الثلاثاء، 10 أغسطس 2021

نقد محاضرة أدلة قيام الشرع على جلب المصالح ودرء المفاسد


نقد محاضرة أدلة قيام الشرع على جلب المصالح ودرء المفاسد
المحاضرة تحولت فى مكتبة الإكسير إلى كتيب بلا صاحب وقد استهلت بآيات من المصحف قال المحاضر فيها:
"{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ,{إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي},{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } , { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون},{ والله لا يحب الفساد}, {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}"
وقد استهل المحاضر محاضرته بتعريف المصالح فقال:
"معيار ضبط المصالح ومعرفتها :
أ -ألا تخالف كتاب الله {إن الحكم إلا لله }.
ب -ألا تخالف سنة رسول الله (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )).
ج -ألا تخالف إجماعا إسلاميا انعقد من أهله بشروطه (( ومن شذ شذ في النار)).
د -أن يكون القصد من جلبها ودرء ضدها جعل الدنيا مزرعة للآخرة وكل مصلحة دنيوية تخل بمصلحة أخروية فهي باطلة {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا, ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا}.
إذ أن زمن ظهور آثار الفعل هو الدنيا والآخرة لأن العبودية لله شاملة لكل أفعال الإنسان.
هـ - أن تكون معرفة هذه المصالح خاصة بالشرع وحده في العبادات والغيبيات ومعه العقل في المعاملات."
المصلحة فى الإسلام لا تعنى دوما النفع فهناك مصالح فى الإسلام ظاهرها الخراب والدمار والفساد كالقتال وفى هذا قال تعالى :
" كتب عليكم القتال وهو كره وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"
فالخير قد لا يكون ظاهر فى القتال فمثلا الشهداء والجرحى ودمار البيوت وخراب الشجر شر أى ضرر ظاهر ومع هذا الخير هو :
أن قتال العدو يجعله يتوقف عن العدوان مستقبلا وهو ما يقلل عدد الجرحى والشهداء والدمار
أن العدو يخاف من قوة المسلمين ومن ثم قد يترك لهم دياره وأمواله لهم
مثلا حكم القصاص فى القتلى يبدو فى ظاهره ضر فبدلا من أن نفقد حياة واحد نفقد حياة اثنين ولكن الخير وهو المصلحة هو التقليل من عدد جرائم القتل خوفا من العقاب وهو القتل
وتساءل المحاضرعن التيقن أو الظن من المصالح فقال:
هل يشترط للعمل بالمصالح واجتناب المفاسد القطع بها أم يكفي غلبة الظن بتحققها ووجودها:
أ -فالإنسان يعمل للآخرة غير قاطع بالقبول { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}
ب - وفي الدنيا التاجر يسافر على ظن الربح , والزارع يحرث على ظن صلاح الزرع والربح, والمريض يتداوى على ظن الشفاء.
ج-وفي الحكم يقضي القاضي بالضن لشهادة الشهادتين أو يمين المدعي عليه مع احتمال الكذب وعلى هذا :
1-فمن قارف فعلا ظانا أنه مفسدة فبان مصلحة عوقب على قصده لا على فعله كمن أكل مالا ظانا أنه لغيره فظهر أنه له .
2-ومن فعل فعلا ظانا أنه مصلحة فبان أنه مفسدة, فإن كان عبادة محضة أثيب على قصده, وهل يسقط عنه طلب الفعل يختلف باختلاف الفساد الداخل عليه.
وإن كان الفعل متعلقا بحق آدمي ضمن ما أتلف ولا إثم عليه كمن استخدم سيارة قد باعها وكيله."
وقطعا المصالح فى الإسلام بعضها يكون يقينى والبعض الأخر خاصة فى التعاملات المالية يكون ظنيا ولذا عندما تحدث الله عن الميراث بين أنه لا أحد يدرى من يرث من وهو المصلحة فقال :
"آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب نفعا فريضة من الله"
وحدثنا المحاضر متسائلا عن المصلحة والمفسدة المحضة فقال:
"هل في الدنيا مصلحة محضة أو مفسدة محضة:
لا يوجد في الدنيا مصلحة محضة ولا مفسدة محضة لأسباب منها:
أ – أنها دار ابتلاء وامتحان {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير , الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور }.
ب- أن الغاية من الخلق عبادة الله والتكليف يستدعي مشقة ولا مشقة في المصالح المتمحضة.
فمثلا في إقامة الحدود مصلحة حفظ المجتمع لكن فيها مفسدة إيذاء من أقيمت عليه .
وفي الطعام والشراب مصلحة حفظ البدن لكن بمفسدة التعب في كسبه وإعداده والتأذي بإخراجه , وهكذا سائر الأمور.
وعليه فالشرع يعطي الحكم للغالب منهما, قال تعالى:{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما }"
نفى المحاضر للمصلحة المحضة والمفسدة المحضة هو خطأ ظاهر فهناك مصالح محضة مثل لذة جماع الزوجة أو جماع الزوج وهناك مفسدة محضة كما فى جماع الزوجة أثناء الحيض كما قال تعالى :
"يسألونك عن المحيض قل هو أذى"
وطرح المحاضر سؤالا عن كيفية العمل عن تعارض المصالح والمفاسد فقال :
"ما هو العمل عند تعارض المصالح والمفاسد كيف العمل :
أ- إذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة فدرءها مقدم على جلب المصلحة مثل عدم الصدق لمنع سفك دم حرام أو انتهاك عرض أو غير ذلك من الضروريات ومثل النهي عن سب الأصنام لأن لا يسبوا رب العالمين.
ب- إذا تساوت المفسدة والمصلحة قدم درء المفسدة على جلب المصلحة مثل مفسدة غضب الزوجة ونفرتها وما يتبع ذلك من شقاق , دفع ذلك أولى من جلب مصلحة الصدق في ذكر مشاعر عدم الارتياح والحب لها والحديث جاء بذلك ومثل النهي عن قول راعنا لاستغلال اليهود لذلك.
ج- أما إذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة فتحتمل المفسدة لتحصل المصلحة مثل تحمل مشاق الجهاد وما فيه من سفك الدماء وذهاب الأموال لمصلحة حفظ الدين ومثل تحمل مفسدة بقاء المنافق ابن أبي لتحصيل مصلحة نشر الإسلام.
وعلى هذا فالقاعدة المشهورة ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) قاعدة أغلبية لا كلية والمعيار لذلك هو مقاصد التشريع فإن كانت المصلحة لحفظ ضروري والمفسدة لإهدار حاجي قدمت المصلحة وكذلك رتب كل نوع من المقاصد تتفاوت فيما بينها."
بين الله فى حكم الخمر أن الإثم لكبره على النفع فقد تم تحريم الخمر وفى هذا قال تعالى :
"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"
وأما فى حكم القتال فلم يقل أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح لأن الحرب كلها مفاسد قتلى وجرحى وخرب ودمار ومع هذا أوجب القتال فقال :
" كتب عليكم القتال وهو كره لكم"
بل وأباح التخريب والتدمير فقال:
" ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله "
ومن ثم الأحكام تكون كما قالها والله وليس بناء على جلب المصالح ودرأ المفاسد لأنه أعلم بمن خلق
وحاول المحاضر ترتيب المصالح فقال :
"رتب المصالح وكيفية العمل عند تعارضها:
أ- أقسام المصالح من حيث اعتبار الشرع لها أو عدمه:
1) مصلحة دل الشرع على اعتبارها بعينها فهي أعلى المراتب كحفظ العقل بتحريم الخمر .
2) مصلحة لم يدل الشرع على اعتبارها بعينها ولكن بالنظر لمقاصد التشريع نجد أن الشرع يطلب فعلها, كجمع المصحف في زمن الصحابة وهي ما يسمى بالمرسلة فهي أدنى مرتبة من السابقة.
3) ما توهم الناس أنها مصلحة لكن الشرع أبطلها كتنمية المال بالربا.
ب- أقسام المصالح من حيث قوة طلب الشرع لها وضعفه:
1) واجبات.
2) مندوبات.
3) مباحات.
وكل منها يتفاوت ما يدخل تحته من أنواع.
ج)أقسام المصالح من حيث العموم والخصوص :
1-من المصالح ما يجب تحصيله أو يندب على الكفاية كحفظ الأمن وتسليم بعض الجماعة .
2-من المصالح ما يجب تحصيله أو يندب على الأعيان كالصلاة وعيادة المريض.
د- عند تعارض المصالح يجب تقديم الكبرى منهما بتفويت الصغرى:
1) مثل قطع اليد المريضة لحفظ البدن , وتسليم المال لحفظ العرض.
2) وإن تساوت تخير بينهما مثل الصلاة في أحد المسجدين , والقيام بإحدى الوظيفتين,وأكل أحد الطعامين , وتولية أحد الصالحين.
هـ - كيف نعرف مرتبة مصلحة من أخرى :
1-بتفاوت ما يترتب عليها من تحقق مقاصد التشريع , فما يحفظ الدين مقدم على ما يحفظ المال , وما كان ضروريا مقدم على ما كان حاجيا وهكذا, فمثلا ينفق المال الكثير لحرب المخدرات لأن العقل مقدم.
2-فإن تساوت في هذه المرتبة فيقدم ما اختصه الشرع بطلب زائد كليلة القدر مثلا.
3-فإن تساوت في هذين المرتبتين وهذا بعيد فما كان من لوازمه زيادة مشقة كالجهاد."
كما سبق القول لا يوجد فى شرع الله ترتيب فكل حكم هو خاص بحالة معينة ومن ثم فالله لا يراعى المصالح البشرية بترتيب معين فهو قد يحرم المصلحة البشرية مثل مصلحة التعامل مع الخمور والميسر ومثل مصلحة التعامل مع الكفار ماليا فى الحج حيث حرم دخولهم المسجد الحرام مانعا بذلك الكثير من المال وفى هذا قال تعالى :
"يا أيها الذين أمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله"
وكذلك الأمر فى المفاسد لا يوجد لها ترتيب عند الله فهو جعل كل حكم بمفرده على حسب علمه بالخلق وفى ترتيب المفاسد قال المحاضر:
" رتب المفاسد وكيفية العمل عند عدم القدرة على دفعها كلها :
أ) عند تعارض مفسدتين ولا يمكن دفعهما ترتكب أخفهما لدفع أعظمهما مثل دفع الغصة بالخمر كما ذكر الفقهاء , أو قتل المسلمين الذين تترس بهم الكفار لعدم إمكان دفع صولة الكفار بدون ذلك , وكقطع اليد لدفع فساد هلاك البدن, ويولى الفاسق ولا يترك الناس ومثل قصة السفينة التي في سورة الكهف .
ب) وإن تساوت تخير بينهما كالأكل من إحدى الميتتين أو تولية أحد الفاسقين وهكذا.
2/ أما كيف يعرف عظم مفسدة عن أخرى :
بتفاوت مقدار منعها لتحقق مقاصد التشريع كمفسدة انتهاك العرض في مقابل أخذ المال.
فإن استوت فباختلاف الداعي إلى هذه المفسدة ولذلك عظم جرم الشيخ الزان والسلطان الكاذب.
فإن استوت فباختلاف الوسيلة من سرق المال خفية في مقابل من أخذه مكابرة وصيالة.
3/ أقسام المفاسد من حيث قوة طلب الشرع لتركها وضعفه:
أ) محرمات .
ب) مكروهات.
وكل رتبة يتفاوت ما تحتها"
وما قاله الكاتب هنا ليس فيه ترتيب وإنما العبرة كما قال تعالى " غلا ما اضطررتم إليه"
فالمفاسد التى قد يرتكبها المسلم له سبب واحد وهو الاضطرار وهو عدم وجود وسيلة أخرى غير ارتكاب المحرم
وتقاسيم الأحكام لواجبات ومندوبات ومباحات ومحرمات ومكروهات هو تقسيم بشرى لا دليل عليه من الوحى فالله قسم الحكام لحلال وحرام والحلال فيه حلال اجبارى وفيه حلال اختيارى من بين خيارات لا يجب الخروج عنها والحرام هو حرام كله ليس فيه شىء اسمه مكروهات
وتحدث المحاضر أحكام المفاسد والمصالح فقال :
"ذرائع المفاسد والمصالح وأحكامها:
[1] تنقسم المصالح والمفاسد إلى وسائل وغايات ولكل منهما حكمه ومرتبته.
[2] أقسام وسائل المفاسد من حيث الحرمة وعدمه.
أ- ما يكون أداؤه إلى مفسدة قطعيا كحفر البئر عند باب الدار في الظلام, فيعطى حكم المباشر.
ب- ما يكون أداؤه إلى المفسدة غالبا على الظن كبيع العنب لمن يصنع الخمر , وله حكم الفاعل وهو شريكه في الإثم.
ج- ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرا كحفر بئر في موضعه المعتاد فإن سقط فيه أحد فلا مؤاخذة عليه.
[3] أقسام الوسائل من حيث توافقها مع الغايات واختلافها:
أ- إذا كانت الوسيلة محرمة والغاية منها محرمة فالجميع مفسدة كغصب المال لشراء الخمر.
ب- إذا كانت الوسيلة مصلحة والغاية مفسدة كالصدق المضر بمعصوم, والتنزه المؤدي للنظر الحرام, وطاعة الوالدين في غير المعروف , وسب أصنام المشركين فهي محل نظر واجتهاد لكل حادثة .
ج- إذا كانت الوسيلة مفسدة والغاية مصلحة كسفر المرأة للحج بدون محرم , والكذب لترويج البضاعة , والكذب للإصلاح , ونظر الطبيب للعورة فهي مثل سابقتها.
د- إذا كانت الوسيلة مصلحة والغاية مصلحة فهي مما يباح أو يطلب كشراء الطعام بالمال الحلال.
[4] أقسام المفاسد بالنسبة للعقوبة وعدمها:
أ- من المفاسد ما يترتب عليه إثم بدون عقوبة محددة كالنظر المحرم.
ب- من المفاسد ما يترتب عليه إثم وعقوبة كالقذف والشراب.
10) كيف يتحقق من حادثة معينة وما فيها من مفاسد ومصالح :
أ- التأكد من أن الفعل محكوم له في الشرع بمصلحة أو مفسدة .
ب- التحقق من أن المراد شرعا هو الواقع .
ج- التحقق من وجود هذا الواقع المعني شرعا في حق هذا الشخص وبدون هذا لا حكم, فمثلا عند الحكم في واقعة استعمال المخدر:
1) وجود دليل تحريم المخدر .
2) إثبات أن هذا هو المخدر المحرم بالدليل نصا أو قياسا.
3) إثبات أن هذا الإنسان في هذه الواقعة المنظورة استعمل المخدر"
كما سبق القول كل حالة لها حكم عند الله كما قال تعالى "وتبيانا لكل شىء"
ومن ثم لا يمكن أن نعدد أفعالا ونوجد لها أحكام من عندنا
وتحدث عما سماه مسائل متفرقة فقال:
"مسائل متفرقة:
أ – ينبغي الاحتياط في فعل الواجبات فمن فاتته صلاة ونسيها صلى الخمس.
ب- ينبغي الاحتياط في اجتناب المحرمات فإذا اختلطت أخته بأجنبية حرمتا عليه.
ج- إذا شرع الله أمرا جالبا لمصلحة أو دارئا لمفسدة فقد شرع أسبابه المقدورة وأركانه وشرائطه."
وكل ما ذكره فى المحاضرة من حكاية المفاسد والمصالح هو اختراع بشرى لم يقله الله فى الوحى فالله هو من يحدد وليس البشر لأنه يعلم بمن خلق

