الخميس، 11 مايو 2023

نقد بحث إِرشادُ الحائِر في حديث أَفْضَل الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِر

نقد بحث إِرشادُ الحائِر في حديث أَفْضَل الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِر».
استهل الباحث خالد الحايك بحثه بأن أحدهم سأله عن حديث كلمة العدل صحيح أم لا واجاب هو فقال:
"سُئلت عن حديث: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ومن يحتج به لقول كلمة الحق؟!
فقلت: هذا الحديث أخرجه الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، والحُميدي، والبزار، وغيرهم.
وبين الباحث أن الحديث به ثلاث طرق ذكرها فقال :
"وله ثلاث طُرق:
أما الأولى: فمن حديث حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، سَأَلَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ لِيَرْكَبَ، قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» قَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ ‍‍ قَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ».
قلت: وهذا إسناد منكر! تفرد به حماد بن سلمة عن أبي غالب! وأبو غالب - واسمه حزوّر- اختلف فيه أهل العلم، وهو عندي متّهم! يروي المناكير عن أبي أمامة.
والثانية: من حديث عَطِيَّة العُوفي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ».
قال الترمذي: "وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ".
قلت: عطية ضعيف متروك.
وله طريق أخرى من حديث عَلِيّ بن زَيْدِ بنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
وعلي بن زيد بن جدعان ضعيفٌ جداً.
وأما الثالثة: فمن حديث طَارِقِ بنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ».
قال أبو حاتم الرازي: "له رؤية وليست له صحبة، والحديث الذي رواه الثوري عن علقمة بن مرثد عن طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الجهاد أفضل، قال: كلمة حق عند سلطان جائر، هو حديث مرسل".
قلت: نعم، هو حديث مرسل؛ لأن طارق بن شهاب لا صحبة له، ومن زعم أن هذا يدخل في مراسيل الصحابة فقد أخطأ! فالذين لهم رؤية وكانوا صغاراً لم يسمعوا منه صلى الله عليه وسلم، وأن نحكم بأن حديثهم من مراسيل الصحابة على اعتبار أنهم لا بد أنهم سمعوا هذه الأحاديث من صحابة سمعوا منه صلى الله عليه وسلم، فهذا ليس بصحيح! فربما سمعوا من تابعين أكبر منهم، ولم لا يذكرون الصحابة الذين حدثوهم؟!
فالذي نعده مرسل صحابي ما جاء عن صحابي لم يسمع واقعة معينة أو لم يكن موجوداً بقرينة أن هذا الصحابي قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث أخرى، فهذا نعدّ حديثه مرسل صحابي، كحديث عائشة أن الحارث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فهذا السؤال لم تكن عائشة حاضرة فيه، ولهذا أعله بعضهم بالإرسال، لكنه مرسل صحابي، فيقبل؛ لأن عائشة سمعت كثيراً منه صلى الله عليه وسلم، وليست مثل أؤلئك الذين لهم رؤية فقط، وإنما أدخلهم العلماء في الصحابة لشرف الصحبة فقط، لكن أن يكون حديثهم مرسل صحابي فهذا لا يستقيم، ولا يُقبل.
وقد تفرد بهذا الحديث عن طارق بن شهاب: علقمة بن مَرثد - وهو كوفي ثقة، وقال فيه أبو حاتم: صالح الحديث-، ولا يوجد هذا الحديث عند أصحاب طارق كقيس بن مسلم الكوفي، وهو من المكثرين عنه، وجُلّ ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث طارق عنه.
بل لا أعرف لعلقمة بن مرثد رواية عن طارق إلا في هذا الحديث!!
وقد تفرد به عن علقمة: سفيان الثوري!
فهذه الطرق لا تتقوى بمجموعها؛ فالعوفي وأبو غالب متروكان .. وابن جدعان أقرب للترك!
وأما حديث طارق فعلته الإرسال وإن كان له رؤية فلا نستطيع أن نجزم انه سمعه من صحابي؛ فلو كان سمعه من صحابي لم يزهد في ذكره بخلاف أحاديثه الأخرى التي يذكر فيها من حدّثه من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والإرسال أكثر ما يكون في القصص والحكايات، ولهذا يتناقلها النّاس فيما بينهم."
ومن خلال حديث الحايك نعلم أن الرجل أعلن أن أسانيد الحديث كلها معلولة ومن ثم لا تصح نسبته للنبى(ص)
وتحدث الحايك عن ان السلطان الجائر الكلام معه يكون حسب الظروف لإغن علم أنه قد يستجيب يقال له الحق وإن علم أنه لا يستجيب أو سيبطس بالقائل لا يقول الفرد هذا له مباشرة وغنما لو كان هناك طريقة غير مباشرة لا تؤذى قيلت وفى هذه النقطة قال :
"ولا شك أن الذي يقول كلمة الحق في وجه السلطان الجائر يكون قد أدّى الذي عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولكن هذا ليس قرآناً بحيث إذا لم يفعل العالِم ذلك اُحتج عليه بهذا الحديث!! سيما وظروف أهل العلم تختلف من مكان لمكان، وقد قال الله سبحانه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، فإن إظهار الحق - في غير التوحيد- إذا قضي إلى التهلكة يكون منهياً عنه، فيمكن أن يسكت في هذه الحال. وهذه الآية للمفسرين أقوال كثيرة فيها ومنها ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري أنها نزلت فيهم عندما تركوا الجهاد واعتنوا بأمورهم الدنيوية، إلا أن الآية عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقد قال الله تعالى أيضاً: {قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه}، فإن كتمانه إيمانه إنما كان لأجل الخوف من الأعداء، وهو يدخل في معنى التقية وقد سماه - سبحانه - مؤمناً.
وبحسب الحديث فإنّ من قال كلمة عدل وحقّ للسلطان الجائر الذي مَال عَن الْحق؛ فإن هذا من أفضل الجهاد؛ لأن هذا الحاكم الجائر قد يبطش به فيقتله! ولكن قد يقول هذه الكلمة فلا يبطش به، فكيف يكون ذلك من أفضل الجهاد؟!
نعم، هو أدّى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحتسب أن يكون له أجر الشهيد إن بُطِش به، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك أفضل الجهاد، فهذه نكارة في الحديث؛ لأن الجهاد هو مقارعة العدو، وجعل قائل ذلك من أفضل الجهاد يعني أفضل ممن يقاتل في ساحات الوغى، وهذا لا يستقيم."
وتحدث عن أن لا تعارض للحديث مع حديث أفضل الجهاد الحج للنساء فقال :
"ولا يُعترض على هذا بما جاء في حديث جهاد النساء عند البخاري: «لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» فهذا مما رُوي بالمعنى، رُوي هكذا عن حَبِيبِ بن أبي عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية عنه أيضاً عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عن الْجِهَادِ فقال نِعْمَ الْجِهَادُ الْحَجُّ".
ورواه مُعَاوِيَة بن إِسْحَاقَ عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قالت اسْتَأْذَنْتُ النبي صلى الله عليه وسلم في الْجِهَادِ، فقال: "جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ".
فالنساء لا جهاد عليهنّ؛ لأن الجهاد فيه مشقة كبيرة لا تقدر النساء عليه، وجهادهن الحجّ لما فيه من المشقة أيضاً، ولكن الحج لا يساوي الجهاد الحقيقي، وفي صحيح البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»."
وتلك الأحاديث تخالف كتاب الله فى أن الجهاد بالمال والنفس هو الأفضل كما قال تعالى :
" فضل الله المجاهدين بـأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة"

والحج ليس جهاد أى قتالا كما أن النساء يكونون تبعا لأزواجهم فى الدرجة
وذكر شواهد للحديث فقال :
" شاهد حديث «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ، فَنَهَاهُ وَأَمَرَهُ، فَقَتَلَهُ»:
روى الطبراني في «المعجم الأوسط» (4/ 238) قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حدثنا أَبُو الدَّرْدَاءِ عَبْدُالْعَزِيزِ بنُ الْمُنِيبِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حدثنا سَعِيدُ بنُ رَبِيعَةَ المروزيّ، قَالَ: حدثنا الْحَسَنُ بنُ رُشَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ، فَنَهَاهُ وَأَمَرَهُ، فَقَتَلَهُ».
قال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هذا الْحَدِيثَ عَنْ عِكْرِمَةَ إِلَّا أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا الْحَسَنُ بنُ رُشَيْدٍ، وَلَا عَنِ الْحَسَنِ بنِ رُشَيْدٍ إِلَّا سَعِيدٌ، تَفَرَّدَ بِهِ: أَبُو الدَّرْدَاءِ".
أخرجه أبو نُعيم الأصبهانيّ في «مسند أبي حنيفة» (ص: 187) عن الطبراني، به.
وقد ذكر ابن حجر هذا الحديث عن الطبراني في «الأمالي المطلقة» (1/ 197) قال: "وبه إلى الطبراني قال: لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو الدرداء. قلت: وهو ضعيف وشيخه مجهول، لكن لهذا المتن الذي رواه شواهد من حديث أبي عبيدة بن الجراح في شعب البيهقي، ومن حديث سمرة عند البزار، ومن حديث جابر عند الحاكم، وفي إسناد كل منها ضعف".
قلت: أبو الدرداء ليس بضعيف، بل هو صدوق، ولم يتفرد به، بل تابعه عليه أحمد بن الخليل، رواه أبو نُعيم الأصبهانيّ في «مسند أبي حنيفة» (ص: 187).
وسعيد بن ربيعة المروزي مجهول، لكن تابعه على روايته عن الحسن بن رشيد: أحمد بن زرعة، وزاد رجلاً في إسناده.
أخرجه الرافعي في «التدوين في أخبار قزوين» (4/ 11) قال: أنبأنا علي بن عمر السكري، قال: حدثنا أبو سعيد حاتم بن الحسن الشاشي، قال: حدثنا أحمد بن زرعة أبي حامد، قال: حدثنا الحسن بن رشيد، قال: حدثنا أبو مقاتل، عن أبي حنيفة، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. بلفظ: «أكرم الشهداء ... ».
وأخرجه أبو طاهر السِّلَفي في «معجم السفر» (ص180) من طريق أبي محمد الحسن بن يحيى بن الحسن القلزمي، عن حاتم بن الحسن الشاشي، به.
قلت: والحسن بن رشيد مجهول، وحديثه منكر. والشواهد التي أشار إليها الحافظ ابن حجر كلها واهية.
· تصحيح الحاكم وتعقبه، وتعقب الشيخ شعيب!
وأخرج الحاكم في «المستدرك» (3/ 215) قال: حدثني أبو علي الحافظ، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام المروزي، قال: حدثنا أحمد بن سيار ومحمد بن الليث، قالا: حدثنا رافع بن أشرس المروزي، قال: حدثنا حُميد الصفّار، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله».
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
فتعقبه الذهبي في «تلخيص المستدرك» بأن: "فيه حميد الصفار: لا يُدرى من هو".
وقال في «السير» (1/ 173): "هذا غريب! ". وجاء عنده: "خُليد الصفار".
قال محقق «السير» الشيخ شعيب الأرنؤوط: "ولكن للحديث طريق آخر يتقوّى به ويصح، أخرجه البغدادي 6/ 377 من طريق إسحاق بن يعقوب العطار، عن عمار بن نصر، عن حكيم بن زيد الأشعري، عن إبراهيم الصائغ، به .. وهذا إسناد حسن وحكيم بن زيد مترجم في "الجرح والتعديل" 3/ 204 وفيه: صالح شيخ".
قلت: العجب من كلامك يا شيخ! كيف يصح به، وأنت نفسك قلت في حديث الصفار متعقباً الإمام الذهبي: "وفاته أن رافع بن أشرس مجهول الحال"، ثم قلت: "إسناده تالف. فيه مجهولان: رافع بن أشرس، وشيخه الصفار. وذكره الهيثمي في "المجمع": 9/ 268 ونسبه إلى الطبراني في "الأوسط"، وقال: فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا. كذا قال في حكيم هذا مع أن ابن أبي حاتم نقل عن أبيه قوله فيه "صالح شيخ" كما سبق"!!
قلت: كأن الشيخ الأرنؤوط يستغرب نسبة الهيثمي له للطبراني في الأوسط! وهو حقيقة رواه الطبراني فيه (1/ 281) قال: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا عمار بن نصر، قال: حدثنا حكيم بن زيد، عن إبراهيم الصائغ، عن عكرمة، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الشهداء عند الله حمزة بن عبد المطلب».
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم إلا حكيم، تفرد به عمار! ".
قلت: فالطبراني يشير إلى أن علة الحديث تفرد عمار به، وعمار هذا مختلف في توثيقه وتضعيفه؛ لأنه اشتبه اسمه مع اسم راو آخر، فقيل إن من ضعفه إنما قصد الآخر! وعلى كل حال، فإنه ليس ممن يُحتمل تفرده على اعتبار أنه صدوق، وإن ثبتت جرحته، فحديثه منكر!
ثم رأيت عند الخطيب في «تاريخه» في ترجمة "إبراهيم بن جابر بن عيسى أبي إسحاق الغطريفى" (6/ 53) وذكر حديثاً عن إبراهيم هذا عن حكيم بن زيد، قال: "وقد روى عنه السيناني [تحرفت إلى: الشيباني]، عن إبراهيم الصايغ، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الشهداء حمزة، ورجل قام فأمر ونهى فقتل على ذلك".
وفي كتاب «موضح أوهام الجمع والتفريق» (1/ 372): "وقد روى عنه السيناني، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الشهداء".
أي أن السيناني - وهو: الْفَضْلُ بن مُوسَى السِّينَانِيُّ المروزيّ- روى عن حكيم بن زيد، عن إبراهيم الصائغ، هذا الحديث، فتكون هذه متابعة لعمار بن نصر.
فتبقى العلة إذن في تفرد حكيم بن زيد، وهو كما قال فيه الأزدي: "فيه نظر"، وقول أبي حاتم: "صالح هو شيخ"، أي يُكتب حديثه ويُعتبر به، وهذا تضعيف له، فحديثه هذا لم يُتابع عليه، ولا يُحتمل تفرده عن عطاء، فكيف يكون إسناده حسناً كما زعم الشيخ الأرنؤوط!!
فالحديث منكر إسناداً ومتناً.
· حديث آخر صححه الحاكم وهو منكر!!
أخرج الحاكم في «المستدرك» (2/ 130) قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العنزي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا محبوب بن موسى، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن أبي حماد الحنفي، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - يقول: «فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين فاء الناس من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرات، وهو يقول: أنا أسد الله، وأسد رسوله، اللهم أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء: أبو سفيان وأصحابه، واعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم، فحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، فلما رأى جنبه بكى، ولما رأى ما مثل به شهق ثم قال: ألا كفن، فقام رجل من الأنصار فرمى بثوب عليه، ثم قام آخر فرمى بثوب عليه، فقال: يا جابر، هذا الثوب لأبيك، وهذا لعمي حمزة، ثم جيء بحمزة، فصلى عليه، ثم يجاء بالشهداء فتوضع إلى جانب حمزة فيصلي، ثم ترفع ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم، قال: فرجعت وأنا مثقل قد ترك أبي علي ديناً وعيالاً، فلما كان عند الليل أرسل إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا جابر، إن الله تبارك وتعالى أحيا أباك وكلّمه كلاماً، قلت: وكلمه كلاماً! قال: قال له: تمن، فقال: أتمنى أن ترد روحي وتنشئ خلقي كما كان، وترجعني إلى نبيك، فأقاتل في سبيل الله فأقتل مرة أخرى، قال: إني قضيت أنهم لا يرجعون، قال: وقال صلى الله عليه وسلم: سيّد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة».
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وأخرجه أيضاً في موضع آخر (3/ 219) عن أبي الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطري، عن عبيد بن شريك، قال: حدثنا أبو صالح الفراء، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن أبي حماد الحنفي، به.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
قال الزيلعي في «نصب الراية» (2/ 309): "أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي حماد الحنفي، واسمه المفضل بن صدقة، عن ابن عقيل، وتعقبه الذهبي في مختصره فقال: أبو حمّاد الحنفي، قال النسائي فيه: متروك".
وذكره في موضع آخر من كتابه (4/ 160) وأشار إلى أن الحاكم خرّجه، وقال: "وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي عليه".
قلت: الذهبي في الموضع الأول تعقب الحاكم، وفي الموضع الثاني لم يتعقبه مع أنه نفس الحديث، وهذا لا يعني أنه أقره عليه كما قال الزيلعي، ونسبة ذلك إلى الذهبي فيها ظلم له، وإنما هو ملخص ومختصر لكتاب الحاكم وأحكامه، وليس بلازم عليه أن يعلق على كل حديث، وإنما يعلق بحسب الحال والهمة والنشاط، وهو نفسه قد أشار في ترجمة الحاكم من كتابه السير أنه اختصر كتابه وهو يعوز تحرير.
والخلاصة أن الحديث منكر، وأبو حماد هذا ليس بشيء، يروي المناكير عن المشاهير.
· حديث آخر عن عليّ - رضي الله عنه-!
روى الطبراني في «المعجم الكبير» (3/ 151) قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ، قال: حدثنا أَبُو أُسَامَةَ الحلبِيُّ، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بنُ عِمْرَانَ بنِ أَبِي لَيْلَى، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بنِ الْحَزَوَّرِ، قال: حدثنا الْأَصْبَغُ بنُ نُبَاتَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ».
وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (3/ 212) عن أبي العبّاس، عن أبي أسامة عبيدالله بن أسامة الحلبي، به، لكن جعله موقوفاً من كلام عليّ، ولم يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وهذا إسنادٌ تالف، علي بن حزور والأصبغ متروكان.
· إشارة ابن حجر إلى ثبوت الحديث وتعقبه!
قال ابن حجر في «فتح الباري» (7/ 368) شارحاً تبويب الإمام البخاري: "قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه": "كذا لأبي ذر، ولغيره: باب قتل حمزة فقط، وللنسفي: قتل حمزة سيد الشهداء، وهذا اللفظ قد ثبت في حديث مرفوع، أخرجه الطبراني من طريق الأصبغ بن نباته عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب".
قلت: قوله - رحمه الله-: "ثبت في حديث مرفوع" يوحي أنه يقبل الحديث! وفيه نظرٌ شديد؛ فإسناده تالف كما بينا، والأصبغ ليس بشيء."
وانتهى الحايك إلى أن حديث سيد الشهداء لا يصح سندا فقال:
"والخلاصة أنه لم يصح أي حديث في أن أعظم الجهاد أو أفضله كلمة حقّ عند سلطان جائر، وكذلك لم يصح أي شيء في أن حمزة سيّد الشهداء"
وهو لا يصح متنا أى معنى لأن المؤمنون اخوة ليس بينهم سيادة لا فى الدنيا كما قال تعالى:
" إنما المؤمنون اخوة"

