الاثنين، 9 سبتمبر 2024

قراءة في كتاب البيان لمعنى استيئاس الرسل (ص)

قراءة في كتاب البيان لمعنى استيئاس الرسل (ص)
المؤلف علي بن محمد بن سعيد الشهراني وهو يدور حول تفسير الآية التى يسمونها يأس الرسل(ص)وفى سبب تأليف البحث قال :
"وقد استوقفني في هذا الكتاب العظيم آية كريمة، ربما أشكلت على بعض الناس، هي قول الله عز وجل: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}
والحديث عن معنى هذه الآية وتفسيرها يحتاج إلى تروٍّ وأناة، وفهم لكلام العلماء، خصوصاً وقد حصل الخلاف بين المفسرين في تفسيرها، بين من يرى أن استيئاس الرسل (ص) كان من إيمان قومهم، ومن يرى أن استيئاسهم كان من أن يعذب قومهم، ثم اختلافهم تبعاً لذلك في المراد من قول الله عز وجل: "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا " على أقوال، سيأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى-."
وبين أن الآية متعلقة بها مسائل عقيدية فقال :
"وليس المراد في هذا البحث سرد أقوال المفسرين في هذه الآية، أو الاستدراك عليهم، معاذ الله، ولكني رأيت الحاجة قائمة لبيان بعض المسائل العقدية المتعلقة بهذه الآية، ومن ذلك الرد على ما قد يتوهمه بعض الناس من مخالفتها لعصمة الرسل (ص)، بل إن بعضهم قد يجعلها حجة بجوزون بها المعصية على الأنبياء بمختلف صورها - والعياذ بالله -، وما قد يراه آخرون من أن بعض ما ورد من أهل العلم في تفسيرها يتضمن وصف الرسل (ص) لسوء الظن بربهم، وهذا يقدح في آحاد المؤمنين، فضلاً عن الأنبياء والمرسلين.
ولا يخفى ما يستحقه بحث هذه المسائل المتعلقة بالركن الرابع من أركان الإيمان، والأصل العظيم من أصول الدين "الإيمان بالرسل (ص)" من اهتمام وجهد، خصوصاً وأني لم أجد أحداً - حسب علمي بعد البحث والاطلاع - خصَّ هذا الموضوع بكتابة مستقلة، وإنما هي إشارات في بطون الكتب.
لهذا وغيره كانت الرغبة قوية في كتابة هذا البحث الموجز، الذي أرجو أن أسهم فيه بجهد المقل في الإشارة إلى أقوال أهل العلم المفسِّرة لمعنى استيئاس الرسل الوارد في هذه الآية، والقراءات المذكورة فيها، وبيان أنها مع اختلاف لفظها ومعناها، لا تتصادم ولا تتناقض، واختلافها - والله أعلم - هو من باب اختلاف التنوع، لا من باب اختلاف القضاء، مع التركيز على ما يتعلق بالعقيدة، وخصوصاً في باب عصمة الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، والتأكيد على أن ما ورد في هذه الآية لا ينقي ما تقرر من عصمتهم، أو ينسب إليهم مالا يليق بهم، ووسمته بـ: "البيان لمعنى استيئاس الرسل (ص)" "
وفى مستهل البحث تحدث عن المعنى اللغوى للكلمة فقال :
"معنى الاستيئاس
قال ابن فارس: ("يأس" الياء والهمزة والسين، كلمتان: إحداهما اليأس: قطع الرجاء، ويقال إنه ليست ياء في صدر كلمة بعدها همزة إلا هذه، يقال منه: يئس، ييأس، وييئس، على يفعَل، ويفعِل.
والكلمة الأخرى: ألم تيأس، أي ألم تعلم، وقالوا في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا} ، أي: أفلم يعلم، وأنشدوا:
أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم .
واليأس: القنوط، والمصدر: اليأس، والياسة، واليأَس، وقد استيأس، وأيأسته، وإنه ليائس ويئس ويؤوس ويَؤُس، والجمع يؤوس وآيسه فلان من كذا فاستيأس منه، بمعنى أيس، واتأس أيضاً، وهو افتعل، فأدغم مثل اتَّعد .
قال الراغب الأصفهاني: (اليأس: انتفاء الطمع، يقال: يئس واستيأس، مثل عجب واستعجب، وسخر واستسخر، قال تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} ، وقال: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} ، وقال: {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ} ، وقال: {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} ، وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا} ، قيل معناه: أفلم يعلموا، ولم يرد في كلامهم أن اليأس موضوع للعلم، وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفاء ذلك)
ويقال: يئست المرأة، إذا عقمت، فهي يائس، كما يقال حائض وطامث، فإن لم يذكر الموصوف قلت يائسة
وهناك من اللغويين من يرى أن "يأس" لغة في "يئست"، ويجعل مصدرها واحداً قال ابن السكيت: (أيست منه آيس يأسا، لغة في يئست منه أيأس يأسا، ومصدرهما واحد، وآيسني منه فلان، مثل أيأسني، وكذلك التأييس)
وبعضهم يقول هو مقلوب من يئس، وليس بلغة فيه
قال ابن فارس: ("أيس" الهمزة والياء والسين ليس أصلاً يقاس عليه، ولم يأت فيه إلا كلمتان ما أحسبهما من كلام العرب، وقد ذكرناهما لذكر الخليل إياهما، قال الخليل: أيس كلمة قد أميتت، غير أن العرب تقول: ائت به من حيث أيس وليس، لم يستعمل أيس إلا في هذه فقط، وإنما معناها كمعنى حيث هو في حال الكينونة والوجد والجدة، وقال: إن ليس معناها لا أيس، أي لا وجد.
والكلمة الأخرى قول الخليل إن التأييس الاستقلال، يقال ما أيسنا فلانا، أي ما استقللنا منه خيرا ... ) .
وقرأ ابن كثير: "استايسوا"، "ولاتايسوا"، "إنه لا يايس"، "أفلم يايس"، بألف من غير همز على القلب، قدمت الهمزة وأخرت الياء، ثم قلبت الهمزة ألفا؛ لأنها ساكنة قبلها فتحة، والأصل قراءة الجماعة .
والاستيئاس استفعال من اليأس، والاستفعال يقع على وجوه، منها: أن يكون لطلب الفعل من الغير، فالاستخراج والاستفهام والاستعلام يكون في الأفعال المتعدية، يقال: استخرجت المال من غيري، ولا يصلح هذا أن يكون معنى الاستيئاس، فإن أحداً لا يطلب اليأس ويستدعيه، ولأن استيأس فعل لازم لا متعدي.
ويكون أيضاً للاستفعال لصيرورة المستفعل على صفة غيره، وهذا في الأفعال اللازمة، كقولهم: استحجر الطين، أي صار كالحجر وأخيراً نقل عن بعض أهل اللغة أن الاستيئاس هو الاقتراب من اليأس بظهور آثاره لمكان هيئة الاستفعال، وهو مما يُعد يأساً عرفاً، وليس باليأس القاطع حقيقة ."
وتحدث عن تفسير اليأس في الآية فقال :
"هذا عن معنى اليأس والاستيئاس في اللغة، فما معنى استيأس الرسل (ص) الوارد في الآية؟ وما المراد بقوله عز وجل بعد ذكر هذا الاستيئاس "وظنُّوا أنهم قد كذبوا"؟ وممن وقع هذا الظن؟ كل هذا سيتبين لنا في المبحث التالي - بإذن الله-. أقوال أهل العلم في المراد باستيئاس الرسل - عليهم الصلاة والسلام-
قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} .
اختلف المفسرون فيما تعلقت به الغاية من قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} بعد اتفاقهم على أنه محذوف، فقيل: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فدعوا قومهم فكذبوهم، وصبروا، وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم، حتى إذا استيأس الرسل ... الخ، وقال بعضهم: التقدير وما أرسلنا من قبل إلا رجالاً فتراخى النصر عنهم حتى إذا استيأس الرسل ... الخ، وقبل: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ثم لم نعاقب أممهم حتى إذا استيأس الرسل ... الخ، وقبل إن التقدير: لا يغرنهم تماديهم فيما هم فيه من الدعة والرخاء، فإن من قبلهم قد أمهلوا حتى يئس الرسل من النصر عليهم في الدنيا، أو من إيمانهم لانهماكهم في الكفر، وتماديهم في الطغيان من غير وازع .
وقد أطال المفسرون وأهل العلم في الحديث حول هذه الآية، وتكلموا في تفسيرها بما فيه مقنع وغناء عن أن يوضح بغير لفظهم."
قطعا الحديث ليس عن تراخى النصر في الآية وإنما المعنى قنوط الرسل(ص) ممن إيمان أقوامهم على حد قوله تعالى :
" إنه لم يؤمن من قومك إلا من قد آمن وما آمن معه إلا قليل "
وتحدث عن اختلاف القراءات في الآية فقال :
"وقبل ذكر هذه الأقوال لابد من الإشارة إلى أنه قد تنوعت القراءات في قوله تعالى: "وظنوا أنهم قد كذبوا":
فقرأ أبو جعفر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: "وظنوا أنهم قد كُذِبوا"، بضم الكاف وتخفيف الذال مع كسرها، بالبناء للمفعول، وهذه أيضاً قراءة ابن عباس، وابن مسعود - رضي الله عنهم-، والأعمش، وغيرهم. قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب: "قد كُذِّبوا"، بضم الكاف وتشديد الذال، ووافقهم ابن محيصن واليزيدي والحسن، وغيرهم .
وهاتان القراءتان ثابتتان، وهما من القراءات السبع وهناك قراءة شاذة تروى عن مجاهد والضحاك "قد كَذَبوا"، بفتح الكاف والذال مع تخفيفها.
قال الإمام الطبري: (وروي عن مجاهد في ذلك قول هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الماضين، الذين سمينا أسماؤهم، وذكرنا أقوالهم، وتأويل خلاف تأويلهم، وقراءة غير قراءة جميعهم، وهو أنه فيما ذكر عنه كان يقرأ: "وظنوا أنهم قد كَذَبوا" بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال، ... وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها؛ لإجماع الحجة من قرأة الأمصار على خلافها ... ) .
أقوال أهل العلم بناءً على القراءتين:
القراءة بالتشديد "كذِّبوا" فيها وجهان من التفسير:
الأول: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان من كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم؛ لما لحقهم من البلاء والامتحان، وتأخر النصر.
وبهذا قالت عائشة - رضي الله عنها-، ففي الصحيح عن عروة بن الزبير أنه سألها عن قول الله تعالى: حتى إذا استيأس الرسل"، قال: قلت: أكُذِبوا أم كُذِّبوا؟ قالت عائشة: كُذِّبوا، قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، فما هو بالظن، قالت: أجل لعمري، لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: (هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نص الله عند ذلك) .
وفي الصحيح أيضاً عن ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كَذبوا" خفيفة، ذهب بها هناك، وتلا: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} ، فلقيت عروة بن الزبير، فذكرت له ذلك، فقال: قالت عائشة: (معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كان قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاد بالرسل حتى خافوا أن يكون من معك يكذبونهم)، فكانت تقرؤها "وظنوا أنهم قد كُذِّبوا" مثقلة .
ولمزيد إيضاح لهذا القول، أشير إلى النقاط التالية:
1 - جعلت عائشة - رضي الله عنها - استيأس الرسل (ص) من الكفار المكذبين، وظنهم التكذيب من المؤمنين بهم.
2 - 2 - الظن هنا بمعنى الحسبان ، وعند بعضهم هو بمعنى ترجيح أحد المحتملين ، والضمائر المذكورة في هذه الآية عائدة على الرسل-عليهم الصلاة والسلام- بذلك معنى بعد ثبوتها، ولعلها لم يبلغها ممن يرجع إليه في ذلك، .... وقال الكرماني: لم تنكر عائشة القراءة، وإنما أنكرت تأويل ابن عباس، كذا قال، وهو خلاف الظاهر) . وهناك من ذهب إلى أن عائشة - رضي الله عنها - لم تنكر القراءة بالتخفيف، وأن ما روي عنها من الإنكار على من قرأ بالتخفيف إنما هو لتفسير الآية، حتى لا يفهم أن الشك لاحق بالرسل، وإلا فقد روي عنها القراءة بالتخفيف أيضاً
4 - الذي يظهر - والله أعلم - أن المعنى الذي لأجله قالت عائشة بقولها في تفسير هذه الآية، وقراءتها لـ "كُذِّبوا" بالتشديد، وإنكارها على من قرأ بالتخفيف، هو تعظيم الرسل (ص)، وعصمتهم وتنزيههم من نسبة الشك إليهم، أو إساءة الظن بربهم عز وجل، وقد صرحت بذلك في الحديث السابق، عندما قال لها عروة: فما هو بالظن، قالت: أجل لعمري، لقد استيقنوا بذلك، فقال لها عروة: وظنوا أنهم قد كُذِبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ... الحديث) وأيضاً في ردها تفسير ابن عباس - السابق ذكره، وسيأتي له مزيد بيان-، عندما قالت: (معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كان قبل أن يموت .... )
وهذا هو المعنى الذي لأجله رجح بعض المفسرين وأهل العلم قول عائشة - رضي الله عنها - في تفسير هذه الآية، حتى إن القرطبي صدّر تفسيره لهذه الآية بقوله: (وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم، وهذا الباب عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف عليه لئلا يزل الإنسان فيكون في سواء الجحيم) .
وممن رجح هذا القول لأجل ما ذكر سابقاً: القاضي عياض، حيث قال: (فإن قيل: فما معنى قوله: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا" على قراءة التخفيف؟ قلنا: المعنى في ذلك ما قالته عائشة - رضي الله عنها -: (معاذ الله أن تظن ذلك الرسل بربها، وإنما معنى ذلك أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من أتباعهم كذبوهم)، وعلى هذا أكثر المفسرين، وقيل إن ضمير "ظنوا" عائد على الأتباع والأمم، لا علي الأنبياء والرسل، وهو قول ابن عباس، والنخعي، وابن جبير، وجماعة من العلماء، وبهذا المعنى قرأ مجاهد "كَذَبوا" بالفتح، فلا تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء فكيف بالأنبياء؟) .