الاثنين، 9 أغسطس 2021

قراءة فى كتاب الفتوى المالكية في أفعال الصوفية

قراءة فى كتاب الفتوى المالكية في أفعال الصوفية
الكتاب مؤلفه عبدالعزيز محمد القيرواني من القدامى وهو عبارة عن سؤال طرحه أحد التلاميذ على القيروانى فى موضوع أفعال الصوفية وهو قوله:
"سئل الشيخ الصالح أبو فارس عبدالعزيز بن محمد القيرواني تلميذ سيدي أبي الحسن الصغير : عن قوم تسموا بالفقراء ، يجتمعون على الرقص والغناء ، فإذا فرغوا من ذلك أكلوا طعاما كانوا أعدوه للمبيت عليه ، ثم يصلون ذلك بقراءة عشر من القرآن والذكر ، ثم يغنون ويرقصون ويبكون ، ويزعمون في ذلك كله أنهم على قربة وطاعة ، ويدعون الناس إلى ذلك ، ويطعنون على من لم يأخذ بذلك من أهل العلم ، ونساء اقتفين في ذلك أثرهم ، وعملن في ذلك على نحو عملهم ، وقوم استحسنوا ذلك وصوبوا فيه رأيهم ، فما الحكم فيهم وفيمن رأى رأيهم ؟ هل تجوز إمامتهم وتقبل شهادتهم أم لا ؟ بينوا لنا ذلك "
فكانت فتوى القيروانى فيهم كالتالى :
الجواب :
"فأجاب بأن قال :
الحمد لله حمد الشاكرين ، والصلاة على محمد خاتم النبيين ، وآله الطيبين الطاهرين ، أكرمكم الله وإيانا بتقواه ، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه لاتباع سنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى نلقاه .
قد وقفنا على ما رسمتم وتصفحنا فصوله ، فالجواب فيه ما قاله بعض أئمة الدين من علماء المسلمين الناصحين ، حين سئلوا عن ذلك : من أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أخبر : " أن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين فرقة ، وأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة ، اثنان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة ".
وقد ظهر ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - من افتراق أمته على هذه الفرق ، وتبين صدقه - صلى الله عليه وسلم - وتحقق ، ولم يكن أحد في مغربنا من هذه الطوائف فيما سلف ، إلى أن ظهرت هذه الطائفة الأمية الجاهلة الغبية ، الذين ولعوا بجمع أقوال جهال فتصدوا إلى العوام الذين صدورهم سالمة ، وعقولهم قاصرة ، فدخلوا عليهم من طريق الدين ، وأنهم لهم من الناصحين ، وأن هذه الطريق التي هم عليها هي طريق المحبين ، فصاروا يحضونهم على التوبة والإيثار والمحبة وصدق الأخوة ، وإماتة الحظوظ والشهوة ، وتفريغ القلب إلى الله بالكلية ، وصرفه إليه بالقصد والنية .
وهذه الخصال محمودة في الدين فاضلة ، إلا أن الذي في ضمنه على مذاهب القوم سموم قاتلة ، وطامات هائلة "
وما تناوله القيروانى من افتراق الأمة لا علاقة له بالسؤال كما أن الأمة لا تفترق كما قال تعالى " وأن هذه أمتكم أمة واحدة " وإنما تموت أى تختفى من الوجود البشرى بسبب ترك الأفراد لها
والرواية لا تصح عن النبى(ص) لكونها علم بالغيب وهو ما لا يعلمه النبى كما قال تعالى على لسانه"ولا أعلم الغيب" وكما قال على لسانه" لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء" وكما قال " وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم"
كما أن عدد الفرق أكبر من الأرقام المذكورة بكثيرة حسب ما جاء فى كتب الملل والنحل زد على هذا أنه لا يوجد تعريف متفق عليه لمعنى الفرقة فى الرواية حتى يمكن تقسيم الناس بناء عليها
وتحدث القيروانى مبينا خطورة الصوفيه فقال :
"الصوفية أشد ضررا من مردة الشياطين" :
وهذه الطائفة أشد ضررا على المسلمين من مردة الشياطين ، وهي أصعب الطوائف للعلاج ، وأبعدها عن فهم طرق الاحتجاج ؛ لأنهم أول أصل أصلوه في مذهبهم بغض العلماء والتنفير عنهم ، ويزعمون أنهم عندهم قطاع الطريق المحجوبون بعلمهم عن رتبة التحقيق ، فمن كانت هذه حالته ، سقطت مكالمته ، وبعدت معالجته ، فليس للكلام معه فائدة ، والمتكلم معه يضرب في حديد بارد ، وإنما كلامنا مع من لم ينغمس في خابيتهم ، ولم يسقط في مهواتهم ، لعله يسلم من عاديتهم ، وينجو من غاويتهم .."
والقيروانى هنا يتحدث حديثا عاما وهو أنه لا يمكن اقناع الصوفية بالحجج الشرعية لأنهم اعتبروا أنفسهم فوق الشرع ومن يمكن اقناعه هو من لم ينخرط فى الصوفية انخراطا تاما وإنما ما زال فى بدايته
ويرى القيروانى أن خروج الصوفية على الشرع بادعاء أنه لا يطبق عليهم وإنما على العوام لكونهم خصوص دفعهم لارتكاب معظم إن لم يكن الذنوب التى حرمها الله وهم يرون أنهم يرضون الله بالمعاصى وهو قوله:
"بدع الصوفية أضر في الدين من الزنى والسرقة :
واعلموا أن هذه البدعة في فساد عقائد العوام أسرع من سريان السم في الأجسام ، وأنها أضر في الدين من الزنى والسرقة وسائر المعاصي والآثام ، فإن هذه المعاصي كلها معلوم قبحها عند من يرتكبها ويجتلبها ، فلا يلبس مرتكبها على أحد ، وترجى له التوبة منها والإقلاع عنها .
وصاحب هذه البدعة يرى أنها أفضل الطاعات وأعلى القربات ، فباب التوبة عنده مسدود ، وهو عنه شرود مطرود ، فكيف ترجى له منها التوبة ، وهو يعتقد أنها طاعة وقربة ، بل هو ممن قال الله فيهم : " قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) " [الكهف : 103 - 104] ، وممن قال فيهم : " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا " [فاطر : 8] .
ثم ضرر المعاصي إنما هي في أعمال الجوارح الظاهرة ، وضرر هذه البدع إنما هي في الأصول التي هي العقائد الباطنة ، فإذا أفسد الأصل ذهب الفرع والأصل ، وإذا فسد الفرع بقي الأصل يرجى أن ينجبر الفرع ، وإن دعوهم إلى بدعته يكون عليه وزره ووزر من استن بسنته ، قال الله العظيم : " ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) " [النحل : 25] .
وقال تعالى : " وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) " [العنكبوت : 13] .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "
والخطأ فى كلام القيروانى أن الصوفى يتحمل وزر من يضله يتناقض مع قوله تعالى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" وقوله طولا تزر وزارة وزر أخرى وقوله" كل نفس بما كسبت رهينة" فلا أحد يتحمل وزر غيره والآيات التى ذكرها تتحدث عن علم الناس بأوزارهم وعلمهم بأوزار غيرهم فى يوم القيامة حيث يرى كل فرد كتاب عمل غيره كما قال تعالى " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"
وتحدث القيروانى محذرا من أفعالهم فقال:
"التحذير منهم بعدم الاغترار بما يفعلون :
ولا تنشأ هذه العلل إلا من مرض في القلب خفي ، أو حمق جلي ، فاحذروها واحذروا أهلها ، ولا تغتروا بهم ولو أنهم يطيرون في الهواء ، ويمشون على الماء ؛ فإن ذلك فتنة لمن أراد الله فتنته وعلم شقوته ، قال الله تعالى : " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا " [المائدة : 41] ."
وحدثنا عن المزاعم التى تسمى كرامات فقال :
"كرامات أولياء الرحمن وأولياء الشيطان :
فلا يغتر أحدكم بما يظهر من الأوهام والخيالات من أهل البدع والضلالات ، ويعتقد بأنها كرامات ، بل هي شرك وحبالات ، نصبها الشيطان ليقتنص بها معتقد البدع ومرتكب الشهوات .
وإنما تكون من الله الكرامة لمن ظهرت منه الاستقامة ، وإنما تكون الاستقامة باتباع الكتاب والسنة ، والعمل بما كان عليه سلف هذه الأمة ، فمن لم يسلك طريقهم ولم يتبع سبيلهم فهو ممن قال الله فيهم : " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) " الآية [النساء : 115] .
فمن حرف كتاب الله أو ترك العمل به أو عطله فقد افترى على الله كذبا ، واتخذ آيات الله هزوا ولعبا ، فإذا رأيتم من يعظم القرآن فعظموه ، وإذا رأيتم من يكرم العلماء وأهل الدين فأكرموه ، قال الله العظيم : " ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه " الآية [الحج : 30] .
ومن رأيتموه يجانب العلماء فجانبوه فإنه لا يجانبهم إلا ضال مبتدع ، غير مقتد بالشرع
ولا متبع ؛ فإن الشرائع لا تؤخذ إلا عن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ،
كيف وقد جعل الله شهادته وشهادة ملائكته كشهادة أولي العلم ، قال الله - تعالى - : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم " الآية [آل عمران : 18] .
ولست أعني بالعلماء المشتغلين في زماننا هذا بعلوم الجدال والممارات ، ولا المعتنين بدرس مسائل الأقضية والشهادات ، فيتقربون بذلك إلى جمع الحطام ، والتقرب من الولات والحكام ، ونيل الرئاسة عند العوام ، وإنما نعني بالعلماء الذين يعملون بعلمهم وقال فيه - صلى الله عليه وسلم - : " يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين " .
وقال فيهم : " علماء كادوا يكونون من رتبهم أنبياء " .
فأولئك ورثة النبيين وأئمة المتقين الذين يحب أن يقتدى بهم ويتأدب بآدابهم ، وتقتفى آثارهم وتحفظ أخبارهم ، ولكنهم ضمهم لحودهم ، وقل على بسيط الأرض جودهم ، فما يورد من آثارهم أثر ، فهم الكبريت الأحمر ، وإن كان عجز عن بلوغ رتبتهم وقصر ، لكنه يعرف الحق فلا يغلظ في نفسه ولا يغتر .
فهذه النصيحة لمن وقف عليها من الإخوان الصادقين المريدين ، والعامة المسلمين المصححين ؛ ليميزوا بها بين المحقين والمبطلين من المنتمين إلى الدين ، ولا يغتروا بالملبس من أجل حسن الظن ومحبتهم للصالحين ، ويدخل عليه الخلل في عقائدهم ، ويميلون بها إلى عوائدهم "
وكلام القيروانى الكثير منه صحيح والخطأ فيه هو وجود كرامات للعلماء الصالحين وهو ما يناقض منع الله الآيات وهى المعجزات وهى الكرامات عن الناس منذ عهد النبى(ص) بقوله:
"وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون"
ثم حدثنا عن حكم الرقص والغناء والفرح فقال:
"حكم الرقص والغناء والنوح :
وأما ما ذكرتموه من أفعالهم واشتغالهم بالرقص والغناء والنوح فممنوع غير جائز ، قال الله تعالى : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " الآية [لقمان : 6] .
قال ابن مسعود : " هو الغناء ، والذي لا إله إلا هو " ، يرددها ثلاث مرات ، وهو قول مجاهد ، وعطاء .
من كانت له جارية مغنية فمات لم يصل عليه ؛ لقول الله - عز وجل - : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " الآية .
قال مالك في " المدونة " : " وأكره الإجارة على تعليم الشعر والنوح وعلى كتابة ذلك "
قال عياض : " معناه نوح المتصوفة وإنشادهم على طريق النوح والبكاء " .
فمن اعتقد في ذلك أنه قربة لله - تعالى - فهو ضال مضل ، ولا يعلم المسكين أن الجنة حفت بالمكاره ، وأن النار حفت بالشهوات ، والله - تعالى - لم يبعث أحدا من الأنبياء باللهو والراحة والغناء ، وإنما بعثوا بالبر والتقوى وما يخالف الهوى ، قال - تعالى - : " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) " [النازعات : 40 - 41] .
فالباطل خفيف على النفس ؛ ولذلك خف في الميزان ، والحق ثقيل ، ولذلك ثقل في الميزان ، قال - تعالى - : " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " [المزمل : 5] .
هل في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عمله المنقول في الصحاح أو عمل السلف الصالح أو أحد من العلماء من ذلك أثر ؟ " .
ونقل الإمام الشاطبي في " الاعتصام " (2 / 115) كلام الإمام الآجري فيمن يفعل فعل هؤلاء الفقراء ، فقال : " وهذا كله من الشيطان يلعب بهم ، وهذا كله بدعة وضلالة ، يقال لمن فعل هذا : اعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصدق الناس موعظة ، وأنصح الناس لأمته ، وأرق الناس قلبا ، وخير الناس من جاء بعده لا يشك في ذلك عاقل ، ما صرخوا عند موعظته ولا زعقوا ولا رقصوا ولا زفنوا ، ولو كان هذا صحيحا لكانوا أحق الناس بهذا أن يفعلوه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنه بدعة وباطل ومنكر ، فاعلم ذلك " .
وقال عبدالوهاب : " ومن البدع الكبرى ما نشاهده ممن يدعي لنفسه العبادة والتقدم " ، انظر تمامه ، ولعله في " شرح الرسالة " لعبدالوهاب .
وأما ما ذكرتموه من قراءة القرآن والاستماع إليه فإنه جائز ، وفيه قربة وطاعة لله - عز وجل - قال تعالى : " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له " الآية [الأعراف : 204] .
وإن كان بعض أول ذلك في الصلاة ، وهذا إذا كان على الوجه المأذون فيه لا يقصد به رياء ولا سمعة .
قال أبو محمد في " رسالته " : " ويبجل كتاب الله العزيز أن يتلى بسكينة ووقار
والنساء فيما ذكرنا كالرجال ، فالمنع في حقهن أشد "
وقطعا الرقص الجماعى والغناء بالشكل المعروف عند القوم محرم فالرقص مباح فى حدود كرقص الزوجة لزوجها أو العكس فى حجرة النوم أو غناءهما لبعض وهناك أنواع مباحة من الاثنين ولكن بشرط فمثلا غناء امرأة أمام جمع من النساء فى مكان مغلق عليهن مباح طالما غنت كلاما طيب وكذلك الأمر فى الرجال 

