الأحد، 10 نوفمبر 2024

نظرات فى كتاب حكم الوقف على رؤوس الآي وتخريج الحديث الوارد في ذلك

نظرات فى كتاب حكم الوقف على رؤوس الآي وتخريج الحديث الوارد في ذلك
المؤلف عبدالله بن علي الميموني المطيري وهو يدور حول حكم الوقف على رؤوس الآي وقد استهل بحثه بمقدمة طويلة عن علم الوقف والابتداء وهو علم لا يمت للقرآن بصلة مع ادعاء أهله ذلك فمدحه كثيرا ومن ثم اختصرنا تلك المقدمة إلى السطور التالية منها :
"وإن علم الوقف والابتداء من أجل علوم الكتاب الحكيم لأنه يستعان به على فهم القرآن والغوص على درره وكنوزه وتتضح به الوقوف التامة والكافية والحسان فتظهر للسامع المتأمل والقارئ المتدبر المعاني على أكمل وجوهها وأصحها وأقربها لمأثور التفسير و معاني لغة العرب فإن اعتماد علماء الوقف والابتداء في وضع الوقوف وتفصيلها وبيان وجوهها مبني على النظر في معاني الآيات وكلامهم في المعاني وفي بيان وجوه الوقف وتفضيل بعضها على بعض مأخوذ من المنقول والمعقول"
وفى مقدمته تحدث عن معانى الوقف والسكت والقطع فأبان الاختلاف فيها مختارا منها فقال :
"تمهيد
معنى الوقف والسكت والقطع:

الوقف والسكت والقطع عبارات يختلف مقصود القراء بها والصحيح عند المتأخرين التفريق بينها فالقطع ترك القراءة رأسا فإذا قلنا قطع القراءة فمعنى ذلك انتقاله إلى حالة أخرى غير القراءة كترك القراءة بالكلية أو الركوع أو الكلام بغير القرآن وهذا يستعاذ بعده للقراءة
والوقف ( قطع الصوت زمنا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة )
وهو المقصود بهذا البحث وهو المراد في فن الوقف والابتداء فلا يقصدون بقولهم الوقف هنا تام أو كاف أو حسن أو قبيح القطع للقراءة بالكلية ولا يقصدون بذلك السكت الذي هو عبارة عن وقف بلا تنفس وزمن السكت دون زمن الوقف عادة فهو (قطع الصوت زمنا يسيرا ومقداره حركتان من غير تنفس بنية العود إلى القراءة في الحال )
وفي الشاطبية :

وسكتهم المختار دون تنفس ** وبعضهم في الأربع الزهر بسملا
قال الإمام أبو شامة المقدسي ( الإشارة بقولهم " دون تنفس " إلى عدم الإطالة المؤذنة بالإعراض عن القراءة ) وقد يكون السكت في وسط الكلمة كالسكت على ( شيء ) في قراءة حمزة ويكون في آخر الكلمة نحو السكت على ( عوجا قيما ) و ( بل ران على قلوبهم ) ( سورة المطففين 14 ) و ( من بعثنا من مرقدنا ) ( يس 52 ) في قراءة حفص قال الشاطبي
وسكتتة حفص دون قطع لطيفة *** على ألف التنوين في عوجا بلا
و في نون من راق و مرقدنا ولا *** م بل ران و الباقون لا سكت موصلا
و من أئمة القراء من يصفها بوقفة خفيفة أو يسيرة ومنهم من ينعتها بـ وقيفة كما صنع أبو العلاء الهمذاني والكلام على توجيه ما انفرد به حفص هنا من السكت ليس هذا موضعه"

وكل هذا الحديث هو خارج نطاق الوحى المنزل وعبث اخترعه البعض ومن يرتبط به هم القراءة الذين يقرئون ويتقاضون الأجور على قراءة فى فى المآتم أو قبل صلاة يوم الجمعة فى المساجد أو الاحتفالات التى يقيمها الحكام الخارجون على الشرع
وحاول الميمونى المطيرى اثبات العلم من خلال الروايات الكاذبة فقال:
"و من المعلوم أن السكت مقيد بالرواية والسماع :
*تخريج حديث أم سلمة الذي استدل به على سنية الوقف على رؤوس الآي:
روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وأبو عبيد في فضائل القرآن و الفريابي في فضائل القرآن وابن أبي شيبة والطحاوي والبيهقي في الكبرى وفي شعب الإيمان وفي معرفة السنن والآثار عن أم سلمة [ أنها سألت عن قراءة النبي (ص)وصلاته ؟ فقالت ما لكم وصلاته ؟ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلي قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح ثم نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا ]
واللفظ للترمذي قال الترمذي ( حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة -وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي (ص)( كان يقطع قراءته ) وحديث الليث أصح )
وقال في موضع آخر ( غريب وليس إسناده بمتصل لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة وحديث الليث أصح )
فهذا الحديث عمدة العلماء الذين قالوا إن الوقف على رؤوس الآي سنة فقد استدلوا بلفظ ( كان يقطع قراءته آية آية ) كما هو في بعض الروايات لكن الاستدلال بهذه الرواية من الحديث اكتنفه أمور منها الاضطراب في ألفاظها اضطرابا لا يبقى معه حجة في هذا اللفظ دون غيره مع كون مخرج الرواية واحدا ؟ فإن الحديث يدور على التابعي الجليل عبد الله ابن أبي مليكة رحمه الله تعالى وقد اختلف الثقات في ألفاظه اختلافا كبيرا يوهن الاستدلال بهذه الرواية ..
ومنها الاختلاف على ابن أبي مليكة في سنده ولذا ضعف الإمام الترمذي والإمام الطحاوي هذه الرواية كما سأبينه وأوضحه بجلاء إن شاء الله تعالى
وهنا سؤال مهم هل الوقف على رؤوس الآي سنة بإطلاق حتى وإن اشتد تعلق الآية بما بعدها ؟ وهل صحيح أن المحققين من علماء الوقف والابتداء يقولون بذلك ؟ "

وبعد أن ذكر الرواية وهم مخالفة لكتاب الله لأنه لا يمكن لمستمع أن يسمع قراءة المصلى إلا كهمهمة لأنه وسط بين الجهر والإخفاء كما قال تعالى :
" ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا"
ومن ثم لا يمكن سماعها مفسرة فى الصلاة وهى ألأساس وأما من خلال التعليم وهو تعليم الحكام فمن الممكن والرسول (ص) لم يكن يعلم فى بيته حتى تسمعه زوجته أم سلمة وإنما كان يعلم فى مكان أخر وكل من تعلم كانوا رجالا ليس منهم امرأة كما قال تعالى :
"وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ"
وتحدث عن سند الحديث فقال :
"*سند الحديث والحكم عليه:
هذا الحديث يدور على التابعي الجليل عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بحسب ما أشار إليه الترمذي رحمه الله تعالى وبحسب ما اطلعت عليه من طرقه وقد اختلف عليه فيه فرواه الليث بن سعد - وهو من الأئمة الأثبات -
عنه عن يعلى بن مملك عن أم سلمة ورواه ابن جريج عنه عن أم سلمة عن النبي فلم يذكر يعلى بن مملك ووصله بذكر أم سلمة واختلف عليه في إسناده وألفاظه وقد أعل الترمذي رواية ابن جريج برواية الليث بن سعد وقال ( إنها أصح ) كما تقدم ويضاف إلى العلة التي ذكرها الإمام الترمذي علل منها أن ابن جريج مدلس ولم يصرح بالسماع وقد وصفه جماعة بالتدليس وممن وصفه بالتدليس الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقال ( إذا قال ابن جريج " قال " فاحذره وإذا قال "سمعت " أو " سألت " جاء بشيء ليس في النفس منه شئ )
ومنها أنه اختلف عليه في إسناد الحديث فرواه في أكثر الروايات كما ذكر الترمذي عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة بإسقاط الواسطة بين ابن أبي مليكة وأم سلمة فلم يذكر يعلى بن مملك ورواه مرة أخرى فزاد فيه ذكر يعلى بن مملك ولفظ هذه الرواية عن ابن أبي مليكة أن يعلى بن مملك أخبره ( أنه سأل أم سلمة عن صلاة رسول الله (ص)فقالت كان يصلي العتمة ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلي مثل ما نام وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح )
ولا يقال إنها رواية أخرى لأن بين الروايتين توافق واضح في الإسناد وفي المتن وليست فيما يظهر اختصارا لبعض الحديث فقط فإن فيها سؤال يعلى -وهو مقل من الرواية جدا - لأم سلمة رضي الله عنها

وأما يعلى بن مملك فهو حجازي يروي عن أم الدرداء وأم سلمة ويروي عنه ابن أبي مليكة وقال فيه النسائي ( ليس بذلك المشهور ) اهـ وذكره ابن حبان في الثقات ولم أجد فيه توثيقا عند غيره وفي ميزان الاعتدال ( ما حدث عنه سوى ابن أبي مليكة ) وفي التقريب (مقبول )
فلم يثبت فيه أكثر من رواية ابن أبي مليكة عنه ففيه جهالة وأحسن مراتبه أن يكون مقبولا إذا توبع ولهذا وصفه بذلك الحافظ ابن حجر في التقريب ورواه ابن جريج مرة عن أبيه عن ابن أبي مليكة ومرة عن ابن أبي مليكة من غير واسطة فهذا الاختلاف على ابن جريج في إسناد الحديث وأما والد ابن جريج وشيخه في هذه الطريق فهو عبد العزيز بن جريج القرشي المكي فيه ضعف فقد قال البخاري فيه ( لا يتابع في حديثه ) وذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب ( لين الحديث )
وقد اختلفت ألفاظ الحديث وقد مضى بعضها ففي رواية عن ابن جريج أن النبي ( كان يقطع قراءته آية آية ) وفي رواية ( كان يصلي في بيتها فيقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم } { الحمد لله رب العلمين * الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين …الخ ) وفي لفظ ( كان يقطع قراءته الحمد لله رب العلمين " ثم يقف " الرحمن الرحيم " ثم يقف ) وفي لفظ ( فقطعها وعدها آية آية وعدها عد الأعراب وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم يعد ( عليهم ) وهذا اللفظ الأخير من رواية عمر بن هارون عن ابن جريج وهي طريق ضعيفة لضعف عمر بن هارون ولذا ضعفها الإمام البيهقي وابن الجوزي والذهبي والزيلعي وابن التركماني وفي بعض روايات الحديث عن ابن جريج ( فوصفت قراءة بطيئة ) وأما في رواية الليث بن سعد ( فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا ) وقد تقدمت فهذه علل أخرى تضاف إلى مخالفته لرواية الليث بن سعد فرواية الليث بن سعد أرجح كما قال الترمذي للاختلاف على ابن جريج ولأن الليث إمام ثقة ولم يختلف عليه وقد زاد رجلا في الإسناد وهو يعلى بن مملك وذلك دال على أن ابن أبي مليكة لم يسمع الحديث من أم سلمة وتجويز صاحب تحفة الأحوذي لكون ابن أبي مليكة سمعه أولا من يعلى ثم سمعه من أم سلمة بلا واسطة ضعيف في هذا الموطن لا يلتفت إليه أرباب العلل والاختلاف على ابن جريج في لفظه كبير فهذا اضطراب تضعف به رواية ابن جريج و المقصود أن في بعض طرق الحديث ما يدل على أن ابن جريج قد دلسه ولم يسمعه من شيخه ابن أبي مليكة كما أن فيها مخالفة في كثير من الألفاظ
*طريق أخرى للحديث
روى الإمام أحمد وابن أبي شيبة في المصنف والداني بسند صحيح من طريق نافع بن عمر الجمحي وهو ثقة عن ابن أبي مليكة عن بعض أزواج النبي (ص) أنها سئلت عن قراءة النبي (ص)فقالت إنكم لا تستطيعونها قال قيل لها أخبرينا بها قال فقرأت قراءة ترسلت فيها قال نافع وحكى لنا ابن أبي مليكة الحمد لله ثم قطع الرحمن الرحيم ثم قطع مالك يوم الدين ) ووقفه هنا على ( الحمد لله ) هكذا هو في بعض الروايات عن نافع ؟ وليس الموقوف عليه رأس آية فإذا صح -وهو صحيح – فهو يعارض الرواية التي استدل بها على أن الوقف على رؤوس الآي سنة وهذه الرواية تدل على أن تلك الرواية - المختلف في ألفاظها - قد رويت بالمعنى
وفي لفظ قالت ( الحمد لله رب العالمين تعني ( الترسيل ) والترسل والترسيل في القراءة معناه التحقيق بلا عجلة يقال ترسل في قراءته إذا اتأد فيها وتمهل

