوهن وقوله بسورة البقرة "فأمسكوهن بمعروف"فعاشروهن تعنى فأمسكوهن والمعنى يا أيها الذين صدقوا بحكم الله لا يباح لكم أن تملكوا مهر الزوجات جبرا أى لا تخرجوهن لتأخذوا بعض الذى أعطيتموهن إلا أن يرتكبن زنى واضح وعاملوهن بالعدل فإن بغضتموهن فعسى أن تبغضوا مخلوقا ويخلق الله منه لكم نفعا عظيما،ينهى الله الذين أمنوا وهم الذين صدقوا وحى الله فيقول:لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها والمراد لا يباح لكم أى يحرم عليكم أن تأخذوا مال الزوجات جبرا دون رضاهن وفسر هذا بأن لا يعضلوهن أى لا يخرجوهن من بيوتهن من أجل أن يذهبوا أى يأخذوا بعض الذى أتوهن أى الذى أعطوهن وهو المهر ويبين لهم أنه يباح لهم استرداد المهر فى حالة أن يأتين فاحشة مبينة والمراد أن ترتكب الزوجات زنى واضح عليه أربعة شهود ويطلب منهم أن يعاشروا الزوجات بالمعروف والمراد أن يعاملوهن معاملة عادلة لا ظلم فيها ويبين لهم أنهم إن كرهوا أى بغضوا الزوجات فليست الكراهية مبررا للطلاق لأن عسى أن نكره شيئا ويجعل الله منه خيرا كثيرا والمراد لأن عسى أن نبغض أمرا ويعطينا الله من خلفه نفع كبير والمراد هنا الأولادوالخطاب وما بعده للمؤمنين وما بعده .
"وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا" يفسر الجزء الأخير قوله بنفس السورة"إثما عظيما"فمبينا تعنى عظيما والمعنى وإن أحببتم تغيير امرأة مكان امرأة وأعطيتم إحداهن صداقا فلا تأكلوا منه بعضا أتأكلونه ظلما أى جورا كبيرا،يبين الله للمؤمنين أن من أراد أى قرر منهم استبدال زوج مكان زوج والمراد تغيير امرأة مكان امرأة أى من قرر منهم طلاق زوجته وتزوج امرأة أخرى وأتى إحداهن قنطارا والمراد وأعطى إحداهن مهرا ومهر الحرة قدره قنطار من الذهب لا يزيد ولا ينقص فعليه ألا يأخذ من مهر المرأة شيئا والمراد فمحرم عليه أن يضم لماله بعض من مال المطلقة أو من التى تزوجها بعضا ويبين الله لهم أن أخذ مال المهر هو بهتان أى إثم مبين والمراد جرم كبير أى ظلم عظيم.
"وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا"المعنى وكيف تضمون لمالكم المهر وقد أمتع بعضكم بعضا وعهدن منكم عهدا عظيما ؟يسأل الله الرجال :كيف تأكلون بعض الصداق وقد سكن بعضكم إلى بعض وفرضن لكم عقدا عظيما ؟والغرض من السؤال هو إخبارهم أن أخذ الصداق محرم للأسباب التالية:
-إفضاء الرجال إلى النساء أى سكن الرجال إلى زوجاتهم والمراد أنه مقابل الجماع.
-أخذ الميثاق الغليظ منهم وهو فرض العهد الكبير على الرجال.
"ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا"يفسر الآية قوله تعالى بنفس السورة"حرمت عليكم أمهاتكم"فما نكح الأباء هو الأمهات لأن كل زوجات الأباء أمهات وإن كن لم يلدن والمعنى ولا تتزوجوا الذى تزوج آباؤكم من الإناث إلا ما قد مضى إنه كان زنى أى مكروها أى قبح حكما ،ينهى الله المؤمنين عن نكاح ما نكح الأباء من النساء والمراد عن زواج اللاتى تزوجهن الأباء من الأمهات من الزوجات إلا ما قد مضى من تزوجهم زوجات الأباء قبل الإسلام وهذا يعنى أن تزوج الإنسان لزوجة الأب سواء مطلقة أو أرملة محرم وكلمة الأب تطلق على الأب والجد والعم والخال ومن يساويهم كأخو الجد وعمه وخاله ويبين الله لهم أنه قد غفر لهم ما قد سلف أى ما قد تزوجوا منهن فى الماضى ويبين لهم أن نكاح تلك النساء فاحشة أى زنى أى مقت أى محرم أى مكروه أى ساء سبيلا أى قبح فعلا يؤدى للنار.
"حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نساءكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما "المعنى منع عليكم زواج والداتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ووالداتكم اللاتى أسقينكم لبنهن وأخواتكم من السقاية ووالدات زوجاتكم وبنات تربيتكم اللاتى فى بيوتكم من زوجاتكم اللاتى جامعتموهن فإن لم تكونوا جامعتموهن فلا ذنب عليكم وزوجات أولادكم الذين من منيكم وأن تتزوجوا الأختين معا إلا ما قد مضى إن الله كان عفوا نافعا،يبين الله للمؤمنين أنه حرم أى منع زواجهم من النساء التاليات :
-الأمهات وهن الوالدات اللاتى أنجبوهن والجدات وأخوات الجدات وعماتهن وخالاتهن....
-البنات وهن الإناث اللاتى أنجبهن الرجل .
-الأخوات وهن الإناث اللاتى أنجبهن أبيه أو أمه أو كن أخوات لإخوته من أب أو أم أو إخوة لإخوتهم من أب أو أم أخرين .
-العمات وهن الإناث أخوات أبيه من جده أو أم أبيه أو كن أخوات لإخوته من جده أو أم أبيه.
-الخالات وهن الإناث أخوات أمه من أبيها أو أمها أو كن أخوات لإخوتها من أبيها أو أمها.
-بنات الأخ وهن الإناث اللاتى أنجبهن اخوته الذكور من أبيه أو أمه أو كن اخوة لاخوته من أبيه أو أمه .
-بنات الأخت وهن الإناث اللاتى أنجبتهن أخواته الإناث من أبيه أو أمه أو كن أخوات لاخوته من أبيه أو أمه.
-الأمهات اللاتى أرضعنهم وهن النساء اللاتى قمن بسقايتهم اللبن من الأثداء .
-الأخوات من الرضاعة وهن الإناث اللاتى شربن لبن الأمهات المرضعات سواء كان فى وقت رضاعته أو قبله بكثير أو بعده بكثير والرضاعة المحرمة هى أى عدد من الرضعات حتى ولو كان مصة واحدة .
-أمهات النساء وهن والدات الزوجات وأخواتها وجداتها وخالاتها وعماتها .
-الربائب وهن الإناث التى يربيهم أى يعلمهم وينميهم فى حجوره أى فى بيوته من نسائه أى من زوجاته -والمراد بنات الزوجات من رجال آخرين -اللاتى دخلوا بهن أى جامعوهن وأما إذا لم يكونوا دخلوا بهن أى لم يكونوا جامعوهن فلا جناح أى فلا عقاب على الرجال إذا تزوجوا البنات الربائب .
-حلائل الأبناء من الأصلاب والمراد زوجات البنين من منى الأب سواء كان البنين أولاد من زواج أو من زنى .
-الجمع بين الأختين والمراد زواج الأختين فى وقت واحد معا.
ويبين الله لنا أنه قد غفر ما قد سلف والمراد عفا عن ذنب تزوج الرجل لامرأة من المحرمات المذكورات هنا قبل نزول حكم الله هنا ،ويبين لنا أنه غفور أى عفو عن من يستغفره وهو رحيم أى نافع للمستغفر دنيا وآخرة والخطاب وما بعده للمؤمنين.
"والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما "يفسر قوله"فأتوهن أجورهن " قوله تعالى بسورة النساء"وأتوا النساء صدقاتهن نحلة"فأجورهن هى صدقاتهن والمعنى وحرمت عليكم المتزوجات من الإناث إلا الذى تصرفت فيهن أنفسكم حكم الله عليكم وأباح لكم ما غير ذلك من الإناث أن تطلبوا بأموالكم عفيفين غير زانين فما تلذذتم به منهن فأعطوهن مهورهن إلزاما ولا عقاب عليكم فيما اتفقتم عليه من بعد الإلزام إن الله كان خبيرا قاضيا،يبين الله للمؤمنين أنه حرم عليهم المحصنات من النساء والمراد منع عليهم الزواج من الإناث المتزوجات سواء المدخول بهن أو غير المدخول بهن واستثنى الله من النساء المتزوجات ما ملكت أيمانهم أى ما تصرفت فيهن أنفس الرجال وهن زوجاتهم وليس ملك اليمين لأن لو كان المراد ملك اليمين وهن الإماء لكان جنونا لأن بعضهن متزوجات ولا يبيح الله زواجهن أبدا للمالك وهن متزوجات من غيره ويبين الله لهم أنه أحل لهم ما وراء ذلك والمراد أباح لهم زواج أى امرأة من غير المحرمات بشرط أن يبتغوا بأموالهم محصنين غير مسافحين والمراد بشرط أن يطلبوا زواج النساء بأموالهم كى يكونوا عفيفين غير زانين ويبين لهم أن ما استمتعوا به من النساء والمراد أن ما تلذذوا به من الزوجات لابد أن يكونوا قبله قد أتوهن أجورهن والمراد قد أعطوهن مهورهن قبل التلذذ بهن وهو فريضة أى حكم ملزم يجب عمله ويبين لهم أن لا جناح أى لا عقاب عليهم في ما تراضوا به من بعد الفريضة والمراد فى الذى اتفقوا عليه من بعد دفع المهر وهو تنازل المرأة عن بعض المهر الذى مقداره قنطار ويبين لهم أنه عليم أى خبير بكل شىء وحكيم أى قاضى يحكم بالعدل.
"ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وأتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذى أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم"المعنى ومن لم يكن قادرا منكم أن يتزوج الحرات المسلمات فتزوجوا من اللاتى ترغب فيهن أنفسكم من إمائكم المسلمات والله أعرف بتصديقكم بعضكم أنصار بعض فتزوجوهن بأمر أسرهن وأعطوهن مهورهن بالعدل عفيفات غير زانيات ولا متخذى عشاق فإذا تزوجن فإن ارتكبن زنى فعليهن نصف الذى على الحرات من العقاب ذلك لمن خاف الوقوع فى الزنى وأن تطيعوا أفضل لكم والله عفو نافع،يبين الله لنا أن من لم يستطع منا طولا أن ينكح الحرات والمراد أن من لم يكن قادرا على دفع مهر الحرات المسلمات للزواج منهن عليه أن يتزوج من ما ملكت أيمان المسلمين والمراد أن ينكح من الذى تصرفت فيهن أنفس المسلمين من الفتيات المؤمنات وهن الإماء المسلمات لأن مهرهن نصف مهر الحرات وهو نصف قنطار ذهب ومن هنا نعلم أن الزواج يكون من المؤمنات فقط سواء كن حرات أو عبدات،ويبين الله لنا أنه أعلم بإيماننا والمراد أنه أعرف بتصديقنا لحكمه وبعضنا من بعض والمراد أن المسلمين أنصار المسلمات ويطلب الله منا أن ننكحهن بإذن أهلهن والمراد أن نتزوجهن بأمر أسرهن والمراد بالأهل هنا ولى الأمر سواء الأب وأقاربه أو المالك إن لم يكن للأمة ولى أمر معروف ويطلب منا أن نؤتيهن أجورهن بالمعروف والمراد أن ندفع لهم مهورهن بالعدل ومهر الأمة نصف مهر الحرة أى نصف قنطار ذهب ويبين الله لنا أن الإماء يجب أن يكن محصنات أى عفيفات ممتنعات عن الزنى وفسر ذلك بأنهم غير مسافحات أى غير زانيات وفسر هذا بأنهن ليس لهن أخدان أى عشاق يزنون معهن ،ويبين الله لنا أن الإماء إن أحصن أى تزوجن ثم أتين بفاحشة أى ارتكبن جريمة الزنى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب والمراد فعليهن نصف المائة جلدة التى على الحرات من العقاب وهن خمسين جلدة والسبب هو أن مهر الأمة هو نصف مهر الحرة ،ويبين الله لنا أن زواج الإماء هو لمن خشى العنت منا والمراد لمن خاف الوقوع فى الزنى بسبب عدم صبره على الجماع ،ويبين لنا أننا إن نصبر أى نطيع حكم الله يكون خير أى أفضل لنا فى الأجر ،ويبين لنا أنه غفور أى عفو عن المستغفر لذنبه رحيم أى نافع للمستغفر دنيا وآخرة والخطاب للمؤمنين وما بعده

الأربعاء، 20 فبراير 2019

تابع تفسير سورة المائدة2

"ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون"المعنى ما على المبعوث إلى توصيل الوحى للناس والله يعرف الذى تعلنون والذى تسرون،يبين الله لنا أن الرسول(ص)وهو المبعوث واجبه البلاغ أى توصيل الوحى للناس ،ويبين أنه يعلم ما تبدون وما تكتمون أى "يعلم ما يسرون وما يعلنون"كما قال بسورة البقرة فتبدون تعنى يعلنون وتكتمون تعنى يسرون،وهذا معناه معرفته بكل شىء عن الناس ومن ثم سيجازيهم عليه والخطاب للمؤمنين.
"قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولى الألباب لعلكم تفلحون"المعنى قل يا محمد(ص)لا يتشابه الكافر والمسلم فى الجزاء ولو استحسنت كثرة الكفار فأطيعوا حكم الله يا أهل العقول لعلكم ترحمون ،يطلب الله من نبيه(ص)أن يقول للناس لا يستوى الخبيث والطيب أى كما قال بسورة الحشر"لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة"فالخبيث وهو الكافر أى صاحب النار لا يتشابه فى الأجر مع الطيب وهو المسلم صاحب الجنة ،ويبين له أنهم لا يتساوون حتى لو أعجبته أى استحسنت نفسه كثرة الخبيث والمراد كثرة عدد الكفار لأن العدد لا يدل على الفريق الفائز ويقول"فاتقوا الله يا أولى الألباب لعلكم تفلحون"أى كما قال بسورة آل عمران "وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون"فاتقوا تعنى أطيعوا حكم الله وتفلحون تعنى ترحمون والمراد فاتبعوا حكم الله يا أصحاب العقول لعلكم ترحمون والخطاب للنبى (ص).
"يا أيها الذين أمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور رحيم"المعنى يا أيها الذين صدقوا حكم الله لا تستفهموا عن أمور إن تظهر لكم تغمكم وإن تستفهموا عنها حين يلقى الوحى تظهر لكم صفح الله عنها والله عفو نافع،يخاطب الله الذين أمنوا أى صدقوا وحى الله ناهيا إياهم عن السؤال عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم والمراد ينهاهم عن الإستفهام عن أمور إن تحدث لهم تغمهم وهى الآيات المعجزات التى كفرت بها الأقوام السابقة وفى هذا قال بسورة الإسراء"وما منعنا أن نرسل بالأيات إلا أن كذب بها الأولون" ويبين لهم أنهم إن يسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لهم والمراد أنهم إن يستفهموا عنها وقت يوحى الوحى بها يتضح حكمها لهم ،ويبين لهم أنه عفا عن ذنوبهم أى غفر لهم سيئاتهم الممثلة فى أسئلتهم المسيئة ويبين لهم أنه غفور رحيم أى عفو عن المسيىء إذا تاب نافع له برحمته والخطاب وما بعده وما بعده للمؤمنين.
"قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين"المعنى قد استفهم عنها ناس ممن سبقكم ثم أصبحوا بها مكذبين،يبين الله للمؤمنين أن الأسئلة التى سألوها وهى طلب المعجزات قد سألها قوم من قبلهم والمراد قد طلبها ناس ممن سبقهم فلما أعطاهم الله إياها أصبحوا بها كافرين أى مكذبين مصداق لقوله بسورة الإسراء"وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون".
"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون"المعنى ما فرض الله لكم مشقوقة أذن ولا متروكة دون عمل ولا واصلة ولادة إناث ولا متروك دون عمل ولكن الذين كذبوا بحكم الله ينسبون إلى الله الباطل وأغلبهم لا يفهمون،يبين الله للمؤمنين أنه لم يجعل أى لم يفرض الأحكام التالية:
البحيرة وهى البهيمة المشقوقة الأذن ،السائبة وهى البهيمة التى تترك دون عمل أو انتفاع بها ،والوصيلة وهى البهيمة التى تصل بين ولادتها للإناث بعدد معين وولادتها لذكر وتترك دون انتفاع بها،والحام وهو ذكر البهيمة الذى ينجب قدر محدد فيترك دون انتفاع به والمراد بكلمة البهيمة هنا هو ذكر أو أنثى الأنعام وهذه التعريفات حسبما وصلنا من كتب التاريخ والحديث التى معظمها كذب ويبين الله لنا أن الذين كفروا أى كذبوا حكم الله يفترون على الله الكذب أى كما قال بسورة آل عمران"ويقولون على الله الكذب"والمراد أنهم ينسبون إلى حكم الله التشريعات الباطلة التى شرعوها من عند أنفسهم وأكثرهم لا يعقلون أى كما قال بسورة الأنبياء"بل أكثرهم لا يعلمون الحق"ويعقلون تعنى يعلمون الحق والمراد أن أغلب الكفار لا يؤمنون بحكم الله.
"وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه أباءنا أو لو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون"المعنى وإذا قيل لهم هلموا لطاعة الذى أوحى الله أى إلى طاعة النبى(ص)قالوا كافينا الذى لقينا عليه أباءنا أو لو كان أباؤهم لا يعقلون وحيا أى لا يعلمون ،يبين الله للمؤمنين أنهم إذا قالوا للكفار :تعالوا إلى ما أنزل الله أى اتبعوا الذى أنزل الله كما قال بسورة لقمان"وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله"والمراد أطيعوا الذى أوحى الله وفسره بأنهم يأتون للرسول أى إلى طاعة الوحى المنزل على النبى(ص)قالوا حسبنا ما وجدنا عليه أباءنا أى "بل نتبع ما وجدنا عليه أباءنا"والمراد كافينا الذى لقينا عليه أباءنا من الدين ويسأل الله أو لو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون أى كما قال بسورة البقرة"ولو كان أباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون"فيعلمون تعنى يعقلون والمراد هل يتبعون دين الأباء حتى ولو كانوا لا يفهمون حكم الله أى لا يطيعونه ؟والغرض من السؤال إخبار القوم أن أبائهم كانوا مجانين بإرادتهم حيث تركوا اتباع دين الله والخطاب للنبى(ص).
"يا أيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون"المعنى يا أيها الذين صدقوا حكم الله عليكم إنقاذ أنفسكم لا يؤذيكم من كفر إذا أسلمتم إلى جزاء الله عودتكم فيخبركم بالذى كنتم تفعلون،يخاطب الله الذين أمنوا أى صدقوا وحى الله مبينا لهم أن عليهم أنفسهم والمراد عليهم إنقاذ ذواتهم من النار بطاعة حكم الله ويبين لهم أن من ضل لا يضرهم إذا اهتدوا والمراد أن من كفر بحكم الله لا يؤذيهم عند الحساب بشىء إذا أسلموا أى ليس على المتقين شىء من حسابهم مصداق لقوله تعالى بسورة الأنعام"وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء "،ويبين لهم أن مرجعهم إلى الله والمراد أن عودتهم إلى جزاء الله فينبئهم بما كانوا يعملون والمراد فيخبرهم بالذى كانوا يفعلون عن طريق تسليمهم الكتب المنشرة والخطاب للمؤمنين.
"يا أيها الذين أمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو أخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الأثمين"يا أيها الذين صدقوا حكم الله حكم عليكم إذا جاءت أحدكم الوفاة وقت الهبة الوفاة اثنان صاحبا قسط منكم أو أخران من سواكم إن أنتم سعيتم فى البلاد فمستكم مسة الوفاة تمسكونهما من بعد الصلاة فيحلفان بالله إن شككتم لا نأخذ به متاعا ولو كان صاحب قرابة ولا نخفى حكم الله إنا إذا لمن الكافرين ،يخاطب الله الذين أمنوا أى صدقوا حكم الله طالبا منهم شهادة بينهم أى تنفيذ حكم الله عليهم إذا حضر أحدهم الموت والمراد إذا جاءت أحدهم الوفاة حين الوصية والمراد وقت الوصية وهى فرض مال لبعض الناس بعد الوفاة حضور اثنان ذوا عدل والمراد رجلان صاحبا قسط أى إسلام أى من المسلمين أو أخران من غيرهم والمراد رجلان من غير المسلمين وهذا فى حالة ضربهم فى الأرض أى سفرهم فى البلاد فإذا أصابتهم مصيبة الموت والمراد فإذا حدثت للموصى الوفاة فالواجب هو حبس الشهود بعد الصلاة والمراد استبقاء الشهود بعد صلاتهم إحدى الصلوات وبعد هذا يقسمان بالله والمراد يحلفان بالله فيقولان والله إن إرتبتم أى إن شككتم فى قولنا لا نشترى به ثمنا والمراد لا نأخذ بقولنا متاعا فانيا ولو كان ذا قربى أى صاحب قرابة لنا ولا نكتم شهادة الله والمراد ولا نخفى حكم الله الذى قاله الموصى إنا إذا من المجرمين،والمفهوم من هذا هو أن الشهادة لابد فيها من الطهارة والصلاة حتى يتذكر الشاهد عقاب الله فيقول الحق والخطاب وما بعده للمؤمنين.