الأحد، 8 أغسطس 2021

نقد كتاب أحوال النساء في الجنة

نقد كتاب أحوال النساء في الجنة
المؤلف سليمان بن صالح الخراشي وهو يدور حول مجموعة من الأسئلة تدور فى نفوس المسلمات وقد قدم الإجابة على شكل فوائد كل فائدة فيها إجابة سؤال على ما تطرحه النسوة وفى مقدمته قال :
"أما بعد :
فإني لما رأيت كثرة أسئلة النساء عن أحوالهن في الجنة وماذا ينتظرهن فيها أحببت أن أجمع عدة فوائد
تجلي هذا الموضوع لهن مع توثيق ذلك بالأدلة الصحيحة وأقوال العلماء فأقول مستعينا بالله "
وأول ما ذكره هو مشروعية تساؤل المسلمات عما يحدث معهم فى الجنة فقال:
"فائدة ( 1) :
لا ينكر على النساء عند سؤالهن عما سيحصل لهن في الجنة من الثواب وأنواع النعيم ، لأن النفس البشرية مولعة بالتفكير في مصيرها ومستقبلها ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر مثل هذه الأسئلة من صحابته عن الجنة وما فيها ومن ذلك أنهم سألوه صلى الله عليه وسلم : ( الجنة وما بنائها ؟ ) فقال صلى الله عليه وسلم : ( لبنة من ذهب ولبنة من فضة ...) إلى آخر الحديث .
ومرة قالوا له : ( يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة ؟ ) فأخبرهم بحصول ذلك."
وبالقطع أحيانا ما يدور فى أخيلة المسلمين والمسلمات عديد من الأسئلة تتعلق بموضوعات مختلفة مثل هل سنموت هل المتع كلها متع مادية كالطعام والشراب والجماع أم توجد متع من نوع أخر
وفى الفائدة الثانية بين الخراشى أن النفوس تتمنى دخول الجنة ولكن عليها أن تعمل المطلوب لدخولها فقال:
"فائدة (2) :
أن النفس البشرية – سواء كانت رجلا أو امرأة – تشتاق وتطرب عند ذكر الجنة وما حوته من أنواع الملذات
وهذا حسن بشرط أن لا يصبح مجرد أماني باطلة دون أن نتبع ذلك بالعمل الصالح فإن الله يقول للمؤمنين :
( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) الزخرف آية 72.
فشوقوا النفس بأخبار الجنة وصدقوا ذلك بالعمل ط
وبين الرجل فى الفائدة الثالثة كون الجنة للرجال والنساء على السواء طالما كانوا مؤمنين مسلمين وطالما كن مؤمنات مسلمات فقال:
"فائدة ( 3 ) :
أن الجنة ونعيمها ليست خاصة بالرجال دون النساء إنما هي قد ( أعدت للمتقين ) – آل عمران آية 133-من الجنسين كما أخبرنا بذلك تعالى قال سبحانه : ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك
يدخلون الجنة ) – النساء آية 124- ."
وفى الفائدة الرابعة ناقض الخراشى نفسه فبعد أن احل كل الأسئلة فى الفائدة الأولى عاد وطلب منهم الاقتصار على اسئلة دون أسئلة أخرى فقال :
فائدة ( 4 ) :
ينبغي للمرأة أن لا تشغل بالها بكثرة الأسئلة والتنقيب عن تفصيلات دخولها للجنة : ماذا سيعمل بها ؟
أين ستذهب ؟ إلى آخر أسئلتها .. وكأنها قادمة إلى صحراء مهلكة !
ويكفيها أن تعلم أنه بمجرد دخولها الجنة تختفي كل تعاسة أو شقاء مر بها .. ويتحول ذلك إلى سعادة دائمة
وخلود أبدي ويكفيها قوله تعالى عن الجنة : ( لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ) – الحجر آية48-
وقوله : ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ) – الزخرف آية 71- .
ويكفيها قبل ذلك كله قوله تعالى عن أهل الجنة : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) – المائدة 119-."
وهذا النهى يتعارض مع إباحة الله سؤال أهل الذكر عن أى شىء بقوله تعالى:
"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"
واعتبر الخراشى فى الفائدة الخامسة الله قد اختص الرجال دون النساء بمغريات محددة هى الحور العين فقال :
"فائدة ( 5 ) :
عند ذكر الله للمغريات الموجودة في الجنة من أنواع المأكولات والمناظر الجميلة والمساكن والملابس فإنه يعمم ذلك للجنسين ( الذكر والأنثى ) فالجميع يستمتع بما سبق .
ويتبقى : أن الله قد أغرى الرجال وشوقهم للجنة بذكر ما فيها من ( الحور العين ) و ( النساء الجميلات )
ولم يرد مثل هذا للنساء .. فقد تتساءل المرأة عن سبب هذا !؟
والجواب :
1- أن الله : ( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) – الأنبياء 23- ولكن لا حرج أن نستفيد حكمة هذا العمل
من النصوص الشرعية وأصول الاسلام فأقول :
2- أن من طبيعة النساء الحياء – كما هو معلوم – ولهذا فإن الله – عزوجل – لا يشوقهن للجنة بما يستحين منه .
3- أن شوق المرأة للرجال ليس كشوق الرجال للمرأة – كما هو معلوم – ولهذا فإن الله شوق الرجال بذكر نساء الجنة مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) – أخرجه البخاري –
أما المرأة فشوقها إلى الزينة من اللباس والحلي يفوق شوقها إلى الرجال لأنه مما جبلت عليه كما قال تعالى ( أومن ينشأ في الحلية ) – الزخرف آية 18-
4- قال الشيخ ابن عثيمين : إنما ذكر – أي الله عزوجل – الزوجات للأزواج لأن الزوج هو الطالب وهو الراغب في المرأة فلذلك ذكرت الزوجات للرجال في الجنة وسكت عن الأزواج للنساء ولكن ليس مقتضى ذلك أنه ليس لهن أزواج .. بل لهن أزواج من بني آدم ."
وما ذكره الخراشى هو كلام ناتج من الفهم الخاطىء لكلام الله فالله لم يقل أن الحور العين شىء غير المسلمات فى الدنيا لأنه لو أدخل أحد لا يستحق الجنة لكان إلها ظالما تعالى عن ذلك علوا كبيرا وهو ما نفاه بقوله" وما ربك بظلام للعبيد"
ولو أدخل أحد غير المسلمات لاحتج الكفار والكافرات عليه بأنه أدخل من لا يستحقون الجنة
وحكاية كون الحور العين غير مسلمات الدنيا هى مخالفة ومناقضة لقوله تعالى :
"وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون"
وقال :
" ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون"
بالقطع ما قلته سيجعل بعض الرجل يقولون حرام عليك أليس كافيا أن ينكدن عليمنا فى الدنيا حتى يكن معنا فى الآخرة وهو كلام يتناسى أن الله يذهب الكراهية وكل المشاعر السيئة من أهل الجنة كما قال تعالى :
"ونزعنا ما فى صدورهم من غل "
ومن يراجع آيات الزواج فى الجنة سيجد "وزوجناهم بحور عين" ويجد"ولهم فيها أزواجا مطهرة " ويجد " ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون"وليس فيها أى دليل على أن الزواج يكن من غير نساء مسلمات فالحور العين كلمة البصر الغضيض ولا تغض البصر سوى نساء المسلمات كما قال تعالى "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن"
وفى الفائدة السابعة ذكر أحوال زواج المسلمات فى الدنيا فقال:
"فائدة ( 6 ) :
المرأة لا تخرج عن هذه الحالات في الدنيا فهي :
1- إما أن تموت قبل أن تتزوج .
2- إما أن تموت بعد طلاقها قبل أن تتزوج من آخر .
3- إما أن تكون متزوجة ولكن لا يدخل زوجها معها الجنة – والعياذ بالله
4- إما أن تموت بعد زواجها .
5- إما أن يموت زوجها وتبقى بعده بلا زوج حتى تموت .
6- إما أن يموت زوجها فتتزوج بعده غيره .
هذه حالات المرأة في الدنيا ولكل حالة ما يقابلها في الجنة :
1- فأما المرأة التي ماتت قبل أن تتزوج فهذه يزوجها الله – عزوجل – في الجنة من رجل من أهل الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما في الجنة أعزب ) – أخرجه مسلم – قال الشيخ ابن عثيمين : إذا لم تتزوج – أي المرأة – في الدنيا فإن الله تعالى يزوجها ما تقر بها عينها في الجنة .. فالنعيم في الجنة ليس مقصورا على الذكور وإنما هو للذكور والإناث ومن جملة النعيم : الزواج .
2- ومثلها المرأة التي ماتت وهي مطلقة .
3- ومثلها المرأة التي لم يدخل زوجها الجنة . قال الشيخ ابن عثيمين : فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة ولم تتزوج أو كان زوجها ليس من أهل الجنة فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال .
أي فيتزوجها أحدهم .
4-وأما المرأة التي ماتت بعد زواجها فهي – في الجنة – لزوجها الذي ماتت عنه .
5- وأما المرأة التي مات عنها زوجها فبقيت بعده لم تتزوج حتى ماتت فهي زوجة له في الجنة .
6- وأما المرأة التي مات عنها زوجها فتزوجت بعده فإنها تكون لآخر أزواجها مهما كثروا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( المرأة لآخر أزواجها ) – سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني .
ولقول حذيفة – رضي الله عنه – لامرأته : ( إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تزوجي بعدي فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا فلذلك حرم الله على أزواج النبي أن ينكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة ) .
مسألة: قد يقول قائل : إنه قد ورد في الدعاء للجنازة أننا نقول ( وأبدلها زوجا خيرا من زوجها ) فإذا كانت متزوجة .. فكيف ندعوا لها بهذا ونحن نعلم أن زوجها في الدنيا هو زوجها في الجنة وإذا كانت لم تتزوج فأين زوجها ؟
والجواب كما قال الشيخ ابن عثيمين : إن كانت غير متزوجة فالمراد خيرا من زوجها المقدر لها لو بقيت وأما إذا كانت متزوجة فالمراد بكونه خيرا من زوجها أي خيرا منه في الصفات في الدنيا لأن التبديل يكون بتبديل الأعيان كما لو بعت شاة ببعير مثلا ويكون بتبديل الأوصاف كما لو قلت ك بدل الله كفر هذا الرجل بإيمان وكما في قوله تعالى : ( ويوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) – سورة إبراهيم آية 48- والأرض هي الأرض ولكنها مدت والسماء هي السماء لكنها انشقت "
وما ذكره الرجل الكثير منه صحيح ومنه حالة امرأة فرعون وهناك أحوال للرجال مثلها كحالتى نوح(ص) ولوط(ص)جيث كانت الزوجات كافرات والأمر فى ألآخرة ليس فى الدنيا فليس كل من تزوج مسلمة فى الدنيا يتزوجها فى الجنة بالضرورة ولكن الله يخير المسلمين والمسلمات فى الجنة فى بعضهم البعض فيتزوج كل رجل امرأة باختيارهما ومن ثم تكون هناك زيجات جديدة وقد تظل بعض الزيجات القديمة كما هى عليه ولذا قال تعالى "وزوجناهم بحور عين" فالله يزوج المختار والمختارة لبعضهما "
وبين الخراشى تعارض الروايات فى أمر الحور العين فقال :
فائدة ( 7 ) :
ورد في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم للنساء : ( إني رأيتكن أكثر أهل النار ...) وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أقل ساكني الجنة النساء ) –أخرجه البخاري ومسلم –
وورد في حديث آخر صحيح أن لكل رجل من أهل الدنيا ( زوجتان ) أي من نساء الدنيا .
فاختلف العلماء – لأجل هذا – في التوفيق بين الأحاديث السابقة : أي هل النساء أكثر في الجنة أم في النار ؟
فقال بعضهم : بأن النساء يكن أكثر أهل الجنة وكذلك أكثر أهل النار لكثرتهن . قال القاضي عياض : ( النساء أكثر ولد آدم ) .
وقال بعضهم : بأن النساء أكثر أهل النار للأحاديث السابقة . وأنهن – أيضا – أكثر أهل الجنة إذا جمعن مع الحور العين فيكون الجميع أكثر من الرجال في الجنة .
وقال آخرون : بل هن أكثر أهل النار في بداية الأمر ثم يكن أكثر أهل الجنة بعد أن يخرجن من النار – أي المسلمات –
قال القرطبي تعليقا على قوله صلى الله عليه وسلم : ( رأيتكن أكثر أهل النار ) : ( يحتمل أن يكون هذا في وقت كون النساء في النار وأما بعد خروجهن في الشفاعة ورحمة الله تعالى حتى لا يبقى فيها أحد ممن قال : لا إله إلا الله فالنساء في الجنة أكثر ) .
الحاصل : أن تحرص المرأة أن لا تكون من أهل النار "
وهو كلام كله يعنى أن الروايات لا يوجد شىء منها صحيح فى المسألة فالحور توجد روايات تقوا 2و70و72 وهناك ما هو أكثر وهو كلام لا يمكن أن يقوله النبى(ص) لكونه كلام ليس من الوحى

وفى الفائدة التالية بين أن المسلمات يعدن لسن الشباب والبكارة فقال:
"فائدة ( 8 ) :
إذا دخلت المرأة الجنة فإن الله يعيد إليها شبابها وبكارتها لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الجنة لا يدخلها عجوز .... إن الله تعالى إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكارا ) ط
وهو معنى صحيح يتفق مع قوله تعالى" عربا أترابا "
وعاد الخراشى للتفرقة بين مسلمات الدنيا والحور المزعومات فى الفهم الخاطىء فقال :
"فائدة ( 9 ) :
ورد في بعض الآثار أن نساء الدنيا يكن في الجنة أجمل من الحور العين بأضعاف كثيرة نظرا لعبادتهن الله "
وكما سبق القول لا يمكن لله أن يدخل أحد الجنة بدون عمل لأن هذا ظلم بين لا يقره هو وإنما اخترعه الكفار لاضلال الناس
وفى الفائدة الأخيرة بين الله أنه هناك محرمات فى الجنة ويعنى أن الزوج لا يدخل على زوجته سواه وفى هذا قال :
"فائدة ( 10 ) :
قال ابن القيم ( إن كل واحد محجور عليه أن يقرب أهل غيره فيها ) أي في الجنة .
وبعد : فهذه الجنة قد تزينت لكن معشر النساء كما تزينت للرجال ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) فالله الله أن تضعن الفرصة فإن العمر عما قليل يرتحل ولا يبقى بعده إلا الخلود الدائم ، فليكن خلودكن في الجنة – إن شاء الله – واعلمن أن الجنة مهرها الإيمان والعمل الصالح وليس الأماني الباطلة مع التفريط وتذكرن قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها : ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت ) "
ونصح الرجل النساء فقال :
واحذرن - كل الحذر – دعاة الفتنة و( تدمير ) المرأة من الذين يودون إفسادكن وابتذالكن وصرفكن عن الفوز بنعيم الجنة . ولا تغررن بعبارات وزخارف هؤلاء المتحررين والمتحررات من الكتاب والكاتبات ومثلهم أصحاب ( القنوات ) فإنهم كما قال تعالى : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) .
أسأل الله أن يوفق نساء المسلمين للفوز بجنة النعيم وأن يجعلهن هاديات مهديات وأن يصرف عنهن شياطين الأنس من دعاة وداعيات ( تدمير ) المرأة وإفسادها وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم "

السبت، 7 أغسطس 2021

نقد كتاب الرقى الشرعية ووسائلها هل هي توقيفية أم اجتهادية

نقد كتاب الرقى الشرعية ووسائلها هل هي توقيفية أم اجتهادية
الكتاب تأليف عبد الله بن صالح العبيد وهو يدور حول موضوع حكم الرقى والعبيد يقول أنه لم يقرأ كتابا جامعا للموضوع فى المسألة فقرر تأليف الكتاب وفى هذا قال فى المقدمة:
"أما بعد:
فهذا بحث موجز في مسألة مهمة، طرحت في الساحة العلمية، واختلف فيها الناس بين المنع والإباحة، وهي: "الرقية الشرعية ووسائلها توقيفية أم اجتهادية؟" ولما لم أر بحثا خاصا في هذا استعنت الله وشرعت في جمع مادته"
واستهل الكتاب بتعريف الرقية وحكمها فقال :
"المبحث الأول : تعريف الرقية وحكمها
وفيه مسألتان:
الأولى: تعريف الرقية:
لغة: هي: العوذة، وجمعها رقى، يقال: رقى الراقي رقيا ورقية ورقيا، إذا عوذ ونفث في عوذته
واصطلاحا: الرقية: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة"
والرقية فى المجمل دعاء للمريض ثم حدثنا عن حكمها فقال :
"الثانية: حكم الرقية:
الرقية من التداوي، والتداوي في الأصل مشروع لما روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي (ص)فقال: يا محمد أشتكيت؟ فقال: نعم. فقال جبريل: "باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك"
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)"ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" رواه البخاري
ولمسلم عن جابر أن النبي (ص)قال: "لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عز وجل
وأما ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس في قصة السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال النبي (ص)"هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون"
فقد أجاب العلماء عنه بأجوبة أجودها: أنهم قوم وثقوا بالله وتوكلوا عليه حق التوكل، فلشدة توكلهم لم يأبهوا لطب الأطباء ورقى الرقاة، وإن كان تعاطي هذه الأسباب غير قادح في التوكل؛ لثبوت جواز فعل ذلك في الأحاديث الصحيحة وفعل سادة الصحابة والتابعين لهم بإحسان"
العبيد هنا جعل الرقية دواء وهو تخريف ظاهر فالرقية كلام والكلام لا يشفى مريضا لأنه فى تلك الحالة يكون آية أى معجزة وقد منع الله المعجزات وهى الآيات فقال تعالى :
"وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون"
ومما استدل به على أنها رقية لا يوجد فيه أى إشارة على كونها علاج فالرواية ألأولى ليس فيها ما يشير لمرض النبى(ص) فكلمة اشتكيت تدل على أى ضرر مثل فقد الابن كما قال يعقوب (ص) فى فقد أولاده" إنما اشكو بثى وحزنى إلى الله"
والروايتان الأخريان ليس فيهما لفظ الرقية وأما الرواية الرابعة فهى تحرم الرقية بقولها أن المسلمين لا يسترقون ومن ثم فالإدعاء بكونها علاج أو دواء او تخريف واضح
وفى المبحث الثانى ناقش هل هى نصوص واجبة أم كل واحد يدعو بما يروق له فقال :
"المبحث الثاني : هل الرقى ووسائلها توقيفية أم اجتهادية؟
وقع الخلاف بين أهل العلم هل الرقى ووسائلها توقيف من الشارع أم أن الأصل الاجتهاد والتجربة فيها وفي كيفياتها ما لم تخرج إلى المحظور؟
ولنقرب المسألة ببعض الأمثلة:
المثال الأول: لو كتب راق بعض القرآن أو كله في ورقة بزعفران ونحوه ثم أعطاها المريض ليبلها بالماء ثم يشربها، فإن ذلك لم يصح عن النبي _صلى الله عليه وسلم فما حكمه؟
المثال الثاني: القراءة التخييلية، وهي أن يقرأ الراقي على المريض القرآن، ويقول له: في أثناء قراءتي اذكر أسماء من يرد في خاطرك – والراقي ممسك بأحد عروق مفصل اليد – فيرد بين الفينة والأخرى أسماء وأشكال أشخاص يعرفهم المريض ، فيقول الراقي: هؤلاء أصابوك بعين أو غير ذلك، وقد استعمل هذا النوع غير واحد من الرقاة عندنا فانتفع بذلك، وهذا أيضا لم يؤثر عن النبي (ص)على هذا الوجه ولا عن السلف، فما تتبعته بشدة.
المثال الثالث: رقية الكافر للمسلم، وقد جوزها الشافعي وجماعة وكرهها مالك وقال أبو بكر لليهودية التي ترقي عائشة: "ارقيها بكتاب الله"
المثال الرابع: الرقية بالأذكار التي ليست من الكتاب والسنة، والكلام الإنشائي الرصين العبارة مما يباح _إن انتفع به_ هل يشرع؟
فالأمثلة الثلاثة الأول للوسائل، والرابع للرقية نفسها، وينبغي أن يكون الكلام فيها واحدا.
ولم أر أحدا من الأئمة نص على هذه المسألة بعينها فيما فتشته، والسبب في ذلك ما أخبرتك أن تعلق السلف بالكتاب والسنة كان سدا منيعا أمام العلل والحوادث وحرصهم على عدم تعدي المنقول، ومع ذلك فقد أشارت النصوص إلى شيء من ذلك، وأومأ بعض المحققين إليه، وسأذكر ما وقفت عليه _إن شاء الله_ وقبل بيان مأخذ المسألة وتفصيليها:
اعلم أن الرقية لو كان فيها محرم أو شرك فالإجماع قائم – في الجملة – على المنع.
والذي يستدل به لمن قال بالتوقيف أمور ثلاثة:
1- أن ما لم ينقل عن النبي (ص)الأصل رده، وباب الرقى قد بينت كيفياته في السنة.
2- أن في ذلك أمورا لا يدرى ما هي، فالمنع مما لا يعرف في باب الرقى محل إجماع.
3- أن فتح الباب فيما لم يرد لا ينضبط، وهو مظنة دخول ما يحرم وما يكون شركا.
والذي يستدل به لمن قال بالاجتهاد أمور منها:
1- ما رواه مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله (ص)عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله (ص) فقالوا:" يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأسا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل
ووجوه الدلالة من ثلاثة وجوه:
أ- قوله: "من استطاع.." وهذا من صيغ العموم.
ب- قوله: "فعرضوها عليه" ولو كانت مما شرع ابتداء لم يعرضوها عليه، إذ هي معلومة عنده.
ت- قوله: "كانت عندنا" أي: في الجاهلية، كما هي ظاهر لا يخفى."
قطعا الرواية لا تصح فالشفاء من لدغ أو لسع العقرب لا يكون بالكلام فالعقرب إن كان ساما توجب علاجا ماديا وإلا مات الملسوع مسموما كما أننا لو صدقنا الرواية فمعناها أن النبى (ص)ينطق عن الهوى فيحرم بمزاجه ثم يعود فيستثنى وكأن الله لم يقل له حكما شاملا وقطعا النبى(ص) لا ينطق عن الهوى فى المحرمات والمحلللات وهى أحكام الإسلام ثم قال:
2- وروى مسلم أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي، قال:" كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"
ووجه الدلالة منه من ثلاثة وجوه أيضا:
أ- قوله: "كنا نرقي في الجاهلية"، وهذا صريح أن رقيتهم لم يرد بها الشرع.
ب- قوله: "اعرضوا علي رقاكم" جلي في أن تلك الرقى لم يرد بها الشرع أيضا.
ت- قوله: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" وهذا ظاهر في إطلاق الإباحة في هذا الباب ما لم يكن في الرقى شرك"
الرواية صحيحة المعنى فالرقى وهى الأدعية مباحة ما لم تكن كفرا ثم قال:
3- ما تقدم في حديث أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ، قال له النبي (ص)"وما أدراك أنها رقية؟".
فيه إشارة إلى أنها اجتهاد من الراقي، ثم لو كانت توقيفية لما توقفوا في أخذ ما أعطي لهم من الأجرة حتى يسألوا عنها النبي (ص)بل لما سألوه عن ذلك أصلا.
4- وروى أبو داود وأحمد من حديث الشفاء بنت عبد الله، قالت: دخل علي النبي (ص)وأنا عند حفصة، فقال لي: "ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة
5- وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "أرخص النبي (ص)في رقية الحية لبني عمرو"
ففي هذين الخبرين دلالة على أن تلك الرقيتين لم تكن بأمر الشرع، بل كانت من الاجتهاد، ولما لم تكن شركية ولا متضمنة لمحظور أرخصت لهم، وهذا القدر كاف في الاستدلال على أن وسائل الرقى غير توقيفية.
وفي الباب غير هذا"
والروايات السابقة كلها خطأ فكما سبق القول الرقى وهى الأدعية لا تفيد فى علاج اللسع واللدغ والمفيد هو العلاج المادى وهو مضادات السموم أو مص الدم مكان اللدغ أو اللسع وما بعده وبصقه بعد الربط فوق مكان اللدغ أو اللسع بقليل لمنع أو تقليل انتقال السم لبقية الجسم أو سحب الدم المسموم وضخ دم أخر من نفس النوعية
وانتقل العبيد إلى مناقشات الفقهاء فى المسألة فأورد التالى:
"الاعتراضات والمناقشات:
قبل الخوض في ذلك لا بد من ذكر مقدمات مسلمات تشير إلى الصواب _إن شاء الله تعالى_:
