السبت، 5 مارس 2022

قراءة فى كتاب أحكام هبة الأولاد

قراءة فى كتاب أحكام هبة الأولاد
المؤلف عبد المحسن بن محمد المنيف وقد استهل الكتاب بالحديث عن تعريف الهبة فقال :
"في التعريف بالهبة
المطلب الأول تعريف الهبة
الهبة في اللغة وهب له شيئا يهب وهبا ..والهبة العطية الخالية عن الأعواض والأغراض فإذا كثرت سمي صاحبها وهابا وهو من أبنية المبالغة...والهبة اصطلاحا اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفها وقد اقتصرت على تعريف واحد لكل مذهب من المذاهب الأربعة
1 - تعريف الحنفية تمليك العين مجانا أي بلا عوض
2 - تعريف المالكية تمليك ذي منفعة لوجه المعطي لغير عوض
وبيان محترزات التعريف على النحو التالي فأخرج بقوله ذي منفعة العارية ونحوها وقوله لوجه المعطي أخرج الصدقة؛ فإنها لوجه الله فقط وأخرج بقوله بغير عوض هبة الثواب
3 - تعريف الشافعية التمليك لعين بلا عوض في حال الحياة تطوعا
وبيان محترزات التعريف على النحو التالي فخرج بالتمليك العارية والضيافة والوقف وبالعين الدين والمنفعة وبنفي العوض ما فيه عوض كالبيع وبالحياة الوصية؛ لأن التمليك فيها إنما يتم بالقبول وهو بعد الموت وبالتطوع الواجب من زكاة وكفارة ونحوها
4 - تعريف الحنابلة التبرع من جائز التصرف بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره بما يعد هبة عرفا ...
وفي النظر في هذه التعاريف أجد ما يأتي
1 - أن تعريف الحنفية تعريف جامع لكنه غير مانع حيث يدخل فيه الوصية والصدقة
2 - أن تعريف المالكية تعريف جامع لكنه غير مانع حيث يدخل فيه ... الوصية
3 - أن تعريف الشافعية تعريف جامع لكنه غير مانع حيث يدخل فيه صدقة التطوع
4 - أن تعريف الحنابلة تعريف جامع ومانع لكن يرد عليه ذكر الهبة في التعريف وهذا دور ولعل الذي دعا الحنابلة إلى ذلك هو إخراج الصدقة ليصدق على التعريف بأنه مانع وبهذا ظهر لي أن تعريف الحنابلة هو التعريف المختار "
إذا اختار الرجل تعريف الحنابلة لكونه جامع مانع كما ظن وهو تعريف اصطلاحى وهو ما يخالف كون الهبة فى القرآن عطية من العاطى حسب ما أراد فى قضائه وهى لا تقتصر على المال فقد تكون أولادا كما قال " يهب لمن يشاء ذكورا" وقد تكون ملكا كما فى قوله" هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى"
وحدثنا عن الألفاظ التى تستخدم لبيان معنى الهبة والفروق بينها فقال:
المطلب الثاني الألفاظ المرادفة للهبة
وجملة ذلك أن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة واسم العطية شامل لجميعها
والفرق بين الهدية والصدقة أن من أعطى شيئا ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة وإن حملت إلى المهدى إليه إكراما وتوددا فهو هدية ويدل على هذا حديث أبي هريرة قال كان رسول الله (ص)إذا أتي بطعام سأل عنه أهدية أو صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه كلوا ولم يأكل وإن قيل هدية ضرب بيده فأكل معهم...ويطلق أيضا على العطية والهبة بأنها نحلة تقول نحلت أي أعطيت والنحلة العطية بغير عوض والنحل الشيء المنحول
وأما قوله تعالى"آتوا بنساء صدقاتهن نحلة "فقد اختلف المفسرون في معنى النحلة على أربعة أقوال وهذا ملخصها
القول الأول إن معناها الفريضة القول الثاني إن معناها الهبة والعطية
القول الثالث إن معناها العطية بطيب نفس القول الرابع إن معناها الديانة "
ثم تحدث عن حكم الهبة فقال :
"المطلب الثالث حكم الهبة
الهبة مندوب إليها ...وقد دل على مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع
أما الكتاب فقوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ...وأما السنة فكثيرة من ذلك حديث أبي هريرة عن النبي (ص)قال (يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن ... شاة)
وأما الإجماع فقد انعقد الإجماع على مشروعية الهبة وقد حكى الإجماع عدد من العلماء المطلب الرابع متى تلزم الهبة"
والهبة ليس حكمها مندوب إليه بل بعض منها واجب فرض تحت مسمى الوصية كهبة الأطفال الضعاف وهم الصغار مال زائد على ميراثهم لمساواتهم بإخوتهم الكبار الذين أنفق عليهم حتى كبروا وعملوا وفى هذا قال تعالى :
"وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا"
وحدثنا عن وقت لزوم الهبة فقال :
اختلف العلماء في متى تلزم الهبة على قولين
القول الأول تلزم بالقبض وهو مروي عن أبي بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عباس واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول عن عائشة زوج النبي (ص)أنها قالت إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاة قال (وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك وإنما هو اليوم مال وارث)
الدليل الثاني عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن عمر بن الخطاب قال (ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها..) •
الدليل الثالث عن معمر عن عثمان في رجل وهب لآخر هبة فقبضها ثم رجع فيها الواهب قال الموهوب له (هي للموهوب له حتى يقبضها كما قبضت منه)
وجه الاستدلال هذه الآثار الثلاثة عن الخلفاء الثلاثة تدل على أنهم يرون أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض
الدليل الرابع أن الهبة عقد تبرع فلو لزمت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم فتصير عقد ضمان وهذا تغيير المشروع
الدليل الخامس أنها هبة غير مقبوضة فلم تلزم كما لو مات قبل أن يقبض
القول الثاني أن الهبة تلزم بالعقد وهو مروي عن عبد الله بن مسعود .. واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول عن عبد الله بن عباس قال قال النبي (ص)(العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)
الدليل الثاني أنه إزالة ملك بغير عوض فلزم بمجرد العقد كالوقف والعتق
الدليل الثالث أن الهبة عقد لازم ينقل الملك فلم يقف لزومه على القبض كالبيع
المناقشة والترجيح بعد النظر في أدلة القولين أجد ما يأتي
أولا أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بالآثار المروية عن الخلفاء الراشدين..وهي صريحة بأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض
ثانيا أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن الهبة عقد تبرع وهذا تعليل وجيه
ثالثا أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن الموهوب له لو مات قبل أن يقبضها لا تكون داخلة في التركة فكذا إذا لم يمت وهذا تعليل وجيه
رابعا أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث ابن عباس لكن هذا الحديث محمول على الهبة المقبوضة •
خامسا أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بالقياس على الوقف والعتق بجامع إزالة الملك وهذا قياس مع الفارق..
سادسا أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بالقياس على البيع بجامع إزالة ملك وهذا قياس مع الفارق؛ لأن البيع من عقود المعاوضات والهبة من عقود التبرعات
وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض "
وكل هذا الكلام لا قيمة له مع وجود كتاب الله الذى أوجب أن تكون الهبة وهى الوصية وصية حق وليست ظلم فالمسألة ليست قبض أو عدم قبض وإنما المسألة حق أو باطل فإن كانت حقا فقد وجبت قبضت أو لم تقبض كما قال تعالى مانعا من الشهادة على الظلم فى الوصية :
"فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه "
وتحدث عن أركتان الهبة وشروطها فقال :
"المطلب الخامس أركان الهبة وشروطها
أركان الهبة أربعة عند الجمهور الواهب والموهوب له والموهوب والصيغة
وأما شروط الهبة فتتلخص في الآتي
الشرط الأول أن يكون الواهب جائز التصرف وهو الحر المكلف الرشيد
الشرط الثاني أن تكون الهبة مملوكة للواهب
الشرط الثالث أن يكون الواهب مختارا غير مكره
الشرط الرابع أن يكون الموهوب له أهلا للتمليك
الشرط الخامس أن تكون الهبة معلومة فلا يجوز هبة المجهول
الشرط السادس أن تكون الهبة مقدورة على تسليمها
الشرط السابع أن يكون الشيء الموهوب مما يجوز بيعه
الشرط الثامن أن لا يكون معلقا بماله خطر الوجود والعدم
الشرط التاسع أن يكون محوزا
الشرط العاشر يشترط للزوم الهبة القبض "
وهذه الشروط بعضها يخالف كتاب الله كقولهم أن يكون الموهوب له أهلا للتمليك فالوصية وهى هبة تكون للأطفال الصغار وهم ليسوا أهلا للتمليك حتى يرشدوا وكذلك قولهم يشترط للزوم الهبة القبض فالطفل الصغير لا يمكنه القبض وهو استلام ماله حتى يرشد
وحدثنا عن التسوية بين الأولاد فى الهبة فقال:
"الفصل الأول التسوية في هبة الأولاد
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول حكم التسوية في هبة الأولاد
اختلف العلماء في التسوية في هبة الأولاد على قولين
القول الأول أن التسوية واجبة فإن خص بعضهم بهبة أو فاضل بينهم فهو آثم وهو مروي عن عثمان بن عفان..واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول عن حصين بن عامر قال سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله (ص)فأتى رسول الله (ص)فقال إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله (ص)قال (أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟) قال لا قال (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) قال فرجع فرد عطيته وفي لفظ من طريق الشعبي عن النعمان بن بشير قال أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهبة من ماله لابنها فالتوى بها سنة ثم بدا له فقالت لا أرضى حتى تشهد النبي (ص)فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي (ص)فقال إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال (ألك ولد سواه؟) قال نعم قال فأراه قال (لا تشهدني على جور)
الدليل الثاني أن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم فمنع منه كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها
القول الثاني إن التسوية سنة فإن فضل بعضهم على بعض جاز مع الكراهة ..واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول حديث النعمان بن بشير المتقدم ضمن أدلة أصحاب
القول الأول ومن ألفاظه فقال رسول الله (ص)(فأرجعه) ومنها (فأشهد على هذا غيري) ثم قال (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟) قال بلى قال (فلا إذا) وفي لفظ (ألا سويت بينهم)
الدليل الثاني أثر عائشة أن أبا بكر نحلها جاد عشرين وسقا
الدليل الثالث أن عمر نحل ابنه عاصما دون سائر ولده
الدليل الرابع أن عبد الرحمن بن عوف فضل بني أم كلثوم بنحل قسمه بين ولده
الدليل الخامس أنها هبة تلزم بموت الأب فكانت جائزة كما لو سوى بينهم
الدليل السادس أن العلماء أجمعوا على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده فإذا جاز أن يخرج جميع ولده عن ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم
هذا
المناقشة والترجيح في النظر في أدلة كل قول وفيما أجاب به أصحاب القول الثاني عن حديث النعمان بن بشير أجد ما يأتي
أولا أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير وهو حديث صريح الدلالة على أن التسوية في هبة الأولاد واجبة وأن التفضيل بينهم في الهبة محرم
ثانيا أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بقياس التفضيل في الهبة بين الأولاد على حكم الجمع بين المرأة وعمتها بجامع أن كلا منهما يفضي إلى العداوة والبغضاء وهو قياس وجيه
ثالثا أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير من
رابعا أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بعمل الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر وبعمل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم وهذا استدلال ليس بوجيه وقد أجاب الموفق بن قدامة عن عمل أبي بكر بقوله وقول أبي بكر لا يعارض قول النبي (ص)ولا يحتج به معه ويحتمل أن أبا بكر خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه مع اختصاصها بفضلها وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله (ص)وغير ذلك من فضائلها ويحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه الموت قبل ذلك ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه؛ لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه وأقل أحواله الكراهة والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات •
خامسا أن أصحاب القول الثاني قد عللوا ذلك بلزومها بعد موت الأب وهذا تعليل مخالف للنص •
سادسا أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بالقياس على إخراج جميع ماله عن أولاده وقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني بقوله (ولا يخفى ضعفه؛ لأنه قياس مع وجود النص)
سابعا أن أصحاب القول الثاني قد أجابوا عن حديث النعمان بن بشير بأربعة أجوبة ...
ثامنا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بما نصه يجب على الوالد أن يسوي بين أولاده في العطية حسب الميراث الشرعي ولا يجوز له تخصيص بعضهم دون بعض لنهي النبي (ص)عن ذلك .."
الأحاديث اختلف أصحاب الأقوال فيها فبعضها يثبت التسوية وبعضها لا يثبت وكلها لا يصح لأن العدل وهو التسوية ليست التسوية فى المقادير عند الهبة فكما سبق القول فى آية الخوف على ضعاف الأولاد وهم الأطفال تختلف المقادير المعطاة فمثلا من تربى وتعلم حتى عمل ليس كمن هو فى التعليم ولم يعمل ومن لم يدخل سن التعلم ليسا كسابقيه فالواهب يحسب ما أنفقه على الكبير فى كل سنة ويقوم باعطاء الصغار حسب سنواتهم فمثلا إذا أنفق على السنة ألفين وهناك طفل فى الرابعة عشر وهناك طفل الخامسة يكون نصيب طفل الخامسة إذا كان الكبير بلغ العشرين 30 ألفا وطفل14 يكون نصيبه12 ألف فهذا من باب العدل وهو عدل يبدو بالمقادير عدلا تاما وهو المطلوب ولكن نتيجة اختلاف الأسعار فى كل عاك قد لا يكون كذلك فالمهم هو إرادة العدالة بغض النظر عن الظروف التى قد تنقص أو تزيد من النفقة
وتحدث عن كيفية التسوية في هبة الأولاد فقال :
"المبحث الثاني كيفية التسوية في هبة الأولاد
اختلف العلماء في كيفية التسوية في هبة الأولاد على قولين
القول الأول التسوية في هبة الأولاد تكون بالقسمة بينهم على حسب قسمة الله تعالى في الميراث؛ للذكر مثل حظ الأنثيين واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول أن الله تعالى قسم بينهم في الإرث فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين
الدليل الثاني أن العطية في الحياة أحد حالي العطية فيجعل للذكر منها مثل حظ الأنثيين
الدليل الثالث أن الذكر أحوج من الأنثى من قبل أنهما إذا تزوجا جميعا فالصداق والنفقة ونفقة الأولاد على الذكر والأنثى لها ذلك فكان أولى بالتفضيل لزيادة حاجته