ولا فى الآخرة كما قال تعالى عن اخوتهم فى الجنة :
"اخوانا على سرر متقابلين"

ومن ثم الحديث كلمة الحق عند السلطان الجائر وما دار فى مداره كله لا يصح سندا عند الحايك 

الأربعاء، 10 مايو 2023

نظرات فى كتاب إرشاد الأنام لما جاء في الإسلام من حقوق ورحمة بالحيوان

نظرات فى كتاب إرشاد الأنام لما جاء في الإسلام من حقوق ورحمة بالحيوان
المؤلف الحارث بن زيدان المزيدي وقد اختار الحديث عن عظمة الخالق من خلال هذا الكتاب فقال :
"وفيما يأتي ستظهر عظمة الخالق إذ وضع هذه الحقوق رفيعة المستوى وتظهر رحمته إذ جعلها منصبة لتحقيق المصالح ولقد اخترت الكلام (عما وضعه الإسلام من حقوق ورحمة بالحيوان)"
وبين أن هناك من سبق له التأليف فى الموضوع من القدامة فقال :
"ولقد سبق لبعض علماء المسلمين أن تناولوا بعض مباحث هذا الموضوع كالإمام السخاوي المتوفى سنة (902 هجري) حيث كتب (تحرير الجواب في ضرب الدواب) "
واستهل الكتاب بنظرة عامة عن الحيوان فى الإسلام فقال :
"1 - الباب الأول النظرة الإسلامية العامة للحيوان:
لقد بين الله في القرآن كثيرا من الآيات المتعلقة بالحيوان بل إن هناك سورة اسمها سورة الأنعام-وهي في الجزء السابع-ذكر فيها سبحانه بعض الأحكام المتعلقة بالحيوان وأكله وبعض الممارسات الخاطئة نحوه التي كان الناس يفعلها قبل الإسلام وبين سبحانه أن الحيوان أمة من الأمم لها حياتها وخصوصياتها فقال سبحانه " وما من دابة في الأرض لا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم""
وفي هذا إشارة إلى رحمة الحيوان وعدم إيذائه أوتعذيبه أوقتله من غير حاجة ولا مصلحة بل إن فيما سيأتي بيان أن هذا الحيوان شيء محترم ومحبوب ولم يعتبره مخلوقا ذليلا مستقذرا
قال الله تعالى"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب"
وظهر ذلك أيضا في بعض الأحاديث التي تشبه الحيوان بالأمور المحبوبة للنفوس مثاله قول النبي (ص)" يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير "
وقال النبي (ص) "إنما نسمة المؤمن طائر في شجر الجنة حتى يبعثه الله إلى جسده يوم القيامة "قال السندي المراد روح المؤمن الشهيد كما جاء في روايات الحديث (وقوله طائر) ظاهره أن الروح تتشكل وتتمثل بأمر الله تعالى طائرا كتمثل الملك بشرا ويحتمل المراد أن الروح تدخل في بدن طائر كما في بعض الروايات (حاشية السندي على سنن النسائي)
فهذا ترغيب في الشهادة ومن ضمنه التشبيه بالطير ولو كان الطير الذي هو من الحيوانات شيئا مكروها لما شبهه به"

والروايات الذى أوردها المزيدى والتى تشبه نفوس الناس بنفوس الطير كاذبة لأن نفوس الناس مخيرة ونفوس الطير مجبرة والخطأ فى الرواية الثانية أن نفس المؤمن تكون طائر فى شجر الجنة يناقض تمتع المسلمين بمتع فى الجنة تحتاج لوجود جسم كالنكاح والأكل والشرب ومن ثم فالنفوس لا تكون طير فى شجر وإنما فى أجساد جديدة غير أجساد الأرض
وتحدث عن القطط فقال :
"وقال النبي (ص) عن الهرة "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات" أي أن الهرة نظيفة في أصلها وليس شعرها أو لعابها بنجسين ..وصح عن زوجة النبي (ص) السيدة عائشة أنه جيء إليها بهريسة فوضع عندها فجاءت هرة فأكلت منها فلما انصرفت - أي الهرة - أكلت -السيدة عائشة - من حيث أكلت الهرة وذكرت الحديث السابق
وكان النبي (ص) " يصلي على راحلته نحو المشرق " ...فهذه الأحاديث وغيرها تدل أن الحيوان من الأشياء المألوفة لا نجسة ومنبوذة وهذا هو الأصل وهناك بعض التقيدات كالخنزير ولعاب الكلب فإنهما نجسان ومنبوذان"
والخطأ فى حديث المزيدى أن الخنزير ولعاب الكلب نجسان فلا يوجد نص فى نجاسة أيا منهما وإنما النص فى نجاسة الكفار كما قال تعالى:
"غنما المشركون نجس"

ولا أدرى كيف يكون لعاب الكلب نجس وهو يصطاد للناس ما يأكلون ويغرس أسنانه فى جلود ولحوم الصيد وقد أمر الله بالأكل منه وفى هذا قال تعالى :
"قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم"
والخنزير حرم الله لحمه ولم يحرم شىء أخر فيه فقال :
"إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير"
وتحدث عن رحمة الحيوان بالحفاظ على روح الحيوان فقال :
"2 - الباب الثاني الرحمة بالحيوان بالمحافظة على روحه وعدم جواز إزهاقها بلا سبب:
لقد جاءت تعاليم الإسلام بالرفق بالحيوان فلم تجوز قتله لغير سبب أو مصلحة وهذا هو الأصل لما جاء عن النبي (ص) في ذلك صراحة ودلالة
أما التصريح فقول ابن عباس نهى رسول الله (ص) عن قتل كل ذي روح ...إذن لا يجوز قتل الحيوان لمجرد اللهو واللعب والعبث وحتى الصيد بالبندقية إن لم يكن من أجل الأكل فهو محرم وكذلك الصيد بما يسمى [النباطة أو النبلة] فإنه محرم وإن كان ذلك من أجل الصيد لأنه يشترط في أداة الصيد أن تخزق الفريسة وتنفذ فيها دليل ذلك هو قول النبي (ص) حينما سأله عدي بن حاتم الصيد بالمعراض فقال (ص)" إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله " وما يقذف من النباطة لا يخذق فيكون صيدها ميتة إلا إن أدرك الفريسة وبها حياة فذبحها فهي حلال -وتحقق هذا صعب- وإن كانت هناك حاجة للصيد بها غير الأكل-لإطعام سبع مثلا-فهو جائز وأعلم أن فاعل ما سبق سيحاسب عليه يوم القيامة كيف يقتل روحا بلا فائدة وهي مخلوقة تسبح الله عز وجل قال تعالى " ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات " وعليه فلابد أن تكون هناك مصلحة ظاهرة للقتل"

بالقطع لا يجوز قتل أى حيوان إلا لضرورة والضرورة يقصد بها النص المبيح لقتلها فقتل الحيوان يكون لأمرين :
الأول الحفاظ على الحياة بالأكل من الحيوان كالأنعام والطيور والصيد
الثانى اعتداء الحيوان على الإنسان
وتحدث الرجل عن أن بعض الحيوانات محرم قتلها لأى سبب فقال :
"ولم يقتصر الشرع على تحريم قتل الحيوان بلا سبب بل حرم قتل بعض الدواب تحديدا وهي طائر الصرد والهدهد والنحل والنمل والضفدع ودليل ذلك قول ابن عباس نهى النبي (ص) عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد " وفي رواية (الضفدع)
وسبب هذا النهي قد يكون لكونها مسالمة في طبعها فلا تؤذي أحدا أو للمنافع المتحققة من وراء بقائها حية كالعسل من النحل والمحافظة على البيئة بواسطة الضفدع فهو معين" للإنسان من عدة نواح حيث تأكل أعدادا كبيرة من الحشرات التي قد تسبب آفة خطيرة " ولعدم المصلحة الظاهرة في قتلها..وعلى هذا إن أتانا شيء من الشرع كتابا أو سنة صحيحة أخذنا به دون اشتراط معرفة العلة والحكمة بل يجب التسليم أولا والعمل ثانيا ثم إن أردنا معرفة العلة فلنسأل أهل الذكر"

والرواية الخطأ فيها نهى النبى(ص) عن قتل أربع دواب ويخالف هذا أن الله لم يحرم صيد البر أيا كان على غير الحجاج مصداق لقوله تعالى "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرم "والهدهد والصرد إن كانا طيرا من ضمن الصيد وإن كنا لم نسمع أن أحد أكل النمل والنحل
كما أن حيوان كالنمل أو الذباب أو غيرهما مما يدخل المساكن لابد من قتله لأنه يحول المسكن من الراحة إلى القلق والضرر فهو اعتداء يجب رده لأن الله هو من سمى البيت مسكنا أى مكانا للراحة وليس مكان للضرر فقال :
"والله جعل لكم من بيوتكم سكنا"
وتحدث عن الاستفادة من الحيوانات فقال :
"3 - الباب الثالث جواز الانتفاع بالحيوان والتغذي به:
الجبال والبحار وجميع ما في الأرض مذلل ومطوع للإنسان ومصالحه فضلا من الله وإحسانا ولما كانت هذه قيمة الإنسان جعلت له الأولوية في العيش وحقه في ذلك مقدم على غيره من المخلوقات ولما كان الحيوان من مصادر الطاقة والغذاء والنفع للإنسان جاز له ذبحه والتغذي به والتمتع بأكله
قال الله سبحانه " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون "
ولما جاز للإنسان ذبح هذا الحيوان من أجل التغذي به والتفكه بأكله جاز قتله لدفع ضرره من باب أولى مهما كان نوعه وحتى المنهي عن قتله من الأصناف الخمسة السابقة