وابن عطية في قوله: ( ... وتحتمل هذه القراءة أيضاً أن يكون الضمير في "ظنوا"، وفي "كذبوا" عائد على الرسل، والمعنى: كذبهم من أخبرهم عن الله، والظن على بابه، وحكى هذا التأويل قوم من أهل العلم، والرسل بشر فضعفوا وساء ظنهم، قاله ابن عباس، وابن مسعود أيضاً، وابن جبير، وقال: ألم يكونوا بشراً؟ وقال ابن مسعود لمن سأله عن هذا: هو الذي نكره، وردت هذا التأويل عائشة أم المؤمنين، وجماعة من أهل العلم، وأعظموا أن توصف الرسل بهذا، وقال أبو علي الفارسي: هذا غير جائز على الرسل. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟) .
ورجحه أيضاً: ابن قتيبة ، والفخر الرازي ، والثعالبي ، وغيرهم من أهل العلم .
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بعد بيان قول عائشة وردها لتفسير ابن عباس، هو: هل تضمن تفسير ابن عباس لهذه الآية طعناً في العصمة، أو قدحاً في الرسالة؟ سيأتي بيان هذا بالتفصيل - إن شاء الله تعالى -
الثاني: ذهب الحسن وقتادة إلى أن المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم، وأيقنت الرسل أن قومهم قد كذبوهم
وعلى هذا القول فالضميران في "ظنوا" و "كذبوا" يعودان على الرسل (ص)، والظن هنا بمعنى اليقين.
وقد ضعَّف الإمام الطبري هذا القول، فقال: (وهذا التأويل الذي ذهب إليه الحسن وقتادة في ذلك، إذا قرئ بتشديد الذال وضم الكاف، خلاف لما ذكرنا من أقوال جميع من حكينا قوله من الصحابة؛ لأنه لم يوجه "الظن" في هذا الموضع منهم أحد إلى معنى العلم واليقين، مع أن الظن" إنما استعمله العرب في موضع العلم فيما كان من علم أدرك من جهة الخبر، أو من غير وجه المشاهدة والمعاينة، فإنها لا تستعمل فيه "الظن"، لا تكاد تقول: "أظنني حيا، وأظنني إنساناً"، بمعنى: أعلمني إنساناً، وأعلمني حياً، والرسل الذين كذبتهم أممهم لاشك أنها كانت لأممها شاهدة، ولتكذيبها إياها منها سامعة، فيقال فيها: ظننت بأممها أنها كذبتها) .
أما القراءة بالتخفيف "كُذِبوا"، ففيها وجهان من التفسير أيضاً:
الأول: عن ابن عباس، وابن مسعود وعن سعيد بن جبير أن المعنى: حتى إذا استيأس الرسل، وكانوا بشراً، فضعفوا، وظنوا أنهم أُخيفوا .
وقد تقدم حديث ابن عباس في الصحيح، عن ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال ابن عباس: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا" خفيفة، ذهب بها هناك، وتلا: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} .
وعن ابن أبي مليكة قال: قرأ ابن عباس: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا" قال: (وكانوا بشراً ضعفوا ويئسوا) .
وعن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قرأ: "وظنوا أنهم قد كُذِبوا" خفيفة، قال ابن جريج: أقول كما يقول: أُخْلِفوا، قال عبد الله: قال لي ابن عباس: (كانوا بشراً، وتلا ابن عباس: "حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب"، قال ابن جريج، قال ابن أبي مليكة: ذهب إلى أنهم ضعفوا فظنوا أنهم أُخْلِفوا) .
وعن مسروق، عن ابن مسعود أنه قرأ: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا" مخففة، قال عبد الله: (هو الذي تكره) .
وعن أبي بشر، عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا" قلت: "كُذِبوا" قال: (نعم، ألم يكونوا بشرا) .
ولبيان هذا القول لابد من الإشارة إلى الأمور التالية:
1 - قال الطبري (وقد ذهب قوم ممن قرأ هذه القراءة - يعني قراءة التخفيف - إلى غير التأويل الذي اخترنا، ووجهوا معناه إلى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنت الرسل أنهم كذبوا فيما وعدوا من النصر) ، ثم نقل بسنده أقوال ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، السابق ذكرها.
قلت: هكذا نقل الطبري هذا التفسير عن ابن عباس وغيره، حيث جعل استيأس الرسل من إيمان قومهم، مع أن المتأمل في أقوال ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير السابقة يرى فيها مطلق الوصف بالاستيئاس، وعدم تقييده، فهذه أقوالهم كما نقلها عنهم الطبري وغيره، ليس فيها تقييد الاستيئاس، أو ما يفيد بأنهم استيأسوا من إيمان قومهم، أو أنهم استيأسوا مما وعدوا به ، وقد نقل كثير من المفسرين قول ابن عباس وغيره، فلم يذكروا عنهم ذلك، وإنما مطلق الوصف بالاستيئاس، وما ورد في الآثار السابقة من أنهم كانوا بشراً، وأنهم ضعفوا فظنوا أنهم أخلفوا .
2 - الضميران في "ظنوا" و "كذبوا" بناء على هذا القول عائدان على الرسل - عليهم الصلاة والسلام-، والظن هنا على بابه .
3 - هناك من أنكر نسبة هذا القول لابن عباس أو شكك في صحة نسبته إليه .
وهذا غير صحيح، فقد ثبت هذا القول عنه، وبعضه في الصحيح، كما تقدم، وكذلك ما أثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ثابت بأسانيد صحيحة.
قال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد قول اب عباس: (وعجب لابن الأنباري في جزمه بأنه لا يصح، ثم الزمخشري في توقفه عن صحة ذلك عن ابن عباس، فإنه صح عنه .. ) .
4 - وهناك فريق آخر ذهب إلى رد قول ابن عباس ومن معه، أو تضعيفه، وحجتهم منافاة هذا القول لما تقرر من عصمة الرسل (ص)، وتضمنه نسبة ما لا يليق إليهم.
وقد تقدم ما أثر عن عائشة في هذا الشأن، وترجيح بعض المفسرين لرأيها .
وقال الطبري، بعد أن ساق الأسانيد إلى ابن عباس وغيره بهذا القول: ( ... وهذا تأويلٌ وقولٌ، غيره من التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء، والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم، ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته مالا يعانيه المرسل إليهم فيعذروا في ذلك، فإن المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر، وذلك قول إن قاله قائل لا يخفى أمره) .
وقال الفخر الرازي، في معرض ذكره لأوجه التفسير في قراءة "كُذِبوا" بالتخفيف: (والوجه الثاني: أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا، وهذا التأويل منقول عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قالوا: إنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية، إلا أنه بعيد؛ لأن المؤمن لا يجوز أن يظن بالله الكذب، بل يخرج بذلك عن الإيمان، فكيف يجوز مثله على الرسل!) .
5 - ذهب فريق ثالث إلى تأويل كلام ابن عباس ومن معه، وحمله على الوجوه التالية:
- قال الزمخشري: ( ... فإن صح هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة، وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأما الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم! .... ) .
- وقيل: المراد بظنهم (ص) ذلك، المبالغة في التراخي والإمهال، على طريق الاستعارة التمثيلية، بأن شبه المبالغة في التراخي بطن الكذب، باعتبار استلزام كل منهما؛ لعدم ترتب المطلوب، فاستعمل ما لأحدهما للآخر.
- ونقل عن الخطابي قوله: (لاشك أن ابن عباس لا يجيز على الرسل أنها تكذب بالوحي، ولا تشك في صدق المخبر، فيحمل كلامه على أنه أراد أنهم لطول البلاء عليهم، وإبطاء النصر، وشدة استنجاز ما وعدوا به، توهموا أن الذي جاءهم من الوحي كان حسباناً من أنفسهم، وظنوا عليها الغلط في تلقي ما ورد عليهم من ذلك، فيكون الذي بنى له الفعل أنفسهم، لا الآتي بالوحي، والمراد بالكذب: الغلط، لا حقيقة الكذب، كما يقول القائل، كذبتك نفسك).
قال الحافظ ابن حجر: (ويؤيده قراءة مجاهد "وظنوا أنهم قد كَذَبوا" بفتح أوله مع التخفيف، أي: غلطوا، ويكون فاعل "وطنوا" الرسل) .
- وقال أبو النصر القشيري: (ولا يبعد أن المراد خطر بقلوب الرسل، فصرفوه عن أنفسهم، أو المعنى: قربوا من الظن، كما يقال: بلغت المنزل، إذا قربت منه).
- وقال الحكيم الترمذي: (وجهه أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر، أن يتخلف النصر، لا من تهمة بوعد الله، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثاً ينقض ذلك الشرط، فكان الأمر إذا طال، واشتد البلاء عليهم، دخلهم الظن من هذه الجهة) .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام طويل في تفسير هذه الآية ، ذكر فيه أن القراءة بالتخفيف ثابتة لا يمكن إنكارها، وقد تأولها ابن عباس، وظاهر الكلام معه. كما أجاب عن الظن في قوله تعالى: "وظنوا أنهم قد كٌذِبوا" بأنه قد يكون مثل قوله تعالى: {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} .
وقد يكون من حديث النفس المعفو عنه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تكلم به" .
وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح الإيمان، كما ثبت في الصحيح أن الصحابة قالوا: يا رسول الله! إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحرق حتى يصير حممة، أو يخرق السماء إلى الأرض أحب إليه من أن تتكلم به، قال: "أو قد وجدتموه؟ " قالوا: نعم، قال: "ذلك صريح الإيمان ... " .
ثم أطال - رحمه الله - في الحديث عن معنى الظن، إلى أن ذكر أن الرسل (ص) قد يكونون ظنوا في الموعود به ما ليس هو فيه بطريق الاجتهاد منهم، فتبين الأمر بخلافه، فإذا ظن بالموعود به ما ليس هو فيه، ثم تبين الأمر بخلافه ظن أن ذلك كذب، وكان كذباً من وجهة ظن في الخير مالا يجب أن يكون فيه، فأما الشك فيما يعلم أنه أخبر به فهذا لا يكون .
أما الحافظ ابن حجر فقد ذهب إلى أن ابن عباس كان يقصد من قوله: كانوا بشراً ... الخ، أتباع الرسل، لا نفس الرسل (ص)، وفي هذا يقول: (ولا يظن بابن عباس أن يجوز على الرسول أن نفسه تحدثه بأن الله يخلف وعده، بل الذي يظن بابن عباس أنه أراد بقوله: كانوا بشر .... إلى آخر كلامه من آمن من أتباع الرسل لا نفس الرسل، وقول الراوي عنه: ذهب بها هناك، أي إلى السماء، معناه أن أتباع بعض الأتباع) .
الثاني: حتى إذا استياس الرسل من أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوهم فيما أخبروهم به، جاء الرسل نصرنا.
ينسب هذا القول إلى ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.
قال الطبري (يقول تعالى ذكره: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى"، فدعوا من أرسلنا غليهم، فكذبوهم وردوا ما أتوا به من عند الله، "حتى إذا استيأس الرسل" الذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا بالله، ويصدقوهم فيما أتوهم به من عند الله، وطن الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذبة أن الرسل الذين أرسلناهم قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله، من وعده إياهم نصرهم عليهم، "جاءهم نصرنا"، وذلك قول جماعة من أهل التأويل ... )
ثم ساق هذا القول باسانيد كثيرة إلى ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم، ومن ذلك:
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: "حتى إذا استياس الرل وظنوا أنهم قد كذبوا" قال: (لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم النصر على ذلك، فننجي من نشاء) .
ثم ساق - رحمه الله - أسانيد كثيرة إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - بهذا القول . كما ساق بسنده إلى تميم بن حذلم، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا" قال: (استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا، بالتخفيف) .
وساق بسنده إلى غبراهيم بن أبي حرة الجزري، قال: سأل فتى من فريش سعيد بن جبير فقال له: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا"؟ قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل كَذَبوا، قال: فقال الضحاك بن مزاحم، ما رأيت كاليوم قط رجلاً يدعي إلى علم فيتلكأ! لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلاً! .
وعن مسلم بن يسار أنه سأل سعيد بن جبير، فقال: يا أبا عبد الله، آية بلغت مني كل مبلغ: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا"، فهذا الموت، أن تظن الرسل أنهم قد كُذبوا"، أو تظن أنهم قد كَذَبوا، مخففة! قال: فقال سعيد بن جبير: يا أبا عبد الرحم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم، "جاءهم نصرنا"
والحقيقة هى أن الياس من ايمان الكفار وتفسير ألآية هو :
"حتى إذ استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين "المعنى حتى إذا قنط المبعوثين وعلموا أنهم قد كفر بهم أتاهم تأييدنا فننقذ من نريد ولا يمنع عذابنا عن الناس الكافرين ،يبين الله لنبيه (ص)أن الرسل وهم المبعوثين (ص)إذا استيئسوا أى قنطوا من إيمان الناس وفسر هذا بأنهم ظنوا أنهم قد كذبوا والمراد علموا أنهم قد كفر برسالتهم جاءهم بأسنا والمراد أتاهم تأييد الله لهم فنجى من نشاء والمراد فننقذ من نريد وهم الرسل والذين آمنوا معهم مصداق لقوله بسورة غافر"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا"ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين والمراد ولا يمنع عذابنا عن الناس الكافرين وهذا يعنى أن لا أحد يقدر على إيقاف العقاب عن الكفار