القول الثاني التسوية في هبة الأولاد تكون بالقسمة بينهم للذكر مثل الأنثى ..واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول حديث النعمان بن بشير وفيه قال (سو بينهم)
الدليل الثاني عن عبد الله بن عباس قال قال رسول الله (ص)(سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مؤثرا لأحد لآثرت النساء على الرجال)
وجه الاستدلال أن الرسول (ص)أمر بالتسوية والتسوية تقتضي المساواة
الدليل الثالث أنها عطية في الحياة فاستوى فيها الذكر والأنثى كالنفقة والكسوة
المناقشة والترجيح في النظر فيما استدل به كل قول أجد ما يأتي
....وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول في أن التسوية في هبة الأولاد تكون بالقسمة بينهم على حسب قسمة الله تعالى في الميراث؛ للذكر مثل حظ الأنثيين "
وهذا الكلام وهو القسمة حسب الميراث لا دليل عليه وإنما اشترط الله فيها الضعف فقال "وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم"
فهى ليست مال ورث لأن الواهب حى ولأنها مقابل نفقة الأكل والشرب والكسوة والتعليم والعلاج وغيرهما من الضروريات فى تلك السنوات التى نالها الكبار ولم يصل لها الصغار وهم الضعاف
وإذا كان الأب قد زوج البعض بماله وجب أن يضع مال فى الهبة لبقية تزويج أولاده الأخرين
وتحدث عن حكم التفضيل في الهبة بين الأولاد لمعنى خاص فقال:
المبحث الثالث حكم التفضيل في الهبة بين الأولاد لمعنى خاص
سبق في المبحث الأول والثاني من هذا الفصل ذكر أقوال العلماء في حكم التسوية بين الأولاد في الهبة وتوصلت إلى أن الراجح هو القول بوجوب التسوية وتحريم التفضيل بينهم وأن الهبة تكون للذكر مثل حظ الأنثيين لكن على القول بالتحريم هل يجوز لمعنى يقتضي تخصيصه؟ مثل اختصاصه بحاجة أو مرض أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم أو صرف هبته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه فيها أو لا يجوز؟ وهل تزول الكراهة على القول الثاني أم لا؟ في المسألة خلاف بين العلماء فقد اختلفوا في ذلك على قولين
القول الأول أن ذلك لا يجوز
واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول حديث النعمان بن بشير وفيه (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)
الدليل الثاني أنهم سواء بالإرث فكذلك في هبته في حياته
القول الثاني أن ذلك يجوز ..واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول أثر عائشة أن أبا بكر نحلها جاد عشرين وسقا
الدليل الثاني أن بعضهم اختص بمعنى يقتضي الهبة فجاز أن يختص بها كما لو اختص بالقرابة "
وقد انتهى المنيف إلى حرمة التفضيل في الهبة بين الأولاد لمعنى يقتضي تخصيصه فقال :
وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أنه لا يجوز التفضيل في الهبة بين الأولاد لمعنى يقتضي تخصيصه "
وهو قول يتناقض مع اختياره الهبة على حكم الميراث لكونها معنى يقتضى التخصيص
وأما التخصيص فقد يجوز بسبب الضعف فمثلا المعوق أو المريض بمرض مزمن ولا يوجد لهما مصدر نفقة أو لا يمكن أن يعملا عملا وظيفيا يجب على من عنده ماله أن يهبهما ما يقدر عليه كى يجدا نفقة طوال حياتهما إن كان لديه مال مع أن نفقتهما واجبة على الاخوة فى حال عدم وجود مال للوالد أو الوالدة
وتحدث عن حكم الهبة التى لم تنفذ فى حالة وفاة الواهب فقال :
المبحث الرابع حكم الهبة التي فيها تفضيل بعد موت الوالد
إذا فاضل بين أولاده أو خص بعضهم بهبته ثم مات قبل أن يسوي بينهم أو يسترد الهبة هل تثبت الهبة بالموت وتلزم أو ترد وتكون ضمن التركة؟ محل خلاف بين العلماء فقد اختلفوا على قولين
القول الأول ثبوت الهبة للموهوب له بالموت ..واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول أثر عائشة وفيه أن أبا بكر قال لها لما حضرته الوفاة (وإني كنت نحلتك جاد عشرين)
الدليل الثاني أنها هبة لولده فلزمت بالموت كما لو انفرد
القول الثاني أن الهبة ترد وتكون ضمن التركة ..واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول حديث النعمان بن بشير وفيه قال ... (لا تشهدني على جور)
وجه الاستدلال أن الرسول (ص)سماه جورا والجور حرام لا يحل للفاعل فعلهولا للمعطي تناوله والموت لا يغيره عن كونه جورا وحراما فيجب رده بعد الموت
الدليل الثاني أن سعد بن عبادة قسم ماله بين أولاده وخرج إلى الشام فمات بها ثم ولد له بعد ذلك ولد فمشى أبو بكر وعمر إلى قيس بن سعد فقالا إن سعدا قسم ماله ولم يدر ما يكون وإنا نرى أن ترد هذه القسمة فقال قيس لم أكن لأغير شيئا صنعه سعد ولكن نصيبي له
المناقشة والترجيح في النظر فيما استدل به لكل قول أحد ما يأتي:
...وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه الأئمة الأربعة من ثبوت الهبة بالموت "
والحكم فى تلك المسألة هو رد الهبة الظالمة حتى وإن كانت عادلة قبل الوفاة بولادة طفل أو أكثر فيأخذ من أموال الموهوب لهم جميعا نصيب مثلهم لمن ولد بعد الهبة أو يلزموا جميعا بالنفقة على أخيهم أو أختهم حتى يكبروا والأعدل هو أخذ النصيب المساوى لهم وإلزامهم بالنفقة إذا انتهى هذا المال قبل كبره
وتحدث عن حكم الرجوع فى الهبة فقال :
الفصل الثاني حكم رجوع الوالدين في هبتهما لأولادهما
المبحث الأول حكم رجوع الوالد في هبته لأولاده
اختلف العلماء في حكم رجوع الوالد في هبته لأولاده على قولين
القول الأول يجوز ذلك ..واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول حديث النعمان بن بشير وفيه فقال رسول الله (ص)(فأرجعه)
وجه الاستدلال أن رسول الله (ص)أمره بالرجوع في هبته مما يدل على جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده
الدليل الثاني عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس عن النبي (ص)قال (لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده)
الدليل الثالث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن نبي الله قال (لا يرجع أحدكم في هبته إلا الوالد من ولده)
الدليل الرابع أن الأب لا يتهم في رجوعه؛ لأنه لا يرجع إلا لضرورة أو لإصلاح الولد
القول الثاني لا يجوز الرجوع ..واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول عن عبد الله بن عباس قال قال النبي (ص)(العائد في هبته كالعائد في قيئه)
الدليل الثاني عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب عن النبي (ص)قال (إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها)
الدليل الثالث أنها هبة يحصل بها الأجر من الله تعالى فلم يجز الرجوع فيها كصدقة التطوع
الدليل الرابع أن المقصود بالهبة صلة الرحم وفي الرجوع عنها تورث الوحشة والنفرة فلا يجوز صيانة للرحم عن القطيعة
المناقشة والترجيح في النظر فيما استدل به كل قول أجد ما يأتي
أولا أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير وهو حديث صريح الدلالة على وجوب رجوع الوالد فيما وهبه لبعض أولاده دون بعضهم
ثانيا أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بما رواه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وهو استدلال وجيه لصراحتها في جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده
ثالثا أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك بأن الأب غير متهم في حق ولده وهو تعليل وجيه
رابعا أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث ابن عباس وهو حديث عام يخص منه الوالد لدلالة ما استدل به أصحاب القول الأول ولا تعارض بين العام والخاص
خامسا أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث سمرة بن جندب وهو حديث ضعيف
سادسا أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا على ذلك بالقياس على صدقة التطوع وهذا قياس مخالف للنص
سابعا أن أصحاب القول الثاني قد عللوا ذلك أن الرجوع في الهبة يورث الوحشة والنفرة وهو تعليل مخالف للنص وبهذا ظهر لي رجحان ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده والله أعلم •
المبحث الثاني حكم رجوع الأم في هبتها لأولادها
...الراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء في هذه المسألة وهو جواز رجوع الوالد فيما وهبه لأولاده لكن هل الأم تلحق بالأب في هذا الحكم أم لا؟
هذا ما أبحثه في هذا المبحث وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين
القول الأول أن الأم تلحق بالأب في جواز الرجوع في الهبة لأولادها ..واستدلوا على ذلك بما يأتي
الدليل الأول قال الله تعالى كما أخرج أبويكم من الجنة
وجه الاستدلال أن الله عز وجل سمى الجد والجدة أبوين والأم والدة تقع على الجنس وهي فيه اسم الوالد فتدخل في عموم قوله (ص) (لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده)
الدليل الثاني أن الأم داخلة في قول النبي (ص)(اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)
الدليل الثالث أنها لما ساوت الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها ينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضله به تخليصا لها من الإثم وإزالة للتفضيل المحرم كالأب
القول الثاني أن الأم لا تلحق بالأب فلا يجوز لها الرجوع في هبتها لأولادها وإليه ذهب الحنابلة
واستدلوا على ذلك بأن الرسول (ص)خص الوالد في أنه يرجع في هبته لولده في قوله (ص) (لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) وهو بإطلاقه إنما يتناول الأب دون الأم والفرق بينهما أن للأب ولاية على ولده ويحوز جميع المال في الميراث والأم بخلاف ذلك
المناقشة والترجيح في النظر فيما استدل به لكل قول أجد ما يأتي
أولا أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بالآية الكريمة التي سمى الله فيها الجد والجدة أبوين وهو دليل صريح على دخول الأم في لفظ الوالد
ثانيا أن أصحاب القول الأول قد عللوا بأن الأم تدخل في تحريم تفضيل أحد أولادها في عطية فكذلك تدخل في جواز رجوعها في عطية أحد أولادها وهو تعليل وجيه
ثالثا أن أصحاب القول الثاني قد عللوا بأن الأم لا تدخل في لفظ الوالد لوجود الفرق بينهما في أن الأب له ولاية على ولده ويحوز جميع المال في الميراث بخلاف الأم وهذا تعليل فيه نظر؛ وذلك أن الأم تأخذ حكم الأب في تحريم التفضيل ووجوب رجوع العطية التي فضل بها أحد الأولاد فكذلك تأخذ حكمه فيما شابه ذلك وهو جواز الرجوع في العطية؛ لأن بابهما واحد بخلاف الولاية على ولده وحوز جميع المال"
بالقطع الهبة من الوالدين إذا كانت بالعدل وقبضها الأولاد وأنفقوها فلا مجال للرجوع فيها وأما إذا كانت باقية وأراد الوالد أو الوالدة استعادتها لحاجتهما لها فلهما ذلك وأما إذا كان الواهب غير محتاج فلا رجوع لها فالشرط فى الرجوع هو الحاجة
وتحدث عن شروط الرجوع فقال :
"المبحث الثالث بيان الشروط التي تشترط لجواز الرجوع
...وهذا المبحث خصصته في ذكر هذه الشروط التي ذكرها جمهور العلماء الذين ذهبوا إلى جواز الرجوع في الهبة للوالد فيما وهبه لأولاده وإليك بيانها
الشرط الأول أن تكون باقية في ملك الولد فإن خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو غير ذلك لم يكن له الرجوع فيها؛ لأنها أصبحت في ملك غير ولده
الشرط الثاني أن تكون العين الموهوبة باقية في تصرف الولد بحيث يملك التصرف في وقتها فإن استولد الأمة لم يملك الأب الرجوع فيها وكذلك إذا رهن الولد العين أو أفلس الولد وحجر عليه لم يملك الأب الرجوع؛ لأن في ذلك إبطالا لحق غير الولد "
وهذا الشرط وذكر استيلاد الأمة هو من ضمن الحرام فلا يجوز وطء ملك اليمين بلا زواج لقوله تعالى :
" فانكحوهن بإذن أهلهن وأتوهن أجورهن بالمعروف"
ثم قال :
"الشرط الثالث أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد فإن تعلقت بها رغبة لغيره مثل أن يهب ولده شيئا فيرغب الناس في معاملته وأدانوه ديونا أو رغبوا في مناكحته فزوجوه إن كان ذكرا أو تزوجت الأنثى لذلك فقد اختلف العلماء في حكم الرجوع على قولين
القول الأول ليس له الرجوع ..وقد عللوا ذلك بتعليلين
التعليل الأول أنه تعلق به حق غير الولد ففي الرجوع إبطال حقه وقد قال (ص) (لا ضرر ولا ضرر) وفي الرجوع ضرر
التعليل الثاني أن في الرجوع تحيلا على إلحاق الضرر بالمسلمين ولا يجوز التحيل على ذلك
القول الثاني أن له حق الرجوع وهذا القول رواية عن الإمام أحمد ودليل هذا القول أن حق المتزوج والغريم لم يتعلق بعين هذا المال فلم يمنع الرجوع منه
المناقشة والترجيح في النظر فيما استدل به لكل قول أجد ما يأتي
أولا أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن في الرجوع يتعدى ضرره إلى غير الولد وهو تعليل وجيه
ثانيا أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك أن ذلك فيه تحيل على إلحاق الضرر بالمسلمين وهذا تعليل وجيه
ثالثا أن أصحاب القول الثاني قد عللوا أن التعلق لم يكن بالعين وهذا تعليل غير وجيه؛ لأن هذا القول فيه إبقاء الضرر على غير الولد والضرر قد نفاه الرسول (ص)بقوله (لا ضرر ولا ضرار) وهو الذي بنى عليه أصحاب القول الأول تعليلهم الأول
وبهذا ظهر لي رجحان اشتراط هذا الشرط وهو أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد والله أعلم
الشرط الرابع أن لا تزيد زيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة وقد اختلف العلماء في اشتراط هذا الشرط على قولين
القول الأول عدم اشتراطه ..وعللوا ذلك على أنها زيادة في الموهوب فلم تمنع الرجوع كالزيادة قبل القبض والزيادة المنفصلة
القول الثاني أن ذلك شرط فلا يجوز الرجوع في الهبة إذا ازدادت زيادة متصلة ..وعللوا ذلك أن الزيادة للموهوب له؛ لكونها نماء ملكه ولم تنتقل إليه من جهة أبيه فلم يملك الرجوع فيها كالمنفصلة وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع الرجوع في الأصل
المناقشة والترجيح في النظر فيما استدل به كل قول أجد ما يأتي
أولا أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك بأنها زيادة في الموهوب فتتبعه؛ لأنه لا يمكن انفصالها وهذا تعليل وجيه
ثانيا أن أصحاب القول الثاني قد عللوا ذلك أنها زيادة حصلت في ملكه وهذا تعليل غير وجيه؛ لأنها زيادة تابعة للهبة فتتبعها في الرجوع وكونها حصلت في ملكه لا يمنع ذلك لا سيما وأن للأب أن يتملك من مال ابنه ما يشاء بشرط أن لا يضر الابن وكذلك لا يعطيه لابن آخر والدليل على ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا أتى النبي (ص)فقال إن لي مالا ووالدا وإن والدي يريد أن يجتاح مالي قال (أنت ومالك لأبيك)
وبهذا ظهر لي رجحان عدم اشتراط هذا الشرط فلا تمنع رجوع الوالد في هبته لولده الزيادة المتصلة في الهبة"
وحكاية أن مال الهبة قد زاد بسبب عمل الولد به لا يعنى إعادة ربحه منه إلى الوالد أو الوالدة إلا إذا كانا محتاجين وهذه الزيادة تكون نفقة واجبة على الولد لوالده أو والده إذا كانا كبيرين فى السن أو عاجزين عن الكسب أو ما شابه من الظروف القهرية 