ودفع ضرره يكون بالقدر الذي يندفع به فندفعه بغير القتل أولا فإن لم يتيسر قتلناه بلا إشكال والمؤذي من الحيوان يقتل حين تتحقق أذاه لا كل ما رأيناه وفي كل مكان قتلنا هل أن هذا من التعدي وأذكر هنا قصة ذكرها النبي (ص) قال " قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله" إذن لا يحق لأحد التعدي
ملاحظة لا يؤخذ من الحديث جواز إحراق الحيوان ..وعلى ما سبق من امتلأ موضعا في منزله- كالمطبخ مثلا- بالنمل وآذاه ولا سبيل له لإزالة هذا الأذى إلا بالقتل فيجوز له ذلك
وهكذا في كل مؤذ من الحيوان ولقد أشار الشارع إلى هذا في قول النبي (ص) " خمس فواسق 'يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا" وفي رواية " العقرب "
ورغب في قتل الأوزاغ فقال (ص) " من قتل وزغا في أول ضربة كتب له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك
فهذه الحيوانات تقتل لأذاها المعروف فالكلب العقور يضر بعدوه على الناس
والفأرة تنقب الأرض وتقرض المتاع وأذكر هنا قصة 'تظهر شيئا من أذاها قال ابن عباس رضي الله عنه " جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فذهبت الجارية تزجرها فقال النبي (ص) " دعيها فجاءت بها [أي جاءت الفأرة بالفتيلة] فألقتها على الخمرة التي كان قاعدا عليها فاحترقت منها مثل موضع درهم فقال رسول الله (ص) " إذا نمتم فأطفئوا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على مثل هذا فتحرقكم " ولقد ذكر النبي (ص) " إن إبراهيم لما ألقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا أطفأت النار غير الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه فأمر رسول الله (ص) بقتله
ملاحظة هناك فرق بين الحيات التي توجد في الصحاري وتلك التي في البيوت فالأولى تقتل والثانية لا تقتل إلا بعد إنذارها وأمرها بالخروج من البيت كأن يقول لهاأ نت في ضيق وحرج إن لبثت عندنا إلا الابتر [حية مقطوعة الذنب] وذو الطفيتين [حية يكون على ظهرها خطان أبيضان] فإنهما تقتلان في البيت بلا إنذار وهذا لما ورد أن أبا لبابة قال لأبن عمر وهو يطارد حية لا تقتلها فقال ابن عمر إن رسول الله (ص) أمر بقتل الحيات فقال أبو لبابة إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت قال ابن حجر في الفتح وفي الحديث النهي عن قتل الحيات التي في البيوت إلا بعد الإنذار إلا أن يكون أبتر أو ذا طفيتين فيجوز قتله بغير إنذار

ثم قال النووي في شرح مسلم عن هذه الأصناف من الدواب فسميت هذه فواسق لخروجها بالإيذاء والإفساد عن طريق معظم الدواب
قلت وهذا هو العدل والحكمة والتوسط والابتعاد عن الغلو فلا يصح أن يكون الحيوان سببا في إزعاج الإنسان وأذيته وتضجره بل صحته وراحته أولى"

الانتفاع بالحيوان مبنى على نصوص الوحى كأكل لحوم الأنعام والاستفادة من جلودها وأوبارها وأصوافها كملابس أو أثاث وكأكل الأجبان وشرب اللبن وكأكل الصيد عند الجوع واستعمال عسل النحل كدواء
وحديث نزل نبى من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة " والخطأ هو قول القائل "فأمر بجهازه فأخرج من تحتها "أى جهاز هذا الذى كان تحت نملة ؟إن القائل بين وضعه للقول بكلمة من تحتها لأن الجهاز يكون تحت النبى وليس تحت النملة لأن الجهاز يقينا أكبر من النملة مئات المرات إن لم يكن آلاف المرات ولذا فهى فوقه والخطأ الأخر قولهم "ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار "فكيف أحرق بيت النملة إن بيت النملة تحت الأرض والأرض تحميه من الحرق بالنار لأن النار تكون فوقه فكيف تم حرقه؟
وأما حديث الفواسق الخمس فمن الخطأ فيه إباحة دم الغراب والغراب لا يؤذى حتى يتم قتله فى الحرم كما أن الغراب علم الإنسان الدفن مصداق لقوله تعالى "فبعث غرابا يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه"
والخطأ فى حديث الوزع اختلاف عدد الحسنات باختلاف مرة ضرب الوزغ وهو ما يخالف أن أى عمل صالح أى حسنة لا يختلف ثوابه بسب اختلاف مراته والسبب هو أن الله حدد الأجر بعشر حسنات لغير الأعمال المالية بقوله "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"
والخطأ فى أحاديث الحيات قتل الحيات ككل أو معظمها وهو ما يخالف قوله تعالى "ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم "فالحية المعتدية هى التى تدخل مساكننا أو مؤسساتنا العامة ومن ثم يجب قتلها أو جرحها أو حبسها وأما التى فى الخلاء والغابات والأحراج وغير هذا من الأماكن التى لا يتواجد فيها الإنسان إلا نادرا فلا قتل فيها إلا للمؤذى والله لا يأمر بقتل نوع ما لأنه طلب من نوح(ص)حفظ الأنواع فقال بسورة هود "قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين "كما أن الحيات لها فوائد عدة توجب عدم قتلها منها استعمالها كأدوية .
وتحدث فى الباب الرابع عن ذبح الحيوان فقال :
"4 - الباب الرابع الرحمة في الذبح:
سبق أن بينا أن الشرع أباح للإنسان ذبح الحيوان للتغذي به والتمتع بأكله والذبح وإن كان مؤلما للحيوان فإنه أبيح لما يترتب عليه من مصالح أعظم
ومن رحمة الشرع ورأفته أنه قيد هذا الذبح وضبطه بضوابط تجعله أخف ألما للحيوان بقدر الإمكان وأكد الإسلام هذا بأصل عام وهو قوله تعالى " وأحسنوا إن الله 'يحب المحسنين " وأكده بأصل خاص وهو قول النبي (ص) " والشاة إن رحمتها رحمك الله " مرتين
وقال هذا حينما قال رجل يا رسول الله أني لأذبح الشاة فأرحمها فذكره
وقوله (ص) " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإن قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح " وقال أيضا " من رحم- ولو ذبيحة عصفور - رحمه الله يوم القيامة "
قال البغوي الإحسان في القتل والذبح مكتوب على الإنسان كما نطق به الحديث وعليه ينبغي أن يكون الذابح عالما بطريقة الذبح الشرعية وإلا لن يتحقق الإحسان في الذبح
وبعد ذكر هذا الأصل العام بين النبي (ص) بعض التفاصيل المبينة والموضحة لهذا الأصل
1 - إحداد الأداة التي سيذبح بها لحديث " وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته "
وهذا لتخف اليد في الذبح ويسرع إمرار الأداة على الحلق من غير أن تختنق الذبيحة بما ينالها من ألم الضغط
2 - وعلى الذابح أن يسحب الذبيحة للذبح برفق من غير أن يؤذيها وهذا داخل في الإحسان في الحديث السابق ولاحظ ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لما " رأى رجلا يجر شاة ليذبحها فضربه بالدرة وقال سقها - لا أم لك - إلى الموت سوقا جميلا "

3 - وأن لا يحد الشفرة أمامها ولقد رأى رسول الله (ص) " رجلا واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها فقال (ص) " أفلا قبل هذا أتريد أن تميتها موتات
وفي هذا مراعاة الحيوان وعدم تعذيبه ولو تعذيبا معنويا ذلك لما رأى النبي (ص) حالها وهي تنظر للسكين وهي 'تحد وعلم أنها تعلم ما سيأتيها من وراء ذلك وهذا وحده مؤلم للنفس كالقتل فلذلك قال (ص) (موتات) وفي رواية (موتين)
وعلى هذا لا ينبغي أن تذبح البهائم في مكان واحد ينظر بعضها إلى بعض حين الذبح فهذا أشد ألما لها من رؤيتها للشفرة وهي تحد وبالتجربة إنها تنفر من هذا وتضطرب خوفا
ولقد امتدت هذه الرحمة إلى أصحاب رسول الله (ص) الذين اقتدوا به وتمسكوا بشرعه فهذا الخليفة عمر بن الخطاب رأى رجلا حد شفرته وأخذ شاة ليذبحها فضربه عمر بالدرة وقال أتعذب الروح ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها"
وهذه الرحمة المادية والمعنوية أفضل من الطرق المستخدمة في البلاد الأجنبية التي يمهد لها قبل الذبح بوسائل يظنونها رحمة وتخفيف وهي تعذيب مريب كالصدمات الكهربائية أو إستخدام الغاز المخدر أو المسدس ذو الطلقة المسترجعة (المرشد العملي لسلامة الأغذية الباب الثاني الفصل التاسع)"

ورحمة الحيوان كما قال المزيدى من خلال الذبح السريع ومن خلال عدم رؤية الحيوان لأداة الذبح ومن خلال جودة أداة الذبح بحيث تذبح بسرعة ومن خلال عدم سوقها بالقوة أو جرها بالقوة هى أمور مطلوبة
وفى الباب الخامس تحدث عن حسن معاملة الحيوان من خلال لطعامه وعلاجه وغير هذا فقال :
"5 - الباب الخامس الرحمة في المعاملة:
رحم الإسلام الحيوان رحمة مادية ومعنوية وحرص على عدم إيذائه خاصة عند انتفاء المصلحة وكانت هذه الرحمة نابعة من سيرة النبي (ص) وأقواله
أما السيرة فقول الصحابي الجليل ابن مسعود كنا في سفر مع النبي (ص) " فأنطلق لحاجة فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش فجاء النبي (ص) فقال " من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها "
...لذلك أمروا استحبابا بإرجاع أولادها لها وعليه فيستحب أن لا يفرق بين الأم وأولادها الصغار إن كان هذا حالهم إلا إن كبروا أو كان أخذهم صغارا لمصلحة راجحة
ومن سيرته أيضا أنه (ص) " دخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي (ص) حن وذرفت عيناه فأتاه النبي (ص) فمسح ذفراه فسكت (فقال لصاحب الجمل)
" أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي انك تجيعه وتدئبه " وفي هذا الحديث دلالة على عدم جواز تجويع الحيوان وأيضا لا يحق لصاحبه التأخر عن إطعامه لأنه من جنس تعذيبه
وينبغي عليه أيضا أن لا 'يحمله من الأعمال [ما لو رآها كل عاقل علم أنها متعبة له] ...وهذه الأحكام كغيرها من أحكام الشرع يحاسب عليها المرء إن فرط بها ويؤجر إن تعهدها ولم يتعداها من هذه الأحكام
1 - عدم تحميل الحيوان ما لا يطيق للحديثين السابقين وعدم إتعابه بلا حاجة لقوله (ص) " إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغية إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجتكم "

..وشبه الدابة به لكي لا تتخذ هي منبرا فيقف عليها الإنسان ويتكلم فيؤذها إلا أن تكون هناك حاجة لذلك فلا بأس وأيضا لا يتخذها كرسيا فيجلس عليها من غير حاجة قال النبي (ص) " اركبوا هذه الدواب سالمة ولا تتخذوها كراسي" وهذه صورة من صور إتعابه
ومن صورها أيضا إتعاب الرجل لفرسه حين التسابق عليه بالزجر والصياح وهذا منعه النبي (ص) بقوله " لا جلب ولا جنب في الرهان "
قلت وقوله (ص) " في الرهان" ليس تقيدا بل خرج مخرج الغالب بمعنى أن الرجل في السباق عند وجود الرهن يكون أحرص على الفوز فيكون أشد على دابته وهذا لا ينفي وجود الجلب حين عدم وجود الرهن وعليه فالجلب ممنوع في السباق سواء كان برهن أو بغيره لأن العلة واحدة وهي إتعاب الدابة والله أعلم
وقد صح عن الخليفة عمر بن عبدالعزيز أن غلاما عمل على بغل له ويأتيه بدرهم كل يوم فجاء يوما بدرهم ونصف فقال( عمر بن عبدالعزيز) ما بدا لك؟[أيمن أين هذه الزيادة] قال نفقت السوق قال (عمر) لا لكنك أتعبت البغل إجمه ثلاثة أيام

2- أن يغذيه بما هو متعارف عليه فإن لم يستطع وخاف عليه من الموت فليتركه يرعى في أرض الله الواسعة فذلك خير من أن يلقى حتفه في بيته فقد ذكر الله سبحانه حق الحيوان في التعايش والتغذي فقال"والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم" ومن رحمة الله أن جعل لصاحب البهيمة أجرا في إطعامها - وإن كان ماء - قال رسول الله (ص) " في كل كبد رطبة أجر" قال ابن حجر العسقلاني أي الأجر ثابت في إرواء كل كبد حية فهذا حث على إطعام الحيوان وعدم استصغار ذلك وعدم الأسف على المال المدفوع فيه ولقد قص النبي (ص) لأصحابه قصة واعظا لهم وحاثا على العمل بمعناها فقال " بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به "
ملاحظة هذا في شرع من قبلنا فلا يقال كيف غفر لها وهي من بني إسرائيل ليست مسلمة (كما سأل بعضهم عن ذلك )

وبلغت رحمة الله بالخلق بأن جعل الأجر في الزرع الذي يزرعه المسلم إذا أكل منه الحيوان وهذا فضل عظيم وباب من الأجر كبير وحث على عدم البخل وتغطية كل المزروعات ما لم تكن للتجارة كما يفعله الكثير اليوم مع النخل وغيره فيقومون بتغطية جميع الثمار لكي لا يأكله الطير وغيره فهؤلاء قد فاتهم أجر كثير لبخلهم هذا فالنبي (ص) يقول " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع نخلا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة " و من حسن إطعام الدواب أن الرجل إذا خرج على دابته مسافرا-وهو نادر اليوم- أو قاطعا لمسافة طويلة ورأى في طريقه عشبا أو غذاء لها فليقف وليدعها تأكل أما إن كان الطريق صحراويا لا غذاء لها فيه فليسرع ليبلغ غايته ويطعمها قبل أن تضعف في الطريق هذا ما أرشد إليه الشرع قال رسول الله (ص) "إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الأبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير
3- متابعة الحيوان وعدم إهماله فلقد صح عن النبي (ص) أنه خرج يوما " لحاجته فمر ببعير مناخ على باب المسجد في أول النهار ثم مر به في آخر النهار وهو في مكانه فقال "أين صاحب هذا البعير" ؟ فأبتغي فلم يوجد فقال " اتقوا الله في هذه البهائم اركبوها صالحة وكلوها سمانا "

وعليه فلا ينبغي إهمال الحيوان وتركه بلا عناية ومتابعة فقد يجوع ويعطش وقد يتأذى فلا يجد منقذا ولقد وقع لأحد جيراننا أنه أحضر أضحية وأوثقها بحبل في رقبتها وغاب عنها فتحركت وضاق عليها الحبل ثم أتى فوجدها قد ماتت مختنقة وسبب ذلك
1 - الأهمال وطول الغياب
2 - ربط الحبل في الرقبة والأحوط جعله في الرجل والأفضل من هذا كله أن نجعل لها مكانا يسرح فيه
قال الشيخ ابن باز أن الحيوان عرضة لأنواع كثيرة من المتاعب عند شحنه ونقله بكميات كبيرة خلال مسافات طويلة ربما ينتج عنها تزاحم مهلك لضعيفها وجوع وعطش وتفشي الأمراض فيها وحالات أخرى مضرة تستوجب النظر السريع والدراسة الجادة من أولياء الأمور بوضع ترتيبات مريحة شاملة لوسائل النقل والترحيل والإغاثة من إطعام وسقي وغير ذلك من تهوية وعلاج وفصل الضعيف عن القوي الخطر وهذا اليوم شيء ممكن للمؤسسات المستثمرة والأفراد والشركات المصدرة والمستوردة وهو من واجب نفقتها على ملاكها ومن هي تحت يده بالمعروف"