أولا: إذا كان القولان في مسألة ما، أحدهما مثبت، والآخر ناف، فالمثبت مقدم على النافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم.
ثانيا: إذا اشتبه الحظر بالإباحة غلب جانب الحظر؛ صيانة للدين.
ثالثا: إذا احتج لأحد القولين بالقواعد العامة للشريعة، واحتج للآخر بالنصوص الخاصة، فإن العام لا ينافي الخاص، بل لكل وجهه.
رابعا: الأصل أن المنافع مباحة، وكل ما عظم نفعه وقل ضرره أطلق بابه للمكلفين، وعكسه كذلك.
خامسا: الرقى ضرب من ضروب الأدوية، وباب الدواء والعلاج في الأصل اجتهاد وتجربة.
إذا تأملت ذلك مع النصوص المتقدمة ظهر لك أن القول بأن الرقية ووسائلها اجتهادية هو الأظهر، بيد أن وضع ضوابط لذلك أمر لا بد منه، وسيأتي بيان هذا على وجه التفصيل، والجواب عما احتج به في المنع سيأتي في الاعتراضات."
هذه القواعد التى وضعها العبيد بعضها خطأ فاحش فليس المثبت مقدم على النافى ولا العكس وإنما القاعدة النص يلغى كل ما سواه وأما الاشتباه فلا يوجد شىء اسمه الاشتباه فالحكم إما حلال أو حرام ولا يوجد بينهما وسط والقول أن المنافع مباحة ينافى تحريم الخمر والميسر رغم وجود منافع فيهما كما قال تعالى "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما منافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" وعودته للقول بكون الرقى علاج هو تخريف ظاهر وأصل كلامه هو :
أن الحيات والثعابين والعقارب وغيرهما من الأشياء التى تلدغ وتلسع وتقرص البعض منها سام والبعض الأخر غير سام ومن يرقى قد يموت إذا كان الشىء سام وقد يعيش إذا كان غير سام كما أن بعض القرصات تختفى بعد يومين أو ثلاثة نتيجة مقاومة الجسم ومن ثم ظن القوم أن هؤلاء الناجين من الموت أو من التورم أفادت الرقية فى شفاءهم مع أن الفائدة كان سببها أن من لدغ أو لسع أو قرص غير سام أو أنه يختفى بسبب المقاومة الجسمية أو قلة المادة التى دخلت الجسم
ثم أورد المناقشات فقال:
"وأما الاعتراضات والمناقشات:
الاعتراض الأول: قال الحافظ ابن حجر: تمسك قوم بهذا العموم – يعني حديث جابر الأول – فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف – يعني الذي قدمناه – أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطا
فهذا الاعتراض صحيح، إذ ما لا يعقل معناه أكثر ما يكون الدخل منه، فمنعه من باب سد الذرائع، وفي كلام الحافظ إشارة إلى ترجيح ما اخترناه فتأمل.
الاعتراض الثاني:
إن قيل: إن حديث "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" لا يدل على إطلاق الإباحة، وإنما المراد بقوله: "لا بأس بالرقى" أي: مما شرع في السنة، فيكون من العام الذي أريد به الخصوص، ولم يرد العموم، ولا استيعاب جميع الرقى، بدلالة أنه استثنى الشرك، ولم يستثن المحرمات، مع دخولها في الاستثناء من غير خلاف.
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن نفي العموم غير مسلم، إذ الأصل في "ال" أن تكون للجنس المفيد للاستغراق.
الثاني: على مدعي خلاف العموم الدليل، وما ثبت بدليل لا يرفعه إلا دليل.
الثالث: أن الجواب في كلام النبي (ص)وارد على الاجتهاد في الرقى، وهل يجوز التجربة فيها، فكان الجواب مناسبا لذلك بل أعم من ربط الحكم برقية معينة، ونبه على الشرك لقرب عهدهم به كما هو صريح في أول الحديث، ولم ينص على المحرمات؛ لأنه لا محرم فيما ذكره، ولو سلمنا ما قيل، فسيبقى الكلام على أحد أمرين:
إما أن هذا المسكوت عنه، وهو أن الرقى اجتهادية جائز في الشرع، فهذا ما قدمناه.
وإما أن هذا المسكوت عنه ممنوع فأين دليله؟ وأنت خبير بأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
بل يقال: لم استثنى الشرك وترك النص على المحرمات، ولم يأت بصيغة تجمع الأمرين، كما هو شأن الشرع وسننه في التنبيه على عموم المحرمات؟
إلا ليدل على أن باب الرقى باب الدواء والتطبب، وهو باب مفتوح إلا أن يداخله محرم كالنجاسة، فيعلم هذا من نص خاص منفصل لكن لما كان أثره أعظم من أثر الطب الجثماني، وتعلق بالكلام الرباني وكلام الآدمي، حسن التنبيه على تحريم دخول الشرك فيه بشتى ألوانه؛ صيانة لقلب المكلف ودينه، وصيانة للمداوي والمداوى جميعا.
وقد ألمح الحافظ أبو حاتم ابن حبان في صحيحه إلى ذلك، فقال:
"ذكر الخبر المصرح بإباحة الرقية للعليل بغير كتاب الله ما لم يكن شركا"، ثم ذكر خبر جابر الأول، ثم ذكر حديث عائشة أن رسول الله (ص)دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها، فقال: "عالجيها بكتاب الله"
ثم قال: قوله (ص)"عالجيها بكتاب الله" أراد: عالجيها بما يبيحه كتاب الله؛ لأن القوم كانوا يرقون في الجاهلية بأشياء فيها شرك، فزجرهم بهذه اللفظة عن الرقى إلا بما يبيحه كتاب الله دون ما يكون شركا
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: باب الرخصة في الرقية ما لم يكن فيها شرك، ثم ذكر حديث عوف بن مالك المتقدم وغيره، ثم قال: وحديث عوف عام في الرقى ما لم يكن فيه شرك، وكذلك روي عن أبي سفيان عن جابر في معناه، وقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" وفي ذلك دلالة على أن كل نهي ورد في الرقى أو عما في معناه، فإنما هو فيما لا يعرف من رقى أهل الشرك، فقد يكون شركا.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي: في حديث جابر ما يدل على أن كل رقية يكون فيها منفعة فهي مباحة، لقول النبي (ص):"من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل"، وقال: قد روي عن رسول الله (ص)في إباحة الرقى كلها، ما لم يكن فيها شرك، ثم ذكر حديث عوف المتقدم، ثم قال: دل ذلك على أن كل رقية لا شرك فيها فليست بمكروهة
الاعتراض الثالث:
إذا قيل: إن الرقى ووسائلها اجتهادية، فإن الباب ينفتح فلا ينضبط، وهذا الذي وقع في الجاهلية، حتى أدخلوا فيها الشرك، وما لا ينضبط فهو مظنة المنع.
والجواب: لا تلازم بين الأمرين، فهذه أبواب عظيمة في الشرع اجتهادية ومع ذلك منضبطة، وإذا وقع في الرقى ما لا ينضبط، وحصل به الشك والتردد فهذا ممتنع بلا شك عند الجميع.
الاعتراض الرابع:
أن ما ورد عن الشرع في باب الرقى مغن عن إدخال ما ليس فيه،
والجواب: إن الشرع الذي جاء بالرقى هو الذي فتح الباب فيها وأطلقه _كما تقدم في النصوص_.
وإذا تبين هذا فاعلم أنه مع أن الأصل في هذا الباب الاجتهاد، فإنه لا بد من وضع ضوابط تمنع إدخال ما لا يرضى عند الله ورسوله، وهي:
1- الاعتقاد بأن الرقى لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله _تعالى_.
2- ألا يكون فيها ما لا يعرف معناه.
3- ألا يفتح الراقي على نفسه باب المحرمات، من الاتهام الكاذب للناس، أو التداوي بالمحرمات والنجاسات.
4- أن لا تكون التجربة سارية على ذكر الله، إذ من لم يعتقد الشفاء فيه لا ينتفع بذلك5- ألا يستخدم فيها الجن، فإن هذا باب مجهول لا ينضبط، فاستخدامهم وسائل في الرقى يمنع سدا للذريعة. نعم قد يجوز استخدامهم عند الحاجة والضرورة في أمور قد يقدرها العلماء المخلصون ؛لأن "ما حرم سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة
6- ألا يشابه فيها أهل الكفر والسحرة فيما لا ينفع، من أوهام وخرافات وحركات لا تنفع، فإن من تشبه بقوم فهو منهم"
وكل هذه المناقشات لا تعنى المسلم فى شىء فالروايات فى الموضوع لا يسلم منها إلا واحد تقريبا وقد لا يسلم شىء منها
ويبقى الأصل هو التداوى عند الأطباء وأما الرقية فخرافة لا وجود لها اخترعها الكفار هى ورواياتها لإضلال الناس عن الحق وأما الرقية بمعنى الدعاء فهى أمر مباح ولكنها لا تشفى مرضا
ثم أورد التالى:
"وبقيت ههنا مسألة، وهي: هل يشرع العمل في الرقى بما في الأحاديث الضعيفة؟ والظاهر أنه لا بأس بذلك، وقد عمل بذلك جماعات من السلف والأئمة لأن ذلك من أبواب الاجتهاد والتجربة، لكن تقييده أولى بـ:
1- ألا يعتقد أن الرسول (ص)قاله.
2- ألا يتضمن مخالفة لأصل شرعي أو نص.
3- أن يظهر بالتجربة القديمة أو الحديثة نفعه، وإلا كان الاشتغال به اشتغال عن الفاضل والنافع، ولا سيما مما ورد، والله تعالى أعلم وأحكم"
والخلاصة أن الرقية بمعنى الدعاء هى أمر مباح وليس فيه نص مخصوص يقال ويكفى المسلم أن يقول :
يا رب اشفنى يا رب عافنى أو احمنى من شر المرض وما ماثل ذلك فى المعنى ولكن لا توجد أدعية خاصة بكل مرض