"فإن عثر على أنهما استحقا إثما فأخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأولان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين"المعنى فإن استدل على أنهما ارتكبا جرما فأخران يشهدان مكانهما من الذين شهد عليهم الأولان فيحلفان بالله لقولنا أصدق من قولهما وما كذبنا إنا إذا لمن الكافرين ذلك أفضل أن يجيئوا بالقول على أصله أو يخشوا أن تأتى أقسام بعد أقسامهم وأطيعوا حكم الله أى اتبعوا والله لا يرحم الناس الكافرين ،يبين الله للمؤمنين أن إذا عثر أى لقى البعض براهين والمراد شهود أخرين يشهدون على أن الشاهدين استحقا إثما أى ارتكبا جريمة الشهادة الزور فالواجب هو أخران مقامهما أى شاهدان مكان المزورين ويشترط فى الشاهدان كونهما من الذين استحق عليهم الأولان والمراد من الذين كذب عليهما الشاهدان السابقان أى أثبتا تزوير الشاهدين الأولين وهم يقسمان أى يحلفان بالله فيقولان :والله لشهادتنا أحق من شهادتهما والمراد لقولنا أعدل من قولهما وما اعتدينا أى وما زورنا إنا إذا لمن الظالمين أى الكافرين أى الأثمين مصداق لقوله بنفس السورة "إنا إذا لمن الأثمين"وهذا يعنى أن شهادة الزور كفر،ويبين الله لنا أن ذلك وهو مجىء شهود بعد الشهود فى حالة العثور على أدلة تثبت كذب الأوائل منهم أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها والمراد سبب فى أن يجيئوا بالوصية على حقيقتها أى أحسن أن يقولوا القول على أصله ويخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم والمراد ويخشوا أن تجىء حلفانات بعد حلفاناتهم تكذب شهادتهم ،ويطلب الله منهم أن يتقوا الله وفسره بأن يسمعوا والمراد أن يطيعوا حكم الله مصداق لقوله بسورة التغابن"وأطيعوا الله"ويبين لهم أنه لا يهدى القوم الفاسقين أى لا يحب الناس الكافرين مصداق لقوله بسورة آل عمران"والله لا يحب الكافرين "والمراد أن الله لا يرحم الناس المكذبين بدينه.
"يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك علام الغيوب"المعنى يوم يبعث الله المبعوثين فيقول بماذا رد عليكم قالوا لا معرفة لنا إلا ما عرفتنا به إنك أنت عارف المجهولات ،يبين الله لنا أن يوم القيامة يجمع الله الرسل والمراد يبعث الله الأنبياء(ص)فيقول لهم أى يسألهم :ماذا أجبتم ؟والمراد بماذا رد الناس على دعوتكم؟فيردون :لا علم لنا أى لا معرفة لنا إلا ما كنا شهداء عليهم فيه مصداق لقوله بنفس السورة"وكنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم"إنك أنت علام الغيوب والمراد إنك أنت عارف المجهولات وهذا يعنى أنهم ينفون علمهم بما حدث بعدهم والخطاب وما بعده للمؤمنين حتى نهاية قصة عيسى(ص) .
"إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى وإذ كففت بنى إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين"المعنى وقد قال الله يا عيسى ولد مريم(ص)اعلم رحمتى بك وبأمك حين نصرتك بالروح الأمين تحدث الخلق فى الرضاع وكبيرا وحين عرفتك الوحى أى الحكم أى التوراة والإنجيل وحين تصنع من المعجون الترابى كشكل الطيور فتنفث فيه فيصبح طيورا بأمرى وحين تحيى الهالكين بأمرى وحين منعت أولاد يعقوب من ضرك حين أتيتهم بالأيات فقال الذين كذبوا منهم إن هذا إلا خداع عظيم ،يبين الله لنا أن الله قال لعيسى:يا عيسى ابن أى ولد مريم(ص)اذكر نعمتى عليك والمراد اعرف رحمتى بك وعلى والدتك أى ورحمتى لأمك إذ أيدتك بروح القدس والمراد حين نصرتك بجبريل(ص) فأقدرك على أن تكلم الناس فى المهد وكهلا والمراد أن تتحدث مع الخلق فى الرضاع وكبيرا وإذ علمتك الكتاب أى الحكمة والمراد الوحى وهو حكم الله المنزل فى التوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير والمراد وحين تصنع من مزج التراب بالماء كشكل الطيور فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذنى أى فتنفث فيه بريح فمك فيصبح طيورا بأمر الله وإذ تخرج الموتى بإذنى والمراد وحين تحيى الهالكين بأمرى وإذ كففت عنك بنى إسرائيل إذ جئتهم بالبينات والمراد وحين منعت عنك أذى أولاد يعقوب لما أتيتهم بالأيات وهى الوحى والمعجزات فقال الذين كفروا أى كذبوا منهم :إن هذا إلا سحر مبين أى خداع كبير.