مما سبق نجد وجوب حسن معاملة الحيوان فى كل شىء من طعام وشراب ومسكن وركوب وحمل ولكن الأحاديث المستشهد بها بعضها باطلة المعنى فحديث شكوى الجمل للنبى(ص) الخطأ فيه معجزة كلام الجمل للنبى (ص)وهو ما يخالف قوله تعالى "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون "فالآيات وهى المعجزات ممنوعة
وحديث دخول البغية الجنة مخالف لوجوب توبة أى إنسان وهى استغفاره حتى يغفر الله له كما قال تعالى :
" ومن يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما"

وحجة المزيدى عن أن هذا شرع خاص بموسى(ص)لابد بناء على هذا الشرع الذى ليس شرعا إلهيا أن يدخل فرعون الجنة لأنه من ربى موسى(ص) ففعل خير من كافر لا يعنى دخوله الجنة
وفى الباب ألأخير استعرض جوانب حرمة تعذيب الحيوان فقال :
"6 - الباب السادس الرحمة بتحريم التعذيب
إن تحريم تعذيب الحيوان يفهم من تعاليم الإسلام بوضوح وصراحة ويؤخذ ذلك من الأمر برحمة هذا الحيوان وعدم تجويعه وإتعابه كما سبق والأمر بالشيء نهي عند ضده فهو لما أمرنا برحمته فهو ينهانا عن تعذيبه كما أن الأمر بالإيمان يتضمن النهي عن الكفر ويؤخذ أيضا - تحريم التعذيب- من أحاديث صرحت بتحريم صور من التعذيب وهذه الصور التي سنذكرها يقاس علها غيرها من مثلها في المعنى
الصورة الأولى
1 - صبر الحيوان أي أن يحبس وهو حي ويتخذ هدفا يرمى وفي تحريم هذا نصوص عدة منها نص عام وهو قوله تعالى " ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " ونص خاص وهو أن ابن عمر مر " بنفر نصبوا دجاجة يرمونها فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها وقال ابن عمر من فعل هذا؟ أن النبي " لعن من فعل هذا " واللعن يدل على التحريم بل يدل على أنها كبيرة وقال (ص) " لا تتخذوا شيئا فيه روح غرضا "
وهذا التحريم سببه بين وهو
1 - قتل نفس بلا سبب 2 - تعذيب هذه النفس
3 - تضييع لماليته أي أن لهذا للحيوان قيمة فقد 'ينتفع به بالبيع أو الاستخدام

ملاحظة المحظور هنا هو الحبس مع التعذيب وعدم الإطعام وأما الحبس مع الإطعام وعدم التعذيب والإيذاء فجائز يفهم ذلك من مفهوم الأحاديث السابقة وصراحة من حديث أنس لما قال كان النبي (ص) أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير وكان إذا جاء قال (ص) " يا أبا عمير ما فعل النغير " نغر كان يلعب به قال ابن حجر في الحديث " جواز لعب الصغير بالطير وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه انتهى شرط أن لا يعذبه الطفل فعلى الأبوين أن ينبهانه إلى هذا ونقل ابن حجر عن القرطبي قوله أما تمكينه من تعذيبه ولا سيما حتى يموت فلم يبح قط
الصورة الثانية"

والأحاديث فى لعب الأطفال بالطيور والحيوانات الحية باطلة فلا يجوز أن يلعب الأطفال بها لعدم عقلهم فهم لا يعرفون أنهم يؤلمونها يجوز مثلا أن يلمسوها ويتركوها ويتفرجون عليها وأما ربطها وجرها أو حبسها أو ما شابه ذلك فمحرم
ثم قال :
"2 - التمثيل بالحيوان هو ما يفعل بالحيوان الحي من تشويه كقطع بعض أطرافه وغير ذلك
وهذا محرم نهى النبي (ص) عنه بل ولعن صاحبه قال ابن عمر " لعن النبي (ص) من مثل بالحيوان " وأتى النبي (ص) رجلا يشق آذان بعض الابل بالموسى ويحرمها على نفسه -وهذه عبادة جاهلية - فقال له النبي (ص) " فكل ما آتاك الله لك حل ساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أشد من موساك " وهذا تحذير من النبي (ص) من أن يمثل بالحيوان و عليه من كان عنده حيوان بري أو بحري صغير أم كبير (كالحوت) فلا يجوز له قطع أطرافه وتشويهه لأن في ذلك من التعذيب ما لا يخفى

الصورة الثالثة
3 - الخصاء أي إخصاء الحيوان برض خصيته أو قطع ذكره أو بإعطائه من الأدوية ما يجعله خصي لا يمكنه التناسل
قال ابن عمر " نهى رسول الله (ص) عن خصاء الخيل والبهائم " وسبب ذلك لما يفوت عليه من مصلحة التناسل إتلاف فطرة وضعها الله فيه و ما يحصل للحيوان من ألم حين خصائه -إن كان بغير دواء-
ولعدم مصلحة في ذلك إلا قولهم إنه بذلك يسمن ويكبر ويطيب لحمه
ومن الممكن أن نستغني عن الخصاء وأن نحصل اللحم الطيب السمين بالغذاء والعناية السليمة والقاعدة تقول " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " ولكن إن انتفت هذه المفاسد فوجدت طريقة لا يتألم معها الحيوان-الدواء-ووجدت المصلحة والحاجة لهذا الفعل جاز
الصورة الرابعة
4 - وسم الوجه أو ضربه الوسم أصله من السمة وهي العلامة والمراد هنا جعل علامة في الوجه بالكي أو الجرح وما أشبه ذلك
وهذا محرم بدليل " أن النبي (ص) مر عليه حمار قد وسم في وجهه فقال " لعن الله الذي وسمه "
وفي رواية " لعن الله من فعل هذا لا يسمن أحد الوجه ولا يضربنه "
فالنبي (ص) نهى عنه لمنع تعذيبه وتشويه وجهه ولكن إن كانت هناك مصلحة تستدعي الوسم للتمييز بين الدواب فيجوز ولكن في غير الوجه
ودليل ذلك قول أنس رضي الله عنه " غدوت إلى رسول الله (ص) فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة "
قال ابن حجر الحكمة فيه تميزها وليردها من أخذها ومن ألتقطها وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلا لئلا يعود في صدقته
وذهب إلى هذا جمهور العلماء والعلة كما قلنا جواز إيلام الحيوان للحاجة والمصلحة الراجحة قال النووي إذا وسم فيستحب أن يسم الغنم في آذانها والإبل والبقر في أصول أفخاذها لأنه موضع صلب فيقل الألم فيه ويخف شعره ويظهر الوسم " فإن قيل لم لا تستبدلون الوسم باللون يوضع على جلده أو شعره فهذا لا يؤذيه وتتحقق به المصلحة؟
الجواب / اللون يزول بالغسل والشعر قد يتغير فلا تحصل المصلحة به أما الوسم فلا يزول ولكن إن وجدنا شيئا لا يزول ولا يؤلم صرنا إليه
الصورة الخامسة
5 - لعن الحيوان والدعاء عليه فالدعاء عليه طلب للضر له وقد يستجيب الله هذا الدعاء فيتأذى الحيوان بذلك وهذا منهي عنه لما جاء عن النبي (ص) أنه كان " في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فتضجرت فلعنتها فسمع ذلك رسول الله (ص) فقال " خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة " وفي رواية " لا أيم الله لا تصاحبنا راحلة عليها لعنة من الله " قال النووي إنما قال هذا زجرا لها ولغيرها فعوقبت بإرسال الناقة ومما يدل على أن الحيوان قد يتأذى بالدعاء عليه قول النبي (ص) " لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم " قاله (ص) لرجل لعن دابته ومن الصور السابقة نأخذ تحريم بعض الصور التي لم يرد فيها نص صحيح فمن ذلك
6 - التحريش بين البهائم وهو أن يجعل حيوانين في حلبة ليتقاتلا كالكلاب والديكة فهذا محرم ولا ريب في ذلك لأن النبي (ص) نهى عن تعذيب الدابة وقتلها بلا سبب وهنا ستعذب إحدى الدابتين الأخرى وتقتلها في النهاية غالبا ولأن النبي (ص) نهى عن إتعاب الحيوان وهنا سوف يتعب بلا فائدة بل لمجرد اللهو والعبث وفيه أيضا إضاعة للمال - أي البهيمة- المقتولة وما يصحب ذلك من مراهنات وضياع للأموال
وللتنبيه ورد في التحريش بين البهائم حديث ضعيف قال ابن عباس " نهى رسول الله (ص) عن التحريش بين البهائم " ويكفينا ما سبق لتحريمه
7 - ما يسمى اليوم (مصارعة الثيران) وفيه يدخل ثور قوي ورجل فاسق في حلبة كبيرة ومع هذا الرجل رماح وسكاكين ويقوم هذا الرجل على استثارة هذا الثور بالركض والمراوغة وتحريك ثوب أحمر وبينما الثور يهاجمه يقوم الفاسق بطعنه وهكذا حتى ينهك هذا الثور ويتصبب دما فيعطيه هذا الظالم الضربة القاضية بسكين في رأسه فيسقط
وأي رياضة هذه يرضاها عاقل رزين ولكنه الهوى واتباعه من غير معيار وحدود وقسوة القلب ولا حاجة في التكلم في تحريم هذا التعذيب فهو ظاهر و ذكر الشيخ ابن باز بعض صور التعذيب التي تستخدم في هذه الأيام منها نتف ريش الدجاج والطيور هي حية أو تغطيسها في الماء شديد الحرارة وهي حية أو تسليط البخار عليها لإزالة الريش زاعمين أنه أرفق بما يراد ذبحه من الحيوان وهذا فيه من التعذيب ما لا يخفى مخالفته لنصوص الأمر بالإحسان إليه "

ومل ما ذكره المزيدى من صور إضرار الحيوان بتغيير خلقته هو استجابة لقول الشيطان :
" ولآمرنهم فليبتكن أذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "

الثلاثاء، 9 مايو 2023

قراءة فى خطبة حتى لا يضيع الدين

قراءة فى خطبة حتى لا يضيع الدين ..
الخطيب سالم العجمي والخطبة تتحدث عن عدم ضياع الدين وهو عنوان خطأ لأن دين الله لا يضيع لأنه محفوظ كما قال تعالى :
" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"

وأما تضييع الناس دينهم بمعنى ترك الإسلام إلى الكفر فهذا هو المعنى الذى يمكن التحدث عنه وقد استهل الخطبة بالحديث عن الهدف من خلق الناس فقال:
"فاعلم أيها المسلم أن الله سبحانه إنما خلق الخليقة لعبادته سبحانه؛ فأمرهم بتوحيده وإفراده بالعبادة؛ فمن وحده حق التوحيد عاش أمنا في هذه الدنيا وفي الآخرة؛ واطمئن عيشه وهدأت نفسه؛ ومن أشرك بالله جل وعلا أحدا كانت حياته هما وغما وإذا به يقاد إلى نار جهنم خالدا فيها أبدا."
وكعادة من يقرئون فى كتب الفقه فإنهم يستخدمون تعبيرات لم تذكر فى الوحى كالتوحيد فالله فى التعبير القرآنى خلقنا للعبادة كما قال :
" وما خلقت الجن وأفنس إلا ليعبدون"

وإذا كان مقابل التوحيد الشرك وهو تعبير غير قرآنى فالتعبير الصحيح الإسلام فى مقابل الشرك ومن ثم المطلوب هو الإسلام الذى أطلق عليه التوحيد فقال :
"فمن أراد بحبوحة العيش في الدارين فليوحد الله جل وعلا حق توحيده وليستقيم على طاعته 0
والتوحيد هو أن يصرف العبادة لله وحده ولا يصرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله؛ فإنه إن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله جل وعلا عُدّ مشركا؛فلا يقبل الله من صرفا ولا عدلا؛ ولا يُتقبَّل منه عمل وإذ به في الآخرة من الخاسرين"إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء""
فإذا كان هذا هو المرفوض غير المتقبل فالمتقبل هو الإسلام كما قال تعالى :
"ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين"
وتحدث عن عقاب المشركين فقال :
"ومن تأمل بما أعده الله سبحانه وتعالى للموحدين الذين يفردونه بالعبادة؛ سارع إلى ذلك وعلم أن عقوبة الشرك لا عقوبة أشد منها 0
وانظروا إلى فضله سبحانه وتعالى حيث أنه يجازي صاحب المعصية بالمغفرة إذا كان موحدا فيدخله في رحمته ويعامله بعفوه وإحسانه؛ وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفضل العظيم بقوله:" يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ فينشر له تسعة وتسعون سجلا (يعني من الذنوب والمعاصي)؛كل سجل منها مد البصر؛ ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا فيقول: لا يا رب 0 فيقال: ألك عذر ألك حسنة؛ فيهاب الرجل فيقول:لا 0 فيقال: بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك 0ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين )؛فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛فيقول: أي ربِّ؛ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟‍ فيقال: إنك لا تظلم0فتوضع السجلات في كفه والبطاقة في كفه فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء"؛"
والحديث باطل وأسباب بطلانه تناقضه مع كتاب الله فى التالى :
أن الفرد له نسع وتسعون كتاب أى سجل وما ذكره الله هو كتاب منشور واحد كما قال تعالى :
"ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"
أن شهادة لا إله إلا الله تنجى صاحبها وإن عمل ذنوبا كثيرة ويخالف هذا أن فرعون شهد الشهادة مع كثرة ذنوبه ومع هذا أدخل النار فقال: "فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال أمنت أن لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين"
وتحدث عن قول الشهادة وأنه ينفع مع العصيان ولا ينفع مع الشرك فقال:
لكن هذا قال لا إله إلا الله وعلم أن معناها: لا معبود بحق إلا الله، فهو وإن كان مسرفا على نفسه بالمعاصي ولكنه لم يصرف نوعا من أنواع العبادة لغير الله ..فلا يصلي مع المسلمين وهو يدعو عليا أو الحسين أو العباس أو غيرهم0
ولا يصلي مع المسلمين وقلبه معلق في القبور؛فإذا أصابته مصيبة نادى يا علي يا حسين يا خضر يا عباس؛لا.. لا يقول هذا0
ولا يقول: يا بخت فلان ( ولا نخاف من السيد فلان يشوّر فينا) ، لا يقول هذا؛ ولا يعتقده."
والعصيان هو نفسه الشرك فقول لا إله إلا الله لا ينجى صاحبه طالما أن عمله عصيان أى شرك بالله
والرجل يبيح للناس ارتكاب ما يسمونه الصغائر بدعوة أنها مغفورة والحقيقة أن كل ذنب هو كبيرة لأنه تكبر على طاعة الله وليس فى الدين كبائر وصغائر لعدم وجود نص فى القرآن فى تلبك الصغائر التى اخترعها الفقهاء وفى ذلك قال :
"ولذلك قال أهل العلم في قول الله تعالى :"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": إن من اجتنب كبائر الذنوب يكفّر الله عنه الصغائر ، وكذلك من ترك الشرك فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له ما وقع منه الكبائر" لأنه إن كان موحداً دخل تحت رحمة الله ، وهو سبحانه الذي لا معقب لحكمه ولا يُسأل عما يفعل؛ فإن شاء عذب وإن شاء غفر؛وإذا شاء سبحانه أن يغفر للعبد فمن يرده؟! ، ولكن لا بد أن يكون موحداً يا عباد الله0"
والحقيقة أن الله لا يغفر للفرد أى ذنب إلا إذا استغفره أى تاب منه كما قال تعالى :
"ومن يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما"