الجمعة، 6 أغسطس 2021

نقد كتاب حكم حلق اللحية

نقد كتاب حكم حلق اللحية
مؤلف الكتاب كما يسمونه الشيخ بيوض وهو يدور حول حكم حلق اللحية حيث سأل أحدهم بيوض عن الحكم فأجاب وفى هذا قال :
"سألتني أيها الأخ الكريم عن حكم حلق اللحية في الشريعة الإسلامية، وعن قول الشيخ محمد شلتوت في فتاواه إن (حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة. . . )
يقول الشيخ شلتوت في أول فتواه ما نصه: (تكلم الفقهاء على حلق اللحية، فرأى بعضهم أنه محرم ورأى آخرون أنه مكروه، ومنهم من شدد فوصفه بأنه من المنكرات، وبأنه سفه، وضلالة، أو فسق وجهالة، ونحن لا نشك أن إبقاءها، وعدم حلقها كان شأن النبي(ص)وأنه كان يأخذ من أطرافها، وأعلاها بما يحسنها، ويجعلها متناسبة مع تقاسيم وجهه الشريف ، وأنه كان يعنى بتنظيفها، وتخليلها بالماء عملا على كمال النظافة، وكان الأصحاب يتابعونه في كل ما يختاره، ويسير عليه في مظهره، وهيئته حتى مشيته "انتهى النص"
بعد نقل كلام شلتوت رد بيوض عليه قائلا:
"ولا يخفى على كل من له إلمام بكتب السنة الصحيحة المعتمدة في استنباط الأحكام بعد كتاب الله عند فقهاء المسلمين، ما صح عن النبي(ص)من أمره بإعفاء اللحية، وتوفيرها مما لا داعي إلى إيراده هنا لشهرته، كما لا يخفى أن ذلك كان شأن النبي(ص)الذي كان أسبق الناس إلى إتيان كل ما يأمر به، ما تخلى عنه، ولا تركه حتى لقي ربه، وكان ذلك شأن الصحابة ، وشأن التابعين، وتابعيهم من أئمة الإسلام إلى عهد قريب، يتبين من هذا أن إعفاء اللحية وتوفيرها، وتكريمها بالتعهد بالتنظيف سنة عملية صحيحة، مؤكدة، بسنة قولية، صحيحة، متمثلة في الأمر الصريح بذلك، مؤكدة بعد ذلك بإجماع المسلمين عليها في خير القرون، قولا، وعملا، فمن ذا الذي يجرؤ بعد ذلك على القول بإباحة حلقها، فالحق الذي لا مرية فيه أن إعفائها، وتركها طاعة لرسول الله (ص)، وطاعة لله تبارك وتعالى لقوله عز جل "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" ولقوله سبحانه "ومن يطع الرسول فقد أطاع الله" وأن إعفائها، وتوفيرها، اتباع لرسول الله (ص)الذي لا تتحقق محبة الله إلا باتباعه لقوله تبارك وتعالى "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" وأن إعفائها، وتوفيرها تأس بالنبيء (ص)وقد قال الله تبارك وتعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"
وأن إعفائها، وتوفيرها، أمر من أمور النبي(ص)وأمر من أوامره، وأن أمره (ص)من أمر الله، وقد قال الله تبارك وتعالى "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" فسواء علينا أقلنا إن الضمير في أمره يعود إلى الرسول (ص)كما هو المتبادر والذي يؤيده السياق، أم قلنا إنه يعود إلى الله تبارك وتعالى فإن المآل واحد يخالف عن أمره. فحلق اللحية إذا معلوم بالضرورة أنه ترك لطاعة رسول الله التي هي طاعة لله، وعدم اتباع لرسول الله الذي هو شرط للمحبة المتبادلة بين الله وعباده، وترك اختياري للتأسي بالأسوة الحسنة التي وضعها الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين الذين يرجون الله، واليوم الآخر، ويذكرون الله كثيرا في شخص الرسول صلوات الله عليه، وسلامه، ومخالفة عن أمره (ص)وعن أمر ربه التي يتوعد الله عليها بالفتنة، والعذاب الأليم، فأي شيء يكون عدم الطاعة، وعدم الاتباع، وترك التأسي، ومخالفة الأمر إلا أن يكون معصية ظاهرة معلنة لا شك فيها؟ ومن ذا الذي يجرؤ على إنكار تسمية ذلك معصية، أو عصيانا، إلا أن تسل المعاني الحقيقية من الألفاظ اللغوية الصريحة، أو تسلخ هذه الألفاظ عن معانيها، وإذا لكانت اللغة فوضى لا نظام لها، ولا قانون، فتزول الثقة بكل كلام حتى كلام الله تبارك وتعالى.
نعم ليست لنا الصلاحية، ولا القدرة على تصنيف المعاصي، وترتيب درجاتها من الفاحشة إلى الكبيرة، إلى السيئة، كما يصفها الله في كتابه الكريم فإن ذلك أمر من أمر الله أما أن لا تكون هذه الخلة أعني حلق اللحية معصية لله، ولرسوله، فهذا ما لا يقول به مؤمن، عاقل، يحترم نفسه، ويدري ما يقول"
بيوض هنا لف ودار ولم يذكر روايات عدم حلق اللحية وهى روايات متناقضة كما أنه لم يتناول آيات الشعر فى القرآن كبديل أصيل عن الروايات ثم أكمل فتوى شلتوت فقال:
"أما ما يقوله الشيخ شلتوت في آخر فتواه، ونصه بالحرف الواحد: (والحق أن أمر اللباس، والهيئات الشخصية، ومنها حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة، فمن درجت بيئته على استحسان شيء منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذا عن البيئة، والله الموفق للسداد) "
وبعد ذلك راجع بيوض فتاوى شلتوت فوجد فيها فتاوى مناقضة للفتوى التى ذكرها فقال :
" فإننا نرى أن الشيخ شلتوت على تقديرنا واحترامنا له لمقامه، وعلمه، لم يوفق إلى السداد في كلامه هذا، ونحن لا نرد على كلامه هذا، ولا نعلق عليه بما يدحضه ونترك هذه المهمة للشيخ شلتوت نفسه، ونفسح له المجال فيرد الشيخ شلتوت على الشيخ شلتوت.
لقد سئل الشيخ شلتوت عن حكم صبغ الشعر فأجاب بفتوى نشرت في كتاب فتاواه والذي نشرت فيه فتوى حلق اللحية، الذي تولت نشره دار القلم بالقاهرة، قال في فتواه هذه صفحة 389-390 تحت عنوان (حرص النبي على تميز المسلمين) والعنوان له، ما نصه بالحرف (كان النبي(ص)شديد الحرص على تميز المسلمين عن غيرهم في شخصيتهم الباطنة، فلا تقترب العقائد من العقائد، ولا الأخلاق من الأخلاق ولا التقاليد من التقاليد، ذلك أن التشابه في الأمور الظاهرة سبيل لمساوقة النفوس للتشابه في الأمور الباطنة، ومن ذلك نرى المسلمين الذين تكثر معاشرتهم للأجانب أضعف اهتماما بأمور الدين من غيرهم، ونرى غير المسلمين الذين يكثرون من معاشرة المسلمين أقرب إلى احترام المسلمين، واحترام دينهم من غيرهم، هذا وجه.
ووجه آخر أن المشابهة في الظاهر تحدث ألفة، ومودة، ومن ذلك نرى الرجلين إذا اجتمعا في بلد غريب وكانا من بلد واحد تقوى بينهم الألفة، وإن لم يكونا مؤتلفين في بلديهما، وكذلك نرى الألفة تربط بين الرجلين متى كان بينهما مشابهة، ولو في العمامة، أو الثياب، أو الشعر. ويعرف كل ذلك الشرقيون المحافظون على زيهم الشرقي إذا تلاقوا في بلد غربي لأهله زي غير زيهم ومن هنا كان النبي(ص)وهو في الدور الأول لتكوين أمته و لمساكنيهم في المدينة عادات خاصة عرفوا بها، كان يأمر أصحابه بمخالفة غيرهم في كثير من الشؤون الظاهرة، احتفاظا بتميز الشخصية التي يرتبط بها كثير من الأحكام كإعفاء اللحية، وقص الشارب، والصلاة في النعال، وقيام الإمام في المحراب، وغير ذلك مما نرى تعليل الأمر به والإرشاد إليه بكلمة "خالفوهم".
هذا نص كلامه بالحرف الواحد وقد بر، وصدق، ووفق فيه إلى أبعد حدود التوفيق، وما نرى أن بأحد ما حاجة إلى فضل بيان، ومزيد شرح للحكمة العظمى في تمييز شخصية المسلمين التي حرص النبي(ص)هذا الحرص الملح الشديد، بعد هذا البيان الرائع الذي دبجته يراعة الشيخ محمد شلتوت، وإن في ذلك لدليلا قاطعا، وبرهانا ساطعا على أن المسلمين مطالبون بل مأمورون بخلق شخصية لهم تميزهم عمن عداهم ممن لم يكن على دينهم يعرفهم بها الناس، ويعرف بها بعضهم بعضا، وتكون شارة لهم و سيماء يمتازون بها عن غيرهم في كل زمان، ومكان. وما لهم أن يأخذوه في مقومات شخصيتهم، وسمعتهم، وهيئتهم الذاتية الظاهرة أساليب غيرهم من مخالفيهم، وإن كان لهم، أو عليهم أن يأخذوا عن غيرهم العلوم الدنيوية النافعة، والصناعات المفيدة، وأساليب التعمير، ووسائل القوة، ونظم إدارة شؤون الدولة، ونحو ذلك مما تقتضيه طبيعة تأسيس الدول ومواجهتها لجميع التحديات الممكنة، والمتوقعة من خصومها، أما هيئة أفراد الأمة الإسلامية، وسمتهم، وهديهم في ذواتهم فما كان ينبغي أن يأخذ إلا عن رسول الله (ص)أحسن خلق الله وأجملهم، وأفضلهم هديا، وسمتا. قد يمكن بعض الترخيص في أمر اللباس فلا يضيق على الناس في شأنه ما دام ساترا للعورات، محافظا على الحشمة، والوقار. فإن اللباس يتبدل مادة، وكيفية، ويتغير بتغير الزمان، والمكان، والمجتمعات، وحتى في زمن النبي(ص)لم يكن اللباس متحدا، ولم تكن له هيئة خاصة يلتزم الناس بها، ولم يصح عن النبي(ص)أنه أمر المسلمين بلباس خاص بل تركهم على ما اعتادوه من لباسهم، إلا ما تنكشف به العورات فإنه ينهى عنه، ويشدد الإنكار عليه، والغ ما أمر الله تبارك وتعالى به في قوله عز وجل "خذوا زينتكم عند كل مسجد" من لبس أحسن الثياب، وأكرمها عند الله تبارك وتعالى، في بيوته، وبهذا يتبين الفرق الكبير بين ما يتعلق بالذات أي بالبدن كاللحية، والشارب، وبين اللباس، والثياب من حيث إن البدن بكل أجزائه واحد في كل زمان، ومكان، وكل بيئة بينما الثياب، واللباس في تبدل مستمر.