و في رواية عن نافع قال ( أظنها حفصة ) وفي رواية عن ابن أبي مليكة ( لا أعلمها إلا حفصة ) والجهالة بالصحابي لا تضر لكن رواية الليث بزيادة يعلى بن مملك تدل على أن ابن أبي مليكة لم يسمعه من أم سلمة والليث لم يشك أن الحديث عن أم سلمة فهذا يدل على أنه حفظ وقد يكون الاختلاف من ابن أبي مليكة
وقد وجدت لرواية الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك متابعا لكنه ضعيف لا ينهض فقد روى الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني العطار ( ت 569 هـ ) من طريق عمر بن قيس الملقب بسندل المكي عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك قال كتبت إلى أم المؤمنين عائشة – فقلت كيف كان رسول الله (ص) يقرأ ؟ قالت ( كذا " بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين " يبينه اسما اسما وحرفا حرفا حتى يفرغ ) اهـ لكن سندل ضعيف بل متروك تركه النسائي وغيره وقال ابن عدي ( عامة ما يرويه لا يتابع عليه ) وقال أيضا ( ضعيف بالإجماع )
وأما رواية أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث للحديث عن الليث عن ابن لهيعة عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة عند الطبراني (32 / 292 ) فزيادته لابن لهيعة بين الليث وبين ابن أبي مليكة لا تعلل رواية الأئمة الحفاظ عن الليث عن ابن أبي ملكة بلا واسطة وممن رواه عبد الله بن المبارك وصرح فيه بتحديث ابن أبي مليكة للإمام الليث بن سعد وقتيبة عند الترمذي والنسائي و يزيد بن خالد بن موهب عند أبي داود كلهم أثبات ثقات وقد خالفوا عبد الله بن صالح كاتب الليث فهي من أوهامه فإن فيه ضعفا
*تنبيه
قد وهم الحافظ ابن حجر هنا على الترمذي فحكى عنه خلاف ما في السنن حين أراد الرد على الطحاوي وذلك أنه قال ( وأعل الطحاوي الخبر بالانقطاع فقال لم يسمعه ابن أبي مليكة من أم سلمة واستدل على ذلك برواية الليث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة أنه سألها عن قراءة رسول الله فنعتت له قراءة مفسرة حرفا حرفا وهذا الذي أعله به ليس بعلة فقد رواه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة عن أم سلمة بلا واسطة وصححه ورجحه على الإسناد الذي فيه يعلى بن مملك ) اهـ بحروفه

فهذا الذي حكاه عن الإمام الترمذي خلاف ما في سننه وإنما رجح الترمذي رواية الليث التي فيها يعلى بن مملك في موضعين من سننه كما تقدم وهو الذي نقله عنه غير واحد من العلماءوكذلك هو في تحفة الأشراف للمزي نقلا عن الترمذي وأما الطحاوي فقد أشار إلى تعليل الحديث برواية الليث بن سعد لأنه زاد فيه رجلا بين ابن أبي مليكة وبين أم سلمة كما صنع الترمذي فاتفق مع الترمذي ولم يختلف معه
خلاصة القول - الذي يظهر لي - في هذا الحديث أنه حسن وأحسن طرقه طريق الليث وليست صحيحة لأن يعلى بن مملك مستور ولم يحدث عنه إلا ابن أبي مليكة وقد تفرد بالحديث وطريق ابن جريج ضعيفة لاضطراب ابن جريج فيها ولتدليسه ومخالفته للإمام الليث بن سعد والإشكال في جميع الروايات الاختلاف في ألفاظ الحديث وهذا ما جعل الإمام الطحاوي يضعف الرواية بذلك فإنه قال ( قد اختلف الذين رووه في لفظه ) فإن قيل قد صحح الإمام الدارقطني طريق ابن جريج وقال (كلهم ثقات ) وصححها أيضا الإمام الذهبي في مختصر الجهر بالبسملة ؛ وصححها النووي فالجواب من صححها لم يذكر عند التصحيح الطريق الأخرى للرواية فصححها بظاهر سندها ولكن من أعلها كالترمذي ذكر الطريقين وبين وجه الترجيح بينهما ولذا ليس في كلام كل من الدارقطني والذهبي والنووي إشارة إلى طريق الليث ومخالفته لابن جريج ولولا ذلك ما نزل الحديث عن رتبة الصحيح فتبين بهذا أن هذه الطريق المشتملة على اللفظ الذي استدل به معلولة بطريق الليث كما ذكر الترمذي كما تقدم فالحديث حسن من طريق الليث وضعيف من طريق ابن جريج و طريق نافع الجمحي أحسن من طريق ابن جريج لكن خالفه الليث وهو إمام فزاد في الإسناد رجلا ولم يشك أنه عن أم سلمة وقال ابن الجزري رحمه الله ( هو حديث حسن وسنده صحيح ) فلم يقل هو حديث صحيح مع احتفاله بمسألة الوقف على رؤوس الآي"

قطعا الرجل يقر بضعف كل الطرق ومع هذا يعتبره حديث حسن وكأن القبيح والقبيح والقبيح يصب جمعهم حسان وهم كلام جنونى حيث يتم بناء باطل على باطل فلا وجود لعلم الوقف والابتداء من خلال الروايات حتى وإنما هى أوهام تجار القراءة لاخبارنا أن علمهم مأخوذ من الوحى وما هى من الوحى ولا يوجد فيه وإنما القراءة على حسب مقدرة كل مصل فمن كان ينقطع نفسه بعد كلمتين او جملة يكون وقفه على قدر نفسه ومن كلن يقرأ سطرا أو سطورا فى نفس واحد فوقفه على قدر ما استطاع فالعملية سهلة وميسرة كما يسرها الله بقوله:
" فاقرءوا ما تيسر منه "
قطعا شرح المطيرى الحديث فقال :
"*معنى الحديث
جعل علماء الوقف وغيرهم هذا الحديث أصلا في باب الوقف على رؤوس الآي وفيه ما قد ذكرت من العلل والاختلاف في ألفاظه ولكن الحديث بمجموع ألفاظه وطرقه إنما يدل على التأني والترسل والتمهل في قراءة النبي (ص)وذلك مستفاد أيضا من وصف أنس لقراءة النبي (ص)حين سئل عن قراءة النبي (ص) فقال ( كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم ) وقد أمر الله تعالى نبيه أن يرتل القرآن فقال ( ورتل القرآن ترتيلا ) قيل في معناها بينه تبيينا وترسل فيه ترسلا وذلك أدعى لفهم القارئ ولفهم المستمعين وهو المقصد الأعظم من إنزال القرآن فما أنزل الله كتابه على عباده إلا ليتدبروه ويتفهموا مراد الله تعالى ولذا كان النبي (ص)يقرأه كما وصف أنس وكما أخبرت أم سلمة ( قراءة مفسرة حرفا حرفا ) وفي الرواية الأخرة ذكر الراوي الترسل فكان (ص)يقرأه كما أمره ربه تعالى ( وقرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ) قال مجاهد وغيره على تؤدة
وهذا ما جعل أكثر السلف يفضلون القراءة المتأنية المترسلة فثبت أن مجاهدا رحمه الله تعالى سئل عن رجلين أحدهما قرأ البقرة وآل عمران والآخر قرأ البقرة قيامهما واحد وركوعهما وسجودهما واحد وجلوسهما واحد أيهما أفضل ؟ قال الذي قرأ البقرة ثم قرأ ( وقرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ) رواه ابن المبارك في الزهد و أبو عبيد في فضائل القرآن وابن أبي شيبة وغيرهم و ثبت أن أبا جمرة الضبعي قال قلت لابن عباس رضي الله عنهما إني سريع القراءة إني أقرأ القرآن في ثلاث قال ( لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول ) رواه أبو عبيد وغيره و في الأخبار الثابتة أن عمر رضي الله عنه قرأ في صلاة الفجر بسورة يوسف والحج قراءة بطيئة رواه مالك وغيره وكان بعض الصالحين من السلف معروفا ببطء القراءة ومن هؤلاء الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى فقد كان يقرأ ( قراءة حزينة شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانا ) فهذه الآثار وغيرها تبين معنى الحديث وتدل على استحباب الترتيل
قال الإمام محمد بن الحسين الاجري ( والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحب إلي من كثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه فظاهر القرآن يدل على ذلك والسنة وأقوال أئمة المسلمين ) والكلام في الترتيل والحدر وبيان ما قاله العلماء في هذه المسألة ليس هذا موضعه وإنما المقصود بيان على أن الأحاديث والآثار دلت على فضل الترتيل وأنه أفضل من الإسراع في القراءة وهو مذهب معظم السلف والخلف
فألفاظ الأحاديث يبين بعضها بعضا وبخاصة مع تجوز الرواة في رواية الأحاديث بالمعنى فمتى ما جمعت طرق الأحاديث تبين بالنظر فيها علل الأحاديث واتضحت معانيها

ولذا حظ أئمة الحفاظ على جمع طرق الأحاديث كما هو معلوم وألفاظ الحديث المتقدم تدل على التمهل والتأني في القراءة وتبيين الحروف وذلك يستنبط منه مراعاة الوقف على رؤوس الآي فإن رؤوس الآي مقاطع في أنفسهن وأكثر ما يوجد التام عندهن قال ابن النحاس ( من التبيين تفصيل الحروف والوقف على ما تم معناه منها ) فليس في الحديث نص على تعمد النبي (ص)الوقف على رؤوس الآي في كل حين كما يدعيه بعض القراء المتأخرين فضلا عن الاستدلال به على أن النبي (ص)كان يقف على رؤوس الآي حتى وإن اشتد تعلقها بما بعدها وهو ما نستثنيه بلا شك
فمعنى الروايات دل على التمهل والترسل في القراءة وإن أمكن أن يستنبط من ذلك مراعاة الوقوف عند تمام المعاني فلا بأس كما فعله بعض العلماء كابن النحاس والسخاوي وأما القول بأن النبي (ص)كان يواظب على ذلك فلا يساعده النقل و لا يؤيده المعنى وهذه الروايات قد ذكرتها وليس فيها إلا ما ذكرت والله أعلم
وقد قيل في الجواب عن الحديث بأنه جاء لتعليم الفواصل ولبيان لجواز لا للتعبد فلا يكون الوقف عليها سنة إذ لا يسن إلا ما فعله (ص)تعبدا وقد أطال الشيخ الضباع رحمه الله في ترجيح القول بسنية الوقف مطلقا ومرجع كلامه وكلام غيره من المتأخرين دائر حول تعميم بعض ألفاظ الحديث الوارد ظنا منهم أن الوقف على رؤوس الآي ثابت أنه سنة لا يختلف في ثبوتها وأن ألفاظ الحديث لم يضطرب فيها الرواة
لكن الراجح ما ذكرته وكثير من القراء المتأخرين مقلدين في تخريج الحديث فضلا عن الحكم عليه والنظر في كلام الأئمة النقاد فيه حتى أن بعضهم عزا تخريج حديث أم سلمة المتقدم إلى الصحيحين
*والأوصاف الثابتة لقراءة النبي (ص) ثلاثة المد والتحقيق بغير ترجيع
والترديد والترجيع وهو قليل
والقراءة حرفا حرفا وآية آية بترسل وترتيل وتقطيع و أحسن من رأيته تكلم بالأسانيد على الأوصاف الواردة في قراءة النبي (ص)هو الإمام الحافظ المقرئ أبو العلاء الهمذاني الحنبلي وقد قال ( هذه الأوصاف الثلاثة التي ذكرناها صحيحة ثابتة عن النبي (ص)وقد ورد عنه من وجه فيه نظر وصف رابع ) اهـ
والوصف الرابع الذي ذكره هو ( الزمزمة ) "

وكما سبق القول قراءة أى مسلم هى حسب قدرته الصحية ولا علاقة لها بما اخترعه القوم وزادوه فى المصاحف من العلامات كصلى وج وغيرها
وتحدث عن حكم الوقف فقال :
"المبحث الثاني:
حكم الوقف على رؤوس الآي عند علماء الوقف وغيرهم
جعل الإمام البيهقي والداني وأبو العلاء الهمذاني وابن القيم وابن الجزري رحمهم الله ذلك سنة عن النبي (ص)وقال الإمام البيهقي رحمه الله ( ومتابعة السنة أولى مما ذهب إليه بعض أهل العلم بالقرآن من تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهائها ) وكان أبو عمرو بن العلاء من الأئمة وأحد القراء السبعة يسكت عند رأس كل آية ويقول ( إنه أحب إلي إذا كان رأس آية أن يسكت عندها )

وقال السخاوي ( معنى قوله مفسرة حرفا حرفا ما سبق في الحديث الأول من الوقف على رأس الآية ) وقال ابن النحاس ( ومعنى هذا الوقف على رؤوس الآي )
وعن عبد الله بن أبي الهذيل التابعي ( كانوا يكرهون أن يقرؤوا بعض الآية ويدعوا بعضها )
وفي رواية ( إذا قرأ أحدكم الآية فلا يقطعها حتى يتمها )