 

الأحد، 8 سبتمبر 2024

قراءة فى كتاب تطهير الفؤاد من أدران من أباح دخول الرجال على المغيبة لكثرة الأعداد

قراءة فى كتاب تطهير الفؤاد من أدران من أباح دخول الرجال على المغيبة لكثرة الأعداد
المؤلف عبد القاهر الأندلسي وهو يدور حول دخول الرجال على النساء الغائب أزواجهن وفى مستهل البحث ذكر انه سئل عن حديث عن المغيبة يبيح دخول عدد من الرجال معا عليها وليس واحد فقال :
"سئل العبد الفقير إلى رحمة ربه أبوالفضل عبدالقاهر الأندلسي عفا الله عنه حول تضعيفه لحديث رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبوبكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله (ص)وقال لم أر إلا خيرا فقال رسول الله (ص)إن الله قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله (ص)على المنبر فقال لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان"
فأجاب بأن الحديث معلول فقال :
"فقال مجيبا عنه:
والحديث الذي ذكرته وإن كان في صحيح مسلم فانه معلول كما سيأتي بيانه بإذن الله وكم من حديث في صحيح مسلم بل وفي البخاري انتقده الحفاظ سواء كانت أحاديث كاملة أو زيادات أو ألفاظ تبين عندهم شذوذها أو نكارتها. من أمثلة ذلك ما رواه مسلم في صحيحه قال: حدثني سريج بن يونس وهارون بن عبد الله قالا حدثنا حجاج بن محمد قال قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله (ص)بيدي فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل. فقد أعل علي بن المديني هذا الحديث باحتمال أخذ إسماعيل بن أمية عن إبراهيم بن أبي يحيى (قال يحيى بن سعيد: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب وقال أحمد: يروي أحاديث ليس لها أصل وقال النسائي والدارقطني: متروك)، وأعله البخاري بوهم أيوب بن خالد ورفعه الحديث وأنه من كلام كعب الأحبار. أما متن الحديث فلا يشبه كلام النبي (ص)وإنما يشبه كلام أهل الكتاب ومتنه منكر مخالف للقران الكريم كقوله تعالى:"خلق الأرض في يومين" في حين أن الحديث ينص على خلق الأرض قي يوم واحد بقوله:" خلق الله عز وجل التربة يوم السبت"
وهكذا دأب كبار الحفاظ المتقدمين على نقد الروايات متنا وإسنادا بل تجدهم يتتبعون الرواة ويسبرون مروياتهم فإن وجدوها غرائب ومناكير ردت سائر رواياتهم وأثر ذلك في رتبهم عندهم وتجد الكثير من هذا في التاريخين الكبير والأوسط للبخاري وضعفاء العقيلي والكامل لابن عدي وتهذيب التهذيب والعلل لابن أبي حاتم وغيرها. وهكذا سار على نهجهم في هذا العصر ثلة قليلة من اساطنة الحديث وأذكياء العالم كالحافظ الإمام سليمان بن ناصر العلوان وعبقري الإسلام وفريد العصر العلامة الفذ عمر بن محمود أبي عمر ."

وتحدث عن سند الحديث عند مسلم فقال :
" فنقول جوابا على سؤالك وبالله التوفيق:
قال مسلم في صحيحه:
حدثنا هارون بن معروف حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمروح وحدثني أبو الطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه أن عبد الرحمن بن جبير حدثه أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبوبكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله (ص)وقال لم أر إلا خيرا فقال رسول الله (ص)إن الله قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله (ص)على المنبر فقال لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان.

هذا حديث غريب تفرد به بكر بن سوادة ولم يروه عن عبد الرحمن بن جبير إلا هو وتفرد عبد الرحمن بن جبير بروايته عن عبدالله بن بن عمرو بن العاص لم يروه عنه إلا هو. وهذا الحديث الغريب معلول من أوجه كثيرة منها:
-تفرد بكر بن سوادة بروايته وهو إن روى له مسلم والأربعة فانه يخطئ، ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين ثم أعاده في أتباعهم فقال يخطئ، وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: بكر بن سوادة الجذامي روى عن عبد الرحمن بن غنم وسهل بن سعد وعبد الرحمن بن جبير روى عنه جعفر بن ربيعة وعمرو بن الحارث وعبد الرحمن بن زياد وابن لهيعة سمعت أبى يقول ذلك، سئل أبى عن بكر بن سوادة فقال: لا بأس به. اه. ولم يخرج له البخاري في صحيحه إلا معلقا وفي موضع واحد فقط وعن زياد بن نافع وليس عن عبد الرحمن بن جبير المصرى المؤذن. ومنهج المتقدمين رد حديث الثقة إذا تفرد بأصل من الأصول فما بالك إذا كان الراوي يخطئ. قال الحافظ ابن رجب: وانفراد الراوي بالحديث، وإن كان ثقة، هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه، وأن يكون شاذا ومنكرا، إذا لم يرو معناه من وجه يصح. وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين كالإمام أحمد، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني وغيرهم. اه. وقال أيضا: وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: "إنه لا يتابع عليه"، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه.

فترى أن التفرد وحده ولو بدون مخالفة يعدونه علة في الحديث فما بالك إذا كان الحديث أصلا مخالفا لنصوص الكتاب والسنة الصحيحة والفطرة السليمة كما سيأتي بيانه.
-تفرد عبد الرحمن بن جبير المصري الفقيه الفرضي المؤذن العامري بروايته عن عبدالله بن عمرو بن العاص وأين هومن أصحاب عبدالله بن عمرو بن العاص الملازمين له، المختصين به، الذين يحفظون حديثه حفظا، وهم أعلم الناس بحديثه. فنذكرهم من تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر والذي من صنيعه فيه انه يأتي بأسماء الرواة عن الشيوخ حسب مراتبهم فيذكر أولا من طالت ملازمته وهكذا:
-انس بن مالك
-أبو أمامة بن سهل بن حنيف
-عبد الله بن الحارث بن نوفل
-مسروق بن الاجدع
-سعيد بن المسيب
-جبير بن نفير
-ثابت بن عياض الاحنف
-خيثمة ابن عبدالرحمن الجعفي
-حميد بن عبدالرحمن بن عوف

-زر بن حبيش
-سالم بن أبي الجعد
-أبوالعباس السائب بن فروخ
-سعيد بن ميناء
-ابنه محمد بن عبدالله بن عمرو
-ابن ابنه شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص
-طاووس
-الشعبي
-عبد الله بن رباح الانصاري
-ابن أبي مليكة
-عروة بن الزبير
-ابو عبد الرحمن الحلبي
وقد لهج بذلك كبار الحفاظ في الكثير من الأحاديث كقول الإمام أحمد: أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم. "

وتحدث عن متن الحديث فقال :
"عدم استقامة المتن إذ لا مناسبة بين قوله في الحديث:" ... إلا ومعه رجل أو اثنان" وما حدث في بيت أبي بكر الصديق إذ أن الواقع انه لم يجد في بيته رجلا واحدا فقط وإنما وجد نفرا من الرجال فلا معنى إذا ولا حاجة أن يقول النبي (ص)ما قاله وحاشاه ذلك. لو أن أبا بكر وجد رجلا واحدا فقط في البيت لكان نهي النبي (ص)مستقيما فإذا كان الحال كما ذكر في الحديث من أن أبا بكر وجد نفرا من الرجال في البيت فإنه لا يستقيم المتن إلا بالنهي عن الدخول على المغيبات مطلقا أو يشترط لذلك إذن الزوج (وإذنه تواجده في البيت كما في رواية من حديث عمرو بن العاص وسيأتي ذكره قريبا)."
وكلام الأندلسى خطأ ظاهر فالرواية الأولى تقول :
"أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبوبكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله (ص)وقال لم أر إلا خيرا فقال رسول الله (ص)إن الله قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله (ص)على المنبر فقال لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان"
فهنا الداخلين نفر أى كثرة " نفرا من بني هاشم دخلوا "ومن ثم النهى فى هذه الرواية عن الكثرة واباحة دخول اثنين أو ثلاثة فقط "إلا ومعه رجل أو اثنان"
وتحدث عن تداخل سند حديث فى سند حديث أخر عند مسلم فقال :
"يحتمل انه قد دخل على الرواة عند مسلم حديث في حديث وهذا شائع ومعروف عند من يشتغل بعلم العلل الجليل، فقد ثبت من طرق كثيرة صحيحة حديث عمرو بن العاص في النهي عن الدخول على المغيبات:
1 - أولها طريق شعبة عن الحكم قال: سمعت ذكوانا يحدث عن مولى لعمرو ابن العاص أنه أرسله إلى علي يستأذن على أسماء ابنة عميس فأذن له حتى إذا فرغ من حاجته سأل المولى عمرا عن ذلك فقال: إن رسول الله (ص)نهانا أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن رواه الترمذي والبيهقي في الكبرى وابن أبي شيبة في المصنف. قال الترمذي: وفي الباب عن عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو وجابر قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح ووقع عند الترمذي: حدثنا سويد حدثنا عبد الله أخبرنا شعبة عن الحكم عن ذكوان عن مولى عمرو بن العاص ومولى عمرو بن العاص هو أبو قيس عبد الرحمن بن ثابت ثقة روى له الجماعة ذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين وابن حبان في كتاب " الثقات " وقال العجلى: مصري تابعي ثقة ورواه أحمد وإبنه في المسند وابن أبي شيبة في المصنف من طريق حفص عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال: نهانا رسول الله (ص)أن ندخل على المغيبات.
وفي الباب أيضا عن معاذ بن جبل، قال الرامهرمزي في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي: حدثنا العباس بن أحمد بن حسان ويعرف بالشامي ثنا سليمان بن سلمة الخبائري ثنا بقية حدثني نصر بن علقمة عن ابن عائذ، قال: وجدنا في نسخة عن معاذ بن جبل:
أن النبي (ص)نهى أن يدخل على المغيبات.
في إسناده سليمان بن سلمة الخبائري أبو أيوب الحمصي سمع منه أبو حاتم وما حدث عنه وقال: متروك لا يشتغل به وقال بن الجنيد: كان يكذب ولا أحدث عنه بعد هذا وقال النسائي: ليس بشيء وقال بن عدي: له غير حديث منكر.

-ثانيها طريق وكيع عن مسعر عن زياد بن فياض عن تميم بن سلمة قال قال عمرو بن العاص: نهينا أن ندخل على المغيبات إلا بإذن أزواجهن.
رواه ابن أبي شيبة في المصنف. كذا رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق وكيع به وقال: لم يرو هذا الحديث عن مسعر إلا وكيع.
وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه مرسل فتميم بن سلمة لم يسمع من عمرو بن العاص.
- ثالثها طريق الأعمش عن أبي صالح عن عمرو بن العاص.
رواه أحمد في المسند من رواية يحيى بن سعيد عن الأعمش قال سمعت أبا صالح عن عمرو بن العاص قال: نهانا رسول الله (ص)أن ندخل على المغيبات.
وفيه أيضا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح قال: استأذن عمرو بن العاص على فاطمة فأذنت له قال ثم علي قالوا لا قال فرجع ثم استأذن عليها مرة أخرى فقال ثم علي قالوا نعم فدخل عليها فقال له علي ما منعك أن تدخل حين لم تجدني هاهنا قال إن رسول الله (ص)نهانا أن ندخل على المغيبات.
أبو صالح هو ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني ثقة روى له الجماعة.

لاحظ انه في هذه الرواية لا توجد واسطة بين ذكوان وعمرو بن العاص ولقد علمنا من الطريق الأولى أن الواسطة بينهما هو مولى عمرو بن العاص.
- رابعها طريق سليمان التيمي قال: سمعت أبا صالح يقول: جاء عمرو بن العاص إلى منزل علي يلتمسه فلم يقدر عليه، ثم رجع فوجده، فلما دخل كلم فاطمة فقال له علي: ما أرى حاجتك إلى المرأة، قال: أجل، إن رسول الله (ص)نهانا أن ندخل على المغيبات. رواه ابو يعلى الموصلي في مسنده ومن طريقه ابن حبان في صحيحه. قال ابن حبان: أبو صالح هذا اسمه ميزان، من أهل البصرة ثقة، سمع ابن عباس وعمرو بن العاص، وروى عنه سليمان التيمي ومحمد بن جحادة ما روى عنه غير هذين، وليس هذا بصاحب الكلبي فإنه واه ضعيف.
لم يذكر الحافظ في التهذيب إلا توثيق ابن معين وابن حبان ودرجته عنده مقبول.
5 - خامسها طريق معمر عن الحسن أن عمرو بن العاص استأذن على علي فلم يجده، فرجع، ثم استأذن عليه مرة أخرى فوجده، فكلم امرأة علي في حاجته، فقال علي: كأن حاجتك كانت إلى المرأة؟ قال: نعم، إن رسول الله (ص)نهى أن يدخل على المغيبات، فقال له علي: أجل؟ إن رسول الله (ص)نهى أن يدخل على المغيبات رواه عبدالرزاق في المصنف وهو مرسل، الحسن لم يسمع من عمرو بن العاص.
والراجح أن المرأة التي في القصة هي أسماء بنت عميس وذلك أن مولى عمرو ابن العاص كان هو ناقل القصة ورسول عمرو بن العاص إلى علي وقد ذكر أن امرأة علي هي أسماء بنت عميس والله اعلم."