ومن هنا وردت أوامر، ونواه مشددة عن النبي(ص)فيما يتعلق بسياسة البدن، وذلك ما يعبر عنه بخصال الفطرة، ولم يرد عنه شيء فيما يتعلق بأمر اللباس كما تقدم؛ لأنه يعلم أن ذلك مما يتغير بتغير الأزمنة، والأمكنة، وهذا كما أطلق الأمر في شؤون الدنيا حيث يقول: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم" فلا يلزم إذا في قرن حلق اللحية، وتوفير الشارب مع لبس السراويل الطويلة، أو القبعة، فقول الشيخ شلتوت (والحق أن أمر اللباس، والهيئات الشخصية، ومنها حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة، فمن درجت بيئته على استحسان البيئة شيء منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذا عن البيئة) مجانف للصواب. فالفرق كبير جدا بين ما يتعلق بالبدن، وما يتعلق بالثياب، ولا أدل على ذلك من وصايا النبي(ص)، وأوامره، ونواهيه في أمر البدن، وإطلاقه الأمر، وسكوته في شأن اللباس.
إن البيئة الإسلامية قد تبلورت، وتكونت، وأخذت صورتها الخاصة، وشخصيتها الممتازة، في زمن النبي(ص)، واستقرت على ذلك طوال ثلاثة عشر قرنا، أو تزيد، فما يكون لمسلم، أو لجماعة مسلمة أن تنسلخ منها، فإذا فعلت فقد عصت الله، ورسوله، وإذا انسلخت جماعة منها، وكونت لنفسها من بدعتها ما سمته بيئة، فإن المسلم المؤمن المتحري لدينه لا يجوز له أن يتبعها في ذلك، بل عليه أن يعمل جاهدا لرد هؤلاء المتمردين عن دينهم المنحرفين عن السبيل إلى الصراط المستقيم."
أفلح بيوض فى إظهار تناقض شلتوت فى فتاويه وهو أمر يرجع فيما يبدو أنه كتب الأولى أيام كان لا يتولى منصبا فى الحكومة وعندما تولى منصبا طلب منه من قبل القيادة أن يغير الفتاوى فى أمور عدة وهذه ضريبة يدفعها كل من دخل فى المناصب فى دولة لا يحكمها شرع الله فالمطلوب منك وحتى وإن توليت ما يسمونه أكبر منصب دينى أن تطيع من ولاك المنصب وإلا فإن مصيرك قد يكون السجن أو الإعدام وتلطيخ السمعة
وتحدث بيوض عن كون المسلم الجديد لا يجوز أن يحلق اللحية وإن كان لا يزال فى بيئته الكافرة فقال:
"نعم يجوز لمن اعتنق الإسلام وهو في بيئة تحلق اللحى، وتلبس القبعة، و البدلة المعروفة –بلد الأوروبية- أن يستمر على لباس بيئته غير حمل الصليب، وشد الزنار، لكنه لا يجوز له مطلقا أن يحلق لحيته، ولا أن يوفر شاربه بل يجب عليه عند اعتناقه للإسلام أن يوفر لحيته، وأن يقص شاربه، أو يحلقه، ولا يعذر أبدا في المخالفة اتباعا في هذا الأمر الذي يتعلق ببدنه، كما يتمثل أمر الرسول (ص)في بقية خصال الفطرة، وكلها تتعلق بالبدن، وبذلك يميز شخصيته الإسلامية عن بقية أبناء جنسه، ويحقق إسلامه، وهو حر فيما وراء ذلك من هيئات اللباس، ولا شك أنه إذا غير لباسه إلى هيئة من هيئات المسلمين تحقيقا لتعلقه بالإسلام وإظهار له بين قومه، وشروعا في خلق بيئة إسلامية، وسط مجتمعه يأوي إليها من عسى أن يهديه الله إلى الإسلام مثله فحسنا يفعل. وهكذا أمر الرسول؟ المسلمين أن يكونوا لأنفسهم بيئة خاصة ممتازة بهيئتهم وسمتهم، وهديهم الظاهرية، زيادة على عقيدتهم الصحيحة، وقولهم الصادق، وعملهم الصالح، فالنبي (ص)حريص كل الحرص على أن يمتاز المسلمون عن غيرهم ببواطنهم، وظواهرهم، ولا أدل على ذلك من تعليله أمره، ونهيه، في هذا الباب بقوله "خالفوهم""
وبين بيوض أن هناك تناقض فى الروايات وهو أن من يسمونه رجال الدين فى النصرانية واليهودية والمجوسية لا يحلقون لحاهم بينما عامة الناس يفعلون هذا وحل بيوض ما ظن أنه العقدة فى الروايات ولكنه لم يحل شىء لأن هذه الروايات فى تلك الحالة اتهام للنبى(ص) بالجهل بحال الأديان ألأخرى فكيف يقول خالفوا والقوم منقسمون على قسمين قسم يوقر اللحى والثانى يحلقها وفى هذا قال :
"قد يقول قائل: إن رهبان النصارى وأحبار اليهود يوفرون لحاهم، وإذا فعلينا نحن أن نحلقها عملا بقوله (ص)"خالفوهم" والجواب أن هذا خطأ في الفهم، يقع فيه من لا يعلم الوضع الذي كانت عليه بيئات اليهود، والنصارى، والمجوس يومئذ، وهل كانت عامتهم تقلد في هيئتها رجال الدين؟ وهل كان النبي(ص)يجهل حالهم في ذلك؟ الحق أن الأحبار، والرهبان، وسائر رجال الدين كانوا يوفرون لحاهم منذ أقدم العصور، وأن النبي(ص)يعلم ذلك منهم، ولا يجهله، ولكن هؤلاء قليلو العدد يلزمون غالبا كنائسهم، وبيعهم، وأديرتهم، لا يخالطون عامتهم إلا قليلا في بيوت العبادة عند ممارسة طقوسهم الدينية مع من يغشاها ورجال الدين هؤلاء هم قلة في كل زمان، ومكان، مع انزوائهم في معابدهم لا يكونون بيئة، ولا يتصل بهم المسلمون إلا نادرا، وببعض أفراد قليلين لكن عامتهم الكثيرة العدد المنتشرة في كل مكان، والتي يحتك بها المسلمون، ويخالطونها، ويتعاملون معها هم الذين يكونون البيئة العامة التي يتأثر بها معاشروهم، ويخشى النبي(ص)على المسلمين من سريان عدواهم، وهم يحلقون لحاهم خلافا لأحبارهم، ورهبانهم كما هي حالهم اليوم تماما، فلا خشية أبدا لا اليوم من تأثر الناس بهيئات الأحبار، والرهبان، وإنما الخوف كل الخوف من تأثر الناس بمعاشريهم من اليهود، والنصارى، وغيرهم من الكفار"
وحاول بيوض أن يحتج بأن القول خالفوهم ليس خالفوا الكل وإنما البعض ولو كان يريد ذلك لقالها صريحة ولكن كلمة خالفوهم عامة وكلمة النصارى عامة واليهود عامة والمجوس عامة ومن ثم لا يمكن أن تكون فيها استثناء وفى هذا قال :
"هذا وجه، وهناك وجه آخر، لا بد من ملاحظته، واعتباره عند تفهم قول النبي(ص)"خالفوهم" والتفقه فيه، وإدراك حقيقة المراد به فإنه من غير الممكن أن يكون المراد به مطلق المخالفة في كل ما سبقوا إليه، أو كانوا عليه فقد يكونون على شيء مما يوافق الفطرة السليمة، وتستحسنه العقول الصحيحة، ولا يكون مبعثه الهوى، ولا يخالف هدي رسل الله، مثلما نحن بصدده من توفير الأحبار، والرهبان للحاهم، فإن مثل هذا الأمر مما لا يأمر الرسول بمخالفته، فليست المخالفة مطلوبة لذاتها حتى تعم كل شيء حسنا كان، أو قبيحا، مشروعا كان، أو غير مشروع"
وحاول بيوض أن يوجد استثناء عن طريق الاستشهاد بموافقة النبى(ص) اليهود فى صوم عاشوراء فقال:
"فلقد قدم النبي(ص)المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا: (هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه) فقال عليه الصلاة والسلام: "نحن أولى بموسى منكم" فأمر بصيامه مع سبق اليهود إليه، ولم ير بذلك بأسا، ولم يأمر بمخالفتهم فيه، فإنما الأمر بالمخالفة كان لحكمة عظيمة، هي التي شرحها الشيخ شلتوت فيما تقدم مما نقلناه عنه، وذلك لا يكون إلا في أشياء مخصوصة معينة، أعلم الناس بها رسول الله (ص)الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فلا يصح الاعتراض إذا بتوفير الأحبار، والرهبان للحاهم، ولا يدخل هذا تحت أمر النبي(ص)بالمخالفة، كما لا تدخل أشياء كثيرة أخرى سكت عنها النبي(ص)، ولم يأمر بالمخالفة فيها."
والاستشهاد هنا بموافقة النبى(ص) لليهود بصوم عاشوراء يخالف أن الروايات الأخرى فى نفس الموضوع مرة قالت أن قريش كانت تصومه كرواية" كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَصُومُهُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ "ومرة قالت أهل الجاهلية"كان عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَقَالَ « ذَاكَ يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ أمرا أخر" ومرة أهل خيبر بلا دين كرواية "كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَصُومُوهُ أَنْتُمْ " ومرة نسبه لليهود والنصارى كرواية"حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ ». قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-"
ومن ثم لا يمكن الاستشهاد لاختلاف الروايات لأن اهل الجاهلية وقريش كانوا مشركين وروايات اللحية فيها نفس الأمر وهو ذكر الكل