وقد قوى ذلك عند العلماء رحمهم الله تعالى أن رؤوس الآي مقاطع في أنفسهن وأكثر ما يوجد التام فيهن حتى كان جماعة من العلماء يستحبون القطع عليهن وإن تعلق كلام بعضهن ببعض وهذا عندهم ما لم يشتد التعلق فيتغير بالوقف المعنى ؛ وبناء على هذا حكى ابن النحاس عن بعض النحاة تفضيل الوقف على ( هدى للمتقين ) وإن تعلقت بما بعدها لأنها رأس آية لكن هذا الوقف على ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (البقرة2) لم يشتد فيه تعلق الآية بما بعدها ولم يتغير المعنى أو يقبح بالوقف فهو إما وقف تام عند بعض علماء الوقف على تقدير جعل ما بعدها وهو ( الذين ) في موضع رفع على الابتداء أو خبرا لمبتدأ محذوف تقديره ( هم الذين ) أو في موضع نصب بمحذوف تقديره أعني فلا تعلق له من جهة الإعراب بـ ( المتقين ) وإما أنه وقف حسن إذا كان نعتا ( للمتقين ) وهو أولى
ويقاس على هذا غيره مما يطول جدا الكلام عليه من رؤوس الآي التي يحسن الوقف عليها
ثم إنه ليس في الحديث - فيما ظهر – دلالة على مداومة النبي على ذلك بل هناك ما يدل على خلاف ذلك وهو أن النبي (ص)لو كان من شأنه المداومة على ذلك ولو غالبا فإنه لابد أن ينقل إلينا ذلك من غير طريق ابن أبي مليكة فلما لم نجد ذلك عن النبي (ص)مسندا من غير طريق ابن أبي مليكة علمنا أنه لم يكن من شأنه (ص)مراعاة ذلك على الدوام قال الإمام الجعبري ( وهم فيه من سماه وقف السنة لأن فعله (ص)إن كان تعبدا فهو مشروع لنا وإن كان لغيره فلا ) اهـ ( )
كأنه يعني إن كان وقفه (ص)عليها لأن المعنى يتم عندهن في الغالب أو لمعنى آخر كبيان رأس الآية فلا دليل على كون الوقف على رؤوس الآيات سنة
و المقصود أن أكثر القراء صاروا إلى مراعاة المعنى وإن لم يكن رأس آية كما نقله عنهم الزركشي رحمه الله تعالى فإنه قال ( واعلم أن أكثر القراء يبتغون في الوقف المعنى وإن لم يكن رأس
آية ) اهـ
وإليه يشير قول السخاوي ( وأجاز جماعة من القراء الوقف على رؤوس الآي عملا بالحديث) اهـ وفي كلام الداني رحمه الله تعالى إشارة إلى ذلك لأنه حكى الوقف على رؤوس الآي عن جماعة من الأئمة السالفين والقراء الماضين وكل هذا يدل على أن أكثرهم لم يره وهو الذي يدل عليه تصرف علماء الوقف في كتب الوقف والابتداء فإنهم يجعلون رؤوس الآي وغيرها في حكم واحد من جهة تعلق ما بعدها بما قبله وعدم تعلقه ولذا كتبوا ( لا ) فوق الفواصل كما كتبوه فوق غيرها
ومع أن أكثر القراء إنما يراعون المعاني فهم يقفون لمراعاتهم المعاني على رؤوس الآي غالبا ؟ لأنهن في الغالب مقاطع ينتهي إليهن المعنى كما تقدم
ولابد من تقييد القول بأن الوقف على رؤوس الآي سنة بما لا يفسد المعنى ولا يحيله عن وجهه لأنا نعلم أن ذلك مستثنى ضرورة من هذا الإطلاق فإن من الفواصل ما لا يصح الوقوف عليه لفساد المعنى بذلك وذلك خلاف ما أمر الله به من تدبر القرآن قال السخاوي رحمه الله ( إلا أن من الفواصل مال لا يحسن الوقف عليه كقوله تعالى ( فويل للمصلين ) (الماعون4) لأن المراد فويل للساهين عن صلاتهم المرائين فيها فلا يتم المعنى إلا بالوصل وليس الوقف على قوله ( والضحى ) كالوقف على ما جاء في الحديث ) اهـ قلت لأن ( والضحى ) (الضحى1) رأس آية و تعلقها بما بعدها من أقسام وجواب قسم قوي وأمثال ( والضحى ) من الآيات التي يقوى تعلقها بما بعدها كثير مثل قوله تعالى (والطور) ( الطور1) و( ق والقرآن المجيد) ( ق1)
ولذا فقد جعل علماء الوقف والابتداء الوقف على المواضع التي يشتد تعلقها بما بعدها قبيحا مع كونها رؤوس آي كقوله تعالى ( فويل للمصلين )

و كقوله تعالى ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ) فلو وقف القارئ هنا لكان الكلام لا معنى له لأن الجواب لم يتم فإن اللام بعدها في قوله تعالى ( لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) متعلقة بما قبلها
فقد ذكر كثير من علماء الوقف هذه الآيات ونبهوا على رأس الآية ومنعوا من الوقف عليها مع كونها رؤوس آي وممن ذكر ذلك الإمام الداني والعماني و ابن الجزري والأشموني وزكريا الأنصاري وغيرهم قال في المقصد لتلخيص ما في المرشد ( ويسن للقارئ أن يتعلم الوقوف وأن يقف على أواخر الآي إلا ما كان منها شديد التعلق بما بعده كقوله تعالى ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون) (الحجر14) وقوله ( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين) (ص82) ) اهـ
فمتى اشتد تعلق الآية بما بعدها لم يصح تعمد الوقف عليها حتى وإن كانت رأس آية
وعلى هذا العمل عند محققي علماء الوقف كما تقدم وأما استدلال من قال بسنية الوقف مطلقا بأقوال العلماء القائلين بأن ذلك سنة فقد تبين مما ذكرته عن كثير ممن اعتمدوا عليه في ذلك كالداني وابن الجزري أن هذا الإطلاق مقيد وهذا التعميم مخصوص و قد ظهر أن عملهم على تخصيص هذا العموم لأنهم عدوا الوقف على مثل ذلك من الآيات قبيحا
تنبيه قطع القراءة بكلام أو عمل أو بترك القراءة لا أعلم أحدا من القراء يجيزه على ما يشتد تعلقه من رؤوس الآي بما بعده و إنما الذي فيه اختلاف من بعض القراء هو الوقف بنية استئناف القراءة وقد بينت الفرق بين هذه العبارات أول هذه الرسالة
تنبيه السكت على رؤوس الآي بقصد البيان مذهب لبعض القراء وبينه وبين الوقف فرق كما قدمت و قد حمل بعضهم الحديث الوارد في الوقف على ذلك كما سبق "

وكل كلام هؤلاء بلا قيمة لأنه لا يوجد عليه أى دليل من الوحى فإنما القراءة على قدر الصحة فالمطلوب الوحيد هو :
تدبر القرآن والمقصود فهم معانيه وليس الغرض النطق كنطق ولذا قال تعالى :
" أفلا يتدبرون القرآن"
ومن ثم الوقف على حسب الصحة وغالبا هى القدرة على أخذ النفس وهو الشهيق والزفير وهو يتفاوت من واحد لأخر ومن صحة لمرض فى الواحد وهكذا ومن ثم لا علاقة للوقف برءوس الآيات لأن حسب التاريخ المصاحف الأولى لم يكن فيها فواصل بين الآيات وإنما الكلام كان متصلا ببعضه البعض والآيات بعضها طويل كآية المداينة لا يمكن لقارىء أن يقرأها فى نفس واحد ولا نفسين وبعضها كلمة واحدة كمدهامتان والوقوف على كلمة غير معقول ومن ثم الحديث هو عن قراءة الصلاة وليس بيع القراءة من القراء فى المآتم والاحتفالات وغيرها والذى قام عليه الوقف والابتدا
وانتهى المؤلف إلى جواز الوقف على رؤوس الآيات عند عدم اتصال المعنى بما بعدها فقال :
"فليقف القارئ - إن شاء - على رؤوس الآي إن لم يشتد تعلقها بما بعدها فهذا هو القول الوسط الذي يرجحه النقل والعقل فإن اشتد تعلقها بما بعدها فيصل القارئ ويقف عند رأس آية أخرى لا يشتد تعلقها بما بعدها مراعيا تدبر القرآن والوقوف مع ما تقتضيه المعاني فأما إن كان رأس الآية من المختلف فيه عند علماء عد الآي خلافا ثابتا مشهورا فيقف القارئ على أقرب الوقفين لتمام المعنى وليس معنى ذلك أن القول الآخر في رأس الآية ليس بثابت لكن هذا نادر وعامة التالين لا يدرون بالمختلف فيه من رؤوس الآي
والقارئ المتقن يراعي حسن الوقوف واكتمال المعاني كما يراعي جودة الحروف وإتقان صفاتها وقد شبهوا القارئ بالمسافر و المقاطع التي يقف عندها بالمنازل التي ينزلها المسافر وهي مختلفة بالتام والكافي والحسن وغيرها كاختلاف المنازل في الخصب والسعة "

والقارىء هنا لا يقصد به المسلم المصلى أو الداعية وإنما يقصد به القارىء بائع القرآن

 

السبت، 9 نوفمبر 2024

قراءة فى مقال الله ليس بجسم

قراءة فى مقال الله ليس بجسم
صاحب المقال جعفر السبحاني ويبدو أن المقال جزء من كتاب وهو خاص بمسألة أن الله ليس له جسم وعن ذلك قال :
"الصفات السلبية:
ليس بجسم ولا في جهة ولا محل، ولا حال ولا متحد.
اتفقت كلمة أهل التنزيه تبعا للأدلة العقلية والنقلية على أنه سبحانه جميل أتم الجمال، وكامل أشد الكمال لا يتطرق إليه الفقر والحاجة، وهو غني بالذات، وغيره محتاج إليه كذلك.
أما العقل، فلأن كل متصور إما أن يكون واجب الوجود، أو ممكنه، أو ممتنعه. والثالث غير مطروح في المقام. والممكن لا يتصف بالألوهية، فيبقى أن يكون واجب الوجود هو الذي تنتهي إليه سلسلة الموجودات. وما هو واجب الوجود لا يكون فقيرا ومحتاجا في ذاته وفعله، لأن الفقر آية الإمكان.
وأما النقل، فيكفي في ذلك ما ورد من الآيات من توصيف نفسه بالغناء قال سبحانه: * (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)
إن معنى كون أسمائه وصفاته توقيفية، لا يهدف إلا إلى أنه ليس لإنسان تسميته باسم أو وصف إلا بما ورد في الكتاب والسنة، وأما تنزيهه سبحانه عن كل شين وعيب، وعن كل ما يناسب صفة المخلوق فليس ذلك أمرا توقيفيا، والتوقف حتى في تنزيهه سبحانه عن صفات المخلوقين، ونقص الممكنات، ليس أمرا توقيفيا، وإلا لكان معنى ذلك تعطيل باب المعارف. ومن يتوقف في تنزيهه عن هذه الصفات غير المناسبة لساحته سبحانه فهو معطل في باب المعرفة، عنين في ذلك المجال، قال سبحانه: * (وما قدروا الله حق قدره) *

وعلى ذلك يترتب نفي كل صفة تناسب صفة الممكنات وكل نقص لا يجتمع مع الغنى ووجوب الوجود، سواء أكان داخلا فيما عددناه في عنوان البحث أو خارجا عنه، غير أنا توضيحا للبحث نشير إلى دليل كل واحد مما أوردناه في العنوان"
بالطبع كل ما أورده هو كلام ليس فى الموضوع مباشرة وتبدو ألاية الوحيدة التى لها علاقة هى آية :
عدم المثلية بين الله ومخلوقاته
وهى قول :
ط ليس كمثله شىء "

فالآية تنفى أى صفة للخلق أن تكون لله فإن كان لهم أجسام فهو ليس له جسم والحديث هو عن الأجسام الظاهرة والخفية لأن الله خلق بعضا نبصره وبعضا لا نبصره فقال :
" فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون"
وأما حكاية الغنى عن كل شىء فتبدو بعيدة عن الموضوع لأنه فى تلك الحالة سيكون مستغنيا عن نفسه وهى ذاته كما يبدو مستغنيا عن الجسم الذى يحتاج للمأكل والمشرب والهواء وغير هذا
وتحدث عن كون الجسم مجزأ ومحتاج لغيره كى يستمر فى البقاء فقال :
" - ليس بجسم
عرف الجسم بتعاريف مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. وعلى كل تقدير فالجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق، وعلى قول ما يشتمل على الأبعاد بإضافة البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثة المكانية.
وهو ملازم للتركيب، والمركب محتاج إلى أجزائه، والمحتاج ممكن الوجود لا واجبه، والممكن لا يكون إلها خالقا مدبرا تنتهي إليه سلسلة الموجودات.
وبدليل آخر، إن كل جسم محتاج إلى الحيز والمحل، والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب.
وبدليل ثالث، إن الحيز أو المحل، إما أن يكون واجب الوجود كالحال، فيلزم تعدد الواجب، وإما أن يكون ممكن الوجود، مخلوقا لله سبحانه فهذا يكشف عن أنه كان موجودا غنيا عن المحل والحيز فخلقهما، فكيف يكون الغني عن الشئ محتاجا إليه!!."

وتحدث عن كون الله ليس فى جهة والمراد فى مكان فقال :
- ليس في جهة ولا محل.
وقد تبين حال استغنائه عنهما مما ذكرنا من الدليل على نفي الجسمية فلا نعيد."

كما تحدث كونه لا يحل فى المكان وهو تكرار للكلام السابق فقال :
" - ليس حالا في شئ.:
إن المعقول من الحلول قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية. وهذا المعنى لا يصح في حقه سبحانه لاستلزامه الحاجة وقيامه في الغير.
أضف إلى ذلك إن ذلك الغير إما ممكن أو واجب، فلو كان ممكنا فهو مخلوق له سبحانه، فقد كان قبل إيجاده مستقلا غير قائم فيه، فكيف صار بعد خلقه قائما وحالا فيه؟!، ولو كان واجبا يلزم تعدد الواجب وهو محال"

وتحدث عن كونه لا يمتزج بعيره فقال :
" - ليس متحدا مع غيره.
حقيقة الاتحاد عبارة عن صيرورة الشيئين المتغايرين شيئا واحدا، وهو مستحيل في ذاته فضلا عن استحالته في حقه تعالى، فإن ذلك الغير بحكم انحصار واجب الوجود في واحد، ممكن. فبعد الاتحاد إما أن يكونا موجودين فلا اتحاد لأنهما اثنان، أو يكون واحد منهما موجودا والآخر معدوما. والمعدوم إما هو الممكن، فيلزم الخلف وعدم الاتحاد، أو الواجب فيلزم انعدام الواجب وهو محال.
وبذلك تبين أن ما يدعيه أصحاب الفرق الباطلة كالمسيحيين والحلوليين من المسلمين، بل القائلين باتحاده سبحانه مع القديسين من الأنبياء والصلحاء والأقطاب وغيرهم، كلها من شطحات الغلاة وإرجاف الصوفية أعاذنا الله من شرورهم.
ثم إن تنزيهه سبحانه بحجة نفي الحاجة لا ينحصر في ما ذكرناه في عنوان البحث بل كل صفة وتعريف لله سبحانه يستلزم تشبيهه بالمخلوقات، فهو منفي عنه.
وبذلك يعلم صحة نفي التركيب عنه الذي تقدم بحثه في التوحيد الذاتي الأحدي.
الكتاب العزيز ونفي الجسمية."