وتحدث عن فساد دين الفرد من خلال الاعتقادات الباطلة ونشرها فقال :
"واعلموا أن فساد الدين لا يأتي إلا بالاعتقادات الباطلة؛والتكلم بها ؛أو العمل بخلاف الحق والصواب "
والحقيقة أن فساد دين الفرد ناتج من أمرين :
ألأول فساد الاعتقاد وهو الإيمان فيؤمن بما حرمه الله على أنه دين الله
الثانى فساد العمل وهو عصيام أحكام الله فى الوحى
والرجل يبدو أنه مهووس بالقبورية فيتحدث عنهم قائلا: 0
"ومما أفسد عقائد الناس وحرفهم عن السبيل الصحيح؛تلك القبور المشيدة التي تعبد من دون الله وتُدعى من دون الله، سواء في السعي إليها أو تعلق القلوب بها0ولذلك فقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من كل فعل يكون على هذه القبور؛ فيكون بعد ذلك وسيلة لعبادتها من دون الله؛ كالبناءِ عليها وتعظيمِها والغلوِّ في أصحابها؛فإن هذا كله يفضي إلى الشرك بالله سبحانه؛ ولذلك لما ذكرت أم سلمة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها في أرض الحبشة؛وما فيها من الصور؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح-أو العبد الصالح- فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور؛أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"؛ والمقصود بجعل القبور مسجداً؛جعلها موضعاً للعبادة0
والشرك بقبر الرجل الذي هو معروف؛أشد داعياً إلى عبادته من الوثن الذي لا يُعرَف صاحبه؛فالناس عادة إذا علموا أن هذا قبر فلان وهو رجل صالح معروف؛ قد يكون نبياًّ؛أو صحابيا وهم برءاء من الشرك وأهله؛ فإن النفوس تسارع إلى الإشراك به من دون الله ، ليس كالوثن أو الصور التي لا يُعرَف أصحابها؛ولأجل كل هذا فقد اشتد تحذيره صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد0
وبسبب الجهل المنتشر -ومع الأسف الشديد - تجد بعض أخواننا إذا سافر إلى بعض البلدان ومر على بعض المساجد التي فيها القبور صلى بها؛وهو حسن النية؛ ولكن هذه الصلاة باطلة لا تجوز 0وتأملوا إلى أنصح الخلق للخلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي اشتد تحذيره من هذا الفعل المنكر إلى وقت موته،تقول عائشة رضي الله عنها:"لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفِقَ (أي جعل) يطرح خميصة له على وجهه؛فإذا اغتم كشفها وقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، يحذر مما صنعوا، تقول عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجداً"؛( أي موضعاً للعبادة) ، فانظروا إلى تحذير الصادق المصدوق من اتخاذ القبور مساجد؛ ولعنِه من فعل هذا الفعل؛ هذا مع إن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ فكيف بمن اتخذ قبور من هو أدنى حالاً من الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم ؟!
كما دعا صلى الله عليه وسلم بقوله:" اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد"؛ فإذا كان قبره -صلوات ربي وسلامه عليه- إذا عُبد من دون الله عُدّ وثنا فكيف بقبر غيره؟!
ولما خالف الناس أمر النبي صلى الله عليه وسلم افتتنوا بعبادة القبور؛ من قبور الصالحين وغيرهم؛وعظموها تعظيما مبتدَعاً آل بهم إلى الشرك؛حتى خرجوا من الإسلام؛"إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار"؛ وهاهم يصرفون العبادة التي لا تجوز إلا لله يصرفونها للقبور؛من الصلاة عندها؛ والطواف بها؛والنذر لها؛ودعائها؛ ودعائها؛ وسؤالها قضاء الحاجات وتفريج الكربات؛ فإذا حلّت بهم مصيبة لم تتوجه القلوب إلى الله؛ ولكن توجهت إلى قبر فلان بن فلان؛ وهذا كله من الشرك المخرج من الملة."
وكل هذا الحديث عن اتخاذ القبور مساجد أو الصلاة فيها هو حديث صحيح فالقبر ليس مسجدا للصلاة ولا يصلى فوق قبر أو حوله إلا صلاة الجنازة كما قال تعالى :
" ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره"

وتحدث عن أن الله لا يقبل الشرك به فقال :
"فيا عباد الله: لا تضيعوا نصيبكم من الله ،واعلموا أن العبد ولو كان مسرفاً على نفسه بالمعاصي؛فإنه حري أن يدخل تحت رحمة الله إذا كان موحداً، وأما إذا كان مشركاً فلا يتعب نفسه بعمل من الأعمال فعمله مردود عليه؛ يقول سبحانه:" أنا أغنى الشركاء عن الشرك"؛ فلا يقبل الله-سبحانه وتعالى- الذي أمرنا بعبادته وحده أن نشرك به غيره0ومع هذا النهي الأكيد والوعيد الشديد؛تجد هؤلاء المشركين يشركون بالله أناساً لا يملكون لأنفسهم ضراّ ولا نفعاً؛مع أن الشرك يدل على حمق صاحبه وأنه بليد؛ ولو كان عاقلاً فكيف يأتي إلى جدار فيدعوه من دون الله ؟!0"
وعاد مرة أخرى للحديث عن أن المقبور لا يقدر على نفع نفسه فكيف ينفع غيره فقال :
"ولو كان صاحب القبر يملك لنفسه شيئاً لأحيا نفسه من الموت وقال للناس ادعوني، أو كان صالحاً لقال للناس دعوني وتبرأ من شركهم، يقول الله سبحانه وتعالى:
"ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون0وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين"؛ فلا يحسون بالذين يدعونهم من دون الله؛ويوم القيامة يتبرؤون من شركهم وما اقترفوا من الأعمال نحوهم."
وتحدث عن انتشار المساجد التى بها قبور فى بلادنا وإيمان الكثير من الناس بقدرة الموتى فيها على النفع والضرر فقال :
"ومن رأى العالم الإسلامي وما فيه من كثرة القبور تملّكه الهم والغم؛فكيف بأمة تريد أن ترتقي وقلوب كثير منها متعلقة بهذه الأوثان ؟!
وكيف بأمة تريد النصر وهي تدعو غير الله؛وتعبد غير الله، يقول سبحانه:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً""
وكما قال العجمى الله لا ينصر من يعبد غيره وإنما ينصر من يعبده أى يطيع فقال :
"فالدين الذي يمكنه الله هو دين التوحيد ؛ وشرط التمكين هو عبادة الله وحده لا شريك له0
فإذا أرادوا الاستخلاف والتمكين في الأرض،وأرادوا الأمن في الدارين فلا بد أن يعملوا بالشرط :"يعبدونني لا يشركون بي شيئاً"0
وتحدث عن قيام بعض القنوات الإعلامية ببث إعلانات جذابة بزيارة المساجد القبورية فقال :
"فإذا أردت النجاة عبد الله؛فحقق توحيدك وقصدك لله ،وتوجه بقلبك إلى الله؛وانزع من قلبك كل اتجاه لغير الله ؛فهو سبحانه الضار النافع والمعطي المانع ؛لا معطي لما منع؛ولا مانع لما أعطى ومن المحادة لله تلك الحملة الشرسة التي بدأت تقودها بعض القنوات الإعلامية بتفننها في إعلاناتها للقبور والأوثان التي تعبد من دون الله؛سواء كان ذلك في الإعلام المكتوب أو المرئي أو المسموع ؛ ويسمون تلك القبور بالعتبات المقدسة، وهذه تسمية قد أوحاها إليهم الشيطان؛لأنه يفرح بعبادة غير الله؛ولإكثار حزبه وأتباعه في نار جهنم؛فيكونون مخلدين في نار جهنم لا يخرجون منها أبدا "
وتحدث عن أن الإسلام ليس فيه عتبات مقدسة لأى إنسان كبر أو صغر فقال :
"وأولئك الذين يدعون القبور بأنها عتبات مقدسة؛ إنما فعلوا ذلك لجهلهم وحمقهم؛ فليس عندنا في دين الإسلام " عتبات مقدسة " ؛سواء كان ذلك القبر لنبيٍّ من الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم؛أو لصحابيًّ جليلٍ نشهد أنه في الجنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بريء ممن يشركون به من دون الله، لكن عندنا في دين الإسلام أماكن قد ورد الشرع المطهر بأنها أماكن فاضلة؛وهذه الأماكن كالمسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى؛التي صح فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" "
والحديث المستشهد به باطل لأن المسجد المزار وحده هو البيت الحرام كما قال تعالى :
" ولله على الناس حج البيت "

فلا وجود لزيارة المسجد النبوى ولا لما سماه المسجد الأقصى الأرضى فالزيارة وهى الحج أى شد الرحال للكعبة فقط
وعاد للحديث عن حرمة زيارة مساجد الموتى فقال:
فلا يجوز لعبد من عباد الله يرجو النجاة بين يدي الله والخلاص من نار جهنم أن يشد رحله ويذهب إلى قبر من القبور من أجل أن يصلي فيه؛أو أنه يدعوه أو يستغيث به؛ أو يسأله حاجة من حاجات الدنيا؛حتى ولو كان قبره صلوات ربي وسلامه عليه؛فلا يجوز للعبد أن يشد رحله راكباً من ها هنا وهو نيته أن يذهب للقبر؛ فإذا أراد زيارةً فلينو زيارة المسجد النبوي الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ، أما إذا نوى زيارة القبر فهذه بدعة وضلالة مفضية إلى الشرك ، والنبي صلى الله عليه وسلم أنزه الناس عن الشرك وأفضلهم تحقيقا لتوحيد ربه جل وعلا؛ فالذي قطع علينا هذا الدرب المؤدي إلى الشرك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذا كان هذا العمل مع قبره فكيف بمن هو دونه؟!فلا تغرنّكم تلك المسميات من أهل الباطل؛فإن بعضهم بدأ يمهد من أجل أن تزور الناس هذه القبور؛ أو على الأقل أن تتعلق قلوبهم في الوقت الحالي بها؛حتى إذا سنحت لهم الفرصة فإذا بهم يركضون ويهبون مسرعين من أجل الإشراك بالله سبحانه وتعالى0
فاحذروا التعلق بهذه القبور في أي صورة من الصور؛ فإن بعض الناس لا يستطيع الذهاب إليها فيتعلق قلبه بها ؛ويعيش حياته متحسراً لأجل أنه لا يستطيع الوصول إليها،وإذا به يلجأ إليها عند كل ملمة؛وهذا من الشرك المخلد صاحبه في النار0
وانظروا إلى أحوالهم عند القبور ترون فيها من استحضار الهيبة والخشوع والذل والبكاء؛الذي لم يحصل لهم في اعظم الأماكن في الحرم المكي أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإذا بهم خاشعين متذللين كالذين يقفون أمام الأصنام في السابق؛تغشى وجوههم الذلة؛وعليهم القتر بادياً واضحاً يدعونها من دون الله0"
وأخيرا وصل العجمى للهدف الحقيقى من بناء مساجد الموتى وهو جمع القائمين للمال من الكل لكى يقتسموه هم لأنهم المتصرفون فيه وليس الموتى فقال :
"وقد صارت هذه القبور وسيلة ابتزاز لأموال البلداء والسفهاء؛ فيوضع عليها سدنة الذين يقومون بجمع الأموال؛ فإذا أراد أحد أن يزور القبر دفع مبلغاً من المال،وإذا أراد أن يطوف أو يدعو؛ أو أراد مطوفاً دفع مبلغاً من المال0"
وعاد للحديث عن حرمة بناء تلك المساجد وما يحدث فيها فقال :
"وانظروا إلى الصور التي يغار لها قلب كل مؤمن صادق؛عندما يرى قبراً يُطاف ويعبد من دون الله تنقله وسائل الإعلام ؛ويرى أناسا يطوفون على هذه القبور ويدعونها من دون الله؛يقفون الساعات يدعون صاحب هذا القبر أن يجلب لهم نفعاً أو يدفع عنهم ضراً؛ولو كان يملك جلباً لخير أو دفعاً لضر لنفع نفسه؛ ولقام محيياً نفسه من الموت الذي حلّ بها ؛والله إنه أمر عظيم يا عباد الله؛فلا ينبغي أن يتحرك القلب لمنكر من المنكرات أكثر من غيرته أن تصرف عبادة لغير الله ؛وأن يعبد غير الله جل وعلا0والواجب على من ولاّه الله أمر المسلمين إزالة القبور التي تعبد من دون الله؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم" نهى أن يبنى على القبر أو يجصص عليه أو يُكتب عليه"؛ كل هذا مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قطعاً لمادة الشرك؛ يقول الله جل وعلا في أصدق قول يليق على هؤلاء: "والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير0إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم" ؛يقولون اللهم إنا برآء لم ندعهم إلى هذا الشرك؛ولكن فتنهم الغلو وفتنهم رفعنا فوق منزلتنا؛ فعبدونا من دون الله فنحن برآء منهم "
إذا الحكاية كلها ليست عبادة للموتى ولا دعاية لها وإنما الحكاية كلها عملية نصب تجارية فبناء مساجد الموتى عبارة عن جمع للمال للناس من خلال صناديق النذور والتبرعات وعبارة عن تجارة للمحلات حول المسجد والتى يملكها أو يشرف عليها من يعملون فى تلك المساجد فيبيعون مواد معينة لا يبيعها غيرهم بحجة أن الميت كان يحبها أو يفضلها وهو ما يذكرنا بمقولة شهيرة ومعناها صحيح وإن كانت وردت فى كتاب النصارى وهى:
" إنه بيت للصلاة يدعى ولكنكم جعلتموه مغارة لصوص"
فالمصليات تحولت عن اصلها وأنها الهدف من بنائها هو الصلاة لله إلى تحقيق الكسب المالى بالحرام

الاثنين، 8 مايو 2023

تحقيق فى المسائل الست الكرام المتعلقة بجمع أحاديث الإحرام

تحقيق فى المسائل الست الكرام المتعلقة بجمع أحاديث الإحرام والبيت الحرام وتفضيل البلد الحرام على المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام
الكتاب من تصنيف مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي وهو يدور حول مسائل تتعلق بالكعبة وفضل مكة والحج وهو مجموعة من الأحاديث وفى مقدمته قال مرعى :
فقد استخرت الله سبحانه سائلا عفوه وغفرانه في تلخيص بعض مسائل كرام، تتعلق بجمع أحاديث الإحرام والبيت الحرام، وبيان تفضيل البلد الحرام، وبيان مضاعفة الحسنات والسيئات في ذلك المقام، وتفضيل الطواف على الصلاة هناك في حق الغريب من الأنام، وفي الجمع بين أخبار وآثار يدق فهمها على كثير من ذوي الأفهام."
والمسألة الأولى تتعلق بما يسمى الإحرام وفيه قسم الحنبلى أنواع الحج إلى ثلاث وبين اختلاف الفقهاء فى الأفضل منها فقال:
"المسألة الأولى في الإحرام:
وهو ثلاثة أقسام: تمتع؛ فإفراد، فقران.
التمتع: هو أن يحرم بالعمرة ثم بعد فراغه منها يحرم بالحج والإفراد: أن يحرم بالحج فقط والقران: أن يحرم بالحج والعمرة معا.
ولا خلاف بين الأئمة في جواز كل من هذه الثلاثة وإنما اختلفوا في الأفضل منها:

فقالت الحنابلة: التمتع أفضل وقالت الحنفية - على الأصح عندهم: القران أفضل وقالت الشافعية والمالكية: الإفراد أفضل.
وقد اختلفت الروايات في إحرام النبي (ص)في حجة الوداع: هل كان إفرادا أو قرانا أو تمتعا؟
فعن عائشة: (أن رسول الله (ص)أفرد الحج). رواه مسلم والأربعة.
وعن جابر: (أن رسول الله (ص)أفرد الحج). رواه ابن ماجه وعن ابن عمر قال: (أهللنا مع رسول الله (ص)بالحج مفردا). رواه في ((جامع الأصول)).
وعن أنس قال:(خرجنا مع رسول الله (ص)إلى مكة؛ فسمعته يقول: ((لبيك عمرة وحجة)).
رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه وعن ابن عباس قال: (أخبرني أبو طلحة أن رسول الله (ص)قرن الحج والعمرة). رواه ابن ماجه وعن ابن عباس قال: (تمتع رسول الله (ص)وأبو بكر وعمر وعثمان). رواه الترمذي وفي ((جامع الأصول))، عن ابن عمر قال: (تمتع رسول الله (ص)في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج .. .. ) وفي كل واحد روايات كثيرة، وهي متعارضة في الظاهر."