وعاد بيوض لمناقشة ما قاله شلتوت فى الفتوى موضوع النقد فقال :
"وبعد، فإن اعتبار توفير اللحية، وحلقها، مجرد عادة من العادات كهيئة اللباس ينزل فيها المرء على استحسان البيئة، مخالفة صريحة، صارخة لأمر النبي(ص)بتوفيرها، وإعفائها، وقص الشارب، أو حلقه، وهذه المخالفة معصية من غير شك. فعلى من ابتلي بها أن يقلع عنها، ويتوب إلى الله، ويستغفره، والله غفور رحيم، وعليه أن لا يمعن في خطئه باستحلال ذلك. فإن أمر الاستحلال كبير، واستحلال المعصية أكبر عند الله من مزاولة المعصية مع الاعتراف بأنها معصية. فإن هذا يأمل في التوبة، وترجى له المغفرة، وأما المستحل فإنه لا يرى أنه ارتكب شيئا تجب التوبة منه، فيلقى ربه مصرا على ذنبه، وفي ذلك الخطر العظيم يوم لا ينفع مال، ولا بنون إلى من أتى الله بقلب سليم"
وناقش بيوض حكم الشارب واللحية من خلال نقل فتوى مذهبه وفيره من المذاهب فقال :
"ما حكم الشرع الحنيف في الشارب والحية؟
أما جز الشارب، وإعفاء اللحية، أعني تركها على حالها لا تحفى، ولا ينقص منها، فقد ثبت الأمر به عن النبي(ص)في جميع كتب الحديث المعتبرة إمامنا الربيع بن حبيب وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وأكثر كتب السنة وذهب أصحابنا إلى أن الأمر للوجوب، ولا سيما وقد علل بمخالفة المشركين الذين يحفون لحاهم، وعليه فإن إعفاء اللحية، أو القص منها محرم شرعا، ومن فعله عصى، وذكروا عن النبي(ص)أنه كان يأخذ من عرض لحيته، فرخصوا فيه، وعرض اللحية جانباها من وراء الخدين، وأما الطول وهو من اللحيين فسافلا، فإنه لا يجوز الأخذ منه أبدا.
زيادة:
يجوز حلق اللحية لضرورة محققة كقروح، و دماميل في أصول الشعر يتعذر شفاؤها إلا بحلقه مثلا، وليس من الضرورة في شيء كون إنسان موظفا في ديوان من دواوين الحكومة، أو مستخدما في شركة أجنبية –مثلا- رأيناهم يطردون ذوي اللحية من العمل إن كانوا له أهلا وفيهم أنفسهم من يوفر لحيته، وهو موظف في مقام عال وليست اللحية بمزرية لصاحبها، وإنما ذلك وسواس الشياطين من الجن، والإنس، فاحذروا الوسواس الخناس واستعيذوا بالله من شره. والسلام عليكم ورحمة الله.
و حكى الشيخ إسماعيل، وغيره عن بعض العلماء الترخيص في النقص من طولها إذا كان فاحشا جدا تشوهت به الخلقة، وقدره بما زاد قبضة صاحبه، إذا قبض على الشعر تحت عظم اللحية.
لكن الشيخ السالمي ضعف في هذا القول في جواهر النظام، وجعله شبيها بالباطل. فأولى إذا التنزه عن جميع ذلك لما فيه الحوطة والسلامة.
ما قولكم في حلق اللحية أهو مكروه أم حرام؟
حلق اللحية عندنا حرام، وهو لازم قول المالكية بوجوب إعفائها كما ثبت به الأحاديث أما سرد الأحاديث الواردة في ذلك فيعتذر الآن ويكفي أن تقول إنها في صحيح الربيع، وصحيح البخاري وصحيح مسلم، وكتب السنن كلها، تصفح أي كتاب من كتب السنة تجد فيه حديث الأمر بحلق الشارب، وإعفاء اللحية، والأمر عندنا، وعند المالكية للوجوب في المسألة.
سألت عن اللحية وما يجوز أن يصنع بها؟ وهل يجب أن يترك كل ما نبت فيها من شعر من غير أن يتقص منه شيء؟ أم يجوز تزينها؟ هذا بعد أن تعهدت أنت بعدم مسها مطلقا حتى آذتك لغزارة شعرك وخشونته؟
إن حلق اللحية غير جائز شرعا، لنهي النبي(ص)عنه، ولعمله (ص)، ولعمل جميع الصحابة رضي الله عنهم، ولاتفاق جميع أئمة السلف من التابعين، وتابعيهم على ذلك قولا، وعملا، لكن ما نبت على الخدين، وما نبت على الذقن تحت عظم اللحية ليس من اللحية، فينبغي لك أن نحلق جميع ما تحت ذقنك من سعر –أعني- تحت عظم اللحية، ثم تحلق ما على خديك، ثم تقص شاربك، ثم تمشط لحيتك، ثم إذا طالت إلى حد يشوه الخلقة فخذ منها، وسوها أو كما عبرت في كتابك (أتحفها) فإنك بذلك تكون جميل الصورة، بهي المنظر، لك وجه مسلم حنيف، وأرجو أن لا تؤذيك مطلقا. إذا صنعت بها ما ذكرت لك. وإذا صنعت بها هذا كل أسبوع مرة فإنك تصبح غيورا عليها، مكرما لها. وقد كان (ص)يأخذ من عرض لحيته ويقول: "من كانت له شعرة فليكرمها" .وإن من الله بلقائك أريتك كيف تصنع بها. وبعد فمعذرة إن تأخرت عن الجواب إلى اليوم. فإن للضرورات أحكاما، حفظك الله، وسلمك للداعي لك بالهدية، والتوفيق."
وروايات اللحية هى:
"خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب"
والخطأ هنا هو أن أديان المشركين متنوعة منها من يوفر الله ومنها من يحلق فأيها نتبع فأديان كالهندوسية تربية اللحية فيها أمر عادى وأديان كالبوذية حليقو الشعر تقريبا فأيها نخالف؟
والرواية التالية تحدد المجوس :
"جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس "
ومن يطلق عليهم المجوس منهم من كان يطلق لحيته ومنهم من يحلق فأيها نتبع
وأما روايات عشر من الفطرة وهى:
"عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، وانتقاص الماء، قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة" فتناقض كون الفطرة خمس فقط تحديدا فى رواية" الفطرة خمسٌ: الاختِتان والاستِحداد وقصُّ الشاربِ وتقليمُ الأظفار ونتف الإبْط"
ومن ثم لا توجد رواية صالحة فى الموضوع وأما كتاب الله فبين أن الرءوس وهى الشعور تحلق وتقصر دون تحديد لماهيتها شعر الدماغ أو شعر اللحية أو شعر العانة أو شعر الإبط وفى هذا قال تعالى :
" محلقين شعوركم ومقصرين"
كما أباح الحلق وقت الحج بسبب الأذى فى الرأس وهو الشعر ومن المعروف أن القمر ينتشر فى فروة الدماغ وفى العانة وفى اللحية وغيرها خاصة مع اتصال شعر الدماع بشعر اللحية وفى هذا قال تعالى " فمن كان مريضا أو به أذى من رأسه "
وقال:
"ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله"
ومن ثم حلق الشعر أو تقصيره مباح وتربية اللحية مباحة كما فعل هارون (ص) وقد طلب من موسى(ص) ألا يجره منها ومن رأسه بقوله تعالى:
" قال يابن أم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى "
ثم قال بيوض للسائل مجيب عما بقية ما سأل عنه:
"يتضمن كتابك السؤال عن حكم حلق اللحية في الإسلام، وعن تقصيرها، والأخذ منها، وعن صبغ الشعر بالخضاب الأسود، وعن لبس البانطلون، والقميص، وعن حسر الرأس، ولبس الأحذية الملتفة على الرجل، حسب تعبيرك.
أخي الكريم، أما حلق اللحية فإن النهي عنه، والأمر بإعفائها، وتوفيرها ثابت شرعا يقينا بالنصوص الصريحة، الصحيحة، عند عامة أصحاب الحديث، فحلقها معصية لمخالفة أمر رسول الله (ص)الذي هو من أمر الله "من يطع الرسول فقد أطاع الله" بيد أننا لا نعلم على وجه التحقيق أين نضع معصية حلق اللحية في دركات المعاصي التي هي الفواحش، والكبائر، والسيئات التي يجمعها لفظ العصيان، وتندرج كلها تحت كلمة (معصية) فهل هي من السيئات التي تغفر باجتناب الكبائر؟ الله أعلم. ويظهر أنها أكبر من ذلك، وأما التقصير فإذا كان خفيفا بالأخذ قليلا من عرضها، أو طولها، تزيينا لها، وإزالة لشينها بالطول، والعرض المفرطين فإننا لا نرى لذلك بأسا، وقد ثبت أن النبي(ص)على جمال خلقته – كان يأخذ من عرضها ويقول: "من كانت له شعرة فليكرمها" ونرى أن من تكريمها تدويرها، والقص القليل للشعر الذي يطول حتى يكون كالذوائب يمتد يمينا، وشمالا، فقطع هذه الأطراف الزائدة إكرام للحية، وتزيين للخلقة.
وأما صبغ الشعر إذا بيض وتغييره بمثل الحناء، والكتم فمأمور به شرعا، أما السواد فقد ورد النهي عنه، ويرى كثير من العلماء أن النهي عنه تكريم، وتنزيه لا تحريم.
وأما البنطلون، والقميص، وغيرهما من أنواع اللباس المستحدث فإنه لا حجر شرعا في اللباس، إلا فيما تنكشف به العورة، أو لا تسترها لرقته حتى يبدو اللحم من ورائه، فإن هذا حرام بالإجماع، وبنصوص الكتاب، والسنة، وأما الذي يصف العورات، وينم عنها لشدة ضيقه فإن كثيرا من العلماء ينهى عنه، ولا نرى في ذلك معصية، والأمر فيه راجع للعرف، والعادة.
وكذلك حسر الرأس إذ لم يرد فيه أثر صحيح، فالأمر فيه متروك للعرف، والعادة كذلك.
وأما الأحذية المتلفة على الرجل كما تقول فإن العرب، والمسلمين في صدر الإسلام كانوا يلبسون الخفاف والجوارب، وهي كلها تغطي السوق فلا مانع فيها، ولا حجر عليها هذا ما من الله به في الجواب، وأرجو أن لا يكون يخرج عن الصواب"
وما ذكره صواب عدا صبغ الشعر فإنه محرم لأنه استجابة لقول الشيطان الذى قصه الله تعالى "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"