الجمعة، 4 مارس 2022

نظرات فى كتيب الحب في الله

نظرات فى كتيب الحب في الله
استهل المؤلف الكتاب بالحديث عن المحبة فى الله فقال :
"المحبة في الله من أفضل القربات وأجل المزيات التي تكفل الله لمن بلغها بالأجر والمثوبة .
وهو القائل سبحانه يوم أن تعرض عليه الخلائق :
" أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي "
وهذا في الآخرة"
والحديث المستشهد به ليس فى المحبة فى الله وإنما فى محبة جلال الله والغريب فى الحديث هو سؤال الله عن مكان المتحابين وهو اتهام لله بالجهل بمكانهم
ولو كانوا صنف من المسلمين لتعارض مع دخول كل المسلمين الظل وليس المتحابين فقط وفى هذا قال تعالى :
"والذين أمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا"
وتحدث عن أجور المتحابين فى الدنيا فقال :
وأما في الدنيا فإن المتحابين في الله يحصلون على نعم وفضائل عدة ومن أجلها وأزكاها نعمتان عظيمتان :
"الأولى : محبة الله لهم . فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال أريد أخا لي في هذه القرية قال : هل لك عليه من نعمة تربها ؟ قال : لا غير أني أحببته في الله عز وجل . قال : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ""
والخطأ فى الرواية هو نزول الملاك إلى الأرض كى يقول للرجل الزائر أن الله يحبه وهو ما يخالف أن الله لا ينزل الملائكة الأرض لخوفها وعدم اطمئنانها إلا للرسالة كما قال تعالى :
"قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا"
ثم قال :
"والثانية : وضع القبول له في الأرض . فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "."
الحديث لم يقله النبى(ص) بأى حال من الأحوال وهو يعارض كتاب الله فالرسل وهم أفضل الناس لم يوضع له القبول فى الأرض بدليل أن عدد من أحبوهم كان قليل فإبراهيم(ص) مثلا أحبه واحد من قومه وهو لوط(ص) فآمن به كما قال تعالى :
"فآمن له لوط "
ومن ثم تكرر المعنى أن أكثر الناس لا يشكرون أى لا يؤمنون أى يكفرون... كما فى قوله تعالى :
" ولكن أكثر الناس لا يشكرون"
فهل كان قبول من أهل الأرض للرسل(ص)حتى يكون لغيرهم من المسلمين قبول عند الناس ؟
وتحدث عن كون السعادة فى التآخى والمحبة فى الله فقال:
"فلا يمكن لمجتمعاتنا الإسلامية أن تحيا حياة السعداء الذين سعدوا بهذا الدين الحنيف حتى يكون واقعهم واقعا ملموسا من واقع أسلافهم أولئك الأسلاف الذين جمع الله لهم فضل الدنيا والآخرة بتآخيهم ومحبتهم في الله جل وعلا فإن المحبة في الله ديمومة الذكر بالمحاسن والفضائل في المجتمع الإسلامي لا لشيء إلا كونها قامت على إيمان صادق وعقيدة صحيحة . قال عبد الله بن عمر كما في إحياء علوم الدين للغزالي 2/175 : " والله لو صمت النهار لا أفطره ، وقمت الليل لا أنامه ، وأنفقت مالي غلقا في سبيل الله أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله وبغض لأهل معصية الله ما نفعني "
وتحدث عما أن ما سموه الفتوح الإسلامية الأولى حدثت بسبب تلك المحبة فقال :
"وما الفتوحات الإسلامية المتوالية التي من الله بها على الرعيل الأول وأبنائه إلا بتلكم المحبة السائدة بين أولئك النفر الذين غرسوا في نفوسهم شمولية الفضائل المشروعة والتي شملت الود والإخاء والرحمة والعطف حتى استحقوا مديح ربهم وثناءه عليهم بقوله : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا " [سورة الفتح آية رقم 29 ]. هؤلاء هم أهل الإيمان المتحابون في الله بإخلاص تام وصدق مستمر."
وأما الفتوح فحدثت بسبب طاعة الكل لله ولم تكن كلها فتوح قتال وإنما أكثرها فتوح بلا قتال حيث دخل الناس فى دين الله أفواجا كما قال تعالى :
" ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا"
وفتح مكة وهو الفتح الوحيد الموجود فى الوحى الحالى لم يحدث فيه قتال فى مكة مع قوله تعالى :
"وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم"
وكل ما حدث هو مناوشات بسيطة خارج مكة انتصر فيها المسلمون وتحدث عمن سماهم أهل الشهوات والملذات والأموال والتجارات فقال:
"أما أهل الشهوات والملذات والأموال والتجارات فإنهم إن اجتمعوا كان اجتماعهم على مصلحة زائلة أو دنيا فانية ولذا فبنيانهم سريع الهدم منقطع المصلحة لا بركة فيه لماذا ؟
لأن نفوسهم تعلقت بالماديات المحسوسة ولم تتعلق بالله جل وعلا حتى ظن الكثير من الناس أن التاجر وما ملك من الأموال لم يحصل عليها إلا بذكائه وتوقد فطنته ومحض إرادته ! فتقرب إليه البعض حبا فيما عنده من حطام الدنيا ، وبقي الحال كذلك حتى زال ذلك المال، وظهر الفقر ومن ثم اختفت تلك المحبة وغاب صيتها وكأن الأمر لم يكن "
وتحدث عن مثال لأهل الفجور فقال :
"وأقرب مثال لهذا الواقع المشاهد ما قصه الله علينا في كتابه الكريم عن قارون وقومه
قال تعالى : " إن قارون كان من قوم موسى، فبغى عليهم، وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي، أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا، ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته . قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم . وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين "
فلم يتفطن لذلك الواقع الذي عايشه قارون مع بعض أهل عصره وما ملك من الأموال والكنوز إلا أهل العلم لما من الله به عليهم من العلم النافع والمبادئ الثابتة التي لا تزحزحها الجبال ولا ماديات الدنيا مهما تعددت واختلفت أشكالها ."
وتحدث عن أن المحبة فى المصلحة زائلة فقال :
"فكل محبة تعلقت بأطماع ذاتية ومصالح دنيوية فإنها زائلة لا بقاء لها، وإن استمرت فاستمرارها حولي سريع الانقطاع بخلاف محبة الدين فإنها لا تنقطع البتة "
وتحدث عن زوال محبة الكفار فى الآخرة فقال:
"وإن فصل بينها فاصل الموت فبإعادة الروح إلى الجسد يستمر الحال أبد الآبدين كما أخبر عن ذلك رب العالمين وهو أصدق القائلين :
" الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " [ سورة الزخرف الآية رقم 67 ] "
كما تحدث عن انتشار تقرب السلمين من أهل الغنى فى عصرنا فقال :
"وقد غلب على مجتمعات المسلمين اليوم قربهم من أهل المال والثراء والملك والجاه وجعلوا ذلك سبيلا لمحبتهم مؤمنين أن النفع والمصلحة لا تكون إلا بهذا القرب، ولو فكروا وأحسنوا استخدام عقولهم لأدركوا أن هذا الملك وهذا المال نعيم زائل، وأن القرب من الله وأوليائه نعيم دائم بما يصير له العبد من نعيم الجنة "
وقد اعتبر ذلك نوع من ضعف الإيمان فقال :
"ولكن لما ضعف الإيمان وقل العلم وانتشر الجهل وضعفت بصائر أهل الإرشاد وقع الكثير في التيه والفساد ونشط الفساق وأخذوا يزينون للناس أن الفلاح والنجاح معقودان بالقرب من أهل الشهوات والملذات فأحب القوم كبراءهم وأغنياءهم لملكية الأموال فإذا فنيت التجارات والمقامات الدنيوية غابت تلك المحبة المزعومة وهذه هي أحوال أهل الدنيا"
واشترط شروطا لاتحاد مجتمعات المسلمين سماها لوازم فقال :
"ولربط المجتمعات الإسلامية برابط المحبة في الله فإنها تلزم لوازم عدة :
أولا: تذكير الناس بأهمية وفضل المحبة الصادقة .
ثانيا: إرساء هذه الرابطة في نفوس حملة العلم حتى تظهر واقعا ملموسا يدركه عامة الناس فإن الإرشاد متى كان مخالفا لواقع أهل العلم كان عديم التأثير أو قليله .
ثالثا : رسم ثوابت المحبة في الله على فهم السلف الصالح وثالث هذه اللوازم بالغ الأهمية فإن سلفنا الصالح عاشوا أيامهم مرتبطين بإخاء مستمر ومحبة صادقة نبعها من الكتاب والسنة فأخذوا من رسول الله عليه الصلاة والسلام ما هو أسلم وأحكم، ولو علموا شيئا هو أولى وأفضل لإرساء الود والإخاء لتتبعوا أثره وأقاموه في نفوسهم . ولذلك حق أن يكونوا مثالا يحتذى به . قال الشاطبي في الموافقات 4/79 : " .. ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه أو حاوروه فقط . إذ لا مزية في ذلك وإنما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته ونصرته " .أ.هـ
" ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة " .أ هـ
قال ابن مسعود : " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد . فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ "
وحديث ابن مسعود هذا لا تصح نسبته وهو اتهام لله بأنه كان يجهل من الأفضل حتى نظر فى القلوب وكأنه لم يكتب كل شىء قبل الخلق كما قال:
"ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها"
وتحدث عن أن إقامة المحبة بين المجتمعات المعاصرة على فهم بشر لا تصلح لمناقضتها كتاب الله فقال :
"فلا يصح إقامة الولاء والمحبة بين المجتمعات المعاصرة على فهم من سولت لهم نفوسهم أن يجمعوا الناس ويحصروهم على مبادئ هي مخالفة لمنهج الله ومنهج رسوله عليه الصلاة والسلام فإن هذا من المزالق الخطيرة التي فيها الجمر تحت الرماد .
والناس متى ما اجتمعوا وكثروا وتآخوا وتحابوا على منهج مخالف لمنهج الله فعواره سيظهر ولو بعد حين . وعندها يفرنقع القوم شذر مذر ، ويندم المنظر الذي بنى صرحه على فكرة مفكر ونظرة قاصر لا يؤهله علمه لبقاء منهجه وديمومة فكره لأن فكرته وفعله شابهت من وضع القوانين على غير مراد الله ليلزم عامة الناس أن يأخذوا بمنوالها مع فارق الحال واختلاف الوجهات والموفق من أنار الله بصيرته وانقاد لأمر الله "