قطعا نفى كل صفات الخلق عن الله يعنى أنه خارج المحل وهو المكان وينفى حاجته لغيره وكيف يحتاج لغيره مما خلق إذا كان هو كان قبلهم ولم يكن أى شىء أخر معه
وتحدث عن سعة وجود الله فقال :
"إن التدبر في الذكر الحكيم يوفقنا على أنه سبحانه منزه عن كل نقص وشين، وأنه ليس بجسم ولا جسماني. وهذا المعنى وإن لم يكن مصرحا به في الكتاب، لكن التدبر في آياته، الذي أمرنا به في ذلك الكتاب في قوله سبحانه: * (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) يوصلنا إلى ذلك. ولأجل إيقاف القارئ على موقف الكتاب في ذلك نشير إلى بعض الآيات:
1 - إن الذكر الحكيم يصف الواجب تعالى بقوله: * (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) * والآية صريحة في سعة وجوده سبحانه، وأنه معنا في كل مكان نكون فيه.

وما هذا شأنه لا يكون جسما ولا حالا في محل أو موجودا في جهة. إذ لا شك إن الجسمين لا يجتمعان في مكان واحد وجهة واحدة، فالحكم بأنه سبحانه معنا في أي مكان كنا فيه، لا يصح إلا إذا كان موجودا غير مادي ولا جسماني.
ثم إن المجسمة!، ومن يتلو تلوهم إذا وقفوا على هذه الآية يؤولونها بأن المراد إحاطة علمه، لا سعة وجوده. ولكنه تأويل باطل لا دليل عليه. والعجب إن هؤلاء يفرون من التأويل في الصفات الخبرية، ويرمون المؤولة بالتعطيل مع أنهم ارتكبوا ما ألصقوه بغيرهم!!.
أضف إلى ذلك إنه سبحانه صرح بإحاطة علمه بكل شئ في نفس الآية، وقال: * (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها) * فإذا لا وجه لتكرار هذا المعنى بعبارة مبهمة، وعلى ذلك لا مناص من حمل الآية على سعة وجوده وإحاطته بكل شيء لا إحاطة حلولية حتى يحل في الأجسام والإنسان، بل إحاطة قيومية عبر عنها في الآيات الأخر بقوله: * (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) أي قائما بالذات، وسائر الأشياء قائمة به. فليست كل إحاطة ملازمة للحلول والاتحاد، ولا يمكن أن يكون ما تقوم الأشياء بذواتها به غائبا عنها غيبوبة الجسم عن الجسم.
2 - يقول سبحانه: * (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبؤهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم)

والآية صريحة في سعة وجوده وأنه موجود في كل مكان ومع كل إنسان لكن لا بمعنى الحلول بل إحاطة قيومية قيام المعلول بالعلة، والمعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، ومع ذلك فلا يصل الإنسان إلى كنه هذه الإحاطة وهذه القيومية. فالآية تفيد المعية العلمية والمعية الوجودية، فكلما فرض قوم يتناجون، فالله سبحانه هناك موجود سميع عليم.
وبعبارة أخرى إنه سبحانه وصف نفسه في الآية بالعلم بما في السماوات وما في الأرض، ثم أتى بقوله: * (ما يكون من نجوى ثلاثة) *،
كالدليل على تلك الإحاطة العلمية، فبما أنه يسع وجوده كل مكان وجهة، فهو عالم بكل ما يحويه المكان والجهة.
ومثل هذا لا يمكن أن يكون جسما، لأن كل جسم إذا حواه مكان خلا منه مكان آخر.
3 - قال تعالى: * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)
لما أمر سبحانه بالتوجه إلى القبلة - وربما أوهم ذلك أن الله في مكان يستقر فيه - دفعه سبحانه بقوله: * (أينما تولوا فثم وجه الله) * أي لا يخلو مكان عن ذاته ووجوده.
فالمراد من الوجه هنا هو الذات، قال ابن فارس: " وربما عبر عن الذات بالوجه قال:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل "
ولا ينحصر تفسير الوجه بالذات بهذه الآية بل هو كذلك في الآيتين التاليتين:
1 - قوله سبحانه: * (لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه)
2 - وقوله سبحانه: * (ويبقى وجه بك ذو الجلال والإكرام)
والدليل على أن الوجه في هاتين الآيتين بمعنى الذات، لا العضو المخصوص، واضح.
أما الآية الأولى، فلأنه سبحانه بصدد بيان أن كل شئ يهلك ويفنى إلا نفسه وذاته. وهذا لا يصح إلا أن يكون المراد من الوجه هو الذات لا العضو المخصوص.
وأما الآية الثانية، فلأنه وصف الوجه بقوله: * (ذو الجلال والإكرام) *، بمعنى ذو الطول والإنعام وما يقاربه. ومن المعلوم أنهما من صفات نفس الرب لا من صفات الوجه، أعني الجزء من الكل. ولو كان الوجه هنا، بمعنى العضو المخصوص لوجب أن يقول: " ذي الجلال والإكرام " حتى يقع وصفا للرب لا للوجه.
ويشهد على ذلك قوله سبحانه: * (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام) فلما كان الاسم غير المسمى وصف الرب بقوله " ذي الجلال "، ولم يصف الاسم به وإلا لقال " ذو الجلال ".
فإذا تبين إن الوجه في هذه الآيات بمعنى الذات، أفهل يجتمع قوله * (فثم وجه الله) * مع كونه جسما محددا في جهة خاصة وموجودا فوق العرش، متمكنا فيه أو جالسا عليه، وما أشبه ذلك مما يوجد في كلمات المجسمة ومن هو منهم، وإن كان يتبرأ من وصفه بالتجسيم!!."

قطعا آيات الوجه تفسيرها كالتالى :
-قال تعالى بسورة البقرة :
"ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله "
وجه الله هنا بمعنى خلق الله ففى أى جهة ننظر نرى خلق الله حولنا .
-قال تعالى بسورة الليل:
"وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى "
وجه الرب هنا بمعنى فضل أى رضا أى ثواب الله فالإنسان يبتغى فضل الله ثواب الله وهو رحمته كما قال تعالى بسورة الفتح :
"يبتغون فضلا من الله ورضوانا ".
-قال تعالى بسورة القصص :
"كل شىء هالك إلا وجهه "
وجه الله هنا هو جزاء الله وهو الجنة و النار فكلاهما باق لا يفنى وفى بقاء رزق الجنة قال تعالى بسورة النحل :
"ما عندكم ينفد وما عند الله باق ".
-قال تعالى بسورة الرحمن :
"ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام "وجه الرب هنا هو جزاء الله أى الجنة والنار أى الرزق والعذاب كما قال تعالى بسورة طه :
"ورزق ربك خير وأبقى "
وكما قال بنفس السورة :
"ولعذاب الأخرة أشد وأبقى "
والسعة الإلهية التى تحدث عنها معنا شمول ملكه السموات والأرض وما بينهما وهو ما اصطلح عليه بالخلق أو الكون وكلمة الملك تتضمن كل ألأمور الأخرى كالعلم وغيره
وتحدث عن نفى الشبه بين الله وبين الخلق فقال :
- يقول سبحانه وتعالى: * (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)
إن الآية بصدد نفي التشبيه على الإطلاق، وليس من كلمة أجمع من قوله سبحانه * (ليس كمثله شئ) *. أوليس القول بكونه جسما ذا جهة ومحل، موجودا فوق العرش متمكنا فيه أو جالسا عليه، تشبيه للخالق بالمخلوق؟ صدق الله العلي العظيم إذ قال: * (وما قدروا الله حق قدره) فما هذا الصمم والعمى في الأسماع والأبصار والقلوب؟!.

وتحدث عن آيات يدل ظاهرها على الحلول والمكانية فقال :
"نعم، ربما يتوهم القاصر، دلالة الآيتين التاليتين على كونه سبحانه في السماء وأنه في جهة، وهما قوله سبحانه: * (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير)
ولكن المتأمل فيما تقدمهما من الآيات يخرج بغير هذه النتيجة فإنه سبحانه يقول قبلهما: * (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)
فهذه الآية تذكر نعمة الله سبحانه على أهل الأرض ببيان أنه جعل الأرض ذلولا فسهل سلوكها، وهيأ لهم رزقه فيها، وعند ذلك ينتقل في الآية الثانية إلى ذكر أن وفرة النعم على البشر يجب أن لا تكون سببا للغفلة والتمادي والعصيان، فليس من البعيد أن يخسف الأرض بهم، فإذا هي تمور وتتحرك وترتفع فوقهم كما ليس من البعيد أن ينزل عليهم ريحا حاصبا ترميهم بالحصباء. فعند ذلك، عند معانيه العذاب، يخرجون من الغفلة ويعرفون الحق، وهذا هو هدف الآيات الثلاث.
وأما التعبير ب‍* (من في السماء) * فيحتمل أن يراد منه: من سلطانه وقدرته في السماء، لأنه مسكن ملائكته واللوح المحفوظ ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. كما أن منها ينزل رزق البشر، وفيها مواعيده: * (وفي السماء رزقكم وما توعدون) * فيصح التعبير بمن في السماء عن سلطانه وقدرته وكتبه وأوامره ونواهيه.
كما يحتمل أن يكون الكلام حسب اعتقادهم، بمعنى أأمنتم من تزعمون أنه في السماء أن يعذبكم بخسف أو بحاصب، كما تقول لبعض المشبهة: " أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل ".
وهناك احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من الموصول هو الملائكة الموكلون بالخسف والتدمير، فإن الخسف والإغراق وإمطار الحجارة كانت بملائكته سبحانه في الأمم السالفة.

فبعد هذه الاحتمالات لا يبقى مجال لما يتوهمه المستدل.
أضف إلى ذلك أنه سبحانه يصرح بكون إله السماء هو إله الأرض ويقول: * (هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم)
فليس الإله بمعنى المعبود كما هو بعض الأقوال في معنى ذلك اللفظ، بل " الإله " و " الله " بمعنى واحد، غير أن الأول جنس والثاني علم. ولو فسر أحيانا بالمعبود، فإنما هو تفسير باللازم، فإن لازم الألوهية هو العبادة، لا أنه بمعنى المعبود بالدلالة المطابقية.
فعلى ذلك فمفاد الآية وجود إله واحد في السماء والأرض وهذا يكون قرينة على أن المراد من قوله: * (من في السماء) * هو أحد الاحتمالات الماضية."

قطعا فسر الله كونه فى السموات وفى الأرض بكونه رب من فى السموات ورب من ومن ثم معنى أأمنتم فى السموات معناه أأمنتم رب من فى السموات
وتحدث عن على والتجسيم فقال :
"مكافحة علي القول بالتجسيم
إن عليا وسائر الأئمة من أهل البيت مشهورون بالتنزيه الكامل. وكانوا يقولون إنه سبحانه لا يشبهه شئ بوجه من الوجوه، ولا تدرك الأفهام والأوهام كيفيته ولا كنهه. ويظهر ذلك من خطبه والآثار الواردة عن سائر أئمة أهل البيت وقد وقف على ذلك القريب والبعيد.
قال القاضي عبد الجبار: " وأما أمير المؤمنين فخطبه في بيان نفي التشبيه وفي إثبات العدل أكثر من أن تحصى "

روى المبرد في الكامل: " قال قائل لعلي بن أبي طالب: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟.
فقال علي "أين"، سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان "
وقال البغدادي: قال أمير المؤمنين: " إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته، لا مكانا لذاته "

وقال أيضا: " قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان "
وقد بلغ بعلي من الأمر أنه كان يراقب العوام والسوقة في محاضراتهم وما يصدر منهم فدخل يوما سوق اللحامين وقال:
" يا معشر اللحامين، من نفخ منكم في اللحم فليس منا فإذا هو برجل موليه ظهره، فقال: كلا والذي احتجب بالسبع فضربه على ظهره
ثم قال: يا لحام، ومن الذي احتجب بالسبع؟.
قال: رب العالمين يا أمير المؤمنين.
فقال: أخطأت، ثكلتك أمك، إن الله ليس بينه وبين خلقه حجاب، لأنه معهم أينما كانوا.
فقال الرجل: ما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟.
قال: أن تعلم أن الله معك حيث كنت.
قال: أطعم المساكين؟.
قال: لا، إنما حلفت بغير ربك "