وأبدى الأندلسى ملاحظات قيمة فى الحديثين فقال :
"ولنا عند هذا الحديث وقفات للتأمل:
-راوي هذا الحديث هو عمرو بن العاص وراوي حديث المغيبات عند مسلم ليس إلا ابنه عبدالله بن عمرو بن العاص!!!
-المرأة التي في حديث عمرو بن العاص هي نفسها المرأة التي في حديث ابنه عبدالله بن عمرو بن العاص (أسماء بنت عميس)!!!
-موضوع حديث عمرو بن العاص هو نفسه موضوع حديث ابنه عبدالله بن عمرو بن العاص (الدخول على المغيبات)!!!
فيا لها من صدفة غريبة! فليس ببعيد أن يكون الرواة قد اختلطت عليهم الروايات فاخطئوا وجاؤوا بمثل ذلك المتن.
- مخالفة قوله:" ... إلا ومعه رجل أو اثنان" لنصوص الكتاب والسنة الصحيحة والفطرة السليمة التي تحرم مطلقا دخول الرجال الأجانب على النساء وتحجبهن مطلقا عنهم كالدر المصون كقوله تعالى: ((وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)) [الأحزاب:33].وكقوله تعالى: ((وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)) [الأحزاب:53]. وكقوله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو قال الحمو الموت)) (متفق عليه من حديث عقبة بن عامر).وكنهيه (ص)عن الدخول على المغيبات (في حديث عمرو بن العاص السابق). وليت شعري كيف تحرم الشريعة خروج المرأة من بيتها واختلاطها بالرجال ثم بعد ذلك تبيح للرجال أن يدخلوا عليها وهي في بيتها!!! كمثل من يقول لشاب من الشباب لا تتعب نفسك بالخروج إلى الشارع للتمتع برؤية الفتيات المتبرجات، اقعد في بيتك وأنا آتيك بالتلفاز والدش لتستمتع بالفتيات الجميلات وأنت مستريح على أريكتك!!! تعالى ربنا عز وجل عن هذا الافك المبين. إن هذا لا يقبله رجل فيه مسكة من غيرة على عرضه إلا أن يكون ديوثا ملعونا. قال تعالى: (ألا له الخلق والأمر) فلا تعارض بين خلقه وشرعه وهل كان دينه إلا دين الفطرة والعقل.
ومن اللطائف أن هذا الحديث قد أشكل على الفقهاء أيما إشكال مما دفع بهم إلى تكلف تأويله على غير ظاهره وهذا بسبب النكارة الظاهرة في المتن ولم يكن لهم بد إلا فعل ذلك إذ من يتجرا على رد حديث يرويه مسلم في الصحيح! فقال النووي في شرحه على الحديث: (ثم إن ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا تحريمه، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم، أو مروءتهم، أوغير ذلك. وقد أشار القاضي إلى نحو هذا التأويل).اه وقال الحافظ أبي العباس القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: (كان هذا الدخول في غيبة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ، لكنه كان في الحضر لا في السفر، وكان على وجه ما يعرف من أهل الصلاح والخير، مع ما كانوا عليه قبل الإسلام مما تقتضيه مكارم الأخلاق من التهمة والريب، كما قدمناه ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب، وقبل أن يتقدم لهم في ذلك بأمر ولا نهي؛ غير أن أبا بكر أنكر ذلك بمقتضى الغيرة الجبلية، والدينية، كما وقع لعمر في الحجاب ولما ذكر ذلك للنبي ـ (ص)ـ قال: ما يعلمه من حال الداخلين، والمدخول لها، قال: ((لم أر إلا خيرا؛ يعني: على الفريقين، فإنه علم أعيان الجميع؛ لأنهم كانوا من مسلمي في هاشم، ثم خص أسماء بالشهادة لها فقال: ((إن الله قد برأها من ذلك))؛ أي: مما وقع في نفس أبي بكر، فكان ذلك فضيلة عظيمة من أعظم فضائلها، ومنقبة من أشرف مناقبها، ومع ذلك فلم يكتف بذلك رسول الله ـ (ص)ـ حتى جمع الناس، وصعد المنبر، فنهاهم عن ذلك، وعلمهم ما يجوز منه فقال: ((ألا يدخلن رجل على مغيبة إلا ومعه رجل، أو اثنان))؛ سادا لذريعة الخلوة، ودفعا لما يؤدي إلى التهمة. إنما اقتصر على ذكر الرجل والرجلين لصلاحية أولئك القوم؛ لأن التهمة كانت ترتفع بذلك القدر. فأما اليوم: فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد، ورحم الله مالكا، لقد بالغ في هذا الباب حتى منع فيه ما يجر إلى بعيد التهم والارتياب؛ حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها، والسفر معه، وإن كانت محرمة عليه؛ لأنه ليس كل أحد يمتنع بالمانع الشرعي؛ إذا لم يقارنه مانع عادي، فإنه من المعلوم الذي لا شك فيه: أن موقع امتناع الرجل من النظر بالشهوة لامرأة أبيه ليس كموقعه منه لأمه وأخته. هذا قد استحكمت عليه النفرة العادية، وذلك قد أنست به النفس الشهوانية، فلا بد مع المانع الشرعي في هذا من مراعاة الذرائع الحاليه" وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية فان مذهب المحققين ومذهب الحفاظ الكبار أنهم كانوا يردون الحديث ولا يتعزفون في التأويل.
-إباحة دخول أكثر من رجل أجنبي على المرأة في بيتها يناقض القواعد والأصول العامة التي بني عليها دين الإسلام من الحفاظ على الأعراض وسد كل الأبواب والسبل التي تؤدي إلى خدشها وصيانة المجتمع المسلم من أسباب الرذيلة. وحاشا لرسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام أن يفتحوا هذا الباب العظيم من الشر ويجلبوا العار والشنار على البشرية، وهل كانوا عليهم السلام إلا دعاة العفة والفضيلة. فلتقر أعين المسلمين لله تعالى وليمت الفساق والمجرمون غيظا وكمدا. ولله در الإمام الشاطبي حيث قال: (ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحد من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مر من ذلك أمثلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة، وفى كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة، وانظر في مسألة التداوي من الخمار في درة الغواص للحريري وأشباهها بل قد استدل بعض النصارى على صحة ما هم عليه الآن بالقرآن ثم تحيل فاستدل على أنهم مع ذلك كالمسلمين في التوحيد سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا)."

وحكاية تحريم دخول الرجال الاغراب على النساء البيوت لا وجود لها فى القرآن فقد بين الله انه يجوز للمرأة أن تدخل الرجل الغريب لضرورة مثل العمال الذين يصلحون ما فسد فى البيت من كهرباء أو سباكة أو نجارة وذلك بإذن زوجها الذى يخبرها أن فلان قادم غدا لعمل كذا وفى هذا قال تعالى :
"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ "
وأيضا فى حالات الطوارىء والكوارث يجب على المرأة دون إذن زوجها إدخال رجل او جماعة البيت إذا كان احدهم مثلا سقط مغمى عليه او جرح أو نزف او حماية له ممن يريد قتله أو ضربه كما قال تعالى :
"ليْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ"

 