الخميس، 3 مارس 2022

قراءة فى كتاب الأسباب التي يعتصم بها العبد من الشيطان

قراءة فى كتاب الأسباب التي يعتصم بها العبد من الشيطان
الكتاب تأليف عبد الله بن جار الله آل جار الله وهو يدور حول الأسباب التي يعتصم بها العبد من الشيطان واستهل مقدمته بالحديث عن عداوة إبليس لنا فقال : "أما بعد: فإن عدو الله إبليس -أعاذنا الله والمسلمين منه- هو عدونا اللدود الذي أخرج أبانا آدم من الجنة، وسعى في منع بني آدم من العود إليها بكل سبيل، وأقسم على أن يغوي بني آدم ويصدهم عن صراط الله المستقيم وقال: { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } وأخبر الله تعالى أن إبليس صدق عليهم ظنه فاتبعوه إلا من عصمه الله من عباده المؤمنين وأوليائه المتقين وحزبه المفلحين، قال تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } وإذا كان يوم القيامة ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قام الشيطان خطيبا فيهم وتبرأ منهم، قال الله تعالى: { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم } وأمرنا الله بالدخول في جميع شرائع الإسلام وأن لا نطيع الشيطان بتركها، أو ترك بعضها، فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } أي بين العداوة، وأن الشيطان يعدنا الفقر لئلا ننفق أموالنا في سبيل الله، والله يعدنا مغفرة منه على الإنفاق وفضلا منه بالخلف العاجل والآجل، فقال: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } وأخبرنا ربنا أن الشيطان يخوفنا بأوليائه ويعظمهم في صدورنا، ونهانا أن نخافهم، وأمرنا أن نفرد ربنا بالخوف إن كنا مؤمنين، فقال تعالى: { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } ونهانا ربنا عن اتباع خطوات الشيطان وهي طرقه التي يدعو إليها من الفواحش والشهوات المحرمة وترك الواجبات وفعل المحرمات، وأخبرنا مولانا أن الشيطان لنا عدو وأمرنا أن نتخذه عدوا وأنه يدعو أتباعه ليكونوا من أهل النار -أعاذنا الله والمسلمين منها-، فقال تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } ولكن بعض الناس اتخذوه صديقا لهم فأطاعوه في معصية الله، وأخبرنا ربنا عن خسران من اتخذ الشيطان وليا فأطاعه في معصية الله فقال: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } فالعجب ممن عرف ربه ثم عصاه وعرف الشيطان فأطاعه قال تعالى: { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا } وقد حذرنا مولانا منه وقد أعذر من أنذر فقال تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة }." ثم تحدث عن الاحتماء من عدونا بالأذكار والأدعية والتعوذات فقال : "ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم من الأذكار والأدعية والتعوذات ما يتحصنون به من هذا العدو، فلنحارب عدونا ولنجاهد بالاستعاذة بالله منه ومخالفته والعزم على عصيانه -أعاذنا الله والمسلمين منه." وهذا الكلام هو مفهوم خاطىء للاحتماء فالاحتماء ليس مجرد كلمات تردد فهى لن تحمى أحد وإنما هناك طريقة وحيدة للاحتماء من وشاوش الشيطان وهى طاعة أحكام الله وتحدث عن جمعه لأسباب الحماية فقال : أيها القارئ الكريم لما تقدم من بيان عداوة الشيطان لبني آدم ولما سيأتي من بيان مظاهر عداوته من الوسوسة وبث الخوف عند الإنسان وإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، فقد جمعت في هذه الرسالة ما أمكن جمعه من الأسباب التي يعتصم بها العبد من الشيطان، وبيان مظاهر عداوته، وبيان مداخله التي منها الغضب والشهوة والعجلة وترك التثبت في الأمور وسوء الظن بالمسلمين والتكاسل عن الطاعات وارتكاب المحرمات، والرفيق السيء الذي قال عنه النبي (ص)«المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»[رواه أبو داود والترمذي وحسنه]" والحديث لا يصح فالفرد ليس على دين من يصاحب بدليل أن عداوة الأخلاء لبعضهم عدا المتقين كما قال تعالى : " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو" فلو كان الأخلاء على دين واحد كان أحدهم فى الجنة والأخر فى النار كما حدثنا الله فى قوله : " "فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إنى كان لى قرين يقول أإنك لمن المصدقين أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه فى سواء الجحيم" وأكمل ما اعتقد أنه من مداخل الشيطان فقال : "ومن أعظم مداخل الشيطان: اتباع الهوى وعدم الاستجابة للحق، قال تعالى: { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } كما أن من أخطر مداخل الشيطان الكبر، وهو عدم قبول الحق واحتقار الناس، كما تكبر إبليس عن طاعة ربه حين أمره بالسجود لآدم فلعن وطرد من رحمة الله، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر كما في الحديث الذي رواه مسلم. كما ذكرت في هذه الرسالة وسائل العلاج من مداخل الشيطان وعلاج وسوسته، وأنواع شر الشيطان وما يعصم منه، وبيان أهداف الشيطان، وذكر أسلحة المؤمن في حربه مع الشيطان، إلى غير ذلك مما سيراه القارئ موضحا في هذه الرسالة على طريق الاختصار." وتحدث عن سبب تأليف الرسالة وهى الكتاب فبين أنه انتشار طاعة الشيطان فقال: "والذي دعاني إلى تأليفها ما لوحظ في اتباع كثير من الناس لعدوهم الشيطان، حيث أطاعوه في معصية الله بترك الواجبات وفعل المحرمات، وتحذيرهم من ذلك ومن سوء عاقبته، والأخذ بأيديهم إلى اللجوء إلى الله والاعتماد عليه والاعتصام به وحده، والتحصن به من هذا العدو اللدود، وأن الله قد أعطانا أسلحة نكافح بها هذا العدو من الإيمان الصادق والعمل الصالح والتوبة النصوح ثم الإكثار من ذكر الله ودعائه، واستغفاره والاستعاذة به من هذا العدو فهو المعيذ وحده وهو الكافي لعبده القادر على حمايته من عدوه وحفظه منه بحوله وقوته وقدرته الكاملة، وقد قال الله تعالى لإبليس: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا } وقال تعالى: { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } " وحدثنا الرجل عن أسباب الاعتصام فقال : "الأسباب التي يعتصم بها العبد من الشيطان: الاستعاذة بالله منه قال تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } وقال تعالى: { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون } وفي صحيح البخاري عن عدي بن ثابت عن سليمان بن صرد قال: كنت جالسا مع النبي (ص)ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال: النبي (ص)«إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه ما يجد»." والاستعاذة بالله لا تعنى قول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وإنما تعنى الاحتماء بطاعة أحكام الله والحديث لا يصح لأنه ينسب للنبى(ص) الجهل بأحكام الإسلام فالرجلان استبا أمامه واكتفى بالمشاهدة كما يزعم الحديث بدلا من أن ينهاهما عن السب ويأمرهما بالمعروف والأغرب أنه بدلا من أن يتوجه لهما بالكلام تكلم مع غيرهما وهو منطق غريب لا يمكن أن يكون النبى(ص) فعله أو قاله ثم قال الرجل: "قراءة المعوذتين { قل أعوذ برب الفلق } { قل أعوذ برب الناس } فإن لهما تأثيرا عجيبا في الاستعاذة بالله من شره ودفعه والتحصن منه، ولهذا قال النبي (ص)«ما تعوذ المتعوذون بمثلهما» وكان النبي (ص)يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم، وأمر عقبة بن عامر أن يقرأ بهما دبر كل صلاة، وأخبر (ص)أن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثا حين يمسى وثلاثا حين يصبح كفته من كل شيء." والأحاديث التى ذكرها لا يصح منها شىء فقراءة القرآن مثل المعوذتين لا تمنع من طاعة الشيطان فقد كان بعض أهل الكتاب يقرئون الوحى يخالفونه وكذلك المنافقون كما قال تعالى : "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" والتعوذ عند النوم هو كذب أخر فالتعوذ المفروض أن يكون وقت الصحو وليس وقت النوم حيث لا يعمل الإنسان ذنوب وهو نائم وأما قراءة سورة كذا وكذا عدة مرات فلا يحمى أحد فكما سبق القول المنافقون كانوا يقرئون ويخالفون ثم قال : "قراءة آية الكرسي ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: «وكلني النبي (ص)بحفظ زكاة رمضان، فأتى آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله (ص)فذكر الحديث فقال: (إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح). فقال النبي (ص)«صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان» وهي أعظم آية في كتاب الله لاشتمالها على أسماء الله الحسنى وصفاته العلى." الحديث لا يصح وقراءة القرآن قبل النوم بلا وضوء لا تصح والغريب أن القائل وهو ليس الرسول(ص) بالقطع يأمر بهذا عند النوم وأساسا من ينام أو يريد النوم لن يرتكب ذنوبا لأن النوم هو حالة لا يصنع فيها الإنسان شىء من الحسنات أو السيئات ثم قال : قراءة سورة البقرة "ففي الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص)قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» [رواه مسلم]" نلاحظ الخبل فى الحديث فالشيطان يذهب من نفس من لا يطيعه وليس من البيت لأن شياطين الإنس كانوا وما زالوا موجودين فى بيوت المسلمين فقد كان فى بيت نوح(ص) شيطانان وله وزوجته وكان موسى(ص) فى بيت شيطان كبير هو فرعون فالشياطين المذكورة عن إنس وجن كما قال تعالى : "وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" ثم قال : قراءة خاتمة سورة البقرة فقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله (ص)قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» [متفق عليه] أي: من شر ما يؤذيه" الحديث ليس قفيه شىء من الاحتماء وإنما هو فى بيان أن قراءة الآيتين هو قيام لليل وهو ما يخالف كتاب الله فى كون القيام أقله ثلث الليل كما قال تعالى: " إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك" ثم قال : قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» مائة مرة ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله (ص)قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك» فهذا حرز عظيم النفع جليل الفائدة يسير سهل على من يسره الله عليه." والخطأ أن القول المذكور بعشر حسنات ومحو عشر سيئات وعدل عشر رقبات مؤمنات لوهو ما يخالف الأجر فى القرآن وهو عشر حسنات للعمل غير المالى مصداق لقوله تعالى "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها "والعمل المالى ب700 أو 1400حسنة مصداق لقوله تعالى "مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء "وأما السيئات فتمحا كلها مصداق لقوله تعالى بسورة هود"إن الحسنات يذهبن السيئات ". والخطأ الثانى وجود حرز يحفظ القائل من الشيطان المؤذى له وهو يخالف أن سلطة الشيطان وهو الشهوة هو الدعوة أى الوسوسة وفى هذا قال تعالى على لسان الشيطان "وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى " ثم قال : "كثرة ذكر الله عز وجل وهو أنفع الحروز: ففي الترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي (ص)قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها -فذكر الحديث- فقال: وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح، فقد أخبر النبي (ص)في هذا الحديث أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله." معنى القول لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله هو طاعة الله هو معنى صحيح وأما ترديد كلمات فليس بحماية وأمامنا الصوفية يرددون الذكر ومع هذا كثير منهم يتركون طاعة الله فمنهم من رفع الشرع عن نفسه ومنهم من يؤسس لدول الكفار باتباعه لحكاية الذكر تاركا الجهاد وقال : "وعنه (ص)أنه قال: «رأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله فطرد الشيطان عنه» رواه أبو موسى المديني وقال: حسن جدا" والحديث إن كامن معناه فعرف حكم الله فاتبعه كان معناه صحيح ثم قال : "الوضوء والصلاة: وهذا من أعظم ما يتحرز به من الشيطان فما أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة، فإنها نار، والوضوء يطفئها، وفي الحديث: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» [رواه أبو داود]." والصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثر ذلك كله، وهذا أمر تجربته تغني عن إقامة الدليل عليه." والخطأ فى الحديث أن الغضب من الشيطان ويخالف هذا وجود غضب إلهى أى من الله مثل غضب موسى (ص)على قومه عندما رأى عبادتهم للعجل وفى هذا قال تعالى "ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح"كما أن غضب المسلمين هو غضب لدين الله وليس معقولا أن يكون الغضب لله من الشيطان ثم قال : "إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال غرضه منه من هذه الأبواب الأربعة. وليعلم أن الناس أربعة أقسام: 1- أحدها: من مخالطته كالغذاء لا يستغني عنه في اليوم والليلة وهم العلماء بالله وأمره، ومكائد عدوه، الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولخلقه، فهؤلاء في مخالطتهم الربح كله. 2- الثاني: من مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض، فما دمت صحيحا فلا حاجة لك في خلطته، وهم من لا يستغني عن مخالطتهم في مصلحة المعاش وقيام ما أنت محتاج إليه من أنواع المعاملات. 3- الثالث: من مخالطته كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه، وهو من في مخالطته ضرر ديني أو دنيوي، فعاشره بالمعروف حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا. 4- الرابع: من في مخالطته الهلاك كله، وهم أهل البدع والضلالة، فالبعد عنهم خير، وحاول أن تكون جليسا صالحا تنفع من جالسك وترشده إلى كل خير وتحذره من كل شر، [بدائع الفوائد لابن القيم]" وهذه الوسيلة هى جزء من طاعة أحكام فى الموضوعات التى ذكرها وهو كلام صحيح وتحدث عما سماه مظاهر عداوة الشيطان فقال: "من مظاهر عداوة الشيطان: (1) الوسوسة وهي من أعظم مظاهر عداوته إذ لا يزال بالإنسان يوسوس له ويشككه حتى يخرجه من عقيدة الإسلام، ولهذا حذرنا منه المصطفى (ص)فقال: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» وفي حديث آخر يقول (ص)«فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله، فإن ذلك يذهب عنه» [صحيح الجامع 2/74] فإذا ما يئس من الوسوسة على تلك الحال انتقل إلى الوسوسة في أمور العبادة، فيوسوس للإنسان عند وضوئه للصلاة بكثرة صب الماء، ثم يوسوس له في الصلاة حتى لا يعلم ما قال في صلاته، ولعلاج ذلك قال (ص)لعثمان بن أبي العاص الذي جاء يشتكي إليه ويقول: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي، فقال له: «ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا». [رواه مسلم] يقول الصحابي: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. وهكذا يحاول الشيطان أن يدخل من باب الوسوسة، ولكنك تغلق الباب أمامه إذا استعذت بالله منه، يقول الله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } " والأحاديث المذكورة لا يصح منها شىء فالشيطان فى الصلاة لا يسمى خنزب وهو ما يناقض أن الوسوسة تقع من النفس كما قال تعالى : " ونعلم ما توسوس به إليه نفسه" ثم قال : (2) بث الخوف عند الإنسان فهو لا يزال بك يخوفك عن طاعة ربك؟ فإذا أردت بذل مال في سبيل الله خوفك الفقر ووعدك به: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء } وإن أردت الجهاد في سبيل الله خوفك الموت، ومع الموت حر السلاح وشدة الأعداء { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } وإن أردت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقف لك مخوفا بسوء العاقبة، ومحذرا باستهزاء الناس فيك، أو بقوله لك: عليك بخاصة نفسك ودع عنك الناس فلن يستجيبوا لك... وما أكثر من أوقعهم الشيطان في هذه المصيدة! إلى غير ذلك من أنواع الطاعات.. فإذا وجدت شيئا من الخوف وعدم الإقدام في أمر من أمور الخير فاعلم أن وراء ذلك الشيطان. (3) التحرش وإيقاع العداوة بين المسلمين يقول الله تعالى: { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء } ويقول (ص)«إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم» [أخرجه مسلم وغيره]. والمرء يرى من مظاهر عداوته في هذا المجال ما لا يعد ولا يحصى، فكم سفكت دماء، وكم وقعت عداوة وشحناء، وكم فرق بين إخوة أشقاء وغيرهم من باب أولى، وكم زرع في مجتمع المسلمين من تناحر وبغضاء، لتحل محل الأخوة والصفاء، وكم.. وكم.. وكل ذلك وراءه الشيطان. (4) الصد عن ذكر الله من فوائد الذكر، أن الذاكر يبقى على صلة بالله { فاذكروني أذكركم }. والشيطان يريد أن يستحوذ على الإنسان ويصده عن ذكر الله { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }. ولذلك تراه يزين لهم القبائح كشرب المسكرات، ويشغلهم عن الذكر بلهو الحديث من سماع الغناء، أو الاشتغال بالسب والشتم والغيبة والنميمة، وفي ذلك ضلال عن طريق الهدى حتى قال تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } وقد سئل ابن مسعود عن لهو الحديث فقال: (والله الذي لا إله غيره هو الغناء، يرددها ثلاث مرات). فاحذر يا أخي المسلم أن يشغلك الشيطان بلهو الحديث عن ذكر الله، واعلم أن الفرق بين الذي يذكر الله وبين الذي لا يذكره كالفرق بين الحي والميت، ولا تنس وصية الله لك { واذكر ربك إذا نسيت } وهذه بعض مظاهر عداوة الشيطان لك أيها الإنسان.." وتلك المظاهر ليست من إبليس فإبليس فى النار من يوم أن خرج من الجنة" مذءوما مدحورا"وإنما هى من هوى النفس وهى الشهوات فهى التى تقوم بالوسوسة ومنها التخويف والوقيعة وغيرها وتحدث عما سماه مداخل الشيطان فقال : "أولست ترى بعد ذلك أنه يتحتم عليك أن تعرف طرقه ومداخله؟! وإليك بعضا منها: من مداخل الشيطان (1) الغضب والشهوة فالغضب هو غول العقل، وإذا ضعف جند العقل هجم جند الشيطان، وإذا غضب الإنسان لعب به الشيطان كما يلعب الصبي بالكرة ألا ترى -يا أخي المسلم- أن المرء يقتل إذا غضب ويطلق زوجته، وتنتفخ أوداجه ويفقد صوابه؟! وتراه إذا زال الغضب ربما استدرج به الشيطان فزين له قتل نفسه خشية العار أو القصاص.. فقتل نفسين بغير حق وأورده الشيطان النار وبئس القرار، قال تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } فاملك نفسك -يا أخي- عند الغضب واعلم أن ذلك مدخل من مداخل الشيطان، وتذكر قوله (ص)«ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» [متفق عليه]. يا أخي المسلم إن شهوة الانتقام قد تدفعك إلى الغضب، وشهوة العزة بالإثم قد تؤدي بك إلى رد الحق، ولكن إذا ما أحسست بشيء من هذا فادفع بالتي هي أحسن { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } ولا شك أن هذا سيحتاج منك إلى الصبر وترويض النفس، ولكن العاقبة ستكون حميدة، والمثوبة من الله كبيرة { وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } " والغضب ليس من الشيطان أى من هوى النفس كله فهناك غضب لله كما فى رد المسلمين اعتداء الكفار وأما الشهوى فهى المدخل ثم قال : (2) العجلة وترك التثبت كثيرا ما يفوت المرء على نفسه مصالح كثيرة وسببها العجلة وعدم التريث، ذلك أن الشيطان يروج شره على الإنسان في تلك الحال، على حين لا يستطيع الشيطان على شيء إذا ما تبصر المرء في أمره، ودرسه من جميع جوانبه، ولهذا أرشدنا المصطفى (ص)إلى هذا السلوك فقال: «الأناة من الله، والعجلة من الشيطان» [أخرجه الترمذي]. وليس غريبا أن يقول الرسول (ص)(أشج عبد القيس): «إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» [أخرجه مسلم وغيره]، وكفى بهدي القرآن { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } " والخطأ فى الحديث أن الحلم والتؤدة جبل عليهما الأشج والأخلاق حادثة بمعنى أن الإنسان يكتسبها بنفسه وذلك لولادته دون علم سابق بأى شىء مصداق لقوله تعالى "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا "فكيف يكون الأشج مجبولا أى مخلوقا بهما؟ ثم قال : (3) الشبع من الطعام ذلك لأن الإكثار من الطعام -وإن كان حلالا- يقوي الشهوات، والشهوات أسلحة الشيطان... يقول (ص)«ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» [رواه أحمد والترمذي]. ويقال في كثرة الأكل ست خصال مذمومة: أولها: أنه يذهب خوف الله من قلبه. الثاني: أنه يذهب رحمة الخلق من قلبه لأنه يظن أنهم كلهم شباع. الثالث: أنه يثقل عن الطاعة. الرابع: أنه إذا سمع كلام الحكمة لا يجد له رقة. الخامس: أنه إذا تكلم بالموعظة لا يقع في قلوب الناس. السادس: أنه يهيج فيه الأمراض[إحياء علوم الدين للغزالي] هذا كله في حالة الإكثار من الطعام الحلال، أما الحرام فالأمر أشد وأنكى ... ويكفي أن تستمع -يا أخي المسلم- إلى قول المصطفى (ص)«كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به» [أخرجه أحمد]" والحديث الأخير لا يصح لأن طبقا له سيكون إبراهيم (ص) من أوائل من يدخلون النار لأن جسده نبت من مال حرام هو مال بيع والده للأصنام وكذلك موسى(ص) الذى تربى بمال حرام هو مال فرعون ثم قال : (4) التكاسل في الطاعات وارتكاب المحرمات ومن أكبر المحرمات بعد الشرك بالله: التهاون بالصلاة إما بتركها بالكلية -نسأل الله السلامة من الكفر وأهله- أو التهاون بصلاة الجماعة، واسمعوا تحذير المصطفى (ص)من غلبة الشيطان على الإنسان بسبب التهاون في الصلاة، يقول (ص)«ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»[أخرجه أحمد]. ومن المحظورات أيضا: التعامل بالربا، وفيه يقول الحق تبارك وتعالى: { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } وبالجملة فالوقوع في المآثم والمحرمات سبب جالب لسيطرة الشيطان على الإنسان، واقرءوا إن شئتم قوله تعالى: { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم } (5) الرفيق السيئ وللشيطان مدخل عن طريق رفقة السوء، وكيف لا يكون ذلك وهم يزينون لك المنكرات ويبغضون إليك الطاعات...؟ وكم من لبيب أودت به رفقة السوء إلى سفاسف الأمور بدل أن كان يعيش في معاليها... وكيف لا يكون ذلك من مداخل الشيطان والرسول (ص)يصف الجليس السوء بنافخ الكير الذي إن لم يحرق ثيابك أصابك من رائحته الكريهة؟! وكيف لا تنتهي عن قرناء السوء والله تعالى يقول: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } وما موقفك يوم القيامة حين تعض على يديك وتقول: { يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا } (6) وهناك مداخل أخرى للشيطان كالبخل، والحسد، والحرص، والدرهم والدينار، والتعصب للهوى والمذهب، والتفكر في ذات الله، وسوء الظن بالمسلمين إلى غير ذلك." والمداخل ليست كما قال الجار الله وإنما المداخل هى إما التزيين تزيين الشهوات وإما التخويف من طاعة الله وتحدث عما سماه وسائل العلاج والحقيقة أنها وسيلة وحيدة هى طاعة أحكام الله وهى ما يسمى ذكر الله وفى وسائله قال : "وسائل العلاج للخلاص من كيد الشيطان هناك عدة وسائل -سبقت الإشارة إلى شيء منها- وأجملها لك فيما يلي: (1) المداومة على ذكر الله يقول أصدق القائلين: { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } والشيطان يعيش بمعزل عن الذي يذكر الله تعالى، ذلك لأن الذكر يحوط الإنسان ويحفظه، ومثله -كما جاء في الحديث-: «كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى» [أخرجه أحمد والترمذي]. وفي اللحظة التي يتخلى الإنسان فيها عن الذكر يسلط الله عليه الشيطان { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين } وإذا تسلط الشيطان على الإنسان أنساه ذكر الله{ استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله }وذكر الله ينبغي أن يلازمه المرء في كل حال من أحواله قائما وقاعدا، وعلى جنبه، وفي الشارع، وفي منزله، وأثناء العمل. وإليك هذا الأدب من الذكر الذي تغيظ به الشيطان ... جاء في الحديث: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عز وجل عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء» [رواه مسلم]." والخطأ فى الحديث أن الشيطان يهرب إذا ذكره الإنسان عند دخوله وطعامه وهو يخالف وجود الشيطان مع الإنسان فى كل لحظة من لحظات حياته بدليل قوله تعالى "قال قائل منهم إنى كان لى قرين "فالقرين هو الملازم للإنسان وهو شيطانه الممثل فى شهواته ثم قال : "أما إذا أردت أن تحمي ذريتك من الشيطان فلا تنس أن تقول عند الجماع: «باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا» فإنه كما جاء بالحديث: «إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا» [أخرجه البخاري ومسلم]." وهذا الحديث لا يصح فمن أين أتى ابن نوح(ص) الكافر وأبوه مسلم؟ ومن أين الولد الكافر الذى استغاثا أبويه بالله منه كما قال تعالى : "والذى قال لوالديه أف لكما أتعداننى أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين أولئك الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين" ثم قال : (2) المحافظة على الاستغفار وهذه نعمة كبرى تستطيع عن طريقها تفويت الفرصة على الشيطان يقول (ص)«إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» [أخرجه أحمد]. فأي شيء يكلفك الاستغفار سوى أن تقول: «أستغفر الله» وتحضر قلبك لما تقول، والله يقول: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } (3) التعوذ بالله من الشيطان يقول تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } واسمع إلى هذه القصة وهدي الرسول (ص)فيها: عن سليمان بن صرد قال: كنت جالسا مع النبي (ص)ورجلان يستبان فإحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي (ص)«إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان، ذهب عنه ما يجد» [رواه البخاري]. ومما يفيد في حال الغضب تغيير الحالة التي عليها الإنسان، فإن كان قائما فليجلس فإن ذهب وإلا فليضطجع، وإن كان يتكلم فليسكت. (4) قراءة القرآن يقول تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } أخي المسلم: * احرص على قراءة سورة البقرة فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه. * وإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه كما جاء في الحديث: «لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح» [أخرجه البخاري]. * أما الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة فقد جاء في فضلهما أنهما لا تقرآن في دار ثلاث مرات -وفي لفظ- ثلاث ليال، فيقربها شيطان. * ولا تنس سورة الإخلاص { قل هو الله أحد } «التي تعدل ثلث القرآن» والمعوذتين اللتين أمر النبي (ص)بقراءتهما دبر كل صلاة، وقال في شأنهما: «ما تعوذ الناس بأفضل منهما» [أخرجه النسائي]." وكثير مما ذكره فى وسائل سبق أن ذكره سابقا كما سبق مناقشة الكثير من الأحاديث التى استشهد بها على صحة كرمه وهى لا تصح ونصح المؤلف القراء أن يعملوا بما قال وأن يعلموها لغيرهم فقال : هذه بعض الوسائل التي تيسر جمعها، ولا شك أن هناك الكثير غيرها، وأخيرا فاحرص أن يكون لك -يا أخي المسلم- نصيب من هذه الإرشادات غير نصيب القراءة، ...وإنه لمن علامة الخير أن تلتزم بتلك التوجيهات أو على الأقل ببعضها.. وأن تقدمها إلى غيرك ليستفيد منها، هذا إن كنت ممن يشكو عداوة الشيطان ويبحث عن العلاج، أما إن كنت لم تشعر بعداوته لك، فلعل هذه الكلمات أن توقظك من رقدتك وتهديك إلى طريق ربك، واختر لنفسك ما تشاء من أصناف البشر الذين هم على ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم كما قال تعالى: { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل } وصنف أجسامهم أجسام بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ظل الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله." وهذا التصنيف للناس كالبهائم ومن روحهم شياطين ومن فى ظل الله يخالف تصنيف كتاب الله فى كون صنفين مسلمين المقربون وأهل اليمين وصنف أهل الشمال أو المشئمة كما قال تعالى : "وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقربون فى جنات النعيم" ثم تحدث عما سماه حروز وعزائم فقال: "حروز وعزائم: 1- صلاة أربع ركعات أول النهار (قيل: هي صلاة الفجر وسنتها، وقيل: هي صلاة الضحى). 2- قراءة آية الكرسي عند النوم فمن قرأها لا يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. 3- قول: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. 4- كف الصبيان عند إقبال الليل وانتشار الشياطين. 5- ترك النوم إلى الصباح. 6- اتقاء مواطن الشبهات. 7- ترك قول (لو) إذا أصابك شيء ولكن قل: «قدر الله وما شاء فعل». 8- رد التثاؤب. 9- الاستنثار عن الاستيقاظ من النوم. 10- الأذان يطرد الشيطان." وهذه العزائم والحزور كلام مخالف لكتاب فما يرد الشيطان شىء واحد وهو عصيان الشيطان واتباع المنزل من الله كما قال تعالى : " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم "

الأربعاء، 2 مارس 2022

قراءة فى كتاب ارجع فأحسن وضوءك

قراءة فى كتاب ارجع فأحسن وضوءك
المعد أو المؤلف إبراهيم بن علي الحدادي وفى مقدمته تحدث عن أهمية الوضوء فقال :
"أما بعد:
فإن للوضوء أهمية عظمى، ومنزلة كبرى، فهو مكفر للسيئات رافع للدرجات، ولا تصح صلاة العبد وطوافه وما يشترط له الطهارة إلا به، و مع أن الوضوء من أهم شرائط الصلاة وأنه لا تصح الصلاة بدونه فإن الكثير من المسلمين اليوم لا يحسنه ولا يراعي إسباغه كما ينبغي، الكثير ما إن يسمع الإقامة حتى يبادر بالوضوء على عجل فيترك مواضع من مواضع الوضوء لا يصلها الماء، وهذا بلا شك مخالف للسنة ولا تصح الصلاة لمن لم يحسن وضوءه فقد أمر النبي (ص)رجلا بأن يعيد وضوءه لما رأى من عدم إسباغه للوضوء الشرعي - فعن عمر بن الخطاب أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي (ص)فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» [رواه مسلم]"
والحديث لا يصح لأمره بإعادة الوضوء بدلا من غسل أو بل موضع الظفر خاصة أن غسل الرجلين هو أخر الأعمال فى الترتيب وهو الناقص فالمفروض هو
استكمال ما نقص من الوضوء وليس إعادته لوجود تبذير أو إسراف فى استعمال الماء وهو منهى عنه بقوله :
"ولا تسرفوا"
وحدثنا عن إهمال أو تكاسل الناس فى اكمال بعض أجزاء الأعضاء فقال:
"إن بعض المصلين لا يهتم ولا يعتني بالمواضع التي لا يصلها الماء كبطون الأقدام والأعقاب وغيرها، ولا يحرص على إيصال الماء لها إما تكاسلا وإما جهلا وقد ورد التحذير من ذلك فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (ص)«ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء» [رواه مسلم].
وروي عن النبي (ص)أنه قال: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» [رواه الترمذي وصححه الألباني]."
والأحاديث السابقة الخطأ فيها تعذيب الأعقاب فقط بسبب عدم إسباغ الوضوء عليها والعذاب يكون للنفوس وليس لجزء من الجسم فقط لأن المذنب هو النفس وليس العضو مصداق لقوله تعالى :
"ولا تزر وازرة وزر أخرى "
وتحدث عن وجود شروط وفروض وسنن للوضوء فقال :
"أخي المسلم: إن الوضوء هو أول خطوة للصلاة فلا تتهاون فيه، واعلم أن له شروطا وفروضا وسننا، فشروطه ثمانية هي:
الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية ومحلها القلب، وطهورية الماء، وأن يكون مباحا، وأن يسبقه استنجاء أو استجمار، وأن يزال ما يمنع وصول الماء لأعضاء الوضوء.
وأما عن فروضه فهي ستة:
1 - غسل الوجه بكامله ومنه المضمضة والاستنشاق.
2 - غسل اليدين مع المرفقين (وذلك بغسل اليدين من أطراف الأصابع إلى المرفقين).
3 - مسح الرأس كله ومنه الأذنان.
4 - غسل الرجلين مع الكعبين.
5 - الترتيب: وهو ألا يقدم عضوا على آخر.
ودليل ما سبق قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}
ولفعله (ص)وأمره بذلك، في أحاديث صحيحة.
6 - الموالاة وهي: أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله."
والشرطان الأخران أولهما وهو الترتيب هو استنباط ليس إلا فليس قول فى القرآن ترتيبى فمثلا قوله تعالى :
" وكلوا واشربوا " لا يفيد الترتيب فالإنسان يشرب أو يأكل بأى ترتيب
والشرط الأخير وهو الموالاة ليست شرطا فى كتاب الله وليس عليها دليل فالإنسان قد يبدأ الوضوء وينشغل بعهده بفتح الباب أو بالرد على من يناديه ثم يعود فيستكمل الوضوء
ثم تحدث عما سماه سنن الوضوء فقال :
"وسنن الوضوء هي ما عدا الشروط والفروض ومنها:
1 - السواك، في الحديث: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» [رواه النسائي وغيره]"
والخطأ فى الحديث خشية النبى (ص)أن يفرض السواك على الأمة والسؤال كيف يخاف النبى (ص)من فرض شىء مفيد للمسلمين أليس هذا عجيبا فالمفروض هو أن يفرح لذلك لأنه سيحافظ على صحة أسنانهم وفمهم ثم قال :
2 - غسل الكفين ثلاثا.
3 - البداءة بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه.
4 - المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم للحديث: «أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه].
ومعنى المبالغة في المضمضة: إدارة الماء في جميع فمه، وفي الاستنشاق: جذب الماء إلى أقصى أنفه.
5 - تخليل اللحية الكثيفة بالماء حتى يبلغ داخلها.
6 - تخليل أصابع اليدين والرجلين.
7 - الزيادة على الغسلة الواحدة إلى ثلاث غسلات في غسل اليدين قبل الوضوء وغسل الوجه واليدين والرجلين.
والأفضل أن ينوع فأحيانا يتوضأ مرة مرة وأحيانا أخرى مرتين مرتين وأحيانا ثلاثا ثلاثا لورود ذلك عن النبي (ص)في أحاديث صحيحة. وليوافق المسلم السنة.
8 - قول ما ورد من الدعاء ومن ذلك ما رواه عقبة بن عامر قال: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة» قال فقلت: ما أجود هذه فإذا قائل بين يدي يقول التي قبلها أجود فنظرت فإذا عمر قال إني قد رأيتك جئت آنفا قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» [رواه مسلم]."
والحديث ليس فيه دعاء أى طلب من الله كما قال المعد فى رقم8 فالشهادتين ليستا دعاء
والسنن بعضها يدخل فى الفرائض فمثلا اللحية تحتها جزء من الوجه لابد من الوصول له ولا يكون هذا إلا ببلها كلها حتى يصل الماء للجلد تحتها
وتحدث عن كيفية الوضوء الصحيح فقال :
"كيفية الوضوء الصحيحة:
أن ينوي الوضوء للصلاة ونحوها مما يشرع له الوضوء كالطواف وغيره، ومحل النية القلب والتلفظ بها بدعة"
النية ليست كلاما فقط فتوجه الإنسان للوضوء هو نية عملية ثم قال :
ثم يقول بسم الله ثم يغسل كفيه ثلاث مرات ثم يتمضمض ثلاث مرات ويستنشق ثلاث مرات وينثر الماء من أنفه ثلاث مرات، والأفضل أن تكون المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة يفعل ذلك ثلاثا.
ثم يغسل وجهه ثلاث مرات ثم يغسل يديه مع المرفقين ثلاث مرات يبدأ باليمنى ثم اليسرى ثم يمسح كل رأسه وأذنيه مرة واحدة بماء جديد غير ماء اليدين. ويكون المسح من مقدم الرأس إلى قفاه ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه المسح. ويكون مسح الأذن بأن يمسح بسبابته داخل أذنيه ويمسح بإبهامه من الخارج.
ثم يغسل رجليه ثلاث مرات مع الكعبين يبدأ باليمنى ثم اليسرى.
كما في حديث حمران مولى عثمان أن عثمان بن عفان دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات ثم مضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات ثم غسل اليسرى مثل ذلك ثم قال: رأيت رسول الله (ص)توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال رسول الله (ص)«من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه».
قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة. [رواه مسلم]."
وهذا الوضوء المذكور ليس الوضوء الصحيح وحده لأنه شمل ما قاله الله وزيادة فالوضوء الصحيح شرطه أن تغسل وتمسح الأعضاء الأربعة ومن ثم فتلك الكيفية ليست وحدها الصحيحة وإنما الصحة تبدأ باتباع كلام الله
وتحدث عن مبطلات الوضوء فقال :
"نواقض الوضوء:
للوضوء نواقض من أهمها:
1 - الخارج من السبيلين من بول أو غائط.
2 - زوال العقل بجنون أو نحوه أو تغطيته بنوم أو إغماء ونحوهما وضابط النوم المغطي للعقل أن يكون كثيرا بحيث لا يشعر بنفسه معه.
3 - أكل لحم الإبل للحديث قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من لحوم الإبل» [رواه مسلم]."
الخطأ فى الحديث الوضوء من لحوم الإبل وعدم الوضوء من لحوم الغنم وهو ما يخالف أن أسباب الوضوء فى الوحى ليس بها الوضوء من لحوم الإبل فهى الجنابة والمجىء من الغائط وهى التبول والتبرز والفساء والضراط وملامسة النساء كما قال تعالى :
" وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء "
ثم ساق تنبيهات اعتبرها مهمة فقال :
"تنبيهات مهمة:
أخي الكريم وبعد ما سيق أسوق لك بعض التنبيهات المهمة في هذا الباب فمن ذلك:
* التسمية قبل الوضوء مشروعة ولا ينبغي تركها عند جميع العلماء. ومن العلماء من يوجبها عند الذكر."
هذه مخالفة صريحة للوحى فالله لم يشترط التسمية عند كل عمل وإنما هى واجبة فى الذبح وهو ليست مجرد ذكر كلمة أى اسم الله لأن المراد بها ذكر بعض القرآن كما قال تعالى :
"ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه"
ثم قال :
* حد الوجه طولا: من منابت شعر الرأس المعتادة إلى ما انحدر من اللحيين والذقن وحده عرضا: من الأذن إلى الأذن.
* شعر اللحية من الوجه يجب غسله ولو طال فإن كانت اللحية خفيفة الشعر وجب غسل باطنها وظاهرها وإن كانت كثيفة (أي ساترة للجلد) وجب غسل ظاهرها ويستحب تخليل باطنها [الملخص الفقهي].
* حد اليدين هنا: من رؤوس الأصابع مع الأظفار إلى أول العضد.
* الكعبان هما: العظمان الناتئان اللذان بأسفل الساق من جانب القدم.
* من كان مقطوع اليد أو الرجل فإنه يغسل ما تبقى منهما.
* لا بأس أن يستعمل المنشفة أو نحوها لتنشف الأعضاء بعد الوضوء.
* لا بأس بمعونة المتوضئ وصب الماء له.
* إسباغ الوضوء أن يتم الأعضاء ويعمها بالماء فلا يترك منها شيئا بدون أن يصله الماء.
* على المسلم أن يحذر السرف في الوضوء فقد كان (ص)يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}[المد = 0.687 لتر، والصاع = 2.748 لتر معجم لغة الفقهاء].
* البعض قد يعتمد على كثرة الماء عندما يضع يده أو رجله تحت الصنبور ولا يتعاهد أعضاءه مما قد ينقص الوضوء فلا يصل الماء إلى كل العضو.
* على المسلم أن يحذر من الوسوسة في الوضوء فترى البعض يعيد وضوءه مرات عديدة وهذا بلا شك من تلاعب الشيطان.
* البعض يمسح الرقبة والعنق وهذا لا يشرع [انظر فتاوى اللجنة 5/ 254].
* ومن البدع تخصيص كل عضو بدعاء أو قراءة سورة معينة ونحو ذلك.
* هناك نواقض للوضوء مختلف فيها ومنها: مس الذكر ومس المرأة بشهوة وتغسيل الميت. ولو توضأ من هذه الأشياء خروجا من الخلاف لكان أولى [الملخص الفقهي].
* ما خرج من البدن من غير السبيلين - وكان كثيرا - كالدم والقيء والرعاف فإنه لا ينقض الوضوء على الراجح وإن توضأ فهو أحوط.
* من كان على أظفارها ما يسمى (بالمناكير) فيجب عليها إزالتها قبل الوضوء لأنها تمنع وصول الماء.
* من علم بعد الصلاة بأن على أعضاء الوضوء أو بعضها شمع أو (مناكير) أو ما يمنع وصول الماء للجسم فعليه إعادة الوضوء والصلاة [انظر فتاوى اللجنة 3/ 237].
* الحناء لا يؤثر في الوضوء لأنه لا يمنع وصول الماء للجسم [انظر فتاوى اللجنة 5/ 241].
* من كان عليه جبيرة فإنه يمسح عليها ويغسل ما لم يكن عليه جبيرة من الأعضاء."
وذكر المعد فضل إحسان الوضوء فقال :
"فضل إحسان الوضوء:
قال (ص)«من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» [رواه مسلم]."
الحديث يتناقض مع القرآن فالخطايا ليست فى الجسد وإنما هى مسجلة فى كتاب الإنسان وما يذهبها هو الحسنات أيا كان نوعها وليس الوضوء وحده كما قال تعالى:
"عن الحسنات يذهبن السيئات"
والحديث يتعارض مع الحديث التالى الذى ذكره المعد وهو يتحدث عن أن العمل الصالح كالوضوء والصلاة يزيل الخطايا وهو :
"فضل الصلاة بعد الوضوء:
للصلاة بعد الوضوء فضل عظيم كما سبق في حديث حمران
والذي جاء فيه قوله (ص)«من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه مسلم]."
وفى الختام نصحنا المؤلف نصائح فى الوضوء والصلاة فقال :
"فيا أخي المسلم:
أحسن وضوءك واترك العجلة فيه والإخلال به، واحرص على اتباع السنة، ولا تنس أن تجاهد نفسك وتصلي بعد الوضوء لتحوز الأجر العظيم وجاهد نفسك أيضا على التبكير للصلاة وعدم التخلف عنها جماعة مع المسلمين
"