وكعادة الفقهاء عندما يجدون الأحاديث متناقضة يحاولون التوفيق بينها بدلا من استبعاد قول الرسول(ص) كلها أو اختيار واحد منها إن كان يوافق كتاب الله ونقل التالى :
"قال الطيبي في ((شرح المشكاة)):
وقد طعن فيها طائفة من الفئة الزائغة عن منهج الحق؛ فقالوا: اتفقتم أيها الرواة على أن نبيكم (ص)لم يحج من المدينة غير حجة واحدة، ثم رويتم أنه كان مفردا، ورويتم أنه كان قارنا، ورويتم أنه كان متمتعا؛ وصفة هذه الأنساك متباينة، وأحكامها مختلفة، وتزعمون أن كل هذه الروايات مقبولة لصحة أسانيدها، وعدالة رواتها فأجاب عن ذلك جمع من العلماء شكر الله سعيهم؛ وقد اخترنا من ذلك جوابا عن الإمام الشافعي؛ وثمرته: أن من المعلوم في لغة العرب، جواز إضافة الفعل إلى الآمر؛ كجواز إضافته إلى الفاعل له؛ كقولك: بنى فلان دارا؛ إذا أمر ببنائها؛ وضرب الأمير فلانا؛ إذا أمر بضربه. ومن هذا الباب: رجم رسول الله (ص)ماعزا.
وكان أصحاب رسول الله (ص)منهم المفرد والقارن والمتمتع، يضاف كل ذلك إليه (ص)وأجاب الخطابي بأنه يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول: ((لبيك بحجة)) وخفي عليه ((وعمرة))، فقال: كان (ص)مفردا، ولم يحك إلا ما سمع، وسمعه آخر يقول: ((لبيك بحجة وعمرة))؛ فقال: كان (ص)قارنا. ولا ننكر الزيادات في الأخبار؛ كما لا تنكر في الشهادات.
وفي ((البحر العميق في فضائل البيت العتيق)): طريق الجمع بين الأحاديث عند جماعة من محققي العلماء والمحدثين؛ أن سيدنا رسول الله (ص)أفرد الحج في أول الإحرام؛ ثم أتاه من ربه آت بوادي العقيق؛ كما ثبت في الصحيح؛ فقال: ((صل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل: عمرة في حجة))؛ فقرن رسول الله (ص)فمن روى أنه أفرد الحج اعتمد أول الإحرام، ومن روى أنه كان قارنا اعتمد آخر الإحرام، ومن روى أنه كان متمتعا فهو محمول على أنه (ص)تمتع بالعمرة في أشهر الحج وفعلها مع الحج، وهذا معنى القران. أو: على أنه (ص)أمر بذلك؛ كما مر وللعلماء في ذلك جوابات أخر، والله أعلم."

الطيبى فى قوله المنقول محق وهو أنه لا يمكن أن يكون الرسول(ص) قد جمع بين الثلاثة معا لأن المشهور أنه حج حجة واحدة وأما من وفقوا فهم مخطئون فيما ذهبوا إليه لتعارضه مع المعروف تاريخيا
ثم حدثنا عن وجود روايات فى حج النبى (ص) أكثر من مرة فقال:
"تنبيه : اختلف العلماء في عدد حجات النبي (ص):
فعن قتادة قال: (سألت أنسا كم حج النبي عليه السلام؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر) رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي وعن أبي إسحاق، أنه سأل زيد بن أرقم؛ فقال: (حج بعدما هاجر حجة واحدة). قال أبو إسحاق: (وبمكة أخرى -يعني قبل الهجرة-) رواه مسلم.
وفي غير مسلم: (قبل الهجرة حجتان).
قال القرطبي: لا خلاف أن النبي (ص)لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع؛ وأما قبل الهجرة، فاختلف فيه: هل حج واحدة -كما قال أبو إسحاق السبيعي- أو حجتين، كما قال غيره؟
وعن جابر بن عبد الله: أن النبي (ص)حج ثلاث حجج: حجتين قبل ما هاجر، وحجة بعدما هاجر، قرن معها عمرة. رواه الترمذي، وابن ماجه، والدراقطني، والحاكم، وقال ابن حزم: حج رسول الله (ص)واعتمر قبل النبوة وبعدها، قبل الهجرة حججا وعمرا لا يعرف عددها ولعل كلام ابن حزم هذا هو المرضي عندهم."

وبناء على ما سبق لا يعرف عدد الحجات فعليا فى مكة وهل كانت قبل بعثته أم بعد بعثته
وكعادة المذهبيين ذكر حجج أحمد بن حنبل إمام مذهبه فقال :
"فائدة: حج إمامنا أحمد خمس حجات:
ثلاث حجج ماشيا، واثنتين راكبا، وأنفق في بعض حجاته عشرين درهما وحج علي بن شعيب السقا ستا وستين حجة على قدميه من نيسابور.
وحج أبو عبد الله المغربي سبعا وتسعين حجة، وعاش مائة وعشرين سنة.وأخرج الدينوري في ((المجالسة))، عن أبي إسحاق: أن عمرو بن ميمون الأودي حج مائة حجة."

والمنقولات فى المسألة تركتها دون إجابة واضحة خاصة أنها تناولت حجج الرسول(ص) بينما المسألة نفسها كانت عن النوع الأفضل من الحج المفرد أو القارن أو المتمتع والحق هو :
أن الأفضل ثوابا لابد أن يكون الذى فيه الحج والعمرة العمرة أولا ثم الحج لأن الحاج يؤدى فيه أعمال أكثر من الحج والعمرة معا حيث أن أعمال الحج نفسها هى أعمال العمرة فهما عمل واحد بينما المعتمر أولا والحج ثانيا يؤدى الأعمال مرتين
ومما يتبغى قوله نسيان نوع أخر وهو الحج أةلا ثم الاعتمار ثانيا بعد الحج وهو مثل الاعتمار أولا ثم الحج ثانيا فى الثواب لتكرار الأعمال
وتدور المسألة الثانية حول من بنى الكعبة فذكر الرجل خلافات يشملها أن البانى الله أو الملائكة أو آدم(ص) أو الناس على اختلاف أسماءهم عبر العصور فقال:
"المسألة الثانية في البيت الحرام:
قال الله تعالى:
{إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين}.
قال ابن عباس في قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس}: هو الكعبة، وضعها الله تعالى في الأرض قبالة البيت المعمور.
وعن ابن عمر وابن عباس: خلق الله الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام؛ ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
وورد:
أن الله تعالى بعث ملائكة، فقال: ابنوا لي بيتا بمثال البيت المعمور وقدره؛ فبنوا؛ فأمر الله عز وجل من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بالبيت؛ كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. رواه ابن الجوزي عن علي بن الحسين

وعن ابن عمرو مرفوعا: بعث الله جبريل إلى آدم وحواء؛ فقال لهما: ابنيا لي بيتا؛ فخط جبريل؛ فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب حتى أجابه الماء؛ فنودي من تحته: حسبك يا آدم. فلما بناه، أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به.
وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت.
ثم تناسخت القرون، حتى رفع إبراهيم القواعد منه أخرجه البيهقي في ((الدلائل)).
وورد:أنه لما أهبط آدم من الجنة، قال الله: يا آدم! ابن لي بيتا بحذاء بيتي الذي في السماء، تتعبد فيه أنت وولدك؛ كما تتعبد ملائكتي حول عرشي وهبطت الملائكة فحفرت، حتى بلغ الأرض السابعة؛ فقذفت فيه الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض وهبط آدم معه ياقوتة حمراء محفورة، لها أربعة أركان بيض، فوضعها على الأساس؛ فلم تزل الياقوتة كذلك حتى رفعها الله تعالى إلى السماء، وبقيت قواعده.
وبنى بنو آدم من بعدها مكانها بيتا بالطين والحجارة؛ فلم يزل معمورا يعمرونه، ومن بعدهم، حتى زمن نوح (ص)وكان الغرق؛ فخفي مكانه فلما بعث الله إبراهيم (ص)طلب الأساس -أساس الملائكة- ليبني عليه؛ فضرب جبريل (ص)بجناحه الأرض فأبرز عن أساس ثابت على الأرض السفلى.
وعن وهب: أن خيمة آدم، وهي الياقوتة، لم تزل في مكانها، حتى قبض الله آدم؛ ثم رفعها؛ فبنى بنو آدم موضعها شيئا من الحجارة؛ فلم يزل معمورا حتى كان زمن الغرق.
والحاصل في وجه الجمع بين هذه الأخبار:
أن الله تعالى خلق الكعبة بنفسه، ثم انهدمت بمشيئته بتقادم الزمان.
ثم بنتها الملائكة وكان تحجها؛ لما روى ابن عباس -وغيره-: أنه لما حج آدم، لقيته الملائكة فقالوا: بر حجك يا آدم! لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.
ثم بناه آدم.ثم بناه بنو آدم.ثم بناه إبراهيم.ثم بنته العمالقة.ثم بنته جرهم ثم بناه قصي، وهو أول من سقف الكعبة. وروى الطبراني عن أبي سعيد الخدري: أن أول من جدد الكعبة بعد كلاب بن مرة: قصي.

ثم بنت قريش وحضرهم في بنائه عليه السلام، ووضع الحجر الأسود بيده الشريفة.
ثم بناه عبد الله بن الزبير ثم هدم بعضه الحجاج، فهو اليوم على حكم ما بناه ابن الزبير، ما عدا جدار الحجر؛ فإنه من بناء الحجاج."

وكل ما ذكره أكاذيب عدا أمر واحد وهو خلق الله الكعبة أى بناء الله للكعبة بكلمة كن فالكعبة وهى ليست بناء حجرى بناها لها وضمن لها الاستمرار دون أى فساد ودون أن يقدر أحد على أن يمسها بسوء كانوا ناس أو مخلوقات أخرى كالنار والسيول
والدليل أن الله سماها "حرما آمنا" وهو ما فسرته العبارة المشهورة للبيت رب يحميه
ومن ثم كل التاريخ عن هدم أو انهدام الكعبة وبناءها هو كذب محض يتعارض مع نصوص القرآن كالحرم الآمن وقوله عن أن أحد لا يقدر على ارتكاب ذنب فيها أو ضدها وهو قوله تعالى :
" ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم"

والإرب القول أم إبراهيم(ص) بنى الكعبة مع أن النصوص التى تتحدث عنه وعن ابنه لم يأت فيها لفظ البناء وإنما المطلوب منهما كان تطهير الكعبة فى قوله :
" أن طهرا بيتى "

وقوله:
" أن طهر بيتى"
فالمطلوب هو تنظيف الكعبة من القواعد وهى للأتربة وما شابه فى أرضها
وأما المسألة الثالثة فهى أصل الحجر الأسود وسبب تسميته فقد نقل نقولا متعارضة فقال :
"المسألة الثالثة في الحجر الأسود:
فعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص)((الحجر الأسود ياقوتة من ياقوت الجنة، وإنما سودته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا)) رواه ابن خزيمة.
وعن أنس قال: قال رسول الله (ص)((الحجر الأسود من حجارة الجنة)). رواه ابن الجوزي والطبراني.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص)((الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك)) رواه أحمد، وابن عدي في ((الكامل))، والبيهقي.
وعن عثمان بن ساج قال: حدثني زهير أنه بلغه أن الحجر من رضراض ياقوت الجنة، وكان أبيض يتلألأ؛ فسوده أرجاس المشركين؛وسيعود إلى ما كان عليه، وهو يوم القيامة مثل جبل أبي قبيس في العظم، له عينان ولسان وشفتان، يشهد لمن استلمه بحق)) رواه الأزرقي.
وعن علي بن أبي طالب قال: كنت طائفا مع النبي (ص)ببيت الله الحرام؛ فقلت: فداك أمي وأبي، ما هذا الحجر؟ قال: ((تلك جوهرة كانت في الجنة، أهبطها الله إلى الدنيا؛ لها شعاع كشعاع الشمس؛ فاشتد سوادها، وتغير لونها لما مسته أيدي المشركين)) رواه أبو الليث السمرقندي في ((تنبيه الغافلين)).
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص)((نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
قال ابن الجوزي: وقد اعترض الملحدون على هذا الحديث، فقالوا: ما سودته خطايا المشركين؛ فينبغي أن يبيضه توحيد المسلمين فأجاب عنه ابن قتيبة؛ فقال: لو شاء الله لكان ذلك، ثم قال: أما علمت -أيها المعترض- أن السواد يصبغ ولا ينصبغ، والبياض ينصبغ ولا يصبغ
قال ابن الجوزي: والذي أراه من الجواب: أن بقاء أثر الخطايا باقية -وهو السواد- أبلغ في باب العبرة والعظة؛ لتعلم أن الخطايا إذا أثرت

في الحجر؛ فتأثيرها في القلوب أعظم؛ فوجب لذلك أن تجتنب. انتهى.
وقال السهيلي: والحكمة في كونه سودته خطايا بني آدم دون غيره من بناء الكعبة، أن العهد الذي فيه هو الفطرة التي فطر الناس عليها من توحيد الله، وكل مولود يولد على الفطرة، وقلبه في غاية البياض؛ لأن فيه ذلك العهد؛ ثم يسود بالذنوب، فكذلك الحجر الذي فيه ذلك العهد المأخوذ عليه؛ فلما تناسبا أثرت فيه الخطايا كما أثرت في بني آدم. انتهى.
وهذه العلة غير مطردة في المقام.
قال المولى المحدث الكازروني في ((منسكه)): وقيل: سود الحجر الحريق مرتين: قبل الإسلام وبعده. وقد روي أنه رؤي قبل الحريق أبيض يتلألأ، يتراءى الإنسان فيه وجهه. انتهى.
وعن نوفل بن معاوية الديلمي قال: رأيت المقام في عهد عبد المطلب مثل المهاة.
والمهاة خرزة بيضاء، ذكره في ((البحر العميق)).وهذا كله مخالفة لظاهر الحديث.