السبت، 7 سبتمبر 2024

قراءة فى كتاب دعاء ذي النون

قراءة فى كتاب دعاء ذي النون
"فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}" دراسة تحليلية ... "
المؤلف علي ناصر مطلك وهو يدور حول بحوث متعددة عن الدعاء من ناحية معانى ألفاظ الدعاء وعن اعرابه وعن اللطائف فيه وغير هذا والغريب أن معظم ذلك هو خروج عن الدعوة فالناس لا يتعلمون معانى الألفاظ ولا الإعراب ولا القراءات لأن ما يهمهم هو المعنى الاجمالى والأحكام المتعلمة من الآية
استهل مطلك بسبب تأليف الكتاب فقال :.
"ان القران الكريم حافل بأدعية الانبياء "عليهم السلام" وهم يمثلون القمة في الاخلاص لله تبارك وتعالى، وكانت تراودني فكرة ان اكتب شيا عن دعاء من ادعية الانبياء"عليهم السلام" ففكرت في اختيار الدعاء، فوقع اختياري على دعاء يونس "عليه السلام "لما يحمل من قمة الربوبية والالوهية والتذلل لله "عز وجل"، فدرست هذا الدعاء المبارك دراسة تحليلية"
وفى المبحث ألأول تناول المعانى اللغوية لكلمات الدعاء فقال :
"المبحث الأول معاني الألفاظ في الدعاء اليونسي
غم: تقول غممته إذا غطيته فانغم، غم يومنا بالفتح، فهو يوم غم، إذا يأخذ بالنفس من شدة الحر، والغم واحد الغموم، والغمام السحاب، واحده غمامة، ويقال غمه الشيء غما من باب قتل: غطاه ومنه قيل: للحزن غم لانه يغطي السرور والحلم، وهو في غمة، أي: حيرة ولبس، والجمع غمم، ومنه الغمام لكونه ساترا لضوء الشمس والفرق بين الغم والحزن هو ان الحزن خلاف السرور ، والحزن هو حالة انقباض في القلب، كما أن السرور حالة انبساط
النجاة: الخلاص، والتناجي التحدث بالسر، والنجوة من الارض ما ارتفع منها، وقد يكنى بالنجوة عن الغائط، والنجي القريب ومنه قوله تعالى {وقربناه نجيا} ، والمناجاة: الحديث بين اثنين او اكثر من ذلك ."
وهذا لا يهمنا فى شىء ولا حتى القادم وهو الإعراب فى قوله :
"المبحث الثاني الإعراب
فنادى: الفاء تدعى هذه بالفصيحة ، و (نادى) معطوفة على (ظن) في قوله تعالى: (فظن أن لن نقدر عليه)
في الظلمات: متعلقة بحال من فاعل "نادى" ان: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشان محذوفا، وخبرها جملة {لا اله الا انت}، ويجوز ان تكون مفسرة؛ لان النداء فيه معنى القول دون حروفه .
سبحانك: مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف والجملة حالية.
اني: ان واسمها، والجملة تعليلية .
كنت من الظالمين: خبر لـ (ان)
و {من الظالمين} في محل نصب خبر كنت
فاستجبنا: عطف على ما تقدم
(له): متعلقة بـ (استجبنا).
(من الغم): متعلقة بـ (نجيناه).
(كذلك): متعلق بمحذوف مفعول مطلق، عامله " ننجي "، ويجوز ان تكون الكاف اسما بمعنى "مثل" في محل نصب مفعول مطلق نائب عن المصدر، فهو صفته ."
وكل هذا لا فائدة منه فالكتب اللغوية والنحوية ما ألفت إلا بعد القرآن بقرون أو عقود ومن ألفوها كان هدفهم هو تضليل الناس وجعلهم يختلفون فى التفسير بدلا من المعنى العام الواحد الذى قصده الله
وفى الثالث ذكر مطلك بعض القراءات فى الآية فقال :
"المبحث الثالث //وجوه القراءات الواردة في الدعاء وتاثيرها على المعاني.
قوله تعالى: (ننجي) الجمهور على قراءة النونين وتخفيف الجيم، واختلف في ذلك، فابن عامر وابو بكر بحذف احد النونين وتشديد الجيم أي: نجي، واختارها ابو عبيد لموافقة المصاحف، وقد طعن فيها لمنع الادغام في المشدد، واجيب عنه باجوبة، احسنها كما في الدر: ان الاصل ننجي بنونين، مضمومة فمفتوحة مع تشديد الجيم، فاستثقل توالي المثلين، فحذفت الثانية كما حذفت في {ونزل الملائكة تنزيلا} ، والباقون بضم النون الاولى وسكون النون الثانية وتخفيف الجيم من انجي .
وذكر العكبري ان الجمهور على الجمع بين النونين، وتخفيف الجيم ويقرا "ننجي" بنون واحدة وتشديد الجيم، وفيه ثلاثة اوجه:- احدها انه فعل ماض وسكن الياء إيثارا للتخفيف، والقائم مقام الفاعل المصدر، أي: نجي النجاء، وهذا الوجه ضعيف من وجهين احدهما تسكين اخر الماضي والثاني اقامة المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول الصحيح، ومن المعلوم انه لا ينيب المصدر والظرف والجار والمجرور عن الفاعل الا مع فقد المفعول، فان وجد المفعول فهو مقدم على غيره في النيابة، والوجه الثاني {نجي} فعل مستقبل أي: فعل مضارع، قلبت منه النون الثانية جيما وأدغمت، وهذا الوجه ايضا ضعيف، والذي يبدو ان ضعف هذا الوجه للبعد بين مخرج النون وهو طرف اللسان، والجيم الذي هو من وسط اللسان، ويسمى الحرف الشجري لخروجه من شجرة اللسان، فبينهما بعد في المخرج، فكيف قلبت؟ والوجه الثالث: ان اصله {ننجي} بفتح النون الثانية ولكنها حذفت كما حذفت التاء الثانية في {تظاهرون} وهذا ضعيف ايضا لوجهين: احدهما ان النون الثانية اصل، وهي فاء الكلمة، فحذفها بعيد جدا، لان الاصلي هو الذي يثبت في جميع التصاريف، بخلاف الزائد الذي هو عكسه، والثاني: ان حركة النون الثانية غير حركة النون الاولى، فلا يستثقل الجمع بينهما، بخلاف قوله تعالى: {تظاهرون} الا ترى انك لو قلت {تتحامى المظالم} لم يسع حذف التاء الثانية، وذلك للاختلاف بين الحركتين.
فقوله تعالى {وكذلك ننجي المؤمنين} بنون واحدة لانها في المصحف كذا، وتكلم النحويون في هذا، فقال بعضهم: هو لحن لانه نصب اسم ما لم يسم فاعله، وكان ابو اسحاق يذهب الى هذا القول، قال ابو اسحاق: (هذا خطا لا يجوز ضرب زيدا)، المعنى الضرب زيدا، لانه لا فائدة فيه، اذا كان ضرب يدل على الضرب، ولابي عبيدة قول اخر، وهو انه ادغم النون في الجيم، وهذا القول لا يجوز عند احد من النحويين علمناه لبعد النون من الجيم فلا تدغم فيها ، فـ ((ننجي المؤمنين)) القراء يقرءونها بنونين وكتابها بنون واحدة، وذلك ان النون الاولى متحركة، والثانية ساكنة، فلا تظهر الساكنة على اللسان، فلما خفيت حذفت، وقد قرا عاصم ({نجي} بنون واحدة، ونصب {المؤمنين} كانه احتمل اللحن، ولا نعلم لها جهة الا تلك، لان ما لم يسم فاعله اذا خلا باسم رفعه الا ان يكون اضمر المصدر في {نجي} فنوي به الرفع، ونصب {المؤمنين} فيكون كقولك: ضرب الضرب زيدا، ثم تكني عن الضرب، فتقول: ضرب زيدا، وكذلك نجي النجاء المؤمنين.
قال ابن عاشور: ((اعلم ان كلمة "ننجي" كتبت في المصاحف بنون واحدة، كما كتبت بنون واحدة في قوله تعالى في سورة يوسف (ص) {فنجي من نشاء} ، ووجه ابو علي هذا الرسم بان النون الثانية لما كانت ساكنة، وكان وقوع الجيم بعدها يقتضي إخفاءها، لان النون الساكنة تخفى مع الاحرف الشجرية، وهي (الجيم – الشين – الضاد) فلما اخفيت حذفت في النطق، فشابه اخفاؤها حالة الاعجام، فحذفها كاتب المصحف في الخط لخفاء النطق بها في اللفظ، أي كما حذفوا نون (إن) مع (لا) في نحو (الا تفعلوه) من حيث انها تدغم في اللام، وقرا جمهور القراء باثبات النونين في النطق، فيكون حذف احدى النونين في الخط مجرد تنبيه على اعتبار من اعتبارات الاداء، وقرا ابن عامر وابو بكر عن عاصم بنون واحدة وبتشديد الجيم على اعتبار ادغام النون في الجيم كما تدغم في اللام والراء، وانكر ذلك عليهما ابو حاتم والزجاج، وقالا: هو لحن، ووجه ابو عبيد والفراء وثعلب قراءاتهما بان {نجي} سكنت ياءها، ولم تحرك على لغة من يقول بقي ورضي، فيسكن الياء، كما في قراءة الحسن {وذروا ما بقي من الربا} بتسكين ياء (بقي)، وعن ابي عبيد والقتبي ان النون الثانية ادغمت في الجيم، ووجه ابن جني متابعا للاخفش الصغير بان اصل هذه القراءة {ننجي} بفتح النون الثانية وتشديد الجيم فحذفت النون الثانية لتوالي المثلين، فصار {نجي}،وعن بعض النحاة تاويل هذه القراءة بان {نجي} فعل مضي مبني للمجهول، وان نائب الفاعل ضمير يعود الى النجاء الماخوذ من الفعل، او الماخوذ من اسم الاشارة في قوله {وكذلك}، وانتصب {المؤمنين} على المفعول به على راي من يجوز انابة المصدر مع وجود المفعول به، كما في قراءة ابي جعفر {ليجزى} بفتح الزاي {قوما بما كانوا يكسبون} بتقدير، ليجزى الجزاء قوما. وقال الزمخشري في الكشاف: " ان هذا التوجيه بارد التعسف"))
وقد ذكر صاحب مشكل القران في هذه الاية الكريمة اقوال القراء فيها، فقد قرا ابن عامر وابو بكر عن عاصم بنون واحدة وجيم مشددة، وكان يجب ان يفتح الياء، لانه فعل ماض لم يسم فاعله، ويجب ان ترفع {المؤمنين} على هذه القراءة، لانه مفعول لم يسم فاعله، وفعل ماض لم يسم فاعله، ولكن اتى على اضمار المصدر، اقامه مقام الفاعل، وهو بعيد؛ لان المفعول اولى بان يقوم مقام الفاعل، وانما يقوم المصدر مقام الفاعل عند عدم المفعول به، او عند المفعول به، او عند اشتغال المفعول به بحرف الجر، نحو قيم سير بزيد، فاما الياء فاسكنها في موضع الفتح كما يسكنها في موضع الرفع، وهو بعيد ايضا، انما يجوز في الشعر، وقال ابو عبيدة كما في تفسير القرطبي: ان "نجي" ليس هو في هذه القراءة فعل سمي فاعله، وانما ادغم النون الثانية في الجيم" ، وهو قول بعيد ايضا، لان النون لا تدغم في الجيم ادغاما صحيحا، والاخفاء لا يكون معه تشديد، وقال علي بن سليمان: وهو في هذه القراءة فعل سمي فاعله، واصله {ننجي} بنونين وبالتشديد على "تفعل" لكن حذفت النون الثانية لاجتماع النونين كما حذفت احدى التاءين في {تفرقون} و {تظاهرون}، وشبهه، واستدل من قال بهذين القولين الاخيرين على قوله بسكون الياء في {ننجي} فدل سكونها على انه فعل مستقبل وهذا ايضا قول ضعيف، لان المثلين في مثل هذه الاشياء، لا يحذف الثاني استخفافا، (أي لاجل الخفة) الا اذا اتفقت حركة المثلين، نحو {تتفرقون} و {تتعاونون} فان اختلفت حركة المثلين لم يجز حذف الثاني نحو تتغافر الذنوب، وتتناتج الدواب، والنونان في {ننجي} قد اختلفت حركتهما، فلا يجوز حذف البتة والتاء المحذوفة في {تفرقوا} و {تعاونوا} زائدة فحذفها حسن اذا اتفقت الحركتان .
قال الامام الطبري (رحمه الله تعالى): (اختلفت القراء في قراءة قوله: {ننجي المؤمنين} فقرأت ذلك قراءة الامصار سوى عاصم بنونين الثانية منهما ساكنة من انجيناه فنحن ننجيه، وانما قرءوا ذلك كذلك وكتابته في المصاحف بنون واحدة، لانه لو قرئ بنون واحدة وتشديد الجيم بمعنى ما لم يسم فاعله، كان {المؤمنون} رفعا وهم (أي: المؤمنين) في المصاحف منصوبون، ولو قرئ بنون واحدة وتخفيف الجيم كان الفعل للمؤمنين وكانوا رفعا، ووجب مع ذلك ان يكون قوله {نجي} مكتوبا بالالف، لانه من ذوات الواو وهو في المصاحف بالياء، فان قال قائل: فكيف كتب ذلك بنون واحدة، فقد علمت ان حكم ذلك اذا قرئ {ننجي} ان يكتب بنونين؟ قيل لان النون الثانية لما سكنت وكان الساكن غير ظاهر عن اللسان حذفت كما فعلوا ذلك بـ "الا" فحذفت النون من "ان" لخفائها اذا كانت مندغمة باللام من "لا"، وقرا ذلك عاصم {نجي المؤمنين} بنون واحدة، وتثقيل الجيم، وتسكين الياء، فان يكن عاصم
وجه قراءته ذلك الى قول العرب: ضرب الضرب زيدا، فكنى عن المصدر الذي هو النجاء، وجعل الخبر اعني خبر ما لم يسم فاعله المؤمنين، كانه اراد وكذلك نجى النجاء المؤمنين، فكنى عن النجاء، فهو وجه، وان كان غيره اصوب، والا فان الذي قرأ من ذلك على ما قرءه لحن، لان المؤمنين اسم على القراءة التي قرأها ما لم يسم فاعله، والعرب ترفع ما كان من الاسماء كذلك، وانما حمل عاصم على هذه القراءة انه وجد المصاحف بنون واحدة وكان في قراءاته اياها على ما عليه قراءة القراء إلحاق بنون اخرى ليست في المصاحف، فظن ان ذلك زيادة ما ليس في المصحف، ولم يعرف لحذفها وجها يصرفه اليه) .
وقال ابو جعفر الطبري ايضا: (والصواب من القراءة التي لا استجيز غيرها في ذلك عندنا ما عليه قراءة الامصار من قراءته بنونين وتخفيف الجيم لاجماع الحجة من القراء عليها وتخطئتها خلافه) .
وانما صحت هذه القراءة، لان القراءة بالنون الواحدة مشكل من الناحية العربية، والقران الكريم نزل بالفصيح، قال تعالى {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}.
والوقف على قوله تعالى {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} كاف، والوقف التام على قوله تعالى: {وكذلك ننجي المؤمنين} "
وكل هذه الخلافات الذى ذكرها الرجل حولت الآية إلى مجموعة من الخلافات والتناقضات بدلا من أن تدل القارىء أو المدعو إلى المعنى الصحيح
وحدثنا عن المعنى التفصيلى للدعاء فقال :
"المبحث الرابع //المعنى التفصيلي للدعاء اليونسي.
قوله تعالى: {فنادى في الظلمات}
اختلف العلماء في جمع الظلمات، ما المراد منه؟ فقالت فرقة منهم ابن عباس وقتادة "رضي الله عنهم ":ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الحوت، وذكر ابن ابي الدنيا حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبيد الله بن موسى عن اسرائيل عن ابي اسحاق عن عمرو بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله مسعود في بيت المال، قال: لما ابتلع الحوت يونس (ص) اهوى به الى قرار الارض فسمع يونس تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات ظلمات ثلاث (ظلمة الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر) {أن لا إله إلا أنت سبحانك ..... }