"وإذ أوحيت إلى الحواريين أن أمنوا بى وبرسولى قالوا أمنا واشهد بأنا مسلمون "المعنى وحين ألقيت إلى الأنصار أن صدقوا بحكمى أى حكم مبعوثى قالوا صدقنا واعترف بأنا مطيعون،يبين الله لنا أن من رحمته بعيسى(ص)أنه أوحى إلى الحواريين والمراد أنه ألقى فى نفوس أنصار عيسى(ص):أن أمنوا بى والمراد أن صدقوا بحكمى أى برسولى أى بحكم مبعوثى فكان ردهم:أمنا أى صدقنا واشهد بأنا مسلمون والمراد وأقر بأنا مطيعون لحكم الله.
"إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين"المعنى حين قال الأنصار يا عيسى ابن مريم(ص) هل يقدر إلهك أن يأتى لنا بمائدة من السحاب قال خافوا عذاب الله إن كنتم صادقين ،يبين الله لنا أن من رحمته بعيسى(ص)أن الحواريين وهم أنصار الله قالوا له:يا عيسى ابن أى ولد مريم(ص)هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء والمراد هل يقدر إلهك أن يعطينا خوان عليه طعام من السحاب ؟فرد عليهم قائلا :اتقوا الله أى خافوا عذاب الله إن كنتم مؤمنين أى مصدقين لحكمه،وهذا يعنى أنه يقول لهم أن الإيمان بحكم الله لا يحتاج لمعجزات.
"قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين "المعنى قالوا نحب أن نطعم منها وتسكن نفوسنا أى نعرف أن قد قلت لنا الحق ونصبح عليها من المقرين،يبين الله لنا أن الحواريين قالوا للمسيح(ص)نريد أن نأكل منها والمراد نحب أن نتناول منها الطعام وتطمئن قلوبنا والمراد وتمنع نفوسنا الشك فى رسالتك أى نعلم أن قد صدقتنا أى نعرف أن قد قلت لنا الصدق ونكون عليها من الشاهدين والمراد ونصبح لها من المقرين بها أى المعترفين بوجودها أى المؤمنين بها مصداق لقوله بسورة القصص"ونكون من المؤمنين".
"قال عيسى ابن مريم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وأخرنا وأية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين "المعنى قال عيسى ولد مريم(ص)إلهنا أعطنا خوان عليه طعام من السحاب يصبح لنا فرحا لسابقنا ومتأخرنا ومعجزة منك وارحمنا وأنت أحسن الواهبين،يبين الله لنا أن عيسى ابن أى ولد مريم(ص)قال أى دعا الله :ربنا أى إلهنا أنزل علينا مائدة من السماء والمراد أعطنا منضدة عليها طعام تحضر من السحاب تكون لنا عيدا والمراد تصبح لنا يوم فرح متكرر لأولنا وأخرنا والمراد لسابقنا وهو المسيح (ص)وأتباعه وأخرنا وهم المسلمون بعده وهو عيد الفطر وآية أى رحمة أى معجزة منك تدل على قدرتك وارزقنا وأنت خير الرازقين أى كما قال بسورة آل عمران"وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب "فارزقنا تعنى هب لنا أى أعطنا الرحمة وخير الرازقين هو الوهاب أى أحسن من يعطى الرحمة.
"قال الله إنى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين"المعنى قال الله إنى معطيها لكم فمن يعتدى بعد نزولها منكم فإنى أعاقبه عقابا لا أعاقبه أحدا من الناس،يبين الله لنا أنه أوحى لعيسى(ص)وحيا قال فيه:إنى منزلها عليكم والمراد إنى معطى المائدة لكم فمن يكفر بعد منكم أى "يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته"فيكفر تعنى يبدل إيمانه كفرا والمعنى فمن يكذب دين الله بعد نزول المائدة منكم فإنى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين والمراد أعاقبه عقابا لا أعقابه إنسانا من الناس وهذا يعنى أنهم سيكونون فى أسفل درجات النار.
"وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب"المعنى وقد أوحى الله لعيسى(ص):يا عيسى ابن أى ولد مريم(ص)هل أنت قلت للخلق :اعبدونى ووالدتى ربين من سوى الله قال طاعتك ما ينبغى لى أن أطلب الذى ليس لى بواجب إن كنت قلته فقد عرفته تعرف الذى فى قلبى ولا أعرف الذى فى ذاتك إنك أنت عارف المجهولات ،يبين الله لنا أنه قال أى سأل عيسى ابن مريم(ص):أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله والمراد هل أنت دعوت الخلق :اعبدونى ووالدتى ربين من غير الله ؟والغرض من السؤال هو أن يبين الله للنصارى أن المسيح(ص)لم يطالب الناس بعبادته هو وأمه أبدا فكانت الإجابة :سبحانك أى العبادة لك والمراد الطاعة لحكمك أنت وحدك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق والمراد لا ينبغى لى أن أطلب الذى ليس لى بعدل وهذا يعنى أنه ينفى أن الألوهية واجب على الخلق له وقال إن كنت قلته أى طالبت به الناس فقد علمته أى عرفته من قبل وهذا يعنى أنه لم يطلب هذا أبدا فى حياته وقال تعلم ما فى نفسى أى تعرف الذى فى قلبى وهذا يعنى أن الله يعرف نية القلوب مصداق لقوله بسورة ق"ونعلم ما توسوس به نفسه"ولا أعلم ما فى نفسك والمراد ولا أعرف الذى فى ذاتك وهذا يعنى أن لا أحد يعرف شىء عن ذات الله إنك أنت علام الغيوب أى إنك أنت عارف المجهولات وهذا يعنى أن الله يعرف الخفايا كلها.
"ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شىء شهيد"المعنى ما طالبتهم إلا بالذى أوحيت لى أن أطيعوا حكم الله وكنت شاهدا عليهم ما ظللت معهم فلما أمتنى كنت أنت الشهيد عليهم وأنت على كل أمر مطلع،يبين الله لنا أن عيسى (ص)قال له:ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به والمراد ما تحدثت معهم إلا طالبا الذى أوحيت لى به وهو أن اعبدوا الله ربى وربكم والمراد اتبعوا حكم الرب إلهى وإلهكم وكنت عليهم شهيدا أى وكنت بأعمالهم عارفا ما دمت فيهم أى الوقت الذى عشت معهم فلما توفيتنى أى أمتنى كنت أنت الشهيد أى العارف لأعمالهم من بعدى وأنت على كل شهيد والمراد وأنت بكل أمر عارف من قبلى ومن بعدى.
"إن تعذبهم فهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" المعنى إن تعاقبهم فهم عبيدك وإن ترحمهم فإنك أنت القوى القاضى ،يبين الله لنا أن عيسى(ص)قال لله:إن تعذبهم فهم عبادك والمراد إن تعاقبهم على الكفر فهم خلقك وإن تغفر لهم أى وإن ترحم المؤمنين فإنك أنت القوى القاضى،وهذا يعنى إقراره أن الله يعاقب الكفار ويرحم المؤمنين لكونه عزيزا حكيما أى قاضيا يقضى بالحق،وهذا الحوار حدث بعد وفاة عيسى(ص).
"قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم"المعنى أوحى الله هذا يوم يفيد المؤمنين عملهم لهم حدائق تسير فى أرضها العيون مقيمين فيها دوما قبل الله عملهم وقبلوا رحمته ذلك النصر الكبير،يبين الله لنا أن الله قال لعيسى(ص)فى يوم القيامة:هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم والمراد هذا يوم يرحم المؤمنين عملهم الصالح فى الدنيا ،لهم أى ثوابهم جنات تجرى من تحتها الأنهار والمراد حدائق تسير فى أرضها العيون ذات الأشربة اللذيذة خالدين فيها أبدا أى "ماكثين فيها أبدا"كما بسورة الكهف والمراد أنهم مقيمين فى الجنة دائما حيث لا إخراج منها وقد رضا الله عنهم والمراد وقد قبل الله منهم عملهم وهو دينهم أى إسلامهم مصداق لقوله بسورة آل عمران"ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه"وهم رضوا عنه أى وهم قبلوا رحمة الله وهى جنته وذلك هو الفوز العظيم أى النصر الكبير مصداق لقوله بسورة البروج"ذلك الفوز الكبير"والمراد الرحمة الكبرى.
"لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شىء قدير "المعنى له حكم الذى فى السموات والأرض والذى فيهن وهو لكل أمر يريده فاعل،يبين الله لنا أن له ملك أى ميراث أى حكم السموات والأرض وما فيهن والمراد والمخلوقات التى تعيش فيهن مصداق لقوله بسورة آل عمران "له ميراث السموات والأرض"وهو على كل شىء قدير والمراد وهو لكل أمر يريده فاعل مصداق لقوله بسورة البروج"فعال لما يريد"