والحاصل في وجه الجمع بين هذا والأحاديث الواردة في ذهاب بياض الحجر الأسود.
أن لما أنزله الله من الجنة طمس نوره؛ لحديث ابن عمر رفعه: ((أن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله تعالى نورهما، ولو لم يطمس نورهما؛ لأضاء ما بين المشرق والمغرب)). رواه أحمد وغيره.
وقد ذكروا أن إضاءته كانت إلى حد الحرم، لما روي أن إبراهيم (ص)لما بنى البيت وجاء له جبريل بالحجر الأسود، فوضعه في موضعه هذا، فأنار من سائر الجهات؛ لأنه من ياقوت الجنة؛ فجعل الله الحرم إلى حيث انتهى ذلك النور ثم غير إلى لون المقام لما مسه من الرجس والذنوب ثم اشتد سواده بعد الحريق، حتى صار إلى ما هو عليه الآن فشدة سواده من الحريق؛ لأنه أصابه مرتين؛ في الجاهلية والإسلام.
فأما حريقه في الجاهلية:فإنه ذهبت امرأة في زمن قريش تجمر الكعبة؛ فطارت شرارة في أستار الكعبة؛ فاحترقت الكعبة، واحترق الركن الأسود، وتوهنت الكعبة. وهذا هو الذي حمل قريشا على هدمها وبنائها وأما حريقه في الإسلام:
ففي أيام ابن الزبير حين حاصره الحصين بن نمير الكندي، فاحترقت، واحترق الركن الأسود؛ فانفلق بثلاث فلق؛ فشده ابن الزبير بالفضة، وانفلقت منه فلقة لم يشدها من أعلاه، موضعها بين في أعلى الركن.
وكذا يقال في وجه الجمع بين ما جاء من الأحاديث من أن الحجر من ياقوت الجنة.
وفي آخر: أنه من أحجار الجنة وفي آخر: أنه مروة من مرو الجنة.
بأنه لا تعارض؛ لصحة الروايات في أن أحجار الجنة جواهر، والمرو نوع من الجوهر.
وكذا يقال في وجه الجمع بين ما روي من أن الحجر يأتي يوم القيامة مثل أبي قبيس؛ وورد أعظم من أبي قبيس؛ وورد يأتي مثل أحد، بأن الغرض تشبيهه بشيء عظيم؛ ولعله يكون في الحقيقة مثل أحد، لما قيل إنه إلى الأرض السابعة.ورواية: ((أعظم من أبي قبيس)) مشعرة به. "

ومن قرأ الفقرة السابقة سيجد تناقضا فى سبب اسوداد الحجر فمرة ذنوب الناس ومرة احتراق الكعبة وسيجد تناقضا فى معدن الحجر فمرة ياقوتة ومرة مروة
والمسألة كلها لا أصل لها فالحجر لا أصل له فى كتاب الله وعلى حد تعبير الرواية لا يضر ولا ينفع وهو ليس من الكعبة فى شىء وليس من الجنة لأن الجنة فى السماء لم يهبط منها شىء سوى الأبوين كما قال تعالى :
" اهبطا "

والجنة لا يخرج منها شىء بعد أن تحولت إلى جنة المأوى بعد خروج الأبوين منها
المشكلة أن الناس جعلوا حجرا لا يضر ولا ينفع مثارا للمشكلات حتى أنهم يتعاركون على لمسه مع أنه ليس من أركان الحج وأصبح الحج بدلا من أن يكون ذكرا لله كما قال "ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام "
أصبح كله متعلق بالحجارة حجارة البناء وحجارة تقذف بحجارة وحجر يقبل أو يلمس
وتحدث عن أفضلية مكة على المدينة فذكر روايات متناقضة فى الأمر مبينا فى النهاية أن مكة هى الأفضل فقال :
"المسألة الرابعة في تفضيل البلد الحرام على المدينة المنورة على ساكنها (ص)
وقد جاء في ذلك عدة أحاديث:
فعن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله (ص)((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في هذا)).رواه أحمد، والبزار، وابن خزيمة، برجال الصحيح زاد ابن خزيمة: يعني مسجد المدينة.
وعنه قال: قال رسول الله (ص)((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة))، رواه أحمد، والبزار، وابن حبان في صحيحه.
وصح عن ابن عمر أنه قال: صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجد النبي عليه السلام.
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله (ص)((فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة؛ وفي مسجدي بألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة))."

وهذه الأحاديث تكذب كلام الله فى أنه حدد أجر العمل غير المالى كالصلاة بعشر حسنات فى أى مكان فقال :
" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"

وبنى هو وغيره على تلك الأحاديث أفضلية مكة على المدينة مع أن الأفضلية واضحة وهى وجود البيت الحرام ووجود الحج فيها فقال:
"ووردت أحاديث أخر أضربنا عنها خوف الإطالة إذا علمت هذا؛ فاعلم وفقك الله تعالى: أن تفضيل الصلاة في المسجد الحرام، يستلزم تفضيل مكة على المدينة المنورة؛ وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء؛ مستدلين بذلك؛ وبأن الله تعالى ذكر المسجد الحرام في عدة مواضع من كتابه على سبيل التعظيم صريحا، ولم يذكر مسجد المدينة كذلك."

وتحدث عما فضلوا المدينة على مكة فقال:
وخالف في ذلك الإمام مالك ؛ فقال: المدينة أفضل؛ لما روي أن النبي (ص)لما خرج من مكة متوجها إلى المدينة قال: ((إلهي! إن أهل مكة أخرجوني من أحب البقاع إلي؛ فأنزلني أحب البقاع إليك)).

وقد أنزله بالمدينة؛ ومحبوب الله أفضل من محبوب النبي عليه السلام؛ ولهذا اختار (ص)المقام فيها إلى أن مات ودفن بها.
قلت: فكانت المدينة أفضل لهذا المعنى:
بجيرانها تعلو الديار وترخص ...لكن الجواب عن هذا سهل، وهو:
أن ذلك خاص بالبقعة الشريفة التي أنزل فيها للقبر، وضمت أعضاءه الشريفة، وتلك البقعة لا شك أنه أفضل من الكعبة، وأفضل من العرش، والكرسي، واللوح، والقلم، والجنة، وبها افتخرت الأرض على السماء.
وهذا ليس محلا للنزاع وإنما النزاع في تفضيل الحرمين الشريفين، والبلدين النيرين؛ فكيف يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى في تفاوت الصلاة في المسجدين؟ وبماذا يجيب على الأحاديث الواردة في ذلك؟
ومع ذلك، فطينته (ص)من الكعبة، لما روى الزبير بن بكار أن جبريل أخذ التراب الذي خلق منه النبي (ص)من تراب الكعبة قال ابن عباس: أصل طينته من سرة الأرض بمكة.

فإن قيل: مدفن الشخص مكان طينته؛ لما روى ابن عبد البر موقوفا: (أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما خلق). وهو (ص)دفن بالمدينة الشريفة؟
فالجواب: ما نقله العلماء: أن الماء لما تموج عند وقوع الطوفان، ألقى تلك الطينة إلى ذلك الموضع من المدينة الشريفة.
وعن ابن عباس: أنه (ص)قال في حق مكة: ((ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنت غيرك))، رواه الترمذي، وابن حبان، والحاكم.
وعن عبد الله بن عدي قال: رأيت النبي (ص)على راحلته واقفا يقول: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)). رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، وصححه الترمذي. وقال ابن حزم: إنه في غاية الصحة.ورواه أبو هريرة أيضا.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص)لما أخرج من مكة: ((أما والله إني لأخرج منك، وإني لأعلم أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها علي؛ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)).
وفي تفسير البيضاوي وغيره: أن النبي (ص)سئل عن مخرج الدابة؛ فقال: ((من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى -يعني المسجد الحرام-)).
قلت:
فثبت بهذا أن المسجد الحرام أعظم المساجد، وأن مكة محبوب الله أيضا؛ لما في حديث ابن عباس من قوله: ((إنك أحب البلاد إلى الله))؛ مع ما ورد من مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام، على ما مر.
بل: ولا خصوصية في المضاعفة للصلاة؛ إذ جميع حسنات الحرم تتضاعف كالصلاة؟؛ وارتضاه أئمتنا! لحديث ابن عباس الذي رواه الحاكم وصححه، وفيه: أن كل حسنة من حسنات الحرم بمائة ألف حسنة.

وقال الحسن البصري في ((رسالته)): ما أعلم على وجه الأرض بلدا يرفع الله الحسنة فيه بمائة ألف إلا مكة؛ فمن صلى فيها صلاة كتب له مائة ألف صلاة، ومن صام فيها يوما كتب له صوم مائة ألف يوم، ومن تصدق فيها بدرهم كتب له بمائة ألف درهم، ومن ختم فيها القرآن مرة واحدة كتب الله تعالى له مائة ألف ختمة بغيرها، وكذلك من سبح الله تعالى تسبيحة واحدة أو هلل أو استغفر؛ فكل واحدة من ذلك بمائة ألف، وكل أعمال البر فيها كل واحدة بمائة ألف انتهى.
فثبت بما قررناه أن مكة أفضل من المدينة وهو مذهب الجمهور خلافا للإمام مالك "

وما سبق من أحاديث متناقض ولا أدرى كيف يفضل القبر على الكعبة مع أن القبر ليس فيه سوى جثث كباقى الجثث كما قال تعالى على لسان رسوله(ص):
"قل إنما أنا بشر مثلكم"

فكيف تكون جثته أفضل من جثث الآخرين وهى كلها من التراب وإلى التراب عادت ؟
أفضلية الرسول ألأخير (ص) هى فى اصطفاء الله له كرسول وليس تفضيل لجثته
وتحدث عن كثرة ثواب العمل فى مكة مكررا ما قاله فى المسألة السابقة فقال :
"المسألة الخامسة في مضاعفة السيئات كالحسنات في البلد الحرام:
اعلم -وفقك الله تعالى- أنه لا خصوصية لمضاعفة الحسنات بالبلد الحرام؛ بل السيئات كذلك؛ فقد علم من الشريعة الغراء والملة الزهراء، تضاعف الذنب في شرائف الأزمان والأحوال؛ فكذا في شرائف الأمكنة.
ألا ترى ما يترتب على الرفث في رمضان؟
وفي مدة الإحرام؟
وما يترتب من تغليظ دية الخطأ في الحرم والإحرام والشهر الحرام؟ فيجب مع اجتماع كلها في قتل الخطأ ديتان وانظر إلى قول الله تعالى لنساء نبيه: {من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين}.
فتأمل كيف صارت معصيتهن إن وقعت ضعفين لشرفهن، وقد قال تعالى في أجرهن: {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما}.
فكل مكان أو زمان فيه الشرف أكثر؛ فالمعصية فيه أفظع وأشنع؛ لأن الشامة السوداء في البياض أظهر!

ألا ترى إلى قولهم: ((حسنات الأبرار سيئات المقربين))؟ونحن لا نتوقف أن الزنا بمحراب المسجد أفظع منه في السوق ونحوه وممن قال بتضعيف السيئات بالزمان والمكان الفاضل أئمتنا الحنابلة، وعليه الفتوى.
قال عمر ((خطيئة أصيبها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة في غيرها))وقال في رواية البيهقي: ((والله لأن أعمل عشر خطايا بغيره أحب إلي من أن أعمل واحدة بمكة)).
وقال ابن مسعود: ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالهم قبل العمل إلا بمكة، وتلا: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}.
قال إمامنا أحمد: لو أن رجلا بعدن، هم أن يقتل عند البيت، أذاقه الله من العذاب الأليم.
وعن أبي يعلى بن أمية مرفوعا: ((احتكار الطعام في الحرم إلحاد)). رواه أبو داود.
وعن ابن عمر مرفوعا: ((احتكار الطعام بمكة إلحاد)). رواه الطبراني في الأوسط.
واختلفوا في معنى تضعيف السيئات في الحرم؛ فقيل: كمضاعفة الحسنات؛ لما قال مجاهد: أن السيئة تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنة. فظاهر كلامه أن السيئة تبلغ في التضعيف مبلغ الحسنة وهو مائة ألف.
ويدل لذلك: ما رواه صاحب ((الاختيار في شرح المختار)): أن في الحديث أن الحسنة تضاعف فيها إلى مائة ألف، والسيئة كذلك وما رواه الأزرق عن ابن جريج أنه قال: بلغني أن الخطيئة بمكة بمائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك، يعني: تستوي مضاعفة الحسنة والسيئة فيه، كذا ورد.
قال بعضهم: والأظهر في قول مجاهد أن التشبيه في مطلق المضاعفة؛ ألا ترى إلى قول عمر: ((أعظم من سبعين خطيئة، وعشر خطيئات، واثنتي عشرة خطيئة))؟
وأيضا فقواعد الشريعة في باب المضاعفة المحققة مقتضية أن السيئة عشر الحسنة؛ فإذا كانت الحسنة بمائة ألف كانت السيئة بعشرة آلاف.
ولا دلالة في قول ابن جريج على المساواة؛ لأن المائة في عبارته كناية عن التكثير، وليس المراد حقيقة مفهوم العدد؛ لصحة الأحاديث في أن الحسنات في مكة بمائة ألف؛ وكذلك لا دلالة في الحديث الذي رواه صاحب ((الاختيار))؛ لجواز أن يكون قوله كذلك عائدا إلى التضعيف فقط.
وسئل الإمام أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا، إلا بمكة؛ لتعظيمها.
قال بعض المحققين: قول مجاهد وأحمد بن حنبل، تبعا لابن عباس وابن مسعود في تضعيف السيئات، إنما أرادوا مضاعفتها في الكيفية، دون الكمية. انتهى.