الثلاثاء، 1 مارس 2022

نقد كتاب أحكام الرضاع فى الإسلام

نقد كتاب أحكام الرضاع فى الإسلام
المؤلف سعد الدين بن محمد الكبي وهو يدور حول موضوع الرضاع فى الإسلام وقد تحدث عن أسباب الرضاع وما يحدثه من آثار كما تحدث عن جهل المعاصرين بذلك فقال :
"أما بعد،
فقد أباح الإسلام الرضاع، وهو أن يرضع الطفل من لبن امرأة غير أمه، وقد تدعو الحاجة إلى ذلك، كوفاة الأم مثلا، أو لعدم قدرتها على الرضاع، إما من انشغال أو عجز، كعدم وجود اللبن أصلا، أو لأسباب أخرى. وبناء على ذلك، فإنه يترتب على هذا الرضاع أحكام شرعية، من ثبوت المحرمية بين الرضيع وفروعه من جهة، وبين مرضعته ومن اتصل بها من جهة النسب من جهة ثانية.
ومن المؤسف أن كثيرا من المسلمين يجهلون ما يترتب على الرضاع، فضلا عن جهلهم بشروطه ومتى يثبت، ومتى لا يثبت، فيتساهلون به، فينشأ بسبب ذلك مشاكل اجتماعية، من أهمها فسخ النكاح بين من ثبتت بينهما المحرمية بسبب الرضاع، وبالتالي، تصبح المرأة ثيبا، فضلا عن انتهاك الأخ لعرض أخته من الرضاع وما شابه ذلك"
واستهل الكلام بالحديث عن النساء المحرمات بسبب الرضاع فقال :
"أنواع المحرمات في الشريعة:
لقد أطلق الشارع على من يحرمن على الإنسان اسم: (محرمات) قال تعالى: { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما }
وتنقسم المحرمات في الشريعة من حيث الجملة إلى ثلاثة أنواع:
1ـ محرمات بالنسب: كالأم، والأخت، والعمة، والخالة.
2ـ محرمات بالصهر:كزوجة الابن، وزوجة الأب، وأم الزوجة، وبنت الزوجة المدخول بأمها.
3ـ محرمات بالرضاع: وسيأتي بيان ذلك."
ثم حدثنا عن التبنى فقال :
"القرابة الاصطناعية (التبني):
ولم يأخذ الإسلام بالقرابة الاصطناعية (التبني) بل أهدرها إهدارا تاما، ولم يجعلها مانعا من موانع الزواج بالنسبة للمتبني والمتبنى، ولم يضع بالتالي أية أحكام خاصة بصدد هذه العلاقة الاصطناعية.
الفرق بين تحريم الرضاع في الشريعة والتبني في القانونين الكنسي والوضعي:
قال تعالى: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم "
لقد أبطل الإسلام عادة التبني بعد أن كانت سائدة، ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية، علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية، وقال: " وما جعل أدعياءكم أبناءكم" ثم قال: " ذلكم قولكم بأفواهكم" والكلام لا يغير واقعا ولا ينشىء علاقة غير علاقة الدم، للخصائص التي تحملها النطفة، وعلاقة المشاعر الطبيعية الناشئة من كون الولد بضعة حية من جسم والده الحي"
وعادة الفقهاء عن الحديث عن قرابة الدم هو ضرب من الخيال فالقرابات ليست دموية وإنما قرابة زواج أو قرابة ولادة فالدم فى البشر مختلف حتى فيما بين الآباء والأبناء والبنات
وعرف الرضاع فقال :
"تعريف الرضاع وحكمه
تعريف الرضاع:
الرضاع بالفتح والكسر (رضاع - رضاع ): اسم من الإرضاع وهو اسم لمص الثدي وشرب لبنه وشرعا: اسم لحصول لبن امرأة أو ما يحصل منه في معدة طفل أو دماغه
وقال الجرجاني: هو مص الرضيع من ثدي الآدمية في مدة الرضاع
وعرفه بعض العلماء بأنه: مص من دون الحولين لبنا ثاب عن حمل، أو شربه ونحوه"
وتعرض لحكم الرضاع فقال أنه مباح فقال :
"حكم الرضاع:
الرضاع جائز في الأصل، قال تعالى: )وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ( وقال النبي (ص)عن ابنة حمزة : » إنها ابنة أخي من الرضاعة «وقال عن ابنة أم سلمة : » إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة "ورضعت عائشة من زوجة أبي القعيس بعد أن نزل الحجاب
وعن عائشة قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن فتوفي النبي (ص)وهن مما يقرأ من القرآن"
والأحاديث السابقة لا يصح منها شىء خاصة حديث نزول عشر أو خمس رضعات فى القرآن فلو كانت قرآنا ما زالت من المصحف ولكنها ليست فيه ومن ثم يكون الحديث كاذب لأن معناه هو إثبات تحريف القرآن وهو ما يتعارض مع قوله تعالى :
" وإنه لقرآن مجيد فى لوح محفوظ"
ثم ذكر أحكاما أخرى فقال :
"وقد يكون الرضاع مكروها، كالارتضاع بلبن المشركة ولبن الفجور، قال ابن قدامة: (كره الإمام أحمد الارتضاع بلبن الفجور والمشركات، وقال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز: اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية، لأنه ربما أفضى إلى شبه أمه المرضعة في الفجور، ولأنه يخشى أن يميل إلى مرضعته في الدين. ويكره الارتضاع بلبن الحمقاء كيلا يشبهها الولد في الحمق، فإنه يقال: إن الرضاع يغير الطباع)"
وهذا الكلام خطأ واضح فاللبن طعام للجسد وليس طعام للنفس وهى الروح حتى يؤثر فيها ولو كان هذا صحيحا فكثير من الرسل(ص) كانت أمهاتهم كافرات ومع هذا كانوا مسلمين فلم يؤثر لبن الرضاعة على أنفسهم ومنهم النبى الخاتم(ص) حسب التاريخ وأمامنا فى القرآن الولد الكافر الذى رضع لبن أمه المسلمة ومع هذا كفر كما قال تعالى :
"والذى قال لوالديه أف لكما أتعداننى أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين أولئك الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين"
والخطأ هو كراهية الرضاع من الزانيات والكافرات وهذا الأمر منوط بالظروف فإن لم يوجد غيرهما فلا بأس ثم قال :
"وقد يكون للرضاع أحكام أخرى بحسب الحال، فقد يكون واجبا وذلك في حق من لها لبن ووجدت طفلا ليس له مرضعة، فيتعين عليها إرضاعه من باب إنقاذ نفس من الموت والهلاك"
ثم حدثنا عن شروط الرضاع المحرم فقال :
"شروط الرضاع المحرم:
إن للرضاع تأثيرا على المرضعة ومن يتصل بها من النسب، وعلى الرضيع وأولاده، إلا أن هذا التأثير لا يوجد إلا إذا تحقق الرضاع بشروطه المعتبرة شرعا وقد اختلف الفقهاء في شروط الرضاع، وهذا تفصيل القول في ذلك:
أولا: السن الذي يثبت فيه التحريم بالرضاع:
اختلف الفقهاء في السن الذي يثبت فيه التحريم بالرضاع، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن الرضاع الذي يثبت فيه التحريم ما كان في سن الحولين، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وصاحبي أبي حنيفة.
واستدلوا بقوله تعالى: ) والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة( فجعل تمام الرضاعة حولين . وبقوله تعالى: ) وحمله وفصاله ثلاثون شهرا( [الأحقاف/15] وعن عائشة أن رسول الله (ص) دخل عليها وعندها رجل، فتغير وجه النبي (ص)، فقالت: »يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال: انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة « .
وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله (ص): » لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام «.
ومعنى في الثدي، قال الشوكانيأي في أيام الثدي، وذلك حيث يرضع الصبي فيها).
وعن ابن عباس قال: ( لا رضاع إلا في الحولين ).
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص): »لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم« .
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن التحريم يثبت إلى ثلاثين شهرا.
واستدل بقوله تعالى: ) وحمله وفصاله ثلاثون شهرا (
وذهب الظاهرية إلى أن رضاع الكبير يحرم، لحديث سهلة بنت سهيل في قصة إرضاعها لسالم ، أن رسول الله (ص) قال لها: » أرضعيه تحرمي عليه« .
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن إرضاع الكبير يجوز للحاجة ويثبت به التحريم، فقال:
(وهذا الحديث ـ أي حديث سهلة بنت سهيل في إرضاعها لسالم أخذت به عائشة وأبى غيرها من أزواج النبي (ص)أن يأخذن به مع أن عائشة روت عنه قال: » الرضاعة من المجاعة « لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية، فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام، وهذا هو إرضاع عامة الناس، وأما الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة مالا يجوز لغيرها، وهذا قول متجه) .
الترجيح:
والراجح مذهب جمهور أهل العلم، وهو أن الرضاع لا يحرم إلا ما كان في الحولين، لقوله (ص): » إنما الرضاعة من المجاعة «وللأدلة السابقة المتقدمة في بيان أن الرضاع الذي يحرم ما كان في زمن الفطام في الحولين، لأنه هو السن الذي يتغذى فيه باللبن، فينبت به اللحم وينشز به العظم وأما الاستدلال بقوله تعالى: ) وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ( على ثبوت التحريم إلى الثلاثين، فإن مدة الحمل أدناها ستة أشهر فبقي للفصال حولان،وقد دل على ذلك قوله تعالى: ) وحمله وفصاله ثلاثون شهرا (مع قوله: )والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين(فحولان للرضاع ويبقى للثلاثين ستة أشهر وهي أقل مدة الحمل.
ويجاب عن حديث سهلة في قصة إرضاعها لسالم وهو كبير: أنه خاص له دون سائر الناس، وهذا ما صرح به أزواج النبي (ص)غير عائشة ، فعن أم سلمة كانت تقول: » أبى سائر أزواج النبي (ص)أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله (ص) لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا «.
فقياس غير سالم بسالم، قياس وإلحاق مع الفارق، لأن سالما كان دخوله جائزا على سهلة ، حيث كان ولدها بالتبني، وذلك عندما كان التبني جائزا، وهذا يدل على أن دخوله كان مباحا في الأصل، ولما حرم التبني، ووجد الحرج والمشقة من الاحتجاب لأنه كان بمثابة الولد، رخص الرسول (ص) في إرضاعه كبيرا ليستمر له ما كان في حقه مباحا، أما وبعد أن حرم التبني، فليس أحد من الرجال يكون دخوله على النساء مباحا فيطرأ الحرج والمشقة في حقه حتى نحتاج إلى إزالتهما فتأمل، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام في بيان مذهب الجمهور:
(والكبير إذا ارتضع من امرأته أو من غير امرأته لم تنشر بذلك حرمة الرضاع عند الأئمة الأربعة وجماهير العلماء، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وحديث عائشة في قصة سالم مولى أبي حذيفة مختص عندهم بذلك لأجل أنهم تبنوه قبل تحريم التبني) ."
الخلافات المذكورة لا تجوز مع وجود نص قطعى ثابت الدلالة وهو " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة "ومن ثم فحديث سالم لم يحدث ولا يمكن أن يشرع الرسول(ص) تشريعا من عند نفسه مع قوله تعالى :
" لم تحرم ما أحل الله لك"