وحكاية اللحام حكاية خاطئة لأن القائل هنا ينفى الحجاب مع ثبوته بقوله تعالى:
" وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا"
والكلام من وراء حجاب معناه أن يتكلم من لا يتكلم أمام الناس مثل جانب الشجرة التى كلمت موسى(ص)وفيها قال تعالى :
"فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة"
وتحدث عن المعية مع الخلق فقال :
"وهذه المعية التي ذكرها علي قد وردت في آيات الذكر الحكيم، منها ما سبق ومنها قوله تعالى: * (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم. .)
وقال " ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال: "فيم؟ " فقد ضمنه. ومن قال "علام؟ " فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمقارنة،وغير كل شئ (لا) بمزايلة "
وقال " الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر "
وقال " ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولا حمده من أشار إليه وتوهمه "
وقال " قد علم السرائر، وخبر الضمائر، له الإحاطة بكل شئ، والغلبة لكل شئ والقوة على كل شئ "

إلى غير ذلك من خطبه وكلمه في التنزيه ونفي الشبيه. ومن أراد الإسهاب في ذلك والوقوف على مكافحة أئمة أهل البيت لعقيدة التشبيه والتكييف والتجسيم، فعليه مراجعة الأحاديث المروية عنهم في الجوامع الحديثية"
والمعية الإلهية لا تعنى الوجود مع الخلق فى مكان ولكنها تعنى نصر الله كما بقوله بسورة التوبة :
"لا تحزن إن الله معنا "
أى لا تخاف إن الله ناصرنا أى منجينا من أذى الكفار بدليل قوله فى نفس الآية خلف العبارة :
"فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا "
كما تعنى علم الله كما بقوله بسورة المجادلة :
"ألم تر أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا "
ومعية الله تعنى علمه بدليل قوله فى أول الآية "يعلم ما فى السموات وما فى الأرض " وعلمه يأتى من الذين مع الخلق فى المكان وهم المتلقيان الذى وضعهم مع الخلق لكتابة ما يقولون وفى هذا قال تعالى بسورة ق:
"إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد "
إذا فمعنى كون الله رابع الثلاثة وسادس الخمسة هو أن رقيب الله هو رابع الثلاثة وسادس الخمسة ومعنى وجود الله مع المتناجين فى كل مكان هو وجود رقيب الله معهم فى كل مكان أى يراقبهم فى كل مكان يكونون فيه .

 

الجمعة، 8 نوفمبر 2024

نقد كتاب الاستخارة

نقد كتاب الاستخارة
الكتاب من تأليف محمد محمد صادق الصدر وهو يدور حول مشروعية الاستخارة التى لا وجود لها فى كتاب الله ولا دليل عليها منه وقد استهل الكلام بذكر معناها فقال :
"معنى الاستخارة:
قال ابن منظور : الاستخارة طلب الخير في الشيء وهو إستفعال منه وفي الحديث كان رسول الله (ص) يعلمنا الاستخارة في كل شيء وخار الله لك أي إعطاك ما هو خير لك والخيرة بسكون الياء: الاسم من ذلك ومن دعاء الاستخارة أي اللهم خر لي أي إختر أصلح الأمرين وإجعل لي الخيرة فيه وإستخار الله طلب من الخيرة (بفتح الياء) "
وأشار الصدر إلى أنها عادة وليست تشريع إلهى فقال :
"أقول: والإستخارة عادة جرى عليها المتشرعة في الاسلام منذ صدر الاسلام الى العصر الحاضر وسنذكر بعض النصوص الواردة في ذلك الدالة على ثبوت ذلك من زمن الأئمة المعصومين بل من زمن رسول الله (ص)
وتحدث عن وجود ثلاث معانى للاستخارة فقال :
"والإستخارة كمفهوم يمكن أن يراد به أحد ثلاثة أمور:
الأمر الأول:

ما أشار إليه إبن منظور وهو طلب الخير
الأمر الثاني:
طلب الخيرة (بفتح الياء) من الله سبحانه على ان يدلك على ما هو الأصلح لك في المستقبل المنظور من حياتك هل الأفضل أن تفعل أو الأفضل أن تترك
فهو معنى يحتوي على طلب الخير من الله سبحانه إلا أنه يحتوي في نفس الوقت على جهة تشريعية: افعل أو اترك بحسب الهداية الالهية الموجودة في أسلوب الإستخارة
الأمر الثالث من معاني الخيرة:
طلب الخير بمعنى محاولة التوصل الى معرفة: أن الله سبحانه ماذا أراد لي أو لنا في المستقبل المنظور من حوادث ومجريات هل هي حوادث خير أو هي حوادث شر وسوء من دون أن تكون له صفة تشريعية
وهذا المعنى يحتوي على محاولة التعرف بالهداية الالهية على المستقبل أو على (الغيب) الذي لم يحصل الى الآن"

وأشار الصدر إلى معنى الاستخارة عند عامة الناس محاولة الوصول لمعرفة إرادة الله الغيبية فى أمر ما فقال :
"وهذا هو المعنى الذي يعتقده الكثيرون من عامة الناس في معنى الإستخارة وأنها منتجة الكشف عن المستقبل وسنناقشه بعد ذلك وهو وإن لم يكن بمعنى الخيرة التي نحن بصددها إلا أن للناس فيه عادة وهو مرتبط بها في أذهانهم فيحسن جدا التعرض له"
والاستخارة فى كل الأحوال هى مطلب ممنوع سواء كان العلم بالغيب عن أى طريق وهو أمر لا يعلمه الله الخلق كما قال :
" وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو "
وسواء كان أمر الله بأن يختار الخير معاندا ما قضاه من قبل من شر فى الأمر وهو اعتراض على قضاء الله وقدره
وتحدث الصدر عن تكوين الاستخارة النظرى فقال :
"تكوينها النظري:
وتحتاج الاستخارة الى الايمان بما نستطيع ان نسميه بالتكوين النظري لها اذ بدونه تكون الطريقة لاغية وغير منتجة حتما وأول فقرات هذا التكوين هو الايمان بالله عز وجل ذي القدرة الواسعة والعلم الواسع والرحمة الواسعة بحيث يعلم بحاجة ذي الحاجة وبطلبه الاختيار وبوجه المصلحة فيما يجهله العبد وهو قادر سبحانه على اجابة طلبه وتعريفه وجه المصلحة عن طريق ما اشترطه العبد من طريق معين كإمساك عدد فرد أو زوج من الحبات أو الحصى على ما سيأتي وهو تعالى رحيم كريم لا يغش من استنصحه ولا يكذب على من يسأله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا"
وهذا الكلام يتناقض مع أن أخبرنا أنه يبتلينا بالخير والشر كما قال تعالى :
" ونبلوكم بالشر والخير فتنة"

فالله وضع مصالح العباد جميعا عندما وزع عليها بالعدل الشرور والخيرات حتى لا يكون ظالما وتلك الطريقة من الدعاء هى اعتراض على ما قضاه إذا كان شرا
وحدثنا عن سؤال لطالب لأستاذه فى الموضوع فقال :
"السؤال الذي يسأله بعض أساتذتنا أحد طلابه: هل تعلل أن هناك سبب فوق الطبيعة (ميتا فيزيقي) يدخل الحبات في يدك؟ فأجاب الطالب: لا وكأن هذا ينتج ضعف في الدليل على الاستخارة لأنها ما دامت خاضعة لقوانين الطبيعة وغير مشمولة لما ورائها: إذن فهي لا تكشف بأي حال عن وجه المصلحة أو قل: عن الهداية الالهية المطلوبة منها ولا بد الى الاستخارة إذا كانت ولا بد للاستخارة إذا كانت منتجة أن تكون مشمولة بقوانين ما وراء الطبيعة"
واعتبر الصدر تلك الاجابة دالة على ضعق الثقة بالله فقال :
" وهذا الكلام إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف اليقين بالله عز وجل وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا ولا ينبغي أن يكون الكلام في الاستخارة مع الماديين وأضرابهم من أهل الدنيا الذين كانت الدنيا أقصى همهم ومبلغ علمهم {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون}
ولا شك أن كل قوانين الكون بما فيها قوانين الكون والقوانين التي فوقها كلها خاضعة لإرادة الله عز وجل ونحن مهما تصورناها قوية وفعالة ومؤثرة فإنما ذلك بمشيئة الله سبحانه وحسن تدبيره

وإذا كان الامر كذلك أمكننا أن نفترض أن المؤمن إذا فعل الاستخارة كان ذلك سببا (فوقيا) للتأثير على مقدار الحبات بحيث يطابق عددها ما هو المصلحة الواقعية ويكون ذلك سببا لعلمه بالواقع
وهذا الافتراض ليس جزافيا بل ناتج من اليقين بسعة قدرة الله وعلمه كل ما في الامر أننا تارة نفترض أن قدرة الله تعالى قد أثرت بالطبيعة مباشرة وأخرى نفترض أن قدرته أثرت بتحريك القانون الفوقي على الطبيعة وثالثة نفترض أن السبب الفوقي بإختياره أصبح مؤثرا في الطبيعة وليس إختياره جزافيا وإنما نتيجة لتعاليم الهية موجودة عنده ومهما كان من الصحيح أحد هذه الافتراضات فإن النتيجة تكون صحيحة لا محالة وحبات السبحة أو أي طريقة أخرى للخيرة تكون مطابقة للمصلحة الواقعية لا محالة كل ما في الامر أننا نحتاج الى شيء من اليقين"

وما قاله الصدر هو الضعيف وهو اعتراض على قضاءات الله بالشرور فلو أن الله استجاب نتيجة الاستخارات المتكررة والمتعددة بالخير لكذب نفسه من كونه يبتلى بالخير والشر معا فيجب على المسلم أن يستسلم لقضاء الله مع عمله بالأحكام
وذكر الصدر الأدلة على الاستخارة فقال :
"الدليل على الإستخارة:
يمكن الاستدلال على ذلك بعدة وجوه:
الوجه الأول:
وهو ذو جانب نظري بأن نقول: إن الله لا يغش من استنصحه
الاستخارة انما هي من قبيل الدعاء الى الله سبحانه وتعالى بان يعطي النصيحة والمشورة في ما هو متحير فيه اذن فهذا الدعاء يمكن ان يجاب بل يتعين الجواب اذا صح الاخلاص والتوجه ومن هنا صدق قولنا: ان الله لا يغش من استنصحه لان نتيجة الاستخارة بعد صدق الدعاء إن كانت باطلة فلا تخلو من احد أمور كلها باطلة لأنها تكون إما عن قصور في علمه سبحانه أو في قدرته أو في كرمه أو لوجود مصلحة شخصية له وكل ذلك باطل إذن فيتعين استجابة الدعاء وإعطاء النصيحة الواقعية للعبد الداعي"
الصدر يتحدث هنا وكأن الله لم يقطع الوحى عن الناس فلا يوجد وسيلة غير الوحى لمعرفة ما يريده للانسان فحتى الأحلام قد يكون ما فيها عكس المطلوب
وقال :
"الوجه الثاني:
سيرة المتشرعة الجارية منذ عصور سالفة والى العصر الحاضر على استعمال الاستخارة في مهام الامور والسيرة حجة إذن جواز الاستخارة ثابت
فإن قيل: إن هذه السيرة قد تكون متأخرة عن عصر المعصومين فلا تكون حجة ولا أقل من إحتمال ذلك لأن السيرة إنما تكون حجة بعد إحراز وجودها في زمنهم
وجوابه: إن هذه السيرة كانت موجودة في زمنهم قطعا وذلك لتقريبين:
التقريب الأول:
الأخبار الآتية المستفيضة بل المتواترة على صدق الاستخارة وصحتها وكلها واردة عن المعصومين

التقريب الثاني:
إننا لو تنزلنا جدلا عن الوجه الاول كفانا الاصل العلمي في اثبات وجود السيرة في زمنهم
الوجه الثالث:
للاستدلال على صحة الاستخارة التجربة الشخصية