وذكر الطبري راي بن عباس "رضي الله عنهما" المتقدم، ورجح في تفسير الظلمات، فقال ان الله اخبر عن يونس انه ناداه في الظلمات ان لا اله الا انت .... ، ولا شك انه قد عنى باحدى الظلمات بطن الحوت وبالاخرى ظلمة البحر، وفي الثالثة اختلاف، وجائز ان تكون تلك الثالثة ظلمة الليل وجائز ان تكون كون الحوت في جوف حوت اخر، ولا دليل على أي من ذلك من أي، فلا قول في ذلك اولى بالحق من التسليم لظاهر التنزيل ، يعني هناك قول اخر لتفسير الظلمات، وهي عبارة عن ظلمة البحر وظلمة حوت التقم الحوت الاول، ويصح ان يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الاول فقط، كما قال تعالى: {في غيابة الجب} وفي كل جهاته ظلمة، فجمع الظلمات على هذا النحو سائغ ، ومنهم من اعتبر انواعا مختلفة من الظلمات، فان كان النداء في الليل فهناك ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت، وان كان في النهاء اضيفت اليه ظلمة امعاء الحوت، او ان حوتا ابتلع الحوت الذي هو في بطنه او لان الحوت اذا عظم غوصه في قعر البحر، كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة، اما قول من قال ان الحوت الذي ابتلعه غاص في الارض فان ثبت ذلك بخبر فلا كلام، وان قيل بذلك لكي يقع نداؤه بالظلمات فما تقدم يغني عن ذلك
قال صاحب الكشاف: ((والخطاب للمؤمنين "في الظلمات" أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى " {ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات} وقوله تعالى " {يخرجونهم من النور إلى الظلمات} وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل، وقيل: ابتلع حوته حوت اكبر فحصل في ظلمتي حوتين وظلمة البحر )) فرأي الجمهور ان جمع الظلمات اما على حقيقتها وهي ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل، وقيل: جمع الظلمات على المجاز، وهذا ما جنح اليه الزمخشري في الكشاف كما تقدم فعلى هذا الراي جعلت الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كانها ظلمات
وليل تقول الناس في ظلماته ... سواء صحيحات الحوت وعورها
وعلى راي من يقول ان الظلمات مبالغة في الظلمة وشدتها، فالظلمات وردت في القران الكريم مجموعة، لان الظلمات تدل على الظلم والباطل، وان طرق الباطل متشعبة ومتعددة
وورد ان النور في القران الكريم فرد، لان النور طريق الحق، وهو واحد، لذلك افردت النور، وجمعت الظلمات في الكتاب العزيز كقوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} وقوله تعالى: {يخرجهم من الظلمات إلى النور} "
هنا أدخلنا مطلك فى نفس المتاهة اللغوية التى لا علاقة لها بالمعنى وهو جمع الظلمات ومعانيها وافراد النور والمعنى بسيط :
رجل ابتلعه الحوت فى بطنه فهو فى ظلمات جلد الحوت وسوائل البطن التى تمنعه من الرؤية فمن الطبيعىة أن ينادى الله وهو لا يرى شىء
ثم دخل بنا على معانى لغوية أخرى فى الجملة التالية فقال :
"وقوله تعالى: {أن لا إله إلا أنت} أي: بانه ان لا اله الا انت، على ان (ان) مخففة من الثقيلة، والجار مقدر، وضمير الشان محذوف، او (ان) بمعنى (أي) فهي مفسرة، أي: لا يكون ابتلائي من هذا بغير سبب من جهتي ، وعن النبي "صلى الله عيه واله وسلم" انه قال: {ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء الا استجيب له} ، وقوله تعالى: {سبحانك إني كنت من الظالمين} أي: تنزهت يارب عن الظلم والنقص وقد كنت من الظالمين لنفسي، وانا الان من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة.
فهذه الدعوة ((لا اله الا انت سبحانك)) هي الكلمات التي دعا بها يونس (ص) وهو في بطن الحوت، فاقبلت هذه الدعوة تحت العرش فقالت الملائكة يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: اما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا رب ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة، قالوا: يا رب اولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، فتنجيه من البلاء قال: بلى فامر الحوت فطرحه في العراء. "
قطعا الروايات فى الكلام السابق كاذبة لم يقلها النبى(ص) فلا يوجد شىء اسمه الدعاء بقول لا اله الا انت سبحانك يستجاب له كله لأن هذا أساسا ليس دعاء فليس فيه أى طلب من الله والاستجابة متوقفة على مشيئة الله وهى ما قدره فى كتابه كما قال تعالى :
"بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ"
ورواية صوت ضعيف من بلاد بعيدة هو كلام فارغ فالله يسمع من قريب كما من بعيد ولو كانت الملائكة تسمع لأنها تكتب فهى تسمع البعيد كالقريب
وتوسل الملائكة لله كى ينقذ كلام يونس(ص) هو كلام باطل لأنه قدر مقدر لا ينفع فيه توسل ولا غيره
ثم قال :
وقوله تعالى: {اني كنت من الظالمين} أي: ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير اذنك، كأنه، قال: (كنت من الظالمين، وانا من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة)، يدل عليه قوله تعالى: {فاستجبنا له}
قوله تعالى {فاستجبنا له} الاستجابة مبالغة في الاجابة، وهي اجابة توبته مما فرط منه، واجابة دعائه الذي دعاه في ضمن الاعتراف لاظهار التوبة على الطف وجه واحسنه ، اخرج احمد والترمذي والنسائي والحكيم في "نوادر الاصول" والحاكم وصححه وابن جرير والبيهقي في "الشعب" وجماعة عن سعد بن ابي وقاص عن الني "صلى الله عليه واله وسلم": ((دعوة ذي النون اذ هو في بطن الحوت (لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين) لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط الا استجاب له ، واخرج ابن ابي حاتم عن الحسن ان ذلك اسم الله - تعالى - الاعظم ."
ونجد مطلك يكرر نفس الروايات الموضوعة عن استجابة الدعاء بدعاء يونس (ص) والغريب أنه هو أو غيره لم يتحدثوا عن وجود حذف فى الدعاء وهو استغفار يونس (ص) لذنبه
ثم قال :
"وقوله تعالى: {ونجيناه من الغم} أي: اخرجناه من بطن الحوت وتلك الظلمات ، والانجاء وقع حين الاستجابة اذ الصحيح انه ما بقي في بطن الحوت الا ساعة قليلة، وانجاؤه هو بتقدير وتكوين في مزاج الحوت حتى خرج الى قرب الشاطئ، فتقاياه فخرج يسبح الى الشاطئ.
وهذا الحوت هو من صنف الحوت العظيم الذي يبتلع الاشياء الضخمة، ولا يقضمها باسنانه، وشاع بين الناس تسمية صنف من الحوت بحوت يونس رجما بالغيب.
وقوله تعالى: {ونجيناه من الغم} أي: الذي ناله حين التقمه الحوت بان قذفه الى الساحل بعد ساعات قال الشعبي: "التقمه ضحى ولفظه عشية"، وعن قتادة انه بقي ثلاثة ايام، وهو الذي زعمته اليهود وعن جعفر الصادق (ص) انه بقي سبعة ايام، وروى ابن ابي حاتم عن ابي مالك انه بقي اربعين يوما وقيل المراد بالغم هو غم الخطيئة .
قوله تعالى: {وكذلك ننجي المؤمنين} أي: اذا كانوا في غموم واخلصوا في ادعيتهم منيبين، لا سيما بهذا الدعاء وقد روي في الترغيب فيه اثار، قد تقدم شطر منها ."
قطعا اختلف القوم فى معنى الحوت والمحدثون حاولوا أن يرلفوا أقوالا تعنى غير ما يعنيه الحوت البحرى فقالوا أن الحوت يعنى المركب الصغير الذى يسمونه حاليا قارب النجاة وهو كلام لا أصل له
وتحدث مطلك عن لطائف ووقفات بىغية فى الدعاء مطيلا ولذا اختصرناه لأنه لن يفيد القارىء بشىء فقال:
"المبحث الخامس//اللطائف والوقفات البلاغية في الدعاء اليونسي
في الدعاء اليونسي وردت اشارات ولطائف بيانية، يشار الى بعضها:-
- قوله: {فنادى في الظلمات ........ }
هذا الدعاء العظيم من ادعية النبي يونس (ص) وهو يدل على حالة عظيمة من الانكسار والذل بين يدي المولى "جل جلاله"
- لما اراد يونس (ص) السؤال والدعاء، قدم ذكر التوحيد والعدل، فقال: (لا اله الا انت ..... ) وفي قوله تعالى .. {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك} ان الانبياء معصومون، ولكنهم يشعرون امام عظمة الله سبحانه بالذنب والتقصير، .
- وفي قوله تعالى: {لا اله الا انت} ليعلم انه تعالى ذكر كلمة (لا اله الا الله) في القران الكريم في سبع وثلاثين موضعا، ...قيل: اذا كان اخر الزمان فليس لشيء من الطاعات فضل كفضل (لا اله الا الله) ...والاحاديث في فضل (لا اله الا الله) لا حصر لها ولا عد، فهي اس الدين .
- وقوله تعالى .. {إني كنت من الظالمين} فيه انني ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير اذنك، كأنه قال .. كنت من الظالمين وانا من التائبين النادمين، فاكشف عني المحنة، فقد وصف ربه (جل جلالة) بكمال الربوبية وصفة نفسه بقوله .. إني كنت من الظالمين، بضعف البشرية والقصور في اداء حق الربوبية ...
وقوله تعالى: (فاستجبنا له) أي: دعاؤه الذي دعاه في ضمن الاعتراف واظهار التوبة على الطف وجه واحسنه، حتى قال بعض اهل العلم: ان ذلك اسم الله الاعظم،..
وقوله تعالى: {ونجيناه من الغم} ..ويمكن القول هنا ان هناك فرقا بين الهم والغم، فذكر ابو هلال العسكري ان الهم هو الفكر في ازالة المكروه واجتلاب المحبوب، ... والغم معناه ينقبض القلب معه، ويكون لوقوع ضرر قد كان او توقع ضرر او يتوهمه، ...والفرق بين الهم والغم والحزن هو ان الهم قبل نزول الامر ويطرد النوم والغم بعد نزول الامر ويجلب النوم والحزن الأسى على ما فات وخشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم .
وفي قوله تعالى: {وكذلك ننجي} ان كلمة (ننجي المؤمنين) تعطينا الامل باننا مهما فرطنا في جنب الله، فان باب الاستغفار مفتوح امامنا، ورحمة الله قابلة لان تسعنا فلا داعي للياس والقنوط .
وتذليل الدعاء بـ (كذلك) من الانجاء الذي انجي به يونس (ص)،أي مثل ذلك الانجاء ننجي المؤمنين من هموم يحسب من يقع فيها ان نجاته عسيرة، "
والكلام السابق هو كلام لغوى لافائدة منه
وفى المبحث ألأخير قال الرجل :
المبحث السادس //من الاشارات في الدعاء اليونسي
يشير الدعاء اليونسي الى ان ما اصاب النبي يونس(ص) من البلاء والنجاة منه لم يكن حكما خاصا، بل هو حكم العام في حفظ تسلسل الدرجات والمراتب.
ان الكثير من الحوادث المؤلمة والابتلاءات الشديدة والمصائب نتيجة لذنوبنا ومعاصينا، وهي سياط لتنبيه الارواح الغافلة، وهي مواقد لتصفية معادن ارواح الادميين، فمتى ما تنبه الانسان الى ترك الامور الثلاثة فانه سينجو حتما، والامور هي:-
ـ التوجه الى حقيقة التوحيد وانه لا معبود ولا سند الا الله.
ـ تنزيه الله تعالى من كل عيب وظلم وجور، وتجنب كل سوء ظن بذاته المقدسة.
ـ اعتراف الانسان بذنبه وتقصيره، فليس المراد قراءة الالفاظ والكلمات فقط بل جريان حقيقتها في اعماق الروح الانسانية، أي ينسجم كل وجوده مع الالفاظ حين قراءتها ..... لم يقل يونس (ص) سبحانك كنت ظالما، بل قال كنت من الظالمين، وهذا يعني الندم على ما فعل والتوبة من الذنب حيث يرى نفسه كان من قبل من الظالمين، فلا يريد ان يكون ظالما.
. كأنما يونس (ص) يفكر في الناس، ففي مقام العفو والتوبة لم يذكر نفسة فقط، بانه كان ظالما، بل اشار الى الاخرين" اني كنت من الظالمين "، ...وفي قوله تعالى: {فنادى في الظلمات ... } ومن الاشارة فيها ما قيل: أي اني كنت من الظالمين لنفسي بالمبادرة الى المهاجرة، وبتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت، فاستجاب الله "عز وجل"، وقال "جل جلاله": {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون . ...وهذا الذكر اليونسي ينبغي ان ينسجم بكل وجوده مع تلك الالفاظ حين قراءتها، ويلزم التذكير بهذه المسألة، وهي ان العقوبات الالهية على نحوين:
اولا –عذاب الاستئصال
ثانيا- عذاب التنبيه، والذي له صفة تربوية..
ان حادثة يونس (ص) تحذر بصورة ضمنية جميع قادة الحق والمرشدين اليه بالسبل المختلفة بان لا يتصوروا انتهاء مهمتهم مطلقا، ولا يستصغروا أي جهد وسعي في هذا الطريق، لان مسؤوليتهم ثقيلة جدا ولا يخفى كما عند ارباب السير والسلوك ان من يقول الذكر اليونسي عليه ان يتمه، فلا يكتفي بقوله {لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين}، بل يكمل ذلك بقوله {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}، فان الاكتفاء بالقسم الاول يوجب الهم والغم، والفرق بين الهم والغم، ان الهم باعتبار ما مضى، والدهر باعتبار المستقبل، فان الدهر خوان، ولا تدري ما يضم لك الدهر الخوان."
وهذه المعلومات كلها خارج نطاق معنى الآيات التى الهدف منها هو :
اقرار الإنسان بالذنب ثم استغفاره الله لذنبه مهما كان لكى ينجيه الله من العقاب