ثم قال :
"ثانيا: عدد الرضعات التي يثبت معها التحريم:
وقد اختلف أهل العلم في العدد المحرم من الرضاع:
فذهب الإمامان مالك وأبو حنيفة إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، وهذا القول هو رواية ثانية عن الإمام أحمد وإليه ذهب أيضا ابن المسيب، والحسن، ومكحول، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث.
واحتجوا بقوله تعالى: ) وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة(وهذا لفظ مطلق يفيد الإطلاق وعدم التقييد، وبقوله (ص): » يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب«
وذهب داود الظاهري وابن المنذر، إلى أن أقل ما يحرم ثلاث رضعات، وبه قال أبو ثور وأبو عبيد.
واستدلوا بمفهوم قوله (ص): » لا تحرم المصة ولا المصتان « وفي رواية عن أم الفضل بنت الحارث قالت: قال النبي (ص): » لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان« فمفهوم الحديث أن الثلاث تحرم.
وذهب الإمام الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى إلى أن التحريم لا يكون بأقل من خمس رضعات، وهو قول ابن حزم أيضا.
واستدلوا بحديث عائشة قالت: »كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي (ص)وهن فيما يقرأ من القرآن «
الترجيح:
والراجح ما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد لصريح ما استدلا به، وهو صحيح محكم، ومن آخر ما نقل عنه (ص) في حياته.
ويجاب عن استدلال أبي حنيفة ومالك:
أنه مطلق، وقد تقرر في الأصول من وجوب حمل المطلق على المقيد، فقوله تعالى: )وأخواتكم من الرضاعة(وكذا قوله (ص): »يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب مطلق، يحمل على المقيد بخمس لقول عائشة » ثم نسخن بخمس معلومات « .
ويجاب عن استدلال داود بأنه عمل بالمفهوم، والمفهوم يعمل به ما لم يخالف منطوقا، وقد خالف هنا المنطوق من حديث عائشة : »ثم نسخن بخمس معلومات"
والرضاع يثبت برضعة واحدة فما فوقها ثم قال :
"حد الرضعة وشروطها:
وإذا كان التحريم لا يتحقق إلا بخمس رضعات معلومات، فما هو حد الرضعة الواحدة وما هي شروطها؟
أولا: حد الرضعة:
الرضعة هي المرة، فمتى التقم الصبي الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره لغير عارض كان ذلك رضعة، فأما إن قطع لضيق نفس، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي ، أو لشيء يلهيه، أو قطعت عنه المرضعة، فإن لم يعد قريبا فهي رضعة، وإن عاد في الحال، فجميع ذلك رضعة واحدة على الراجح.
قال صديق حسن خان: الرضعة أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه ثم يستمر على ذلك حتى يتركه باختياره لغير عارض.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: الرضعة ما كانت منفصلة عن أختها بزمن بين يظهر فيه الانفصال، وهذا هو اختيار ابن القيم، وشيخنا السعدي رحمه الله، وهو الأقرب للصواب، وبناء على ذلك، لو تحول الطفل عن ثدي المرضعة لأنه سمع صوتا أو حولته المرأة إلى ثديها الآخر، أو تركه لبكاء، فهذا لا يخرجها عن كونها رضعة، ولا يشترط أن تكون كل رضعة في يوم، بل ربما تكون الرضعة الأولى في الساعة الواحدة، والرضعة الثانية في الساعة الثانية وهكذا"
ثانيا: شروط الرضعة:
يشترط في الرضعات أن تكون متفرقات، وبهذا قال الشافعي وأحمد.
وقد اختلف أهل العلم في شروط الرضعة في مسائل:
1ـ السعوط والوجور:
فالسعوط: أن يصب اللبن في أنفه من إناء أو غيره.
والوجور: أن يصب اللبن في حلقه صبا من غير الثدي.
فمذهب جمهور أهل العلم أنه يثبت به التحريم، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، والشعبي والثوري، وبه قال مالك في الوجور.
والقول الثاني: لا يثبت التحريم، وهو مذهب داود، لأن هذا ليس برضاع، وإنما حرم الله ورسوله بالرضاع.
وقد رجح ابن قدامة في المغني مذهب الجمهور فقال:
ولنا أن هذا يصل به اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع، ويحصل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم ما يحصل من الارتضاع، فيجب أن يساويه في التحريم. والأنف سبيل الفطر للصائم، فكان سبيلا للتحريم كالرضاع بالفم. قال: والذي يحرم من ذلك ما كان مثل الرضاع وهو خمس، فإن ارتضع وكمل الخمس بالوجور، أو أوجر وكمل الخمس برضاع ثبت التحريم.
2ـ إذا عمل اللبن جبنا أو اختلط بالطعام:
ولو عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي ثبت به التحريم عند الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة لا يحرم به لزوال الاسم.
قال في الهداية: وإن اختلط بالطعام لم يتعلق به التحريم، وإن كان اللبن غالبا عند أبي حنيفة ، وقالا – أي محمد ويعقوب -: إذا كان اللبن غالبا يتعلق به التحريم . ثم قال: لهما: أن العبرة للغالب كما في الماء إذا لم يغيره شيء عن حاله، ولأبي حنيفة: أن الطعام أصل، واللبن تابع له في حق المقصود فصار كالمغلوب، ولا معتبر بتقاطر اللبن من الطعام عنده هو الصحيح لأن التغذي بالطعام هو الأصل.
وأما اللبن المشوب بغيره ـ المخلوط ـ فهو كاللبن المحض الذي لم يخالطه شيء وذلك في قول عند الحنابلة والقول الثاني: إن كان الغالب اللبن حرم وإلا فلا وهو قول أبي ثور والمزني، لأن الحكم للغالب كما أنه قول الحنفية، قال في الهداية: وإن اختلط بالدواء واللبن غالب تعلق به التحريم، لأن اللبن يبقى مقصودا فيه، إذ الدواء لتقويته على الوصول. وإذا اختلط اللبن بلبن الشاة وهو الغالب تعلق به التحريم.
3ـ الحقنة باللبن:
وأما الحقنة، فمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنها لا تحرم، لأن هذا ليس برضاع ولا يحصل به التغذي فلم ينشر الحرمة.
ومذهب الشافعي أنها تحرم، وعن محمد بن الحسن الشيباني أنه تثبت به الحرمة كما يفسد به الصوم. وقد رجح ابن قدامة عدم التحريم لعدم إنبات اللحم وإنشاز العظم بذلك.
قال المطيعي في تكملة المجموع شرح المهذب: (وقد سألنا ولدنا التقي الطبيب أسامة أمين فراج، فأجاب:
لو أعطينا الطفل حقنة اللبن من الشرج فإنه لا يتغذى منه الجسم إلا بنسبة ضئيلة في حالة بقائه في جوفه مدة طويلة، ولا تقاس بجانب ما يتعاطاه بفمه كيفا وكما، وأما إذا نزل منه في الحال فإنه لا يعود عليه منه ما يغذيه)
4ـ الحلب من نسوة متعددات:
قال في المغني: وإن حلب من نسوة وسقيه الصبي، فهو كما لو ارتضع من كل واحدة منهن، لأنه لو شيب بماء أو عسل لم يخرج عن كونه رضاعا محرما، فكذلك إذا شيب بلبن آخر.
5ـ إذا حلبت اللبن وسقته في أوقات متعددة:
قال في المغني: ولو حلبت في إناء دفعة واحدة ثم سقته في خمسة أوقات فهو خمس رضعات، وإن حلبت في إناء حلبات في خمسة أوقات ثم سقته دفعة واحدة، كان رضعة واحدة. قال: كما لو جعل الطعام في إناء واحد في خمسة أوقات، ثم أكله دفعة واحدة، كان أكلة واحدة، وهو قول عند الشافعية.
6- الارتضاع بلبن امرأة ميتة:
هل يشترط للتحريم بالرضاع أن تكون المرضعة حية أثناء الارتضاع، فإذا شرب لبنها بعد موتها لم يحرم؟ اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يحرم لبن الميتة كما يحرم لبن الحية، لأن اللبن لا يموت، وهو قول أبي ثور والأوزاعي وابن القاسم وابن المنذر.
وذهب الشافعي إلى أنه لا ينشر الحرمة، وبه قال الخلال من الحنابلة، لأنه لبن ممن ليس بمحل للولادة فلم يتعلق به التحريم.
ورجح ابن قدامة إثبات التحريم، وقال: لأنه لو حلب منها في حياتها فشربه بعد موتها لنشر الحرمة، وبقاؤه في ثديها لا يمنع ثبوت الحرمة لأن ثديها لا يزيد على الإناء.
قال المطيعي في تكملة المجموع: ولو حلبت المرأة لبنها في وعاء، ثم ماتت، فشربه صبي نشر الحرمة في قول كل من جعل الوجور محرما
فظهر أن مذهب الشافعية، أنهم يخصون عدم انتشار التحريم بما لو ارتضع من ثديها بعد موتها، أو حلب من ثديها في وعاء بعد موتها . أما لو احتلبت من ثديها في وعاء قبل موتها ثم شربه بعد موتها فإنه ينشر التحريم عندهم ."
الرضاعة تعنى البلع بلع لبن المرأة بأى وسيلة من قبل الطفل بالتقام الثدى أو بالشرب أو بالصب أو غيره مما يصل إلى حلقه والكلام عن الرضاع من الميتة هو ضرب من الخبل فلو حدث رضاع فلن ينزل شىء إلا نادرا وهى أن تكون المرضعة ماتت فى تلك الساعة وأما بعد تلك الساعة فالجسم يتوقف نهائيا عن العمل وتحدث عن لبن غير النساء من الأنواع الأخرى فقال :
7ـ الارتضاع من لبن غير الآدمية:
ولو ارتضع اثنان من لبن بهيمة فهل يصيران أخوين؟
لا تنتشر الحرمة بلبن غير الآدمية، فلو ارتضع اثنان من لبن بهيمة لم يصيرا أخوين في قول عامة أهل العلم."
ثم حدثنا عن رضاعة لبن الرجل وهو كلام غريب فقال :
8ـ الارتضاع بلبن رجل:
ولو ارتضعا من لبن رجل لم يصيرا أخوين، ولم تنتشر الحرمة بينه وبينهما، في قول عامة أهل العلم.
فإن ثاب لخنثى مشكل لبن لم يثبت به التحريم لأنه لم يثبت كونه امرأة، فلا يثبت التحريم مع الشك، والقول الثاني: يوقف أمر من يرضع كما يوقف الخنثى المشكل حتى ينكشف أمره."
وهذا الكلام يتعارض مع الطب فالرجل ليس لديه لبن فى أثدائه حتى يرضعها الطفل ولا أدرى من اين استقوا تلك المعلومة الخرافية
ثم حدثنا عن آثار الرضاع فقال:
"الآثار الشرعية المترتبة على الرضاع
إذا أرضعت المرأة طفلا رضاعا محرما، صار الطفل المرتضع ابنا للمرضعة بغير خلاف، وصار أيضا ابنا لمن ثاب اللبن بسببه وهو الزوج ـ زوج المرضعة لأنه صاحب اللبن ـ فصار الرضيع في تحريم النكاح وإباحة الخلوة والمسافرة كالابن تماما. وأولاده من البنين والبنات أولاد أولادهما وإن نزلت درجتهم، وجميع أولاد المرضعة ـ من زوجها صاحب اللبن ومن غيره ـ وجميع أولاد الرجل الذي انتسب الحمل إليه من المرضعة ومن غيرها إخوة المرتضع وأخواته، وأولاد أولادهما، أولاد إخوته وأخواته وإن نزلت درجتهم، وأم المرضعة جدته، وأبوها جده، وإخوتها أخواله، وأخواتها خالاته، وأبو الرجل جده، وأمه جدته، وإخوته أعمامه، وأخواته عماته، وجميع أقاربهما ينتسبون إلى المرتضع كما ينتسبون إلى ولدهما من النسب، لأن اللبن الذي ثاب للمرأة مخلوق من ماء الرجل والمرأة، فنشر التحريم إليهما، ونشر الحرمة إلى الرجل وأقاربه وهو الذي يسمى لبن الفحل.
والدليل في ذلك ما روت عائشة : »أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد أن نزل الحجاب، فقالت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله (ص)فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فدخل علي رسول الله (ص)فقلت: يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته، قال: ائذني له فإنه عمك تربت يمينك « قال عروة: فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول: »حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب « .
وسئل ابن عباس عن رجل تزوج امرأتين، فأرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما، هل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: لا، اللقاح واحد.
التحريم من قبل المرتضع:
فأما التحريم من جهة المرتضع فلا ينتشر إلا إليه وإلى أولاده وإن نزلوا، ولا تنتشر إلى من في درجته من إخوته وأخواته، ولا إلى أصوله كأبيه وأمه، ولا إلى حواشيه كأعمامه وعماته وأخواله وخالاته، فلا يحرم على المرضعة نكاح أبي الطفل الرضيع، ولا أخيه، ولا عمه ولا خاله، ولا يحرم على زوجها نكاح أم الطفل المرتضع ولا أخته ولا عمته ولا خالته، ولا بأس أن يتزوج أولاد المرضعة وأولاد زوجها ـ صاحب اللبن ـ إخوة الطفل المرتضع وأخواته.
ولا تثبت بقية الأحكام بالرضاع، من النفقة، والعتق إذا ملكه، ورد الشهادة ـ لأهل البيت ـ والإرث وغير ذلك."
وما قاله الرجل عن عدم انتشار الحرمة بعد الرجل وأولاده والمرأة وأولادها يخالف ما ذكره من أحاديث أبا القعيس ودخول أخو أبو القعيس على عائشة كما يخالف الحديث" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فهو عام
والآية الكريمة لو أخدت على ظاهرها لكانت الحرمة لزواج الأم المرضعة وبناتها من الرضاعة فقط ولكن الحرمة ثابتة فى فى زواج أخو الراضع من أمه المرضعة وفى حرمة زواج أخوته الذكور من بنات المرضعة وفى حرمة زواج أخت المرضعة
وتحدث عن التحريم بلبن الزنى فقال :
"مسألة في التحريم بلبن الزنى:
اشترط الشافعية في نشر الحرمة بين المرتضع وبين الرجل الذي ثار اللبن بوطئه، أن يكون لبن حمل ينتسب إلى الواطئ، إما لكون الوطء في نكاح أو ملك يمين أو نكاح شبهة، فأما لبن الزاني أو النافي للولد باللعان فلا ينشر الحرمة بينهما وبه قال ابن حامد والخرقي من الحنابلة ودليلهم أن التحريم بينهما فرع لحرمة الأبوة، فلما لم تثبت حرمة الأبوة لم يثبت ما هو فرع لها .
وذهب أبو بكر من الحنابلة إلى أن الحرمة تنتشر بين الزاني أو النافي باللعان وبين المرتضع، لأنه معنى ينشر الحرمة فاستوى في ذلك مباحه ومحظوره كالوطء.
فأما المرضعة، فإن الطفل المرتضع محرم عليها ومنسوب إليها عند الجميع، وكذلك يحرم جميع أولادها وأقاربها الذين يحرمون على أولادها على هذا المرتضع، كما في الرضاع باللبن المباح."
وهذا كلام خاطىء فالحرمة تنتشر بأى لبن زنى أو زواج سواء ثبت الزنى أمام القضاء وساعتها يحرم أم لم يثبت ويتحمل وزر ذلك المحرم الزناة إن لم يعلنوه وهو كفر من قبل الزناة لكتمهم الشهادة
وتحدث عن أمر لا يصح علميا وهو نزول اللبن من غير المتزوجة سواء كانت ثيبا أو عذراء فقال :
"الرضاع بلبن من غير وطء:
وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء فأرضعت به طفلا نشر الحرمة في أظهر الروايتين في مذهب أحمد وهو قول أبن حامد، ومذهب مالك والشافعي، وأبي ثور، والحنفية، وكل من يحفظ عنه ابن المنذر، لقول الله تعالى: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم كما لو ثاب بوطء، ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، فإذا كان هذا نادرا فجنسه معتاد .
والرواية الثانية في مذهب أحمد: لا تنشر الحرمة، لأنه نادر لم تجر العادة به لتغذية الأطفال، فأشبه لبن الرجال، قال ابن قدامة: والأول أصح"
ولا وجود لهذا اللبن فاللبن ينتج من الحمل وليس دون حمل وإنما هى افرازات غير لبنية
ثم تحدث عن الشهادة على الرضاع فقال :
"الشهادة على الرضاع:
إذا شهدت امرأة واحدة على الرضاع حرم النكاح إذا كانت مرضية، وبهذا قال طاوس والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئب، وترجيح ابن قدامة .
لما روى عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فأتيت النبي (ص) فذكرت ذلك له فقال: » كيف وقد زعمت
وفي رواية: قلت إنها كاذبة، قال: » كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ دعها عنك «
ويقبل فيه شهادة المرضعة على نفسها لحديث عقبة أن المرأة قالت: » قد أرضعتكما فقبل النبي (ص) شهادتها« ولا تقبل الشهادة على الرضاع إلا مفسرة ببيان عدد الرضعات وسن الرضاع."
والشهادة على الرضاع لا تصح من المرضعة وحدها فلابد معها من شاهدة أو شاهد وإن شهدت بذلك فهى تخير المخطوبين أو من يريدون الزواج وهم من يقررون ولكن شهادتها وحدها ليست كافية والمفروض فى الإسلام إن أرضعت امرأة طفل أن تشهد على ذلك غيرها ويذهبان معا لمحكمة البلد لتسجيل ذلك حتى يعرف القاضى من يجوز لهم الزواج ممن لا يجوز
وحدثنا عن المسألة التالية:
"في إقرار الرجل على نفسه:
قالوا: وإذا تزوج الرجل المرأة فأقر أن زوجته أخته من الرضاع انفسخ النكاح ويفرق بينهما ."
اقرار واحد لا يكفى فى إثبات شىء كهذا فلابد فى هذه الأمور من شهود وإلا كانت شهادة زور
وتحدث عن الشك فى الرضاع فقال :
"الشك في الرضاع:
إذا شكت المرضعة هل أرضعت الطفل أم لا؟ أو هل أرضعته خمس رضعات أو أربع رضعات، لم يثبت التحريم، لأن الأصل واليقين عدم الرضاع.
وأما إذا شك: هل دخل اللبن في جوف الصبي، أو لم يدخل؟ قال شيخ الإسلام: ( فهنا لا نحكم بالتحريم بلا ريب، وإن علم أنه حصل في فمه، فإن حصول اللبن في الفم لا ينشر الحرمة باتفاق المسلمين )."
الأحكام تبنى على اليقين وليس على الشك وكما قلت لابد من شهود فلا يكفى قول امرأة حتى ولو كانت المرضعة فى تلك المسألة نظرا لنسيان النساء الذى قال تعالى فيه:
"فإن لم يكونا رجلين فرجل وإمرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى"
ونصح المؤلف المرضعات بالنصائح التالية:
"نصائح للمرأة المرضعة:
وفي ختام هذا البحث أسجل بعض النصائح للنساء اللواتي يرضعن أطفالا من غيرهن فأقول:
1ـ ينبغي أن يكون إرضاعك بإذن زوجك، فإن علمت أنه لا يرضى بذلك فعليك الامتناع، لأن طاعة الزوج واجبة، ولا سيما إذا كان اللبن ثاب من وطئه .
فإن أرضعت المرأة رضيعا مع علمها بعدم رضى زوجها بذلك، تأثم ويترتب على هذا الرضاع آثاره من ثبوت المحرمية إذا حصل الرضاع بشروطه، لأن العبرة من التحريم وصول اللبن إلى الجوف وقد وصل .
2ـ ينبغي على من ترضع طفلا من غيرها أن تسجل كل رضعة على دفتر خاص مع بيان التاريخ، وتزيد ذلك كلما كررت الرضعات، فإذا بلغت الرضعات خمسا، فلا ضير بعد ذلك بترك التسجيل، لثبوت المحرمية .
3ـ الأفضل الإشهاد على الرضاع مع إثبات ذلك في الدفتر أو على الورق، وذلك لئلا ينسى أو يجحد في المستقبل .
4ـ الأفضل لمن أرضعت طفلا رضاعا محرما أن تسعى لتسجيل ذلك في سجل النفوس إن أمكن ذلك ."
وهذه النصائح يجمعها وجوب الإشهاد على الرضاع وتسجيله فى المحكمة فى البلدة وليس فى دفتر خاص لأن هذا الأمر ليس منوطا بها وحدها وإنما بعامة المسلمين والمسلمات