الوجه الرابع:
الأخبار الدالة على الحث على الالتزام بهذا المسلك والواردة من قبل المعصومين وهي بمجموعها كما قلنا مستفيضة بل متواترة ومن هذه الناحية لا يهم في صدق هذا الوجه من الاستدلال على الاستخارة وجود بعض المناقشات في مسانيدها أو مداليلها ونذكر الآن أوضح ما يمكن أن يقع كمصداق لهذا الوجه من الروايات
فعن عمرو بن الحريث قال: قال أبو عبد الله ((صل ركعتين وإستخر الله فوالله ما إستخار الله مسلم إلا خار له البتة))
وعن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله قال: ((من إستخار الله راضيا بما صنع خار له حتما))
وعن أبي عبد الله قال: ((كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السورة من القرآن)) ثم قال: ((ما أبالي إذا استخرت على أي جنبي ونعمت))
وعنه أنه قال: ((كان أبي إذا أراد الاستخارة في أمر توضأ وصلى ركعتين وإن كانت الخادمة لتكلمه فيقول: سبحان الله لا يتكلم حتى يفرغ))
وعنه أنه قال: ((ما استخار الله عبد سبعين مرة بهذه الاستخارة إلا رماه الله بالخيرة)) الحديث
وعنه قال: ((إذا أراد احدكم أمرا فلا يشاور فيه أحدا من الناس حتى يبدأ فيشاور الله تبارك وتعالى)) وقال: قلت: جعلت فداك وما مشاورة الله؟ قال: ((تبدأ فتستخير الله فيه أولا الحديث))
الى غير ذلك من الاخبار الواضحة في مضمونها على المطلوب وهو مشرعية الاستخارة وصحتها
بل الامر أكثر من ذلك فقد وردت الكثير من الاخبار في النهي عن مخالفة الاستخارة وعصيانها مضافا الى عدم الدخول في أمور مهمة من دون إيجاد الاستخارة وكلها معان تدعم المطلوب نفسه نذكر لذلك بعض الامثلة من الاخبار:
فعن محمد بن مضاب قال: قال ابو عبد الله ((من دخل أمرا بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر))
وعنه قال: ((قال الله عز وجل: من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال فلا يستخيرني))
وعن بعض أصحابه قال: قلت لأبي عبد الله من أكرم الخلق على الله؟ قال: ((أكثرهم ذكرا لله وأعلمهم بطاعته)) قلت: من أبغض الخلق الى الله؟ قال: ((من يتهم الله)) فقلت: وأحد يتهم الله؟ قال: ((نعم من استخار الله فجاءته الخيرة بما يكره فسخط لذلك فذلك الذي يتهم الله))
الى غير ذلك من الاخبار
ولا يرد عليها بعد كل الذي قلناه إلا وجه واحد من المناقشة وهو احتمال أن يراد من الاستخارة في هذه الاخبار المعنى الأول الذي ذكرناه سابقا لها وهو الدعاء في طلب الخير وحصوله بغض النظر عن الجهة التشريعية التي ذكرناها في الوجه الثاني
والإنصاف أن عددا قليلا من الاخبار يمكن أن نفهم منه ذلك فعلا:
فعن مرازم قال: قال أبو عبد الله ((اذا أراد أحدكم شيئا فليصل ركعتين ثم ليحمد الله وليثن عليه ويصل على محمد وأهل بيته ويقول: اللهم إن كان هذا الأمر خيرا لي في ديني ودنياي فيسره لي وقدره وإن كان غير ذلك فاصرفه عني))
وهو واضح في الدعاء في صرف السوء من دون الجهة التشريعية إلا أن أكثرالاخبار على خلاف ذلك تماما ويمكن الاستدلال على ارادتها للوجه الثاني بعدة وجوه:
الوجه الأول:
إنه يمكن أن يقال ان المفهوم من الاستخارة هو ذلك أعني الوجه الثاني دون الأول وهذا واضح في أذهان المتشرعة بلا إشكال كما أنه واضح من بعض الاخبار ايضا الأمر الذي يدلنا على وجود ظهور كاف في هذا اللفظ ونحوه على ما هو محا الكلام وهو ما عليه سيرة المتشرعة من الاستخارة المشهورة ذات المعنى التشريعيف اذا ثبت ذلك أمكن جميع الاخبار التي تتحدث عن الاستخارة على هذا المعنى
الوجه الثاني:
الاستدلال بالاخبار الدالة على الاستخارة بالرقاع فانها نص بالجهة التشريعية أعني: إفعل ولا تفعل
فمن ذلك ما عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله قال: ((إذا أردت أمرا فخذ ست رقاع الى أن يقول: فإن خرج ثلاث متواليات إفعل فإفعل الأمر الذي تريده وإن خرج ثلاث متواليات لا تفعل فلا تفعله)) الخبر
وعنه : أنه قال لبعض أصحابه عن الأمر يمضي فيه ولا يجد أحدا يشاوره فكيف يصنع؟ قال: ((شاور ربك الى أن يقول: فإن كان فيها نعم فإفعل وإن كان فيها لا لا تفعل هكذا شاور ربك))
الوجه الثالث:
ان عددا لا يستهان به من الاخبار ذكرت الطريقة التي يمكن بها استخلاص النتيجة من الاستخارة على وجوه مختلفة كما سيأتي والمهم الآن أنها لو كان المراد مجرد طلب الخير لما كان لهذه النتيجة معنى فتكون هذه الاخبار نصا بالمعنى الثاني وهو الاستخارة المشهورة
ففي بعضها يقول: ثم انظر أي شيء يقع في قلبك فإعمل به
وفي حديث آخر يقول: ثم انظر لجزم الأمرين لك فإفعله فإن الخيرة فيه إن شاء الله
وفي آخر يقول : ثم نقبض على قطعة من السبحة تضمر حاجة فإن كان عدد القطعة زوجا فهو إفعل وإن كان فردا لا تفعل وبالعكس الى غير ذلك من الاخبار
بقي أن نشير في نهاية هذه المجموعة من الاخبار الى ما أشرنا اليه من ورود بعض الأخبار عن رسول الله (ص) فمن ذلك:

ما عن النوفلي قال: قال رسول الله (ص): ((من استخار الله فليوتر))
وعن أمير المؤمنين قال: ((بعثني رسول الله (ص) الى اليمن فقال وهو يوصيني: يا علي ما حار من استخار ولا ندم من استشار))
وقد سمعنا في أول هذا الفصل ما ذكره ابن منظور في لسان العرب من أن رسول الله (ص) كان يعلمنا الاستخارة في كل شيء الى غير ذلك من الاخبار"

والغريب فيما قاله الصدر هو أن الأخبار وهى الأحاديث الواردة كلها ضعيفة واهية ومع هذا يجوز أن يستدل على مشروعية الاستخارة
ومن ثم لا يوجد دليل على مشروعية الاستخارة لأنها طلب للغيب الذى لا يمكن العلم به إلا عن طريق الوحى والذى انقطع تماما بانقطاع الرسل (ص)
وذكر الصدر الاعتراضات على الاستخارة فقال :
"الاعتراضات على الاستخارة
إن ما يمكن أن يورد من الإشكالات على صدق الاستخارة وصحتها وجوه عديدة ناشئة من مناشيء مختلفة فمثلا يحتاج الاستدلال على صحة الاستخارة الى الاستدلال على صحة العقيدة الاسلامية فبدون ذلك يصعب الاستدلال عليها سواء كان المنحى الذي يسير عليه الفرد ماديا أو من بعض الأديان السماوية فما نذكره من الوجوه الآتية مبني على صدق العقيدة الاسلامية كما هو مبرهن عليه في الفلسفة وعلم الكلام
ويمكن أن نورد في هذا الصدد عدة وجوه:

الوجه الأول:
ما ذكره بعض اساتذتنا من أننا لا نحتمل حصول سبب مما وراء الطبيعة يتدخل في نتيجة الخيرة أقول: وهذا معناه ان نتيجة الخيرة متوقفة على حصول معجزة في أن تأخذ يدك فردا من عدد الحصى أو زوجا فإن لن نتحمل حصول المعجزة كما لم يكن هو يحتمله وكان الأمر طبيعيا تماما إذن فالأمر موكول الى مجرد الصدفة وليس فيه تدخل الهي وهذا ينتج بطلان الاستخارة على الاطلاق وجواب ذلك: إننا لا نحتمل فقط حصول المعجزة أو التدخل الإلهي في الانتاج بل نعلم به وذلك لأحد وجهين على الأقل:
الوجه الاول:
إن هذا الإشكال أفضل ما يقال فيه أنه ناتج عن حال تعبر عنه الآية الكريمة {بل حسبوا أن الله لا يعلم كثيرا مما يعملون} لأننا إذا علمنا ـ كما قلنا في الوجه الأول من الاستدلال على صدق الاستخارة ـ: بأن الله سبحانه وتعالى لا نقص في علمه ولا في قدرته ولا في كرمه مضافا الى ما دل عليه القرآن والبرهان من علمه بالسرائر والضمائر وقدرته على كل شيء وإنه لا يخلف الميعاد بما في ذلك الوعد بإجابة الدعاء إذن تكون هذه الأفكار بمجموعها دليلا كافيا على صحة التدخل الإلهي لإنتاج الاستخارة
الوجه الثاني:

دلالة الاخبار على ذلك وهي وإن لم تدل بصراحة على مفهوم المعجزة أو التدخل الإلهي إلا إننا يمكن أن نفهم من ذلك بعد تقديم أمرين:
الأمر الأول:

ما سبق أن سمعناه من أساليب إنتاج الاستخارة كعد الفرد أو الزوج أو الأخذ بما وقع في القلب وغير ذلك مما سيأتي تفصيله
الأمر الثاني:

أن انتاج الاستخارة هذا يتوقف فعلا على نفي الصدفة وإثبات التدخل الإلهي إذ مع الصدفة أو إيكال الأمر الى القوانين الطبيعية القسرية كما يؤمن بها الماديون لا يكون للخيرة أية نتيجة
إذن فهذه الأخبار وهي مستفيضة كما عرفنا تنقل لنا عن المعصومين التعهد بصدق الخيرة من ثم التعهد بوجود التدخل الإلهي الذي تتوقف عليه
وقد يخطر في الذهن إن الله تعالى أوكل الأمور الى أسبابها فهي لا توجد دائما بمعجزة أو بتدخل إلهي مباشر بما في ذلك الأساليب المنتجة للاستخارة
وجواب ذلك: إنه ثبت الفلسفة وعلم الكلام إنه لا تنافي بين عمل الاسباب وعمل المسبب سبحانه وتعالى وليس هنا محل تفصيله إذن فنفي التدخل الإلهي في أي شيء لا وجه له وخاصة بالأمور التي يتوقف صدقها عليه فتكون أولى بالتدخل
الوجه الثاني:

من وجوه الإشكال على نتيجة الاستخارة:
ما سبق أن أشرنا اليه من عدم صدقها الدائم بالتجربة بل لعل التجربة دالة على عدم صدقها هذا والمعنى لا ينبغي أن يعود الى المناقشة في الحكمة الإلهية بعد أن كنا نثبتها بالبرهان كمسلمين وإنما ينبغي أن يعود هذا الإشكال الى المناقشة في الاستخارة نفسها وعدم صحة دليلها
والجواب عن ذلك يمكن ان يتم على عدة مستويات:
المستوى الأول:

عدم توفر الدعاء أو عدم صدقه عند الفاعل الاستخارة
فيما إذا حصل الطلب بإخلاص وتوجه فهذه ثلاث عناصر:
العنصر الأول: الطلب يعني أن يريد العبد من ربه شيئا من الأشياء وهذا يتوفر لدى العبد مع شيء من حسن الإيمان
العنصر الثاني: التوجه بمعنى أن يدرك العبد أنه يخاطب الخالق سبحانه وأنه أسمع السامعين وأبصر الناظرين لا إن ذلك الداعي يتكلم في الفضاء كلاما لا يعلم أين يوجهه
والتوجه الأهم إنما هو بالقلب وهو أن يدرك أنه يتكلم بين يدي الخالق العظيم سبحانه
العنصر الثالث: الإخلاص في النية وهو خلوها من الشك والإفتراض

المستوى الثاني:
إن الدعاء إذا حصل بحصول التوجه والإخلاص فإن الوعد بالإجابة قطعي في الآية الكريمة إلا أنها مع ذلك لا تخلو من إطلاق قابل للتقييد فهي لم تشر الى المكان الذي يجاب فيه الدعاء ولا الزمان فقد تكون الاستجابة بعد عدة سنوات مثلا في مكان آخر أو نحو ذلك
كما أن الآية الكريمة لم تشر الى صورة التعارض أو التزاحم وذلك يتصور في عدة موارد تكون الاستجابة فيها متعذرة تقريبا أو تحقيقا إلا أن يشاء ربي شيئا فمن ذلك:
أولا: حصول الضرر على الفرد باستجابة دعائه وهو يحسب أنه يدعو لمصلحة نفسه
ثانيا: حصول الضرر على آخرين باستجابة هذا الدعاء
ثالثا: تعارض الدعائين كما لو كان اثنان أحدهما يدعو بضد ما يدعو به الآخر وفي المثل أو القصة المشهورة: أن صاحب البستان يدعو بنزول المطر والحرفي الذي يصنع الخزف يدعو بعدم نزوله وهكذا
فهذا المستوى للدعاء أيضا قاعدة عامة لا يخرج الدعاء في الاستخارة عن حيزه لا محالة
المستوى الثالث:

إن مصلحة الفرد في الحكمة الإلهية قد تكون في اضراره وإنزال بعض الشر عليه لكي تحصل بعض النتائج المحمودة (مثاله المتعارض: التاجر حين يشتري البضائع الكثيرة التي لا يعلم حصول ربحها أو يركب البحر أو الجو أو أي مخاطرة من أجل الحصول على الربح في حين أن الموت أو تلف المال قد يأتيه في أي ساعة) إذن فتقديم المقدمات لأجل نيل النتائج الحسنة أمر عرفي وعام بين الناس
وكذلك الحال في الحكمة الإلهية فان صنوف البلاء الشخصي والعام إنما هو لمصلحة الخلق سواء رضوا أو أبوا وهذا أيضا قانون عام في الحكمة لا تخرج الاستخارة عنه ومن هنا وردت هذه الرواية تحذر من هذه الجهة وهو ما في رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله قال: قلت له: ربما أردت الأمر يفرق مني فريقان: أحدهما يأمرني والآخر ينهاني الى من يقول: ((ولتكن استخارتك في عافية فإنه ربما خير للرجل في قطع يده وموت ولده وذهاب ماله))
إن الاستخارة قد ترد أو تفشل من أجل عدم حصول شرائطها نفسها وإن حصلت شرائط الدعاء ونحو ذلك وسنعرف فيما يلي شرائط الاستخارة فقد يكون الفرد فاقدا لها أو أن تكون استخارته فاقدة لها فلا يكون لها أثر
الوجه الثالث:

من وجوه الإشكال على الاستخارة:
هو المناقشة في إسناد الروايات الدالة عليها فإن أكثرها إن لم يكن جميعها ضعيف السند لا يوجد فيها المعتبر والصحيح إلا نادرا فيكون الاعتماد عليها ضعيفا
وجواب ذلك في تقريبين على أقل تقدير:
التقريب الأول:
إننا لم نقتصر في الوجوه الدالة على صحة الاستخارة على ما دل عليها من الروايات بل كان هناك وجوه أخرى كسيرة المتشرعة والتجربة وغير ذلك فإن لم يتم هذا الوجه فلا أقل من تمامية الوجوه الأخرى
التقريب الثاني:
أن هذا الضعف المشار اليه في الاشكال يمكن أن يجبر بعدة وجوه:
أولا: كثرة الروايات الى حد الاستفاضة أو التواتر بحيث يحصل الاطمئنان بصدقها ومضمونها العام
ثانيا: عمل المتشرعة بهذه الروايات عن طريق التزامهم بالاستخارة على طول الأجيال فلو كانوا قد وجدوا أن هذه الروايات ليست بحجة لما فعلوا ذلك وفيهم الفقهاء والمفكرون والأخيار
ثالثا: وجود بعض الروايات مما يتم سندا ودلالة اي أنه حجة ومعتبر من كلتا هاتين الناحيتين ولا حاجة للقاريء الى تعيين ذلك فليرجع الى مصادر الحديث إن شاء"

والغرب فى تلك المناقشات والردود عليها هو إيمان الصدر بالروايات المريضة فكأن رواية مريضة وروية مريضة ورواية مريضة ينتج رواية صحيحة وهو أمر لو صدقناه فستكون كل مصائب أديان الضلال صحيحة بتلك الطريقة
وتحدث عن شرائط الاستخارة فقال :
"شرائط الإستخارة:
فما هي شرائط المجيز؟
الأمر الأول:
في توقف الاستخارة على الاجازة ولعل الأمر الرئيسي أو الوحيد الذي يمكن الاستدلال به لهذا الغرض هو ما ورد في الوايات السابقة وغيرها من قبيل قوله: استخار أو يستخير
المستوى الثاني:
إن عددا من الأخبار واضح جدا في عموم الحكم بعموم الاستخارة لكل مؤمن بل لكل مسلم كالذي سمعناه في خبر عمرو بن حريث عن أبي عبد الله وفيه: (فوالله ما استخار الله مسلم إلا خار الله له البتة وفي خبر آخر سمعناه: ((من استخار الله راضيا بما صنع خار الله له حتما)) وفي خبر آخر أيضا كما سمعنا: ((من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر)) وفي خبر آخر عن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)) يقول: ((ما استخار الله عبد مؤمن إلا خار له وإن وقع ما يكره))
الأمر الثاني:

من الحديث عن الشرط الأول للاستخارة وهو الاجازة أن نتحدث الآن من شرائط المجيز لو صحت الاجازة
ونحن نرى أن أول من بدأ بإعطاء الاجازة لو تم الوجه السابق هم الأئمة المعصومون فينبغي أن نلتفت الى أنهم بأي صفة من صفاتهم أعطوا هذه الاجازة إذ لو كانزا قع أعطوها بصفات خاصة بهم كالعصمة لما أمكن تسلسل الاجازة بعد ذلك لأننا عندئذ نكون قد اشترطنا العصمة فيمن يعطي اجازة الاستخارة وليس أحد من المسلمين أو المؤمنين بمعصوم فتنقطع سلسلة الاجازة في حين ان المفروض فقهيا وتشريعيا استمرارها وتسلسلها بين الناس جيل بعد جيل

الشرط الثاني:
من شرائط الاستخارة أن يكون الأمر المنفي الذي تقع عليه الاستخارة محل حيرة وتردد عند الفرد وقالوا في هذا الصدد أن كل ما له مرجح في الدين أو الدنيا فهو مما لا يستخار عليه وإنما تصح فقط فيما لا مرجح فيه على الاطلاق وهو معنى الحيرة والتردد

يبقى بعد ذلك ثلاث مستويات من الأمور لا يبعد فيها جواز الاستخارة
المستوى الأول:
ما كان محكوما بالإباحة شرعا سواء منها الإباحة الإقتضائية أو اللاإقتضائية
المستوى الثاني:
ما لم يكن له مرجح دنيوي أو كان مرجحه ضعيفة جدا
المستوى الثالث:

ما كان موردا للتزاحم بين المصالح وإن كان مهما كما لو كان في فعل شيء مصلحة وفي تركه مصلحة أخرى وقد يصبح الفرد في هذا الموقف متحيرا لتصح له الاستخارة
بقي من الحديث في نهاية هذا الشرط الثاني أن نشير الى أن عدد من الأمور الحياتية التافهة مما لا يمكن عليها الاستخارة قطعا كشربة من ماء أو المطالعة في كتاب في أوقات الفراغ
بل الأمر أكثر من ذلك إذ قد يستفاد من الروايات السابقة وغيرها ان موضوع الاستخارة يجب أن يكون ذو درجة من الأهمية لا أن يكون تافها فإن تلك الأهمية هي الموجبة للحيرة

الشرط الثالث:
أن لا تكون الاستخارة قد تمت عليه أو حصلت فيه وهذا معناه المنع عن تكرار الاستخارة على موضوع واحد "
والحديث عن شرائط الاستخارة هو حديث بلا أى نص من الوحى يبينها وإنما كلها استنتاجات من يجير الاستخارة
ثم حدثنا الصدر عن أنواعها المعروفة والتى يمكن أن تستجد فقال :
أنواع الإستخارة
للاستخارة أنواع رئيسية ثلاثة هي: الاستخارة بالحصى والاستخارة بالقرآن والاستخارة ذات الرقاع
أما الاستخارة بالحصى فقد وردت بطريق صحيح عن صاحب الأمر وفي نهايتها يقول: ((ثم تقبض على قطعة من السبحة تضمر حاجة فإن كان عدد القطعة زوجا فهو إفعل وإن كان فردا لا تفعل وبالعكس))
فيمكن أن يقاس عرفا على الحصى حبات السبحة كما هو منصوص في الرواية أو أي شيء آخر كحب الباقلاء أو الحمص أو الصجم أو الدعبل مع توفر القصد الجدي وعدم الاستهزاء"

الغريب أن هذا الفعل هو نفسه ما كان يفعله الكفار عن السفر من خلال تيامن الطير أو تشاءمه عند طرده من اعشاشه ومن خلال أمور أخرى كالأقداح وما شابه
ثم قال :
"وأما الاستخارة بالقرآن الكريم فقد وردت في رواية عن اليسع القمي قال: قلت لأبي عبد الله أريد الشيء وأستخير الله فيه فلا يوفق فيه الرأي (إلى أن قال) فقال ((إفتتح المصحف فأنظر الى أول ما ترى فخذ به إن شاء الله))
والاستدلال بهذه الرواية يحتوي على عدد من الاشكالات نذكر أهمها مع محاولة الجواب عليها
الإشكال الأول:
ضعف سندها فلا تكون حجة
الإشكال الثاني:

معارضة هذه الرواية مع خبر آخر قد يستفاد منه النهي عن الاستخارة بالقرآن وهو ما عن أبي عبد الله قال: ((لا تتفأل بالقرآن)) إذ قد نفهم منه النهي عن إيجاد الاستخارة
الإشكال الثالث:
في الاستدلال برواية اليسع القمي:
في قوله فيها: أريد الشيء وأستخير الله فلا يوفق فيه الرأي وهذا ـ إن صحت الرواية ـ يدل على بعض الأمور:
أولا: إن الاستخارة قد تفشل أحيانا
ثانيا: غير موجودة
ثالثا: إن الاستخارة الثانية أو المكررة جائزة وليست باطلة كما سبق أن قلنا
والمهم في دفع هذا الاشكال عدم اعتبار هذه الرواية سندا ولكن بغض النظر عن ذلك فإن هذه الاشكالات الثلاث مندفعة أيضا

الإشكال الرابع:
على الاستدلال برواية اليسع
قوله فيها: إفتتح المصحف فانظر الى أول ما ترى فيه فخذ به إن شاء الله سبحانه"

قطعا قد نفتح المصحف ولا نجد فيه أى دليل فى الصفحة المختارة فلا توجد مثلا فيه كلمة نعم أو لا أو حرام أو حلال وهذا تخريف يشبه أفعال الكفار قديما وحديثا كتقطيع بتلات الورد على طريقه أخيه لا أحبه
ثم قال :
"بقي لنا من الحديث عن أنواع الاستخارة أمران:
الأمر الأول:
الاستخارة ذات الرقاع وقد وردت فيها عدة روايات حتى عقد لها صاحب (وسائل بابا كاملا) وتحمل كل رواية أسلوبا من طريقة الاستنتاج في هذا الصدد: وكلها مشتركة باستعمال الرقاع وهو جمع رقعة وهو الورقة الصغيرة التي يكتب عليها الفرد إفعل ولا تفعل ومن هنا سميت بها
وعمل مشهور المتشرعة على هذه الرواية في الاستخارة ذات الرقاع وهي رواية هارون بن خارجة عن أبي عبد الله قال: إذا أردت أمرا فخذ ست رقاع فاكتب في ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة إفعل وفي ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة لا تفعل ثم ضعها تحت مصلاك ثم صل ركعتين فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مئة مرة: أستخير الله برحمته خيرة في عافية ثم استو جالسا وقل: اللهم خر لي في جميع أموري في يسر منك وعافية ثم اضرب بيدك الى الرقاع فشوشها واخرج واحدة فإن خرجت ثلاث متواليات إفعل فإفعل الأمر الذي تريده وغن خرجت ثلاث متواليات لا تفعل فلا تفعله وإن خرجت واحدة والأخرى لا تفعل فإخرج من الرقاع الى الخمس فانظر أكثرها فاعمل به ودع السادسة لا تحتاج اليها
ولا يخفى أنه في هذا الخبر يعبر عن الفرد بأنه فلان بن فلانة ينسبه لأمه وهذا مخالف لظاهر القرآن الكريم حيث يقول {أدعوهم لآبائهم ذلك أقسط عند الله} وكل خبر مخالف لكتاب الله سبحانه فهو مردود كما نطقت به الروايات وتم تأسيسه في علم الأصول مضافا الى أن النسبة الى الأم يتضمن بوضوح معنى التشكيك بأبوة الأب وهو أمر غير وارد بالنسبة الى الكثيرين من الشرفاء والصالحين
فالأولى في هذه الرواية أما المناقشة في سندها أو إيكال علمها الى أهلها"

هذه هى نفسها طريقة الكفار فى الأقداح
ثم قال :
"الأمر الثاني:
أنه وردت روايات عديدة في باب الاستخارة تأمر بالأخذ بما يخطر في القلب بعد قراءة بعض الأدعية كقوله في رواية ابن فضال : ثم انظر أي شيء يقع في قلبك فاعمل به ويقول في رواية اسحاق بن عمار : ثم انظر أجزم الأمرين لك فافعله فإن الخيرة فيه إن شاء الله تعالى وفي رواية اخرى يقول: ثم تنظر ما يلهمك فافعله فهو الذي أشار عليك به"
قطعا الخاطرة ليست وحى لأن الخواطر تأتى بشتك الله والرسول وحتى ظن السوء فى المرأة أو البنت أو الأخت دون دليل ومن ثم لا يمكن الركون لهذا الجنون
وأباح الصدر أى طريقة جديدة فقال :
"الإستخارة بأساليب أخرى:
إذ قد يقال: إنه بعد الذي قلناه من أن مقصود الفرد في طريقة إنتاج الاستخارة يكون علمه بينه وبين ربه فقد نفهم من ذلك إمكان اكتشاف أو اتخاذ أي طريقة للاستخارة مهما كانت ما دامت مقصودة للمكلف
بل هناك من التقريبات ما يكفي لنفي ذلك إذ كانت هناك أساليب قبل الاسلام بالاستخارة بالسهام والاستخارة بالأفلام نفاها الاسلام وشجبها ولو كانت الفكرة في نفاذ أي مقصود للمكلف صحيحة الى هذه الدرجة لكان العمل على هذه الأمور صحيحا مع أنه غير صحيح فتأمل
إذن فينبغي الاقتصار على الشكل الأول من هذين الشكلين وعدم التعرض للشكل الثاني"

وتحدث عن اعتراضات على كون الاستخارة طلب لعلم الغيب فقال :
معرفة المستقبل
قلنا في أول هذا الفصل بأن من جملة معاني الاستخارة هو التعرف على ما يحصل في المستقبل دون أن يكون له جهة تشريعية وقلنا إن هذا هو الفهم العام لدى سواد الناس ومن هنا كانت الحاجة الى مناقشته وقد حصل الآن وقته

بقي إشكالان حول هذه الفكرة لا بد من عرضهما ومحاولة الجواب عليهما:
الإشكال الأول:
أنه يمكن أن يقال: إن هناك دليل على نفي الاستخارة بالقرآن وهي الرواية السابقة القائلة: لا تتفأل بالقرآن
وقد سبق أن عرضنا ما يشبه هذا الإشكال بصفته معارضا للرواية الدالة على جواز الاستخارة بالقرآن الكريم وأجبنا عليه
الإشكال الثاني:
إن الاستفادة المشار اليها قبل قليل من القرآن الكريم بحيث يكون مطابقا لمقصود المكلف هذه الاستفادة غالبا بل دائما مخالفة لظهور ألفاظ القرآن الكريم ومن المعلوم كما هو محقق في علم الأصول إن ظواهر القرآن حجة وإن ما سواه ليس بحجة
وجوابه: إن هذه الاستفادة إنما تكون حجة حين تكون ظاهرة من الألفاظ بحيث يكون للفظ أو الجملة ظهوران أحدهما الظهور الأولي اللغوي وثانيهما: ظهور الانطباق على المورد"