 

الجمعة، 6 سبتمبر 2024

قراءة فى كتاب إبهاج أهل الصناعة بدراسة حديث(بعثت بالسيف بين يدي الساعة)

قراءة فى كتاب إبهاج أهل الصناعة بدراسة حديث(بعثت بالسيف بين يدي الساعة)
المؤلف أبي ذر السمهري اليماني والكتب مداره حديث بعثت بين يدى الساعة بالسيف وكونه صحيح عند السمهرى وفى مقدمته قال :
"فهذه دراسة موسعة لحديث رسول الله (ص): (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)."
والحديث ظاهر أنه مخالف لكتاب الله فيما يلى :
الأول بعثه مع الساعة والساعة لم تحدث بعد فكيف يعث مع الساعة ؟
وهو ما يخالف أنه لا يعلم الساعة إلا الله كما :
" لا يعلمها إلا هو "
الثانى البعث بالسيف والبعث إنما هو برسالة الله ككل وليس بجزء منها كما قال تعالى :
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ "
الثالث الرزق بالرمح وهو ما يخالف أن الرزق يأتى بوسائل مختلفة كالسير فى الأرض كما قال تعالى:
"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ"
وتحدث عن رواة الحديث من الصحابة وغيرهم فقال :
"هذا الحديث روي عن ثلاثة من الصحابة ، عن ابن عمر و أبي هريرة وأنس بن مالك وجاء مرسلا عن طاوس بن كيسان و الحسن البصري رحمهما الله تعالى، وجاءت جملة منه في حديث عتبة بن عويم ومرسل مكحول الشامي وجاءت الجملة الأخيرة منه في حديث حذيفة مرفوعا وموقوفا، وعن عمر موقوفا.
أما رواية ابن عمر فقد أخرجها البخاري معلقا (4/ 40) - دون الجملة الأولى والأخيرة-، وقد روى عن ابن عمر أبو منيب الجرشي وعنه حسان بن عطية وعنه راويان:
أولهما: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، أخرج ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه (4/ 212) وأحمد في مسنده (9/ 126) و أبو داود في السنن-مقتصرا على الجملة الأخيرة من الحديث - (4/ 44) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، و أبو يعلى في مسنده-كما في إتحاف الخيرة المهرة- (4/ 484) ثنا زهير بن حرب، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 417) من طريق الحسن بن المكرم، والخطيب في الفقيه والمتفقه (2/ 142) نا أبو الحسين علي بن محمد المعدل وأنا الحسن بن أبي بكر , والذهبي في السير (12/ 86) من طريق محمد بن أحمد بن القاسم ثلاثتهم (المعدل و ابن أبي بكر و محمد بن أحمد) عن أبي عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد , نا موسى بن سهل الوشاء ستتهم (ابن أبي شيبة و أحمد بن حنبل و عثمان بن أبي شيبة و زهير والحسن بن المكرم وموسى بن سهل) عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وأخرجه أحمد (9/ 123) حدثنا محمد بن يزيد يعني الواسطي، وأخرجه عبد بن حميد في مسنده-كما في المنتخب- (2/ 57) حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، وأخرجه ابن الأعرابي في معجمه (2/ 576) -والبيهقي-من أحد طرقه- في شعب الإيمان (2/ 417) -نا إبراهيم بن معاوية القيسراني، والطبراني في مسند الشاميين-في أحد طرقه (1/ 135) حدثنا عمرو بن ثور الجذامي، و تمام في فوائده (1/ 318) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (67/ 257) -من طريق أبي القاسم أخطل بن الحكم القرشي، وابن عبد البر في التمهيد (11/ 76) من طريق عبد الله بن أبي مريم أربعتهم (القيسراني والجذامي وأخطل وابن أبي مريم) عن محمد بن يوسف الفريابي، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (13/ 317) وفي مسند الشاميين (1/ 135) -في أحد طرقه-حدثنا عبد الله بن محمد بن عزيز الموصلي عن غسان ابن الربيع، وأخرجه الطبراني أيضا في مسند الشاميين (1/ 135) -في أحد طرقه-حدثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا علي بن عياش الحمصي خمستهم كلهم (أبو النضر ومحمد بن يزيد والطيالسي والفريابي وابن الربيع والحمصي) عن ابن ثوبان عنه.
ثانيهما: الأوزاعي، واختلف عليه:
1 - فرواه صدقة السمين عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا، أخرج ذلك البزار في مسنده (15/ 104) حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، قال: حدثنا أبو حفص التنيسي وأخرجه أبو ذر الهروي في ذم الكلام وأهله (3/ 118) والذهبي في السير (16/ 242) من طريق دحيم كلاهما (أبو حفص ودحيم) عن عمرو بن أبي سلمة، قال: حدثنا صدقة به.
2 - ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن عبد الله بن عمر مرفوعا، أخرج ذلك الطبراني في الكبير (13/ 318) حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الجوني ثنا هشام ابن عمار، والطحاوي في مشكل الآثار (1/ 213) حدثنا أبو أمية حدثنا محمد بن وهب بن عطية، و أخرج ذلك ابن حذلم في جزء من حديث الأوزاعي (1/ 14) من طريق هشام بن عمار، وعمرو بن عثمان، وكثير بن عبيد كلهم (ابن وهب وهشام وعمرو وكثير) قالوا: حدثنا الوليد بن مسلم به.
3 - ورواه ابن المبارك والثوري وابن يونس كلهم عن الأوزاعي عن سعيد بن جبلة عن طاوس مرسلا للنبي (ص).
أما رواية ابن المبارك فقد أخرجها في الجهاد له (1/ 89) من طريق ابن رحمة، وأخرجها القضاعي في مسند الشهاب (1/ 244) من طريق علي بن معبد-مختصرا-كلاهما (ابن رحمة وابن معبد) عن ابن المبارك به.
أما رواية الثوري فقد أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه (6/ 470) حدثنا وكيع عن سفيان به، وأما رواية ابن يونس فقد أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه (6/ 470) عن ابن يونس به.
وأما رواية أنس بن مالك فقد أخرجها الهروي في ذم الكلام (3/ 120) من طريق الحسين بن محمد بن عفير، وأبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان (1/ 165) من طريق أحمد بن محمود بن صبيح كلاهما (الحسين وأحمد) عن الحجاج بن يوسف بن قتيبة حدثنا بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس مرفوعا.
أما رواية عتبة بن عويم فأخرجها العقيلي في الضعفاء (3/ 329) والبغوي في معجم الصحابة (4/ 487) وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 174) كلهم عن محمد بن طلحة التيمي قال: حدثني عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عتبة بن عويم بن ساعدة، عن أبيه، عن جده قال: قال النبي (ص): «إن الله تبارك وتعالى بعثني بالهدى ودين الحق، ولم يجعلني زراعا ولا تاجرا ولا صخابا في الأسواق، وجعل رزقي في ظل رمحي»
وأما مرسل مكحول فقد أخرجه ابن أبي شيبة (4/ 222) قال حدثنا وكيع نا سفيان، وأخرجه يحيى بن آدم في الخراج (1/ 76) قال: حدثنا قيس كلاهما (سفيان وقيس بن الربيع) عن برد أبي العلاء، عن مكحول قال: قال رسول الله (ص): " جعل رزق هذه الأمة في سنابك خيلها، وأزجة رماحها، ما لم يزرعوا، فإذا زرعوا كانوا من الناس "
أما حديث حذيفة ، فقد رواه عنه راويان:
أولهما: نمير بن أوس
أخرج ذلك الطبراني في مسند الشاميين (3/ 94) حدثنا عمرو بن إسحاق ثنا أبي ثنا عمرو بن الحارث ثنا عبد الله بن سالم-الأشعري- عن الزبيدي ثنا نمير به مرفوعا.
ثانيهما: أبو عبيدة بن حذيفة رضي الله عنه، واختلف عليه
فرواه يحيى بن سعيد القطان عنه موقوفا.
أخرج ذلك الإمام أحمد في الورع (1/ 190) عن يحيى بن سعيد عن أبي عبيدة به، إلا أن فيه (دعي حذيفة إلى شيء قال فرأى شيئا من زي الأعاجم قال فخرج وقال من تشبه بقوم فهو منهم)ورواه محمد بن سيرين عنه مرفوعا.
أخرج ذلك البزار في مسنده (7/ 368) والطبراني في " المعجم الأوسط " (8/ 179) حدثنا موسى بن زكريا كلاهما (البزار وابن زكريا) عن محمد بن مرزوق قال أخبرنا: عبد العزيز بن الخطاب قال: أخبرنا علي بن غراب قال: أخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين به.
وأما رواية عمر الموقوفة، فقد أخرجها معمر بن راشد في جامعه (11/ 453) عن قتادة أن عمر بن الخطاب رأى رجلا قد حلق قفاه ولبس حريرا، فقال: " من تشبه بقوم فهو منهم "
والملاحظ أن هناك تناقض بين الروايات فى سبب الرزق فمرة الرماح ومرة سنابك الخير
وتحدث عن علل الأسانيد فقال :
"دراسة الأسانيد:
أولا: الراجح في الإختلاف على الأوزاعي
رجح الإمام الدارقطني أن المحفوظ عن الأوزاعي ما رواه الوليد بن مسلم ولكن الذي يظهر أن المحفوظ عن الأوزاعي هو عن سعيد بن جبلة عن طاوس مرسلا للنبي (ص)، لكون من روى ذلك أكثر وأثبت، وقد رجح هذا الإمام عبد الرحمن بن إبراهيم-دحيم-كما في العلل لابن أبي حاتم (3/ 388) ورجحه البزار في مسنده (15/ 104) حيث قال بعد أن أخرج رواية صدقة السمين الموصولة: (وهذا الحديث قد خولف صدقة في إسناده فرواه غيره عن الأوزاعي بغير هذا الإسناد مرسلا ولم يتابع صدقة على روايته هذه عن الأوزاعي بهذا الإسناد).
ثانيا: الحكم على إسناد حديث ابن عمر وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهم ومرسل طاوس والحسن و حديث عتبة بن عويم ومرسل مكحول الشامي رحمهم الله تعالى وحديث حذيفة ورواية عمر الموقوفة
أما حديث ابن عمر ففيه أبو منيب الجرشي وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، فأما أبو منيب فقد وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات (5/ 564) وقال عنه ابن عبد البر في التمهيد (11/ 76) ليس به باس، ووثقه الذهبي في الكاشف (2/ 464) والحافظ في التقريب (1/ 667)، وأما عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فسأتوسع بتوفيق الله في شأنه لكون من لا دراية له بفن الجرح والتعديل قد تكلم فيه دون إدراك واستجماع لأقول النقاد فيه، وهاك أخي الموحد أقوال الأئمة واحدا بعد الآخر:
تحرير قول الإمام أحمد
قال الأثرم عن أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير.
وقال محمد بن علي الوراق، عن أحمد بن حنبل: لم يكن بالقوي في الحديث.
وقال أبو بكر المروذي، عن أحمد بن حنبل: كان عابد أهل الشام، وذكر من فضله قال: لما قدم به دخل على ذاك الذي يقال له المهدي، وابنته على عنقه.
قلت: نستطيع الجمع بين روايتي الأثرم والوراق وهما الروايتان المتعلقتان بالرواية وأما رواية المروذي فهي في أمر العبادة التي لا شأن لها بضبط الرواي وذلك بأن تحمل رواية الأثرم على أحاديث بعينها استنكرها الإمام أحمد، وأما الحكم العام على ابن ثوبان فهي رواية ابن الوراق والتي لا تدل على التضعيف المطلق وإنما تدل على تليين لحديث الراوي وعدم بلوغ من قيلت فيه الدرجة العليا من الحفظ، قال عبد الله بن أحمد في (العلل ومعرفة الرجال) (1/ 384): (سألت أبي عن فرقد السبخي فقال: ليس هو بقوي في الحديث، قلت: هو ضعيف؟ قال: ليس هو بذاك؛ وسألته عن هشام بن حجير؟ فقال: ليس هو بالقوي؛ قلت: هو ضعيف؟ قال: ليس هو بذاك)
فإن قال قائل في محاولة لتأويل عبارة الإمام أحمد بما لا يجعلها عبارة جرح: هل يمكن حمل النكارة في كلام الإمام أحمد على معنى التفرد؟
فالجواب: أن المنكر عند النقاد من مصطلحات رد الحديث وعدم قبوله، فالمنكر عند قدامى المحدثين لا يقتصر على المخالفة فحسب بل إنهم يطلقونه على تفردات بعض الرواة بما لا يحتمل منهم أن يتفردوا به، فالمنكر عند القدامى باختصار هو الخطأ الذي يستفحشه الناقد، وهو أمر نسبي فما يستفحشه ناقد قد لا يستفحشه ناقد آخر، والمنكر ليس مرادفا للخطأ بل هو خطأ أشد ودلالة اللغة تؤيد هذا المعنى، وعلى هذا التقرير الذي قرره بعض الباحثين المعاصرين استقراء لمصطلح المنكر عند النقاد، وبدلالة اللغة أيضا لا يتأتى القول بأن الأئمة-ومنهم الإمام أحمد- يطلقون المنكر ويريدون به مطلق التفرد مع القبول، كيف ودلالة اللغة تأبى ذلك؟؟ ومن المعلوم أن ثمة ارتباطا بين المعنى اللغوي للمصطلح وبين معناه العرفي عند أهل الفن، وهذا أمر لا ينبغي إغفاله.
فقول الإمام أحمد (أحاديثه مناكير) يدل على أن الإمام أحمد يرى-وهذا اجتهاد منه- أن أحاديث ابن ثوبان أخطاء مستفحشة لا أن الإمام يرى أحاديثه مفاريد مقبولة، ولو سلمنا جدلا بأن مراد الإمام أحمد أن أحاديث ابن ثوبان مفاريد فإن هذا لا يعفي ابن ثوبان من المذمة، لأن هذا يعني أن روايات ابن ثوبان تفتقد إلى متابعة الثقات؟؟ ومن تأمل كلام ابن عدي في الكامل يجده في مواطن ينعت الرواة الضعفاء بكون عامة رواياته أو بعضها لا يتابعه عليها الثقات، هذا ما يقتضيه الإنصاف عند تناول عبارة النقاد في الجرح والتعديل. لكن هناك محمل آخر لقول الإمام أحمد (أحاديثه مناكير) وهو أن أحمد كما هو معلوم من الأئمة الموصوفين بالاعتدال في باب الجرح والتعديل، لكن لا يعني وصف الإمام بالإنصاف اعتماد حكمه مطلقا وأنه لا يتشدد، كما لا يعني وصف إمام آخر بالتشديد عدم الاعتداد بتجريحه، ولا وصف آخر بالتساهل عدم الاعتداد بتعديله، إنما هذه الأوصاف يستعان بها كقرينة من قرائن الترجيح عند تعارض النصوص المنقولة عن الأئمة في الجرح والتعديل، قال العلامة المعلمي في مقدمة الفوائد المجموعة: (ما اشتهر من أن فلانا من الأئمة مسهل وفلانا متشدد ليس على إطلاقه، فإن منهم من يسهل تارة ويشدد تارة، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم لا تحصل إلا باستقراء بالغ لأحكامهم، مع التدبر التام)، ولذا فقول الإمام أحمد عن ابن ثوبان (أحاديثه مناكير) أرى أنه تشدد منه في مقابل قوله (لم يكن بالقوي في الحديث)، بقرينة عدم موافقة غيره من النقاد المنصفين كابن المديني وأبي زرعة وأبي داود-تلميذ الإمام أحمد- على ما جاء في رواية الأثرم، بل مع مخالفة المتعنتين في التوثيق له كأبي حاتم الرازي الذي وثق ابن ثوبان كما سيأتي.
قول ابن معين
1 - رواية ابن الحنيد
عن ابن معين: صالح، وقال في موضع آخر: ضعيف
2 - رواية الدوري
عن يحيى بن معين: ليس به بأس
3 - رواية معاوية بن صالح والدارمي وعبد الله بن شعيب الصابوني
عن يحيى بن معين: ضعيف.
زاد معاوية: فقلت: يكتب حديثه؟. قال: نعم على ضعفه، وكان رجلا صالحا.
4 - رواية ابن أبي خيثمة
عن يحيى بن معين: لا شيء.
هذه هي الروايات المنقولة عن ابن معين في شأن ابن ثوبان، وكل النقلة عن ابن معين معروفون فمنهم بغاددة ومنهم غير بغاددة سوى عبد الله بن شعيب الصابوني فلم أجد له ترجمة، ولعل الراجح من هذه الروايات هي رواية الدوري لأمرين:
أولا: هو أكثر من لازم ابن معين من تلاميذه حتى أنه صاحب ابن معين في بعض أسفاره
ثانيا: رواية الدوري تتوافق مع أقوال جمهور النقاد لاسيما أقران ابن معين في العلم والطبقة كابن المديني والفلاس، وقد أدخل الإمام ابن شاهين ابن ثوبان في كتاب (ذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه) (1/ 43)، وقال بعد أن روى عن ابن معين أنه قال عنه: نزل الشام وما ذكره إلا بخير، ثم ذكر رواية المفضل بن غسان عن يحيى قوله في ابن ثوبان: ليس بشيء، قال ابن شاهين: وهذا القول من يحيى بن معين يوجب التوقف في ابن ثوبان، لأن سكوته عن إطرائه وتوثيقه لا يقضي على تضعيفه)
علي بن المديني لا بأس به
العجلي لا بأس به.
تحرير قول أبي زرعة الرازي "شامي لا بأس به"
فإن قال قائل أليس في تهذيب التهذيب (6/ 151) أن أبا زرعة قال عن ابن ثوبان (لين)؟؟ فهل هو قول آخر له؟؟
قلت: الظاهر أن الذي في تهذيب التهذيب وهم من الناسخ أو الحافظ ابن حجر والدليل على ذلك:
أولا: أن تهذيب الكمال الذي هو أصل تهذيب التهذيب لم يذكر سوى قول أبي زرعة (لا بأس به)، ولو كان الحافظ قد وقف على نص آخر لأبي زرعة قال فيه عن ابن ثوبان (لين) لجعله في الزيادات من بعد (قلت)، كما أشار الحافظ نفسه إلى ذلك في مقدمة تهذيب التهذيب حيث قال (1/ 5): (وما زدته في أثناء التراجم قلت في أوله: "قلت", فجميع ما بعد قلت فهو من زيادتي إلى آخر الترجمة)
ثانيا: قول أبي زرعة قرن بمن لا يقول بتليين ابن ثوبان، فقد جاء في الطبعة الهندية (6/ 151) (وقال الدوري عن ابن معين والعجلي وأبو زرعة الرازي لين) وقد سبق معنا أن قول ابن معين-رواية الدوري- والعجلي في ابن ثوبان هو لا بأس به، فكيف يكون هؤلاء الأئمة الثلاثة ممن يقولون بتليين ابن ثوبان؟؟
ثالثا: بحثت في مظان أقوال أبي زرعة النقدية فلم أجد إلا ما في كتاب الجرح والتعديل وهو ما ذكره المزي في تهذيب الكمال.
وعليه فتليين أبي زرعة غير ثابت بدليل ما سبق، وبهذا تعلم أن ما ذهب إليه الدكتور سعدي الهاشمي من أن ابن ثوبان من الرواة الذين وثقهم وجرحهم أبو زرعة فيه نظر وأن الصواب هو أن أبا زرعة ممن يرى أن ابن ثوبان لا بأس به."
وبعد ان انتهى من ألسانيد انتهى إلى الخلاصة التالية :
".......
الخلاصة مما سبق: هو أن جمهور النقاد على أن ابن ثوبان مقبول الرواية ممن يحتج بحديثه، وأما ما وقع في حديثه من بعض المنكرات فليس من شرط من تقبل روايته ألا يقع منه ذلك، كما أن ثمة من الرواة من روى عن ابن ثوبان المناكير ولا يتحمل ابن ثوبان تبعتها إنما تبعتها على من رواها عنه، كالوليد بن الوليد العنسي الذي روى عن ابن ثوبان الموضوعات كما نص على ذلك الحاكم هذا فيما يتعلق بالرواية، وأما مذهبه العقدي فالأئمة المتقدمون لم يرموه بغير القدر كما سبق، وأما رميه بشيء من الخارجية فلم أره إلا عند الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، والذهبي لم يقل بأنه خارجي بل كلامه ظاهر في أن ابن ثوبان قد وافق الخوارج في بعض ما يذهبون إليه، ولعل تبني ابن ثوبان لهذا الأمر كان في وقت ما من حياته ثم تاب إلى الله وأناب، لا أنه بقي عليه إلى آخر حياته لأن الأئمة المتقدمين لم يشيروا إلى ذلك وإنما أشاروا إلى القدر كما أسلفت، وعليه فإسناد هذا الحديث من رواية ابن عمر لا بأس به: وهناك من صححه من الأئمة:
1 - قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في إقتضاء الصراط المستقيم
(1/ 269): " إسناد جيد "،
2 - وقال عنه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (1/ 505) (إسناده صحيح).
3 - وقال عنه الذهبي في السير (15/ 509) (إسناده صالح).
4 - وممن يرى ثبوت الحديث الحافظ ابن رجب فقد شرحه في رسالة-مطبوعة- بعنوان (الحكم الجديرة بالإذاعة).
5 - وقال الحافظ ابن حجر: (أخرجه أبو داود بسند حسن)
وقد صحح الحديث من رواية ابن عمر اثنان من المعاصرين:
6 - العلامة أحمد شاكر في تخريجه للمسند.
7 - وحسنه المحدث الألباني في الإرواء (5/ 109)
وأما رواية أبي هريرة فهي من منكرات صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف كما قاله الذهبي في الكاشف (1/ 502) والحافظ في التقريب (1/ 275) ولذا قال دحيم عن رواية صدقة (هذا الحديث ليس بشيء) (2)، وأما رواية أنس بن مالك فجاءت بإسناد ضعيف جدا، لأن فيه بشر بن حسين، مجمع على ضعفه وقال عنه الدارقطني في (الضعفاء والمتروكون) (1/ 159): (متروك، عن الزبير بن عدي، بواطيل، وله عنه نسخة موضوعة).
وأما حديث عتبة بن عويم فقد ضعفه البخاري وأبو حاتم الرازي والذهبي
وأما حديث حذيفة فإسناد الطبراني في مسند الشاميين ضعيف، لأن فيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق، قال الحافظ في التقريب (1/ 99): (صدوق يهم كثيرا، وأطلق محمد ابن عوف أنه يكذب)، وفيه عمرو بن الحارث، قال عنه الإمام الذهبي: (غير معروف العدالة) (4)، كما أن نمير بن أوس الأشعري قاضي دمشق تعد وروايته عن حذيفة مرسلة كما في تحفة التحصيل وغيره (1/ 329) وأما الإختلاف على أبي عبيدة فالراجح فيه ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وهو ما رواه الإمام أحمد في الورع بإسناد صحيح، وأما ما رواه البزار فقد قال عقب تخريجه للحديث في مسنده (7/ 368) " وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن حذيفة مسندا إلا من هذا الوجه، وقد رواه غير علي بن غراب عن هشام عن محمد عن أبي عبيدة عن أبيه موقوفا"، وعلي بن غراب الفزاري الكوفي القاضي وإن كان الراجح في حاله ما قرره الحافظ في التقريب (1/ 404) بقوله: " صدوق وكان يدلس ويتشيع "، فإن بعض الأيمة قد تكلم فيه، كما قال الإمام محمد بن عبد الله بن نمير: كان علي بن غراب، يعرفونه بالسماع، وله أحاديث منكرة (1)، وهو أيضا مدلس ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة في تعريف أهل التقديس (1/ 42) لكنه قد صرح بالتحديث.
وأما رواية عمر الموقوفة فالظاهر أن قتادة أراد الحكاية لا الرواية عن عمر رضي الله عنه، أي أراد حكاية وقعة لعمر لا الرواية عنه، وأيا كان الأمر فهو لم يدرك عمر رضي الله عنه، ولذا فالإسناد لا يصح عن عمر رضي الله عنه......"
وخلاصة الخلاصة عند السمهرى هى :
"والخلاصة أن الحديث ثابت من طريق ابن عمر فحسب، وصحت الجملة الأخيرة منه من حديث حذيفة موقوفا عليه، وقد أفرد الإمام ابن رجب رسالة-مطبوعة- في شرح هذا الحديث موسومة بـ (الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي (ص) بعثت بالسيف بين يدي الساعة)"

والغريب هو أن الكتاب كله أسانيده علل وكلها فيها متكلم فيه ومع هذا حكم على الحديث بالصحة
ونجده فى الفقرة التالية يناقش أقوال من اظهروا فساد متن الحديث واسناده فقال :
"والآن سأعرج على ما جاء من كلام حول الحديث-من رواية ابن عمر رضي الله عنه- في تخريج المسند الذي حققه وخرج أحاديثه الشيخ شعيب الأرنؤوط وفريق من الباحثين معه، حيث جاء في التخريج (9/ 123): (إسناده ضعيف على نكارة في بعض ألفاظه. ابن ثوبان - وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان - اختلفت فيه أقوال المجرحين والمعدلين، فمنهم من قوى أمره، ومنهم من ضعفه، وقد تغير بأخرة، وخلاصة القول فيه أنه حسن الحديث إذا لم يتفرد بما ينكر، فقد أشار الإمام أحمد إلى أن له أحاديث منكرة، وهذا منها)
وهذا الكلام عليه مآخذ:
أولا: من المعلوم أن المحدثين قد انتقدوا متون كثير من الأحاديث وردوها لاعتبارات مقررة عندهم، إما لمخالفات هذه المتون لأصل من أصول الشريعة أو لأمر آخر، ومسألة نقد المتون معلومة عند النقاد وقد تكلم الإمام ابن القيم على شيء من ذلك في المنار المنيف، وليس ثمة إشكال في انتقاد المتن شريطة أن يكون الناقد من أهل العلم بالسنة العاملين بها، وأن يكون انتقاده مضبوطا بضوابط أهل العلم بالحديث لا وفق الأهواء، ولذا فما جاء في التخريج من القول: (على نكارة في بعض ألفاظه) كلام لا أدري على أي أساس قيل، فأين هذه النكارة المزعومة في الحديث؟؟؟ وما سبب النكارة حتى يتجه القول بها؟؟
فإن قال الشيخ شعيب: النكارة في المتن جاءت من كون النبي (ص) بعث بالرحمة ولم يبعث بالسيف
فالجواب على هذا الكلام من وجهين:
الوجه الأول: القول بنكارة متن حديث صح عن النبي (ص) لا يتأتى إلا عند تحقق تعارض أو مخالفة هذا المتن لمحكمات النصوص من الكتاب والسنة، وأما إذا كان ممكنا حمل النص على سياق لا يتعارض مع نصوص أخرى بحيث لا يفضي إلى الطعن في متن حديث صحيح فالقول بالجمع متجه، ويكون حينها القول بالنكارة محض تعنت أو دليل على قصور فقه المستنكر للنصوص الشرعية والجمع بينها، فقوله (ص): (بعثت بين يدي الساعة بالسيف) هل فيه أسلوب من أساليب الحصر في العربية حتى يكون معارضا لكون النبي (ص) بعث بالرحمة؟؟؟ الجمع متحقق بحمد الله ولا حاجة لنكارة متوهمة، ولله در الحافظ ابن رجب حين قال في رسالة (الحكم الجديرة بالإذاعة): (يعني أن الله بعثه داعيا إلى توحيده بالسيف بعد دعائه بالحجة، فمن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دعي بالسيف، قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره بالغيب ورسله إن الله قوي عزيز)
وثمة سؤال أطرحه على من يرى نكارة لفظة (بعثت بين يدي الساعة بالسيف) وهو متعلق بما أخرجه الإمام أحمد وغيره من قوله (ص) بعدما غمزه المشركون بسيء القول: (تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح)؟؟؟
هل جاء وبعث رسول الله (ص) بالذبح أم بالرحمة؟؟؟
وهل هذا اللفظ مستنكر أيضا أم يحمل على سياق لا يتعارض مع أنه (ص) بعث بالرحمة؟؟؟
وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ شعيب ومن عمل معه في تخريج المسند قالوا عن هذا الحديث (11/ 611): (إسناده حسن، ابن إسحاق -وهو محمد- صرح بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين ... ) فلم يشيروا إلى نكارة أو مخالفة مع أنه لا فرق بين قوله (ص): (لقد جئتكم بالذبح) وبين قوله (ص) (بعثت بين يدي الساعة بالسيف)؟؟؟
الوجه الثاني: الأئمة السابقون كلهم بلا مثنوية الذين تعرضوا للحديث لم أر واحدا منهم استنكر المتن أو لفظة من ألفاظه، وإنما من تكلم منهم في الحديث فقد قصر كلامه على الإسناد وتحديدا في ابن ثوبان، كما صنع الإمام الزيلعي في (نصب الراية) "
الخلاصة :
ان الحديث هو وقول العهد الجديد :
34 لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُرْسِيَ سَلاماً عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُرْسِيَ سَلاَماً، بَلْ سَيْفاً"
خرجا من مزور واحد زور الوحى الإلهى فى كلا الرسالتين