وهذا القول لا نزاع فيه؛ للاتفاق عليه، بل الصواب أنهم يقولون بتضعيفها في الكمية والمقدار، على ما مر؛ وبذلك يفتي أئمتنا قال ابن جماعة وغيره: وأكثر أهل العلم على أن السيئة لا تضاعف بمكة؛ لقوله تعالى: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} انتهى.
لكن القائلين بهذا يقولون: إنها تعظم ولا تتعدد فإن قيل: هل لكون السيئة الواحدة وهي مغلظة فائدة مع كونها تعظم بقدر التعدد، ويلزم منه أنهما حينئذ على حد سواء؟
قلنا: نعم! له فائدة؛ لأنه ورد أنه من زادت حسناته على سيئاته في العدد، دخل الجنة؛ ومن زادت سيئاته على حسناته في العدد، دخل النار ومن استوى حسناته وسيئاته، كان من أهل الأعراف. والله أعلم.
وبالجملة: فالقائلون بهذا يقولون إن الذنب بمكة يربو على الذنب فيما عداها من البلدان، وعلى كلا القولين؛ فهو حري بأن يورث المقت، والعياذ بالله؛ لأن المعصية في حرم السلطان وفناء بيته ليس كالمعصية فيما يبعد عن تلك المحال، لأن المنابذة لأحكام السلطان هناك أظهر، وقد جعل الله مكة حرمه، وجعل بيته فيها؛ ولله المثل الأعلى."

وكل ما سبق هو تكذيب لكتاب الله فلا مضاعفة للحسنات وللسيئات لأن قواعد ألأجر فى كتاب الله ثابتة وهى :
عشر حسنات للعمل غير المالى وفى هذا قال تعالى :
" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"

سبعمائة حسنة أو الضعف للعمل المالى وفى هذا قال تعالى :
"مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء"
وأما السيئات فالسيئة هى سيئة واحدة فى أى مكان كما قال تعالى :
"ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها"
وما ذكره الله عن ارتكاب السبئات فى الكعبة هو أن العقاب فيها يكون على الإرادة أى تكليم النفس وتقريرها عمل ذنب وهو عقاب فورى حيث يهلم من قرر فى نفسه عمل ذنب فى الكعبة ولا يقدر مخلوق على ارتكاب ذنب فيها كما قال تعالى :
" ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم "

وبالقطع الحديث هو عن الكعبة الحقيقية
وذكر الحنبلى حكاية كاذبة عن ارتكاب ذنب فى الكعبة فقال :
"حكاية
عن علقمة بن مرثد قال: بينما رجل يطوف بالبيت؛ إذ بدت له ساعد امرأة؛ فوضع ساعده على ساعدها يتلذذ به؛ فالتصق ساعداهما، فأتيا بعض الشيوخ؛ فقال له: ارجع إلى المكان الذي فعلت فيه؛ فعاهد رب البيت أن لا تعود، ففعل فخلي عنه.
وحكى أبو بشر عن ابن أبي نجيح: أن رجلا وامرأة حجا من الشام؛ فقبلها وهما يطوفان، فمسخا حجرين، فلم يزالا في المسجد الحرام حتى جاء الله بالإسلام؛ فأخرجا.
والحكايات في هذا المعنى كثيرة لا تليق بهذه المقدمة، وفي هذا كفاية ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وقد كان في زمن الجاهلية تعجل العقوبة لمن فعل سيئة واستحل شيئا مما حرم لينتهوا؛ فلما بعث الله محمدا (ص)توعدهم فيما انتهكوا مما حرم بالساعة؛ فقال: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}فأخر العقاب إلى يوم القيامة، والله تعالى أعلم."

والحكايات السابقة كلها تتعارض مع عقاب الله على الإرادة وليس على الفعل لأنه لا يقدر أحد على ارتكاب ذنب فيها مهما كان
وأما أخر المسائل فهو تفضيل الطواف على الصلاة وذكر اختلاف الفقهاء فى المسألة فقال:
"المسألة السادسة في تفضيل الطواف على الصلاة في حق الغريب
اعلم -وفقك الله تعالى- أنه قد ورد في فضل الطواف عدة أحاديث أضربنا عنها خوف الإطالة؛ وقد ذكرناها في غير هذه المقدمة.
والحاصل:
أن الأئمة قد اختلفوا: هل الأفضل بمكة الطواف أو الصلاة؟فمنهم من قال: إن الصلاة أفضل؛ واستدل بعموم الأحاديث الصحيحة التي مرت سابقا بأن كل صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف ومنهم من قال: إن الطواف أفضل.
والصواب: التفصيل؛ وهو الذي عليه جمهور العلماء وهو أن الطواف للغريب أفضل، والصلاة لغيره أفضل لحديث عمر بن الخطاب: (كان أحب الأعمال إلى النبي (ص)إذا قدم مكة الطواف بالبيت). أخرجه الفاكهي وأبو ذر الهروي وحديث عائشة: إن أول شيء بدأ به النبي (ص)حين قدم مكة، أنه توضأ ثم طاف. أخرجه الشيخان.
قال في ((البحر العميق)): ((أفضل الأعمال بمكة للغرباء الطواف؛ لأنه مخصوص ببقعة البيت دون غيرها من أقطار الأرض؛ فليغتنم تحصيله ولا يرجح على الاشتغال به هنالك غيره)).
وقال في ((شرح الطحاوي)): إن صلاة التطوع لأهل مكة أفضل من طواف التطوع، بخلاف الغرباء؛ لأن الغرباء يفوتهم الطواف، ولا تفوتهم الصلاة، وأهل مكة لا يفوتهم الأمران.
وعن ابن عباس أنه كان يقول: ((أما أهل مكة؛ فالصلاة لهم أفضل؛ وأما أهل الأقطار؛ فالطواف لهم أفضل)).
وتابعه على ذلك سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد. أخرجه البغوي في ((شرح السنة))وأخرج الموفق -من أصحابنا- في ((المغني)) عن ابن عباس أنه قال: الطواف لكم يا أهل العراق أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل والأخبار الدالة على تفضيل الطواف للغرباء كثيرة، والله أعلم."

والحقيقة أن الصلاة عمل واجب والطواف عمل واجب ولا يمكن أن نقارن بينهما لاختلاف كل منهما عن الأخر ووجوب الاثنين
وأنهى الكتاب بأحاديث كاذبة فقال :
"خاتمة
ذكر بعض العلماء أن الكعبة منذ خلقها الله ما خلت عن طائف يطوف بها من جن أو إنس أو ملك.
قال بعض السلف:
((خرجت يوما في هاجرة ذات سموم؛ فقلت: إن خلت الكعبة عن طائف في حين فهذا الحين، ورأيت المطاف خاليا؛ فدنوت؛ فرأيت حية عظيمة رافعة رأسها تطوف حول الكعبة)). ذكره ابن الصلاح في ((منسكه)).
وحكى لي بعض أصحابنا أنه قال:
خرجت لأطوف في بعض الليالي وأنا مجاور بمكة وقد نامت الأعين، ظانا أنه ليس أحد يطوف حينئذ؛ وإذا بكلب أسود يطوف؛ ففزعت منه ونهرته؛ فلم ينتهر؛ فجاء ووقف عند الحجر وعيناه كشهب النار؛ ففرقت منه وتركت الطواف ومضيت متعجبا.
وعن ابن عباس قال:
((إن الله تعالى وجه السفينة إلى مكة المشرفة فدارت بالبيت أربعين يوما؛ ثم وجهها الله [إلى] الجودي؛ فاستقرت عليه)). رواه ابن الجوزي.
ويروى:
((أن سفينة نوح (ص)طافت بالأرض كلها في ستة أشهر، لا تستقر على شيء حتى أتت الحرم؛ فلم تدخله؛ ودارت بالحرم أسبوعا)). كذا ذكره الثعلبي في ((العرائس))."

الخبل فى تلك الأحاديث هو طواف ألأنواع غير الناس بالكعبة بزعم أنها لم تخلو من طائف مع أن المكلف بالحج هم الناس كما قال تعالى :
" ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"

والكعبة خلت من الحجاج والعمار أزمانا وما زالت وفى المستقبل بدليل أن لا أحد كان يعرفها مكانها فى عصر إبراهيم(ص) حتى كشف الله مكانها له وطلب منه أن يدعو الناس إلى حجها فقال :
"وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت"

الأحد، 7 مايو 2023

كلام فى التجسس

كلام فى التجسس
ماهية التجسس هو :
التعرف على أخبار الآخرين من خلال النظر والسمع المحرمين فى أماكن لا يحل دخولها لها الجاسوس ويستوى فى ذلك النظر من خلال العين المجرد أو الأذن المجردة أو النظر من خلال ناقلات الرؤية والكلام أيا كان نوعها
النهى عن التجسس :
نهى الله عن التجسس عامة وهو :
التعرف على أخبار الآخرين سواء كانوا مسلمين أو كافرين وسواء كانوا داخل دولة المسلمين أو خارجها فى دول الكفار وفى هذا قال تعالى :
" ولا تجسسوا"
ومن ثم لا يجوز التجسس الحربى أو غير الحربى
لا تجسس على الأعداء :
بين الله أن المطلوب من المسلمين هو إعداد القوة بأنواعها المختلفة فقال تعالى :
" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"
ومن بين إعداد القوة :
الرصد وهو القعود على الحدود لمعرفة أى تحرك لقوات العدو على الحدود داخل أرض المسلمين للرد الفورى عليه بمجرد تعدى الحدود بغرض العدوات كتحرك آليات الحرب من سيارات ومدرعات وطائرات وغيرها
وفى هذا قال تعالى :
" واقعدوا لهم كل مرصد"

وهذا الرصد ليس تجسس لأنه فى مجال الرؤية المفتوحة
ومن الأدلة على النهى عن التجسس داخل أرض العدو مطالبة الله المؤمنين فى دول الكفر بالهجرة لدولة المسلمين فلو كان يريد تجسسا لأمرهم بالبقاء فيها لنقل أخبار العدو وفى هذا قال تعالى :
"والذين أمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا"
منع تجسس الأعداء على المسلمين :
أمر الله المسلمين ألا يدخلوا غير مسلم فيما يسمى البطانة وهى المجاهدين ومن ثم يمنع أى كافر من دخول الجيش المسلم حتى ولو كان يعمل فيما لا صلة له بالحرب مباشرة كالإداريين والأطباء وفى ذلك قال تعالى :
"يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر"
فمهما ظهر الذمى أو غيره بصورة المحب أو العادل معنا ففى قلبه شىء من الكراهية تجعله من الممكن أن يفعل أى شىء يؤدى لهزيمة المسلمين
وكرر نفس المعنى فقال :
"أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله وليجة"
ولو عدنا للقرآن فتأملنا الآيات النازلة فى المنافقين لعلمنا أن الله لم يأمر نبيه (ص) والمسلمين بالتجسس عليهم بدليل أنهم كانوا يريدون اضلاله بشتى الطرق فلو كان مأمورا بالتجسس عليهم لعرف ما يدبرون ولكن الله عرفه صفاتهم التى تجعله يأخذ الحذر منهم فقال تعالى :
" ولتعرفنهم فى لحن القول"

ومن ثم لم يكن يعرف ما يدبرون له وللمسلمين إلا بعد أن يكشفهم الله من خلال الوحى وفى احدى عملية الاضلال قال تعالى :
"ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء"
ولذا كان الأمر الإلهى للمسلمين فيهم :
" هم العدو فاحذرهم"
ومن ثم كانت عداوتهم تظهر مرة أو مرتين كل سنة من خلال الأفعال الصريحة كما قال تعالى :
"أو لا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون"
التجسس من خلال دخول البيوت من غير أبوابها :
من صور التجسس على الناس قيام البعض بدخول البيوت من غير أبوابها وهى أماكن الدخول التى يدخل منها أهل البيت أو غيرهم بعد الاستئذان وفى هذا قال تعالى :
"وأتوا البيوت من أبوابها"
وقال:
" وليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها"
فدخول البيوت من غير مداخلها المعروفة ليس برا أى إسلاما وإنما هو كفر
الاستئذان لمنع التجسس فى البيت :
كما حرم الله التجسس على من فى البيت حرم على من فى البيت التجسس على عورات من فى البيت فأوجب على الأولاد ومن معه غير الأبوين الاستئذان فى ثلاث أوقات هى قبل صلاة الصبح وعند الظهيرة والتخفف من الملابس وبعد صلاة العشاء حتى لا يطلعوا على عورات الأبوين
وفى هذا قال تعالى :
"يا أيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض"
عقاب المتجسسين :
بين الله أنه جعل عقوبة الجن الذين يقعدون مقاعد للسمع فى السماء لمعرفة أخبار الغيب هى حرقهم بالشهب فقال :
"وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا"
ومن ثم فعقوبة المتجسس أو الجاسوس أيا كان هى عقوبة الإهلاك وهى القتل لأنه محارب لله يريد من خلال تلك المعرفة الافساد فى الأرض ويظهر ذلك فى استعمال المعلومات فى قتل وجرح المسلمين كما يظهر فى بعض الأحوال كابتزاز يؤدى لإفساد المبتز بجعله يرتكب جرائم متعددة كالزنى أو السرقة أو غيرها
ومن ثم لا يجوز لأيا كان التجسس حتى ولو كان القاضى لمعرفة الحقيقة فى قضية ما لأنه ليس لنا إلا الظاهر فليس لنا معرفة الباطن ولذا حرم قتل من قال أنه مؤمن بدون البحث عما فى داخله فقال :
"يا أيها الذين أمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا"
وهناك أمور تبدو فى الظاهر كأنها تجسس ولكنها ليست كذلك كمن يمر فى شارع ليلا أو نهارا فيسمع دون إرادته كلام من داخل البيت عن عمل جريمة ما
وهناك الحكاية المشهورة عن عمر والبنت التى رفضت وضع الماء على اللبن
ومن الأمور المريبة حدوث حدث لا يجوز كرجل يدخل بيت امرأة وهو ليس قريبها فى وقت متأخر أو امرأة تدخل بيت رجل أعزب وهى ليست قريبته ففى تلك الحالة يجوز للشهود الدخول للتأكد من عدم حدوث الزنى أو حدوثه فهنا المبرر للفضول المعرفى هو ارتكاب فعل لا يفعله الناس فى العادة وهو فعل محرم فدخول المرأة الغريبة أو الرجل الغريب غير بيته يعد وضعا مريبا
فمظنة ارتكاب الجريمة بسبب ارتكاب فعل محرم لا يعد من التجسس ومن أراد فعل خير عليه أن يأخذ معه عند الذهاب لبيوت نساء امرأة أو رجل أو حتى يرسل أطفالا ومن هنا كان القول دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
وأى امرأة تريد البعد عن مظان الشبهات عليها إن أدخلت رجلا غريبا لمنفعة ما البيت أن تجعل باب بيتها مفتوحا فذلك ينفى الريب عنها وعنه