قطعا تلك الاجابات لا تفيد لأنها تعتمد على استنتاجات بشرية دون نص من الوحى وتحدث عن الاستخارة عن الغير فقال :
"الإستخارة عن الغير:
جرت سيرة المتشرعة منذ زمن غير معروف على الاستخارة بالوكالة عن الغير وقد ناقش فيه بعض العلماء وحاول بعضهم حل الإشكال وقد نقل عن السيد ابن طاووس إنه قال: إني ما وجدت حديثا صريحا: إن الانسان يستخير لسواه لكن وجدت أحاديث كثيرة تتضمن الحث على قضاء حوائج الإخوان بالدعوات وسائر التوسلات حتى رأيت في الاخبار من فوائد الدعاء للإخوان ما لا أحتاج الى ذكره الآن لظهوره بين الأعيان
ومن هنا لا تصح الوكالة بالاستخارة من قبل من لا تصح عبارته بالتوكيل كما لو طلب منك الطفل أو المجنون أن تستخير له ولم تكن عنه وليا ولا وصيا في حين لا تحتاج الولاية والوصاية الى اضافة التوكيل سواء كانت عن طفل أو عن مجنون أو سفيه في حدود ما يقول للولي أو الوصي التصرف فيه عن هؤلاء القاصرين
وأما الاستخارة عن الغير بالولاية العامة فمما لا يمكن إثباتها بدليل معتد به وإن شملته بعض الإطلاقات إلا أن الالتزام بهذه السعة مشكل"

وكله لا يعتمد إلا على أوهام بشرية وليس على نصوص من الوحى الإلهى الذى يحرم ويحلل

 

الخميس، 7 نوفمبر 2024

نظرات فى كتيب إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني

نظرات فى كتيب إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني
المؤلف أبو سارة وهو يدور حول هذه الرواية والتى لخصها الناس فى المثل القائل :
" من أعمالكم سلط عليكم "

وهو معنى القول :
" كيفما تكونوا يول عليكم "
وذلك فى الجزء السوء منه
نقل أبو سارة الأثر من كتب ابن أبى الدنيا فقال :
ذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: "أوحى الله إلى بعض الأنبياء: " إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لايعرفني".. الجواب الكافي31، حلية الأولياء 1/91
وقام بشرح الأثر على أساس أن المعنى سليم فقال :
"هذا الأثر يحتوي أمرين:
- ذكر عصيان من يعرف الله تعالى…
- ذكر تسلط من لا يعرف الله تعالى على من عصى الله تعالى وهو عارف به..
فمن الذي يعرف الله تعالى؟، ومن الذي لا يعرف الله تعالى؟، وكيف يتسلط هذا على ذاك؟.."

وقام بشرح معنى الذى يعرف الله فقال :
"الذي يعرف الله تعالى هو الذي تعرف عليه بنعمه الدنيوية والدينية:
- فأما النعم الدنيوية فهي مجتمعة في شيئين:
الأمن والشبع..
قال تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}..
- نعمة الأمن من أكبر النعم لا يعرفها إلا الخائف، وتتبين هذه النعمة وتكتمل، إذا اطلع الإنسان على أحوال الخائفين، الذين لا يجدون الأمن، ممن تهدم مساكنهم، ويشردون من ديارهم، ولا يجدون ملجأ، ولا يأمنون على أنفسهم وأهليهم وأعراضهم وأموالهم.. فالأمن في ذاته نعمة، والأعظم من ذلك أن نرى ونسمع ونقرأ عن أحوال من لا يملكون الأمن، ويعيشون الخوف كل ساعة، فبذلك ندرك قدر هذه النعمة.
- ونعمة الشبع نعمة كبرى، يقابلها الجوع والفقر، وكل يوم نطلع على أحوال الفقراء والجوعى من حولنا، ما يذكر بهذه النعمة، إن بعضهم يأكل العشب لايجد غيره، وبعضهم يأس من القوت، فبادره بحفر قبره ينتظر الموت، فالجوع اليوم في كل مكان، حتى حولنا.
فهاتان النعمتان يتعرف الله بهما إلى عباده، لتكون تذكيرا بحقه في الطاعة: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}، فمن عصاه بعدما تعرف عليه بنعمه الدنيوية، سلط الله عليه من لايعرف ربه ولايخافه..
- وأما النعم الدينية:

فهي أكبر من نعم الدنيا، وأعظمها الإسلام، فمن هدي إليه فقد هدي إلى الخير كله، قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}..
ثم تليها في النعمة الهداية إلى أتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضوان الله عليهم من بعده، فمتبعهم هو الناجي من النار، فقد أخبر النبي فقال: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة)، هي تلك المتبعة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه..
ثم بعد ذلك إذا عرف الإنسان الحلال والحرام، فقد قامت عليه الحجة، وصار في عداد من يعرف الله تعالى، فلا عذر بعد ذلك في العصيان، فإن عصى فقد تعرض لسخط الجبار فلا يأمن من تسلط من لا يعرف الله.
وأعظم من أولئك نعمة، وأكثرهم معرفة بالله تعالى، من يسر الله له طلب العلم، بوجود العلم والعلماء، وكفاه هموم الدنيا، وفرغه للتعلم، فعلم الحلال والحرام والمكروه والمستحب والمباح، فتفقه في الدين وفهم أمر الله تعالى، وعرف ذرائع الخير وذرائع الشر، ووقف على مقاصد الشريعة وآدابها ، وقرأ سير الغابرين وأخبار الصالحين والهالكين.. حتى تبين له ما يفعل وما يذر وما يتقي، وما ينفع وما يضر، فكان بمنزلة من آتاه الله آياته، فمثل هذا الحجة عليه قائمة أتم قيام،..
فمثله لايوعظ، بل يعظ، فإن عصى وأصر وضل فقد تعرض لأمر خطير، وقد قيل: "شر الضلال ضلال بعد هدى"، وفي هذا جاءت النصوص متوعدة الذين يقولون ما لايفعلون، قال الله تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}."

وكل هذا لم يغرفنا بالفعل من الذى يعرف الله فمن يعرف الله هو من يطيعه فكل الناس عارفين بالله علما أى معرفة ولكن المعرفة المقصودة هى :
الطاعة والاتباع فقد بين الله أن المطلوب ألا تكون من السامعين العاصين والسامع عارف بالله من خلال سماعه الوحى
ولذا قال تعالى :
"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ"
وجعل العارفين وهم السامعين حقا المستجيبون لأحكامه بالطاعة فقال :
"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ"
وتحدث عن المعاصى ضاربا الأمثلة فقال :
"إن معصية من أتم الله عليه نعمة الدين وعرف ربه حق المعرفة ليست كغيره، وقد ضرب الله لذلك أمثلة، من ذلك: الأنبياء، وزوجات الأنبياء.
- فأما الأنبياء..

فإن الله أعلى منزلتهم، ورفع شأنهم، واصطنعهم لنفسه، وأعطاهم الآيات والمعجزات، وشرح صدورهم بالإيمان، ونور صدورهم بمعرفته، ووعدهم الأجر الجزيل، فأتم عليهم النعمة، فليس لهم بعدها إلا الطاعة، ثم حذرهم من المعصية أشد تحذير، وتوعدهم بعقوبة مضاعفة، فقال تعالى:
{ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعلمون}..
وقال: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}..
وقال في حق نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة:
{وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا* ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لاتجد لك علينا نصيرا}
وقال: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين* فما منكم من أحد عنه حاجزين}.
- وأما زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فيقول الله لهن:
{يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا}
، ويقول: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلاتخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض}،
فهن عشن في بيت النبوة، فسمعن الآيات والحكمة:
{واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة}..
فشربن معاني الخير، وانشرحت صدورهن بالإيمان، نزلت عليهن السكينة والرحمة، وأحاط بهن الخير من كل جانب، وكف الشر فلم يجد طريقا، فليس لهن بعد ذلك عذر في المعصية، فأبواب الخير مشرعة، وأبواب الشر مغلقة، فما تفتح إلا بشقاوة نفس.. وحاشاهن ذلك، رضوان الله عليهن.

وهكذا كل قوم اختصهم الله تعالى بنعمه على من سواهم، فإن الحساب يكون على ذلك الاختصاص، فالاختصاص وإن كان نعمة، فإنه من وجه آخر فتنة ومحنة، كالذي يرزقه مالا ليرى فيم ينفعه، وملكا ليرى كيف به بين العباد، فإن أحسن أحسن الله إليه مرتين، مرة على الطاعة، ومرة على شكر النعمة:
{ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما}..
وإن أساء عوقب مرتين، مرة جزاء المعصية، ومرة جزاء كفران النعمة."

وهذا الكلام كان يجب أن يكون هو المعرف لمن عرف ومن لا يعرف فمن عرف أطاع وإن لم يعرف لم يطع
وتحدث عمن هم الذين لا يعرفون الله فقال :
"أما الذي لا يعرف الله تعالى، فهو الفاجر والظالم والحاقد والظالم، الذي لا يخاف الله تعالى، ولا يؤمن به، ولا يرعوي عن فعل شيء من الموبقات، فإذا تسلط فلا رحمة ولا شفقة، كأولئك الذين يقتلون الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء والضعفاء، ويعتدون وينتهكون، ولا يتأثمون ولا يتحرجون، قد نزعت منهم كل معاني الإنسانية، والذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، الذين إن ثقفوا المؤمنين بسطوا إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله تعالى أن يكفهم عنا، في الدعاء المشهور:
(ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا).
أغلظ رجل على وكيع بن الجراح فدخل فعفر وجهه بالتراب، ثم خرج فقال: " زد وكيعا بذنبه، فلولاه ما تسلطت عليه".. سير أعلام النبلاء 9/155
* * *
قال ابن كثير في حوادث سنة 615هـ (البداية والنهاية 13/81):

"وفي رجب منها أعاد المعظم ضمان القيان والخمور والمغنيات، وغير ذلك من الفواحش والمنكرات، التي كان أبوه قد أبطلها، بحيث إنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل ملء كف خمر إلى دمشق إلا بالحيلة الخفية، فجزى الله العادل خيرا، ولا جزى المعظم خيرا على ما فعل، واعتذر المعظم في ذلك بأنه إنما صنع هذا المنكر لقلة الأموال على الجند، واحتياجهم إلى النفقات في قتال الفرنج، وهذا من جهله، وقلة دينه، وعدم معرفته بالأمور، فإن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء، وينصرهم عليهم، ويتمكن منهم الداء، ويثبط الجند عن القتال، فيولون بسببه الأدبار، وهذا مما يدمر، ويخرب الديار، ويديل الدول، كما في الأثر: (إذا عصاني من يعرفني، سلطت عليه من لا يعرفني)".
وقال كذلك: (البداية والنهاية 2/34): "وقال وهب بن منبه:
أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل، يقال له أرميا، حين ظهرت فيهم المعاصي:
أن قم بين ظهراني قومك، فأخبرهم: أن لهم قلوبا ولا يفقهون، وأعينا ولا يبصرون، وآذانا ولا يسمعون، وأني تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم، فسلهم:
كيف وجدوا غب طاعتي؟..
وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي؟..
وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي؟..
إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها، وان هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها:
أما أحبارهم فأنكروا حقي..
وأما قراؤهم فعبدوا غيري..
وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا..
وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي، خزنوا المكر في قلوبهم، وعودوا الكذب ألسنتهم..
وإني أقسم بجلالي وعزتي لاهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم، ولأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا، له عساكر كقطع السحاب، ومواكب كأمثال الفجاج، كأن خفقان راياته طيران النسور، وكأن حمل فرسانه كر العقبان، يعيدون العمران خرابا، ويتركون القرى وحشة..
فياويل أيليا وسكانها:

كيف أذللهم للقتل، وأسلط عليهم السبا.. وأعيد بعد لجب الأعراس صراخا، وبعد صهيل الخيل عواء الذآب، وبعد شرافات القصور مساكن السباع، وبعد ضوء السرج وهج العجاج، وبالعز ذلا، وبالنعمة العبودية، وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب، وبالمشي على الزرابي الخبب، ولأجعلن أجسادهم زبلا للأرض، وعظامهن ضاحية للشمس، ولأدوسنهم بألوان العذاب..
ثم لآمرن السماء فتكون طبقا من حديد، والأرض سبيكة من نحاس، فإن أمطرت لم تنبت الأرض، وإن أنبتت شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم..
ثم أحبسه في زمان الزرع، وأرسله في زمان الحصاد، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة..
فإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم". رواه ابن عساكر بهذا اللفظ.
(إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)"

كل من لا يعرف الله هو الكافر أعلن فجوره أم أخفاه والمقصود فى ألأثر تسليط الحكام الجبابرة على الناس بحيث يجرهم معهم للكفار حيث يطيعهم الناس بدر من طاعة الله كما حدث مع فرعون :
" فاستخف قومه فأطاعوه"
والأثر فى النهاية لا يصح للتالى:
أنم الله يسط على الناس مصائب مختلفة منهم الكفار ومنها الأمراض والتى لا علاقة لها بالحكام أو الكفار كما يسلط عليهم بعض من المخلوقات التى تحيل حياتهم إلى عذاب كالدم والضفادع والقمل كما قال تعالى :
"فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ"
أو حتى يسلطهم بعضهم على بعض كما قال :
"قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ"