قراءة فى خطبة الشتاء حِكم وأحكام
الخطيب هو عبد الله بن عبده نعمان العواضي والخطبة تدور حول أحكام الشتاء وقد تحدث الخطيب عن عيوب الشتاء فقال :
"أما بعد:
أيها
المسلمون، لقد أقبل علينا فصل الشتاء يحمل معه شدة البرد، وكثرة المرض،
وصعوبة الحركة، وقلة الإنتاج وهذه مضار لكن مع المضار منافع للبشرية لا
تتحقق إلا في فصل الشتاء، ولا تتم إلا في ظل البرد"
والعيوب والفوائد أى شر وخير الشتاء هو من ضمن الابتلاء بالشر والخير وفيه قال تعالى:
" ونبلوكم بالشر والخير فتنة"
ونقل عن ابن القيم كلام عن كون تنوع المناخ فى المكان الواحد فى الفصول الأربع يحقق مصالح مختلفة فقال :
"
قال ابن القيم: "تأمل أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لإقامة هذه
الأزمنة والفصول وما فيها من المصالح والحكم؛ إذ لو كان الزمان كله فصلاً
واحداً لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه، فلو كان صيفاً كله لفاتت منافع
مصالح الشتاء، ولو كان شتاء لفاتت مصالح الصيف، وكذلك لو كان ربيعاً كله،
أو خريفاً كله، ففي الشتاء تغور الحرارة في الأجواف وبطون الأرض والجبال،
فتتولد مواد الثمار وغيرها، وتبرد الظواهر، ويستكثف فيه الهواء، فيحصل
السحاب والمطر، والثلج والبرد الذي به حياة الأرض وأهلها، واشتداد أبدان
الحيوان وقوتها، وتزايد القوى الطبيعية، واستخلاف ما حللته حرارة الصيف من
الأبدان، وفي الربيع تتحرك الطبائع، وتظهر المواد المتولدة في الشتاء،
فيظهر النبات ويتنور الشجر بالزهر، ويتحرك الحيوان للتناسل"
وما
نقله الرجل عن ابن القيم ليس كله صحيحا ككلامه عن أزهار الشجر وتناسل
الحيوان فالإثمار والتناسل يتحقق فى كل الفصول تقريبا فهناك نباتات صيفية
وشتوية وخريفية وربيعية والحيوانات إن اقتصر بعضها على فصول معينة فى
التناسب فبقيتها تتكاثر فى أى وقت
وحدثنا كلاما أخر لا علاقة له بالعلم فقال :
"عباد
الله، في فصل الشتاء يسخن جوف الإنسان، ويبرد في الصيف؛ لأنه في الشتاء
يكون بارداً، فيبرد ظاهر البدن، فتهرب الحرارة إلى باطن البدن؛ لأن الضد
يهرب من الضد؛ ولهذا يسخن جوف الأرض في الشتاء؛ لسخونة الظواهر، فتهرب
البرودة إلى الأجواف"
فبرودة الجوف وحرارته ترجع إما إلى أنواع الطعام وإما إلى المرض فهناك
المواد الحريفة والمالحة والسكرية ترفع من حرارة الكثير من اجواف الناس
فالبرودة والسخونة فى الجوف لا تعود للجو
ثم قال :
"ومن حكم الله أن نبات وفواكه الشتاء لو أكلت في الصيف أو العكس لربما أضرت بالبدن وسببّت له الأذى، فسبحان الخالق الحكيم"
واعتبر العواضى أن الشتاء موسم لزيادة الطاعة فقال :
"معشر
المسلمين، إن محبي العبادة المكثرين منها يفرحون بقدوم الشتاء؛ لأنه موسم
للازدياد من الطاعة ليلاً ونهاراً، وموعد للراحة في التمتع بطول ملازمتها
قال ابن مسعود:" مرحباً بالشتاء، تنزل فيه البركة، ويطول الليل للقيام، ويقصر النهار للصيام
وحينما حضرت الوفاة معاذاً بكى، وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب على حِلَق الذِّكْر
إن
زمن الليل في فصل الشتاء يمتد ويبارك فيه؛ فهو بذلك فرصة لتطويل صلاة
الليل، مع أخذ الجسم حظه الكافي من النوم، وللروح بعد ذلك أن تحلِّق في
آفاق القيام ما شاءت قال تعالى: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا
يَهْجَعُونَ} {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}"
وهذا الكلام خاطىء فكل الأيام مجال ممتد لزيادة الطاعات فلم يحدد الله فى قيام الليل صيفا ولا شتاء ولا ربيعا ولا خريفا فقال :
" قم الليل إلا قليلا"
وتحدث عن كون الشتاء مجال للصيام بسبب قصر النهار فقال :
"والشتاء
فصل ملائم لعبادة الصيام؛ لأن نهار الشتاء بارد لا يحس الإنسان فيه بشدة
الظمأ، وألم الجوع، وضنك التعب، ولأن النهار في الشتاء أيضاً يمضي سريعاً؛
لقصر زمانه فيه
وهذا كله يعين المسلم الحريص على الصيام أن يكثر منه، ويداوم عليه؛ لتحصيله الأجر بلا تعب ولا مشقة كبيرين
ولذلك جاء في الحديث: الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة
قال
بعض العلماء: " إنما وصفها بالبرد؛ لأن الغنيمة إنما أصلها من أرض العدو
ولا تنال ذلك إلا بمباشرة الحرب والاصطلاء بحرها، يقول: فهذه غنيمة ليس
فيها لقاء حرب ولا قتال""
وهذا الكلام لا أساس له من الصحة فالصوم عقوبة على العديد من الذنوب ومن
ثم ليس هو شىء مستحب وإنما فرضه الله شهرا يدور فى كل الفصول فى مختلف
البلاد كما أنه منقص للأجور ف أجره عشر حسنات بينما من أكل مرتين فى النهار
وشرب عدة مرات كثلاث مرات كان ثوابه خمسين حسنة كما قال تعالى :
" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"
ومن ثم فالصوم ليس مثيب للمسلم وإنما منزل لثوابه
وتحدث عن أمراض الشتاء وكثرتها أو تكرارها فقال :
"أيها المسلمون، إذا جاء فصل الشتاء كثرت فيه أمراض الزكام و الحمى والصداع، وغير ذلك
ولكن
الإسلام يعلمنا ما يخفف عنا وقع هذه الأمراض وآثارها، فيعلمنا التفاؤل عند
المكاره؛ لأن المكاره قد تحمل معها المحاب والمسار قال تعالى: {كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا
شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ
لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}
فما
يحمله الشتاء من العناء-ويختلف ذلك باختلاف الأماكن شدةً وخفةً- في طياته
منافعُ للأرواح وللأبدان، فكم زُرعتْ في الشتاء من خيرات، وجُنيت من حسنات،
ومُحيت من سيئات، لدى من جدّ وسعى وتفكر
وكم عوفيت من أبدان بتلك الأمراض، وربما صحت الأجسام بالعلل"
ونثل عن ابن القيم كلاما أخر عن الحمى فقال :
"يقول
ابن القيم : " الحمى فيها من المنافع للأبدان مالا يعلمه إلا الله، وفيها
من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفجة وإخراجها ما لا يصل إليه دواء غيرها،
وكثير من الأمراض إذا عُرض لصاحبها الحمى استبشر بها الطبيب وأما انتفاع
القلب والروح بالآلام والأمراض فأمر لا يحس به إلا من فيه حياة؛ فصحة
القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها، وقد أحصيت فوائد الأمراض
فزادت على مائة فائدة""
والمنقول عن ابن القيم هو فى الحمى عموما فى أى وقت وهو كلام من غير مختص
فى الطب حيث يعدد لنا فوائد الحمى منع أن أى مرض هو ضرر على الإنسان
وتحدث عن فائدة الأمراض فى النفس حيث أنها تذكر بقدرة الله وضعف الإنسان فقال :
"فالمرض
يذكِّر الإنسان ضعفه وعجزه؛ فيلجأ إلى القوي القادر ليذهب عنه سقمه وألمه،
فيعرف الإنسان حينذاك أنه عبد لمعبود حق، وأنه مفتقر إليه معتمد عليه،
وانقضاء حوائجه، وتفريج كرباته، وتحصيل راحته وسعادته لا يكون إلا عن طريق
التجائه إلى مولاه، وسعيه في سبيل مرضاته
فلو
بقي الإنسان قوياً بلا ضعف، قادراً لا يطرأ عليه العجز، صحيحاً لا يزوره
المرض لطغى وبغى وتجبر وتكبر، فجاء المرض ليعرِّفه حقيقة نفسه، وحق ربه
عليه"
وتحدث عن واجب المسلم تجاه الأمراض فقال:
"وعلمنا
الإسلام -عند تلك الأمراض- أن نواجهها بالصبر والاحتساب، فمن صبر ورضي خف
ألمه، وسهل سقمه، وقوي أمله بما ادخره الله له؛ جزاء تسليمه لقضائه وقدره،
فحين ذلك ينسى الوجع بسبب الموعود المنتظر بل قد يجد بعض الراضين المؤمنين
لذات في عنفوان الآلام والأسقام لا يجدونها أيام العافية، والعامل النفسي
له أثره على ما يَرِد إلى البدن من مسار أو مضار
قال النبي(ص): (ما يصيب المسلمَ من نصَب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)
وقال (ص): (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله ونفسه حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة) "
وكل الحديث السابق عن الأمراض وحتى ألآتى غير مرتبط بالشتاء لأن الأمراض
تتواجد فى كل الفصول والأحاديث السابقة يصح معناها إذا كانت تعنى صبر
الإنسان عليها وتداويه وشكره لله على الشفاء
وحدثنا عن الوقاية من الأمراض المعدية فقال :
عباد الله، والإسلام يعلّمنا -كذلك- الحِميَةَ والابتعاد عن مظان الداء، وأسباب البلاء،
قال رسول الله(ص): (فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد)
وهذا الحديث قاعدة في الوقاية عن مخالطة أصحاب الأمراض المعدية، مع الاعتقاد بأن كل شيء يجري بقضاء الله وقدره"
وحدثنا عن أساليب دفع البرد فقال :
"ويعلمنا الإسلام أيضاً فعل الأسباب الممكنة في دفع ضرر شدة البرد كالاستدفاء والاحتماء والاستشفاء
فقد
أنعم الله على الإنسان بما يقيه البردَ من ملابس وفرش وأغطية وأردية معدة
لذلك، إضافة إلى البيوت والمساكن التي يتحصن بها، ويأوي إليها وفي عصرنا
الحاضر بلغت هذه النعمة مبلغاً كبيراً في جودتها وتوفرها وتمام الانتفاع
بها لدفع أذى الشتاء
يقول
الله تعالى-ممتناً على عباده-: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ
سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً
تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ
أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى
حِينٍ} {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم
مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ
الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} "
ومن السابق نجد الله خلق لنا ملابس للوقاية من الحر كما خلق ملابس للوقاية من البرد وملابس للوقاية من جراح الحرب
وحدثنا
عن أن البرد يذكر من عنده وسائل الاستدفاء من وقود وملابس وسواهما باخوانه
الذين لا يجدون منها إلا القليل وأن واجبه هو مساعدتهم فقال:
"إخواني
الكرام، إن صيام رمضان يذكر الصائم آلام الجائعين، وحاجة الفقراء
والمساكين، ومجيء الشتاء-كذلك- يذكرنا بما أنعم الله علينا من وسائل الدفء
والحماية من إيذاء البرد وفي ظل ذلك علينا أن نتذكر إخواناً لنا يعانون
شراسة البرد وتبعاته، وآلامه ومضراته، هجم عليهم البرد بخيله ورجِله فخلف
من بينهم بلايا وضحايا، حينما لم تكن لهم بيوت واقية، وملابس كافية، وأطعمة
الخاصة التي تعطيهم طاقة وحرارة تحجز عنهم بعض سهام البرد الحادة، بل لقد
وجدت حالات مأساوية لبعض الأسر الفقيرة التي مات بعض أطفالها أيام شدة
البرد
أخي
المسلم المليء، إذا كان لديك ملابس شتوية تقيك البرد من أخمص قدميك إلى
هامة رأسك، فتذكر أن هناك أجساماً مُسلمَة لباسها الصيفي الرقيق هو لباسها
في الشتاء البارد، وإذا كان عندك فرش وثيرة وأغطية كثيفة كثيرة فتذكر من
ليس معه من ذلك شيء، أوْ له شيء منه ولكن لا يكفيه وأسرته، فتصدق مما أعطاك
الله؛ إن الله يجزي المتصدقين"
وحدثنا
عن كون أهلكت بريح الشتاء وهو كلام ليس عليه دليل لأن كلمة الريح مبهمة
وهناك ريح ساخنة كما أن هناك ريح باردة وكلاهما له أثاره السيئة فقال:
"إخوةَ
الإسلام، إن في أيام الشتاء عبراً وعظات لمن أراد أن يتعظ ويعتبر؛ فريح
الشتاء تذكر الإنسان أن الله عذّب قوماً بها، وهم قوم عاد؛ نصراً لنبيه هود
عليه السلام، ومن معه من المؤمنين قال تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ
فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ
لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى
كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} {فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن
بَاقِيَةٍ}"
وتحدث عن حرب الأحزاب مبينا أن الله حاربهم بريح الشتاء وهو كلام كالسابق ليس فيه نص وفيها قال :
"وردّ
الله بها كيد الأحزاب التي تحزّبت لغزو المدينة؛ نصراً لرسول الله محمد
(ص)، ومن معه من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ
جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً}
وقال:
{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً
عَزِيزاً} [الأحزاب 25] وفي هاتين الريحين -الريح التي أهلكت عاداً، والريح
التي ردت كيد الأحزاب- يقول النبي (ص): (نُصرت بالصَبا وأُهلكتْ عاد
بالدَّبور) "
والاستدلال بالحديث السابق خاطىء فالصبا والدبور ليستا ريح خاصة بشتاء أو
صيغ وإنما احداهما مشرقية والأخرى مغربية بمعنى واحدة تأـى من جهة الشرق
وواحدة من جهة الغرب
وتحدق عن الريح عموما فقال :
"عباد
الله، إن الريح جندي من جنود الله مسخرة بأمره لما يشاءه سبحانه وتعالى،
فقد ترسل بالرحمة، وقد ترسل بالعذاب؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا رأى أو سمع هبوب الريح عُرفت الكراهية في وجهه؛ خشية أن تكون
عذاباً أُرسل إلى أمته، وهذا من رحمته ورأفته (ص) بأمته كما وصفه الله
تعالى بقوله: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
فلأجل
هذا يستحب للمسلم أن يسأل الله خيرها ويستعيذ به من شرها، ولا يجوز له
سبها أو لعنها، فقد كان النبي(ص) إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك
خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشرما فيها، وشر
ما أرسلت به)
وروى
البخاري في الأدب المفرد وأحمد في مسنده وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: أخذت الناس الريح في طريق مكة وعمر حاج فاشتدت فقال عمر: لمن حوله
ما الريح؟ فلم يرجعوا بشيء، فاستحثثت راحلتي فأدركته فقلت: بلغني أنك سألت
عن الريح، وإني سمعت رسول الله(ص) يقول: (الريح من رَوْح الله-أي: من
رحمته بعباده- تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب؛ فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها،
وتعوذوا من شرها)
وعن
ابن عباس أن رجلا نازعته الريح رداءه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
فلعنها - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنها؛ فإنها مأمورة، وإنه
من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه) "
وكل
ما سبق من الكلام عن الريح ليس فيه ذكر للريح الشتوية وإنما هو كلام عام
لا يصلح للكلام فى موضوع الشتاء إلا إذا كان الشتاء مذكورا فيه بعينه
وحدثنا عن وجود برد فى النار فقال :
"معشر
المسلمين، إن برد الشتاء يذكرنا ببرد جهنم، نسأل الله أن يقينا عذابه يوم
يبعث عباده، نعم، هناك برد في جهنم، ولكنه برد عذاب لا برد نعيم على أهل
الحرارة واللهيب قال الله تعالى-عن أهل الجنة-: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى
الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً} ، بخلاف
أهل النار فإنهم يرون الشمس والزمهرير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم، واشتكت النار
إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء،
ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير) "
والحديث متناقض لم يقله النبى(ص) فكيف يكون حر الصيف بسبب فيح وهو حر جهنم ومع هذا يوجد فيها زمهرير ؟
والحديث مناقض لقوله تعالى :
" قل نار جهنم اشد حرا لو كانوا يعلمون"
ونقل عن ابن رجب كلاما فى تصديق الحديث الباطل فقال :
"قال
ابن رجب : " وقد جعل الله تعالى ما في الدنيا من شدة الحر والبرد مذكراً
بحر جهنم وبردها، ودليلاً عليها؛ ولهذا تستحب الاستعاذة منها عند وجود ذلك"
قال
ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ
وَغَسَّاقٌ}: " الغساق: الزمهرير البارد، الذي يُحرق من برده"
والتفسير المذكور تفسير خاطىء فالغساق هو نفسه الحميم والغساق ليس بردا وإنما شرابا لقوله تعالى :
" لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا"
وتحدث عن أن من تأذى من الماء البارد عليه باستعمال الماء الساخن فقال :
"عباد
الله، إن الصلاة مناجاة لله تعالى ووقوف بين يديه ومخاطبة له، فتحتاج إلى
طهارة ونقاء، والماء أفضل وسائل الطهارة وأنقاها، وفي أوقات شدة برد الشتاء
قد يشق استعمال الماء غير المسخن للوضوء أو الاغتسال، فمن استطاع تحمّل
مشقة الوضوء أو الغسل الكاملين في شدة البرد ثم انتصر على نفسه وهواه فخرج
للصلاة في بيوت الله تعالى فقد عمل عملاً عظيماً يمحو الله به الخطايا،
ويرفع به الدرجات، ويجلب له الحسنات
قال
رسول الله(ص): (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟
قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى
إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط) "
والحديث باطل فالدرجات اثنين فقط فكيف ترتفع أكثر مما حددها الله بقوله :
" فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة"
ثم قال :
وإذا
كان أجر الذاهبين للصلوات في الظلمات كبيراً كما قال النبي(ص): (بشر
المشّائين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)
فلا يمتنع فضل الله وكرمه عن أن ينال المشائين إلى بيوت الله في شدة البرد التاركين للدفء والفراش الوثير، والله تعالى أكرم وأعلم"
والخطأ
أن المشائين فى الظلم للمساجد لهم نور وحدهم يوم القيامة وهو ما يخالف أن
المسلمين كلهم لهم نور يوم القيامة وفى هذا قال تعالى "يوم ترى المؤمنين
والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات ".
وآتانا العواضى بكلام غريب عن استعمال التراب كبديل للماء فقال :
"
وأما من لم يستطع-بصدق- تحمل هذه المشقة في الطهارة من الحدث الأصغر أو
الأكبر فقد خفف الله تعالى عنه حيث شرع له استعمال التراب بدل الماء، فقام
التيمم مقام الوضوء والغسل
قال
الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن
كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ
أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء
فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
عن
عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات
السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا
ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب)؟!
فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلاَ
تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} فضحك رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يقل شيئا
والتيمم
طهارة حكمية تعبدية ليس الغرض منها تغبير الوجه والكفين، بل المقصود
امتثال أمر الله في هذا التيسير والتخفيف؛ ولذلك لم تكن لكل الجسم مكان
الغسل، ولا لكل الأعضاء مكان الوضوء، بل هي ضربة واحدة على الصعيد الطيب
ومسح للوجه والكفين مرة واحدة، كما جاء في الآية السابقة و في الأحاديث
النبوية الشريفة أيضاً
عباد
الله، ومن تيسير الله تعالى لدفع مشقة البرد في التطهر: جواز المسح على ما
يغطي القدمين من خفاف وجوارب وما يقوم مقامهما كالشرابات بدلاً عن غسل
القدمين في الوضوء، وهذا التخفيف عن الأمة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
من قوله ومن فعله، قال الحسن البصري رحمه الله: " حدثني سبعون من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين"
وحدث
إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث قال: رأيت جرير بن عبد الله بال ثم توضأ
ومسح على خفيه، ثم قام فصلى، فسئل؟ فقال: رأيت النبي(ص) صنع مثل هذا، فقال
إبراهيم: فكان يعجبهم حديث جرير؛ لأن جريراً كان من آخر من أسلم (ومعنى
قول إبراهيم هذا: الدلالة على أن جواز المسح على الخفين باق ولم ينسخ بآية
الوضوء في المائدة والتي فيها وجوب غسل الرجلين؛ لأن جريراً رضي الله عنه
أسلم بعد نزولها، ورأى النبي(ص) يمسح عليهما
غير
أن المسح على الخفين له شروط حتى يكون مسحاً صحيحاً، فأول هذه الشروط: أن
يكون الخفان أو ما يقوم مقامهما طاهرين غير نجسين، والثاني: أن يدخل
المتوضئ خفيه على طهارة، بمعنى: أن يتوضأ ثم يلبس بعد الوضوء، والثالث: أن
يكون المسح من الحدث الأصغر لا الأكبر، فإذا حصل الحدث الأكبر فلا بد من
نزعهما حتى يصيب الماء القدمين، والشرط الرابع: أن يبقى المسح على المدة
المحددة شرعاً، وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، وتبدأ
المدة من أول مسح على القول الراجح من أقوال الفقهاء
وهذا الشروط استنبطت من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكورة في كتب السنة
ومما
يصح مسحه للمتوضئ: العمامة الساترة، بدل نزعها والمسح على الرأس، فقد روى
ابن حبان وأبو داود وغيرهما عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول
الله(ص) مسح على ناصيته وعلى العمامة، ثم مسح على خفيه"
وكل ما سبق من أحاديث لم يقل منه النبى(ص) شىء ولا الصحابة المؤمنون ولا
فعلوا شىء منه نظرا لأن منطوق الآية حدد استخدام التراب بعدم وجود الماء
فقال :
"فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً"
وهو
داخل فى باب أخر وهو باب ومنه الذى يجد أذى يمرضه ومن ثم فالحل إما تسخين
المياه وإما استخدام التراب وقاية من المرض واستخدام التراب لا يجوز فى
مكان به وقود يسخن الماء كما قال تعالى
" وما جعل عليكم فى الدين من حرج"
وتحدث عن السدل فى الصلاة وهى تغطية الفم والأنف فذكر تحريمه فقال :
"أيها
المسلمون، ومن الأحكام الفقهية المحتاج إليها في الشتاء وفي غيره: أن بعض
المصلين يدخل الصلاة وهو ملثمٌ أنفه وفاه، وهذا خطأ ينبغي التنبيه عليه،
فقد نهى رسول الله(ص) عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه
وحكمة
ذلك بعد التعبد: أن في فعله تشبهاً بالمجوس عند نيرانهم التي يعبدونها،
ونحن مأمورون بمخالفة الكفار؛ ولأن هذا الفعل ليس من الزينة المأمور بأخذها
عند الصلاة، كما قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ
كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ}
إلا أنه يجوز التلثم لحاجة كمرض أو رائحة كريهة، فلا يكره عند ذلك"
وهو كلام لا أساس للقول به وكان المفروض اباحته كما أباح التيمم بالتراب
ولكنه هنا حرمه مع أن السبب واحد وهو الاضطرار بسبب الوقاية من المرض وهو
داخل تحت باب الحرج
وتحدث عن أمراض الشتاء كالزكام ووجوب تحملها كما تحدث عن فوائد العطاس فقال :
"إخواني
الأفاضل، مما يكثر حصوله أيام البرد: كثرة الزكام، وهو مرض كغيره من
الأمراض التي ينبغي الحرص على البعد عن أسبابها، فإذا حصل فالمشروع للمسلم
الصبر فيه واحتساب الأجر عند الله تعالى عليه، والممنوع سبه وإظهار السخط
والجزع من حصوله وهذا المرض-يا عباد الله- يولّد كثرةَ العطاس، والعطاس قد
يظن بعض الناس أن لا فائدة منه، وهذا ليس بصحيح؛ فالعطاس نعمة من الله
تعالى على الإنسان؛ لأنه يحمل على النشاط وخفة الروح، ويُخرج من الجسم مواد
محتقنة وفضلات مؤذية يضر بقاؤها البدن
ولهذا شرع الله للعاطس أن يقول: الحمد لله؛ لأنه حصلت له نعمة وبعض معبري الرؤى يؤولون رؤيا العطاس بتفريج الكربات
ولما كان العطاس بهذه المثابة كان مما يحبه الله تعالى، قال النبي(ص): (إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب)
وحينما
كان العطاس نعمة على الإنسان فلا يصح له أن يجعله نقمة على غيره، فعلى
العاطس أن يتأدب بآداب العطاس كتغطية الفم والأنف باليد أو المنديل أو
الثياب؛ حتى لا يؤذي الآخرين بخروج شيء من أنفه أو فمه، وينقل إليهم العدوى
ومن أدب العاطس: أن لا يرفع صوته أثناء عطاسه؛ لأن في ذلك إيذاء وتهييجاً للآخرين على الزكام
فقد روى الحاكم والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة: أن النبي(ص) كان إذا عطس غطى وجهه بيده أو بثوبه، وغض بها صوته"
وحب الله للعطاس وكراهيته للتثاؤب قول باطل لأنه هو من خلقهما وهما ليس بكافرين ولا هما كفر حتى يكرهما
وأما تغطية الفم والأنف عند العطاس فهو أمر واجب لعدم نشر المرض
ولم يتعرض الخطيب لموضوع الصلاة فى المطر كما لم يتعرض برحلة الشتاء والصيف فى القرآن رغم أنهما أشهر من كل ما ذكره
السبت، 8 أكتوبر 2022
قراءة فى خطبة الشتاء حِكم وأحكام
الجمعة، 7 أكتوبر 2022
قراءة فى كتاب أهمية أسلوب المدح في الدعوة إلى الله وضوابطه
قراءة فى كتاب أهمية أسلوب المدح في الدعوة إلى الله وضوابطه
المؤلف
حمود بن جابر بن مبارك الحارثي وموضوع البحث هو استعمال أسلوب المدح فى
الدعوة إلى الله وقد تحدث عن استخدام الناس للمدح وافراطهم فيه فى حياتهم
فقال فى مقدمته:
" و بعد:
إن
مما هو مشهور و معروف بين الناس التمادح الذي يتبادله الناس فيما بينهم
سواء كان شعرا أو نثرا، و خاصة ما يمدح به أهل المكانة و الوجاهة من عبارات
و ألفاظ تتجاوز حد الوسطية إلى الغلو، حتى أصبحت بعض ألفاظ المدح يمجها
عامة الناس فضلا عن طلاب العلم و العلماء ومثقفي الناس. إن هذه الظاهرة
أحدثت عندي تساؤلات منها ما حكم هذه الظاهرة، و ما ضوابطها، و هل يمكن أن
يكون المدح من أساليب الدعوة، و ما مدى إمكانية الإفادة منه في الدعوة إلى
الله تعالى، و غير ذلك من التساؤلات. ... وشعورا بالواجب الذي أوجبه الله
على الباحثين وطلاب العلم من نشر العلم الصحيح بين الأمة، و إثراء المكتبة
العلمية الدعوية بما هو نافع و مفيد من المؤلفات و البحوث التأصيلية عقدت
العزم على بحث هذه الظاهرة من منظور شرعي دعوي، من خلال دراسة سنة النبي
(ص)وسيرته واستنباط المنهج النبوي في مدح النبي (ص)لأصحابه و للمدعوين بوجه
عام، ومدح الصحابة والناس عامة للرسول (ص)لعلني أفيد منه الدعاة إلى الله
بعلم مؤصل من الكتاب و السنة، فرأيت أن يكون بعنوان (أهمية أسلوب المدح في
الدعوة إلى الله وضوابطه"
وقد استهل البحث بتعريف الكلمات الرئيسية الواردة فى العنوان وهى الأسلوب والمدح والدعوة فقال:
المبحث الأول: تعريفات عنوان البحث
أولا: تعريف الأسلوب
ـ الأسلوب في اللغة:
الأسلوب: الطريق، وعنق الأسد، والشموخ في الأنف .
الأسلوب: كل طريق ممتد فهو أسلوب.
الأسلوب: الطريق، الوجه، المذهب. والجمع أساليب .
الأسلوب: الفن. يقال أخذ فلان في أساليب من القول: أي في أفانين منه.
وقد سلك أسلوبه: طريقته. وكلامه على أساليب حسنة .
وبعد هذه اللمحة اللغوية السريعة نجد أن من معاني الأسلوب اللغوية: ـ
الطريق، والطريقة، الوجه، المذهب، الفن.
ـ الأسلوب في الاصطلاح:
عرف بعدة تعريفات: ـ
1 ـ الأسلوب: هو الطريقة الكلامية التي يسلكها المتكلم في تأليف كلامه، واختيار مفرداته .
2 ـ الأسلوب: هو طريقة الإنشاء، أو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها، للتعبير بها عن المعاني، قصد الإيضاح والتأثير .
3 ـ أسلوب الدعوة: هو طريقة الداعي في دعوته، أو كيفية تطبيق مناهج الدعوة .
4 ـ أسلوب الدعوة: هو فن الدعوة. وأساليب الدعوة: فنونها، وهي: الحكمة، الموعظة، القوة ... الخ .
5 ـ أسلوب الدعوة: هو الطريقة أو المذهب الذي يلجأ إليه الداعي إلى الله، ليحقق بذلك أهداف الدعوة .
6 ـ أساليب الدعوة: هي العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة التبليغ، وإزالة العوائق عنه
تعريف
أسلوب الدعوة: من مجموع التعاريف اللغوية والاصطلاحية السابقة يمكننا
القول بأن أسلوب الدعوة: هو الطريقة المقنعة المؤثرة في المدعو بما يتناسب
مع حاله.
وقلت:
بما يتناسب مع حاله؛ لأن طبائع الناس ومنازلهم مختلفة. فمنهم من يدعى
باللين، ومنهم من يدعى بالموعظة، ومنهم من يدعى بالقوة، ومنهم من يدعى
بالهدية والتأليف ... الخ.
ـ الفرق بين الوسيلة الدعوية والأسلوب الدعوي: وحتى نفرق بين الوسيلة و الأسلوب فلا بد أن نعرف الوسيلة، فنقول:
الوسيلة: هي الأداة الموصلة إلى غاية.
والوسيلة الدعوية: هي الأداة المنضبطة شرعا، الموصلة إلى غاية منضبطة.
وهي التي تستخدم لنقل الأفكار من الداعي إلى المدعو.
أما أسلوب الدعوة: فهو الطريقة المقنعة المؤثرة في المدعو بما يتناسب مع حاله.
وبذلك تعتبر الوسيلة أداة ناقلة للأسلوب من خلالها .
ثانيا: تعريف المدح
معنى المدح في اللغة:
المدح: نقيض الهجاء، وهو: حسن الثناء.
وقيل: الوصف الجميل. وعد المآثر .
وقيل: هو وصف المحاسن بكلام جميل
والمداحون: هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه
المدح في الاصطلاح: الثناء باللسان على الصفات الجميلة خلقية كانت أو اختيارية
ثالثا: تعريف الضابط
الضابط لغة: لزوم الشيء وعدم مفارقته، وفيه معنى الحبس، كما يطلق أيضا على القوة والشدة، فيقال: رجل ضابط، أي: قوي شديد حازم .
الضابط اصطلاحا: أمر كلي ينطبق على جزئياته لتعرف أحكامها منه .
وهذا
التعريف للضابط لا يختص بعلم معين بل هو عام في كل علم يمكن أن تصاغ فيه
ضوابط، ويتبين هذا بمقارنته بالتعريف الفقهي للضابط. كما أن من العلماء من
يجعل الضابط مرادفا للقاعدة. "
وكان
على الباحث الاقتصار على معنى الكلمة التعريفى أو المصطلحى فقط دون اللجوء
لما فى اللغة من معانى لأنها لا لزوم لها لأنها لا تقدم ولا تؤخر فى
الموضوع طالما ارتبطت باحكام الله فهى التى تحدد معنى الشىء
وتحدث عن وجود نوعين من المدح المحمود والمذموم فقال :
"المبحث الثاني: أنواع المدح وضوابطه
أولا: أنواع المدح:
النوع
الأول: المدح المباح: وهو ما توفرت فيه ضوابط المدح، فقد ثبت في السنة أن
النبي (ص)مدح في الشعر والخطابة والمخاطبة ولم يمنع المادح، كمدح عبد الله
بن ... رواحة له قائلا:
إني تفرست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ما خانني البصر
أنت النبي ومن يحرم ... شفاعته ... يوم الحساب فقد أزرى القدر
فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
فقال له النبي (ص)وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة .
ومدحه كعب بن زهير في قصيدته المشهورة عندما جاء تائبا مسلما:
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا "
الروايات فى معظمها كاذبة خالصة مع معارضتها لكتاب الله فقد حرم الله المدح حتى لو كان حقيقة لفرد بعينه فقال :
" فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى"
وتحدث عن نتيجة المدح المباح فقال:
"نتيجة المدح المباح:
إذا
تحققت ضوابط المدح، فإن الممدوح لا يزداد بها إلا كمالا، إما بالنشاط في
فعل الخير والازدياد منه، أو بالدوام عليه. خاصة إذا كان المادح من ذوي
المكانة والحكمة الذين يقدرون الأمور بقدرها ويحرصون على درء المفاسد وجلب
المصالح.
روى
الإمام البخاري بسنده عن سالم عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال:
" كنت غلاما شابا، وكنت أنام في المسجد على عهد الرسول (ص)فرأيت في النوم
كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها
قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال:
فلقينا ملك آخر فقال لي: لم ترع. فقصصتها على حفصة فقصتها على رسول الله
(ص)فقال: نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل. فكان بعد لا ينام من
الليل إلا قليلا " "
الحديث
الذى اعتمد عليه الحارثى هنا باطل فلا يوجد أحد رأى الملائكة من المسلمين
أو حتى الكفار فى عهد النبى (ص) لأن الملائكة لا ترى إلا يوم القيامة كما
قال تعالى :
"يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين"
كما أن الله لم يعط خاتم النبيين(ص) آية تأويل الأحاديث وهى الأحلام كما أعطاها ليوسف(ص) ولا نص يثبت أنه أعطاها إياه
ونتيجة
المدح غالبا هى نتيجة سيئة للممدوح وحتى للمادح لأن العلم بحقيقة الفرد لا
يعلمها إلا الله وقد خدع النبى(ص) نفسه والمؤمنون فى أناس ادهوا الإسلام
وكانوا كفرة مجرمين حيث ارتكبوا جريمة ونسبوها لكافر برىء من ارتكابها فنزل
الوحى مبرئا له وناهيا للمسلمين عن الجدال عن المجرمين فقال :
" ها أنتم جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة"
وتحدث عن دعاء يقوله الممدوح حتى لا يغتر فقال:
"دعاء الممدوح:
حتى
يأمن الممدوح من مداخل الشيطان والفتنة والرياء فإنه يدعو بهذا الدعاء "
اللهم اغفر لي ما لا يعلمون. ولا تؤاخذني بما يقولون. واجعلني خيرا مما
يظنون " .
وعليه أن يتحرز من آفة العجب أو الفتور، ويظهر كراهة المدح ويراقب نفسه."
بالقطع الدعاء لا يمنع شىء لأن المانع من الاغترار هو إرادة الممدوح نفسه
ومن ثم لا نجد مدح مباح لفرد باسمه وإنما المدح هو لمن فعل كذا أو قال كذا فهو مدح عام كما فى قوله تعالى :
" فأولئك هم المؤمنون حقا"
وتحدث عن النوع الثانى الذى ظنه وهو المدح المذموم فقال :
"النوع الثاني: المدح المذموم:
وهو
ما انعدمت فيه ضوابط المدح المباح فانعدم فيه الصدق، أو صاحبه النفاق، أو
اتخذ مهنة للتكسب، وزاد الممدوح بطرا وتكبرا وظلما ورئاء.
وهذا
النوع هو الذي عناه الرسول (ص)فيما رواه الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ بسنده
عن أبي معمر قال: " قام رجل يثني على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثي
عليه التراب وقال: أمرنا رسول الله (ص)أن نحثي في وجوه المداحين التراب " .
قال
النووي: (حمل المقداد هذا الحديث على ظاهره ووافقه طائفة وقال آخرون:
معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئا لمدحهم ـ كأنهم من الذين يتكسبون به ـ وقال
آخرون: قولوا له بفيك التراب) .
وقال الطيبي: (يحتمل أن يراد به دفعه وقطع لسانه عن عرضه بما يرضيه من تراب الدنيا استهانة به) ."
وقد انتهى الباحث إلى أن الفقهاء علموا التناقض بين أحاديث المدح وأحاديث النهى عنه فحاولوا الجمع بينها كما قال :
"وقال
العلماء في الجمع بين أحاديث الإباحة والنهي: إن كان الممدوح عنده كمال
إيمان ويقين، ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن ولا يغتر بذلك فليس بحرام وإن خيف
عليه شيء من
هذه الأمور كره مدحه في وجهه كراهة شديدة هذا في حق الممدوح
أما المادح فيتحمل وزر قوله إن كان كاذبا، أو متكسبا ويؤجر إن كان من أهل الحكمة والعلم وإرادة الخير بالناس."
ولا يوجد أساسا أحاديث تبيح المدح لأنها معارضة بكلام الله فى القرآن ومن ثم فكلها باطلة
وأما
حكاية قذف التراب فى وجوه المداحين فهى باطلة لأن المفروض هو عقاب المادح
لمخالفته نهى الله عن المدح والعقوبات فى القرآن ليس بها قذف تراب وإنما
عتق وإطعام مساكين وصوم أو جلد
ومن باب المدح تدخل احدى الشرارات الأولى لهدم دولة العدل من خلال ظن الممدوح أنه أحسن من باقى المسلمين ومن ثم كفره وتجبره عليهم
وتحدث عن نتائج المدح المذموم فقال :
"آفات المدح المذموم:
قال الغزالي: في المدح المذموم ست آفات ، أربع على المادح وهي:
1 ـ قد يفرط فيه فيذكره بما ليس فيه فيكون كاذبا.
2 ـ وقد يظهر له من الحب ما لا يعتقده فيكون منافقا.
3 ـ وقد يقول له ما لا يتحققه ولا سبيل إلى الإطلاع عليه فيكون مجازفا.
4 ـ وقد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق فيكون مناصرا لظالم.
وآفتان على الممدوح: ـ
1 ـ قد يحدث فيه كبرا وإعجابا وهما مهلكان.
2 ـ قد يفرح فيفسد عمله، أو يفتر"
واضرار المدح يجمعها أن تكفر المادح والممدوح إن صدق المدح وظن أنه أفضل من غيره
وتحدث عما سماه ضوابط المدح فقال :
"ثانيا: ضوابط المدح:
بما
أن الرسول (ص)أهل للمدح، وكل ممدوح من البشر سواه ناقص، إلا أننا نجده
أرشد إلى ما يجوز من المدح، وسد وسائل الإطراء والغلو التي تؤدي إلى الشرك
في مدحه أو مدح غيره، أو تؤدي إلى فتنة الممدوح.
ومن خلال استقراء بعض نصوص السنة في المدح نستنبط ضوابط المباح حتى يكون مباحا وهي: ـ
1 ـ موافقة القول للحقيقة:
وهو أن يكون الممدوح أهلا لما يقال فيه، ولا يتجاوز المادح الصفات الحقيقية الصادقة
في الممدوح. قال ابن حجر: (أما الثناء بما يعلم حقيقة فهو جائز ومستثنى من التمادح المكروه) .
2 ـ التوسط في المدح وعدم المبالغة ومجاوزة الحد.
فالرسول
(ص)اصطفاه ربه بالرسالة، وهو أفضل خلقه، وكل مدح يقال فيه صدق ـ إذا لم
يتجاوز التأدب مع الله ـ ومدح الرسول (ص)لا يتعدى كونه بشرا رسولا، تشرف
بالعبودية لله وبلغ ما كلف به بلاغا كافيا. فمنع المبالغة في إطرائه ورفعه
أعلى من بشريته.
روى
الإمام البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب قال: " سمعت النبي (ص)يقول: لا
تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله
ورسوله " .
وروى
أبو داود ـ رحمه الله ـ بسنده عن مطرف قال: " قال أبي: انطلقت في وفد بني
عامر إلى رسول الله (ص)فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله تبارك وتعالى.
قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا ، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا
يستجرينكم الشيطان " .
هؤلاء
أعراب كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكره لهم المبالغة في مدحه، فقال لهم:
تكلموا بما يحضركم من القول ولا تتكلفوه، فيستعملكم الشيطان فيما يريد من
التعظيم للمخلوق بمقدار لا يجوز ."
الحديث الأول نهى تماما عن أى مدح والثانى والثانى ناقضه فأباح بعض المدح وهو تناقض لا يمكن أن يقول به الرسول(ص)
ومن ثم لا يوجد مدح مباح
وحدثنا عن الأمن من فتنة المدح فقال :
3" ـ الأمن من فتنة الممدوح.
وذلك أن المدح قد يحدث للممدوح فتنة فيقع في معصية كالكبر والاستعلاء والفتور عن العمل الصالح.
روى
الإمام البخاري بسنده عن أبي بكرة " أن رجلا ذكر عند النبي (ص)فأثنى عليه
رجل خيرا، فقال النبي (ص)ويحك قطعت عنق صاحبك، يقوله مرارا، إن كان أحدكم
مادحا لا محالة فليقل: احسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا
يزكي على الله أحدا " .
فالنهي
في الحديث محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الوصف أو من يخاف عليه
فتنة من إعجاب أو كبر. أما من لا يخاف عليه ذلك لكمال إيمانه وعقله فلا
نهي في مدحه إذا لم يكن فيه مجازفة .
4 ـ تقييد المدح بقول: أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدا.
تأدبا
مع الله في رد علم السرائر إليه فهو أعلم بمن اتقى، والأحكام تجرى بالظاهر
والله يتولى السرائر، فإن هذا اللفظ يعتبر مقيدا لما صدر من ألفاظ المدح
بشرط أن تكون قد تحققت فيه الضوابط الثلاثة الأولى."
وهذا الكلام يتعارض مع وجوب قول العدل عندما يكون مطلوبا كما قال تعالى :
" وإذا قلتم فاعدلوا"
والشهادة المطلوبة تكون فى القضاء سواء كانت مدحا أو ذما كما قال تعالى :
" ولا تكتموا الشهادة"
وتحدث عن نماذج من المدح فقال :
"المبحث الثالث: نماذج من مدح النبي (ص)للمدعوين ونتيجته الدعوية:
إن
المدح أسلوب من أساليب الدعوة المؤثرة. وهو أشد تأثيرا فيمن اشتهروا
وعرفوا بحب الشهرة والمفاخرة وعد المآثر من أمثال ذوي المكانة و الوجاهة و
الملأ من الناس.
ونجد
في سيرة الرسول (ص)شواهد مدح لهم، إما لمسلم يحثه على فعل الخير والازدياد
منه إذا أمنت فتنته، أو لكافر يتصف بصفة حميدة يرغبه في الإسلام. ومن
أمثلة ذلك.
1 ـ
مدح فرد من المسلمين: روى الإمام أحمد عن أنس " أن رجلا من أهل البادية
كان اسمه زاهر بن حرام وكان يهدي للنبي (ص)من البادية، فيجهزه رسول الله
(ص)إذا أراد أن يخرج، فقال النبي (ص)إن زاهرا باديتنا، ونحن حاضرته، وكان
النبي (ص)يحبه، وكان دميما، فأتى النبي (ص)يوما وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من
خلفه لا يبصره. فقال: أرسلني من هذا؟ والتفت فعرف النبي (ص)فجعل يلصق ظهره
بصدر النبي (ص)فجعل النبي (ص)يقول: من يشتري مني هذا العبد؟ فيقول هو: إذا
تجدني كاسدا. فقال له النبي (ص)لكنك عند الله لست بكاسد " " .
2
ـ مدح القبائل من مسلمي الأعراب: روى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة "
عن النبي (ص)قال: أسلم سالمها الله. وغفار غفر الله لها "
وروى
أيضا عن أبي بكرة قال: " قال النبي (ص)أرأيتم إن كان جهينة ... ومزينة
وأسلم وغفار خيرا من بني تميم وبني أسد ومن بني عبدالله بن غطفان ومن بني
عامر بن صعصعة؟ فقال رجل: خابوا وخسروا. فقال: هم خير من بني تميم ومن بني
أسد ومن بني عبدالله بن غطفان ومن بني عامر ابن صعصعة ". وفي رواية " والذي
نفسي بيده إنهم لخير منهم " .
هذه
القبائل الممدوحة من الأعراب الذين كانوا حول المدينة، وكانوا من أسبق
القبائل للإسلام، فحصلوا على هذه المكانة والشرف بسبب ذلك . فمدحهم الرسول
(ص)مدحا صادقا هم أهل له لأنهم من السباقين للإسلام.
وروى
مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: " لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من
رسول الله (ص)سمعته يقول: هم أشد أمتي على الدجال. قال: وجاءت صدقاتهم فقال
النبي (ص)هذه صدقات قومنا قال: وكانت سبية منهم عند عائشة فقال رسول الله
(ص)أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل " .
مدح أسلم وغفار ومزينة وجهينة لأسبقيتها للإسلام، بل صرح بأفضليتهم على تميم وهوازن وغطفان.
ثم مدح تميما بالخلال التي يتصفون بها في ذلك الوقت. أو بالمواقف التي ستحصل منهم في المستقبل، والنسب الذي ينتسبون إليه.
وعندما يصدر هذا المدح الصادق من قائد الأمة فإنه مما يزيدهم ثباتا على الإسلام وحبا لرسوله (ص)وانضواء تحت لوائه، و قد تحقق ذلك."
والنبى(ص) لم يمدح كل تلك الأقوام ولا قال فيهم تلك الأقوال لأنه لا يوجد
قوم يسلمون بكاملهم وإنما كان منهم كفار حاربوا الله ورسوله (ص) وحديث
كحديث الدجال المزعوم كذب محص لأن النبى(ص) لا يعلم الغيب كما قال تعالى
على لسان نبيه(ص) الأخير:
" ولا أعلم الغيب"
وأما حديث أسلم سالمها الله فلم يكن مدحا فى الكثير من الروايات وإنما كان دعاء والدعاء ليس مدح وإنما طلب
ومن ثم لا مجال للمدح
"وتحدث عن مدح الكفار فقال :
3 ـ مدح من يستحق المدح من الكفار:
إن
مما نزل على الرسول (ص)قول الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي
هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا
وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به
لعلكم تذكرون} .
وهو أول من يتمثل القرآن، وكان خلقه (ص)القرآن، وإذا لم يكن العدل عند النبي (ص)من البشر فعند من يكون؟!
وهذا
العدل الذي تميز به (ص)يعد أسلوبا مؤثرا من أساليب الدعوة. فعندما يذكر
المرء أو القوم بصفاتهم الحسنة وخلالهم الجميلة، حتى وإن كانوا كفارا. فإنه
مما يدعوهم لحب المادح وقبول المبادئ التي يدعو إليها.
وأقل ما في الأمر يلزمون الحياد ويمتنعون من الإيذاء.
وهذا
مثال عدل في مدح قبيلة من الأعراب وهي على الكفر قبل الإسلام. قبيلة شيبان
بن ثعلبة. التقى بهم الرسول (ص)وهو يعرض نفسه على القبائل، وكانت من أحسن
القبائل ردا على الرسول (ص)بل عرضت عليه المنعة مما يلي أرض العرب. ورأى
فيهم حسن الرأي والوفاء بعهدهم مع الفرس. فقال لهم (ص)" ما أسأتم في الرد
إذ أفصحتم بالصدق، وأخذ منهم وعدا ليسلموا إن أظهر الله دين الإسلام. ثم
قال (ص)يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها، بها يدفع الله بأس
بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم " . و كان من نتائج ذلك أنهم وفوا
بوعدهم و دخلوا في الإسلام بعد ظهوره و لم يتأذى المسلمون منهم بأي أذى، بل
كان منهم قادة و مشاهير شاركوا في الفتوحات الإسلامية."
وما ذكره الرجل من الأحاديث ليس مدحا وإنما شهادة حق فى القوم إن كان قد
حدث الكلام بالفعل وشهادة الحث مطلوبة من المسلم ذما أو مدحا بمعنى اثبات
التهمة أو نفى التهمة
الأربعاء، 5 أكتوبر 2022
قراءة فى كتاب الزيادات في كتاب الفتن والملاحم الطارقات
قراءة فى كتاب الزيادات في كتاب الفتن والملاحم الطارقات
فيما
يبدو فإن مؤلف الكتاب هو أحمد بن جعفر بن المحدث أبي جعفر محمد بن عبيد
الله بن أبي داود بن المنادي البغدادي والرجل يبدو أنه تخصص فى كتابة كتب
الفتن فقد سبق إلى كتابة كتابين كما يقول فى المقدمة :
"أما
بعد: أدام الله سلامتك من مكاره البوادر، وأبرأ جملتك من الأسواء كلها
والمحاذر، فاني أردفت ماضي كتابينا اللذين أحدهما يتضمن أخبار كون الفتن،
والآخر يتفرد بالآثار الآتية، هذا الكتاب الذي أودعته الزوائد، وضمنته من
الأخبار حسب ما نالته اليد في هذا الوقت، فآزرنا الله وايك بالسلامة من
الفتن والملاحم، وما كان منسوبا الى الشرور وكتساب المآثم، انه كرم
الكرمين، فلنبتدئ بما تيسر كتبه من الأخبار الواردة بذكر أنواع الفتن، نعوذ
بالله منها، ومن جميع المحن."
والكتاب عبارة عن روايات فى موضوع الفتن وهى :
1:298-
حدثني جدي، قال: نبا وهب بن جرير بن حازم أبوالعباس الأزدي البصري، قال:
نبا شعبة بن الحجاج العتكي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان،
قال: قال عمر بن الخطاب:
أيكم يحدثنا حديثا، أو يحفظ ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في الفتن؟ قال: فقلت: أنا.
فقال: انك لحري، فما سمعته يقول؟ قال: فقلت: سمعته يقول:
فتنة الرجل في أهله وولده وفي جاره وماله، تكفرها عنه الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فقال: ليس هذه التي اريد، ولكني اريد التي تموج موج البحر.
قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا بأس عليك منها، ان بينك وبينها بابا مغلقا.قال: أفيكسر ذلك الباب أو يفتح؟ قال: فقلت: لا، بل يكسر.
فقال: ذلك أحري أن لا يغلق ذلك الباب أبدا.
قال أبووائل: فقلنا لحذيفة: فهل علم ذلك الباب؟
قال: نعم، كما علم أن دون غد الليلة، (وذلك أني) حدثته حديثا ليس بالأغاليط.
قال: فهبنا أن نسأله من الباب، قال: فأمرنا مسروقا أن يسأله، فسأله.
فقال: الباب عمر بن الخطاب."
2:299-
حدثنا أبو بكر أحمد بن زهير أبو خيثمة النسائي، قال: حدثنا محمد بن سعيد
الاصبهاني، قال: نبا شريك، عن منصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وأبي
مالك الأشجعي ثلاثتهم، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال لنا
عمر بن الخطاب:
أيكم سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفتن شيئا؟ فقلت: أنا. فقال: انك لحري.
قال:
فقلت: لعلك تعني فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وجاره، فتلك تكفرها
الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟
قال: لا، ولكن التي تموج كموج البحر.
قال حذيفة: فقلت له: ان بينك وبينها بابا مغلقا، وذكر الحديث."
الحديثان
باطلان لأنهما علم بالغيب الممثل فى أخبار المستقبل بعد النبى(ص) وهى
الحروب والمقتولين من الصحابة كما يزعمون وأولهم عمر والنبى لا يعلم الغيب
كما قال تعالى على لسانه:
" ولا أعلم الغيب"
وقال:
" وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم"
وقال:
" لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء"
3:300-
حدثنا جدي، قال: نبا أبو النضر هاشم بن القاسم، قال: نبا شريك، عن الأعمش،
عن منذر الثوري، عن أبي القاسم محمد - ابن الحنفية- بن علي بن أبي طالب
عليه السلام أنه قال: تكون خمس فتن:
فتنة عامة، وفتنة خاصة، وفتنة سوداء مظلمة يكون الناس فيها كالبهائم، (و) ما ذكر الرابعة ولا الخامسة."
هنا خمس فتن وهو ما يناقض كونها ثلاث فى قولهم التالى:
4:301-
حدثنا - جدي، قال: نبا أبو النضر، قال: نبا شريك، عن علي بن عبد الله
الغطفاني، عن رجل قد سماه - أراه زيد بن وهب - عن حذيفة بن اليمان، قال:
تكون ثلاث فتن: فتنة بعدها توبة وجماعة، وفتنة بعدها توبة وجماعة، وفتنة بعدها جماعة، ولم يذكر توبة."
والخطأ المشترك هو علم على بالغيب وهو أمر لا يعلمه سوى الله كما قال تعالى :
" إنما الغيب لله"
5:302-
حدثنا جعفر بن محمد بن شكر، قال: نبا سعيد بن سليمان، قال: نبا أبوعقيل،
قال: حدثني يعقوب بن سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم قال:
يوشك أن تظهر فتنة لا ينجي منها الا الله عز وجل، أو دعاء كدعاء الغريق.
6:303- حدثنا العباس بن محمد الدوري، قال: نبا أبونعيم، قال: نبا المبارك، عن الحسن، عن جندب، قال لي حذيفة بن اليمان:
كيف أنت بقائد ينجو ويهلك أتباعه؟
7:304-
حدثنا جدي، قال: نبا أبو النضر، قال: نبا شريك، عن عثمان بن عمير أبي
اليقظان، عن زاذان، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال: كيف أنتم اذا خرج أحدكم
من حجلته الى حشه، ثم خرج يبتغي أهله وقد مسخ قردا، فيفر منه أهله."
الأحاديث الثلاث ينفيها عدم علم أحد بالغيب سوى اله كما قال:
" إنما الغيب لله"
8:305-
حدثني هارون بن الحكم، قال: نبا سوار بن عبد الله القاضي، قال: نبا
المعتمر بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد في قوله عز وجل (ليظهره
علي الدين كله).
قال:
لا يكون ذلك حتى لا يبقي يهودي، ولا نصراني، ولا صاحب ملة الا الاسلام،
حتى تأمن الشاة الذئب، والبقرة الأسد، والانسان الحية، ولا تقرض فأرة
جرابا، وحتى توضع الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وهو قول الله عز
وجل (ليظهره علي الدين كله ولو كره المشركون) وقوله عز وجل (حتى تضع الحرب
أوزارها).
قال مجاهد: وذلك عند نزول عيسي بن مريم."
الخطأ هنا هو تفسير الآية بإيمان كل الناس وهو ما يخالف قوله المتعدد الذكر:
" ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"
وحتى قبل القيامة نفس الأمر لا يؤمن أحد إلا من قد آمن من قبل كما قال تعالى :
"هل
ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو يأتى إحدى آيات ربك يوم
يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن أمنت من قبل أو كسبت فى
إيمانها خيرا"
9:306-
حدثنا جدي، قال: نبا يونس بن محمد، قال: نبا حماد بن سلمة، عن أبي التياح
يزيد بن حميد الضبعي، عن أبيه أنه أتي بيت المقدس - وسادنه يومئذ أبو
العوام - قال: فقلنا: يا أبا العوام، انا جئنا نصلي في هذا المسجد لغير
تجارة، فأخبرنا كيف كانوا يصلون؟
وأخبرنا بشيء عهده اليك كعب، فقال: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل العراق.
فقال:
انكم قوم تكذبون وتزيدون في الحديث! ثم سكت ساعة حتى ظننا أنه لا يتكلم،
ثم قال: سمعت كعبا يقول: تدور رحي العرب بعد خمس وعشرين عاما من موت نبيهم؛
ثم تنشوا فتنة يكون منها قتل وقتال، فأمسك فيها نفسك وسلاحك واهرب منها
حتى تنجلي؛ ثم تكون طمأنينة حتى يكون الناس في الاستواء كالراية؛ثم تنشوا
فتنة، أجدها في كتاب الله تعالى المظلمة، تلوي بكل ذي كبر، فأمسك فيها نفسك
وسلاحك واهرب منها، وان لم تجد الا جحر عقرب فانجحر فيه."
الخطأ فى الحديث علم أبو العوام بالغيب وهو شىء لا يعلمه سوى الله كما قال تعالى :
"إنما الغيب لله"
10:307-
نبا علي بن داود القنطري، قال: نبا عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال:
أخبرني الليث بن سعد، قال: حدثني سليمان بن زيد مولي رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم، عن مصعب بن عبد الله بن أبي امية، قال: حدثتني ام سلمة
أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ليأتين علي الناس زمان
يكذب فيه الصادق، ويصدق فيه الكاذب، ويخون فيه الأمين، ويؤتمن فيه الخؤون،
ويشهد الرجل وان لم يستشهد، ويحلف المرء وان لم يستحلف، ويكون أسعد الناس
بالدنيا لكع ابن لكع، لا يؤمن بالله، ولا برسوله.
11:308-
حدثني محمد بن حماد بن ماهان أبو جعفر الدباغ، قال: نبا أبوالربيع سليمان
بن داود الزهراني، قال: نبا اسماعيل بن عياش الحمصي، قال: نبا شرحبيل بن
معشر، قال: سمعت فضالة بن عبيد الأنصاري يقول: كيف أنتم اذا قعد الجملاء
علي المنابر، يقضون بالهوي، ويقتلون بالغضب.
12:309-
حدثنا العباس بن محمد الدوري، قال: نبا محمد بن بشر العبدي؛ ويحيي بن آدم،
جميعا عن مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك أنه قال: ما
يأتي علي الناس زمان الا وهو شر من الذي قبله.
سمعت ذلك من نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم."
هنا الشر يسوء كلما تقدم الزمن ولا يعود الخير للكثرة وهو ما يناقض الحديث التالى الذى يعترف بكثرة الخير بعد الشر وهو:
13:310-
نبا يحيي بن عبد الباقي، قال: حدثني العباس بن الوليد العذري، قال: أخبرني
أبي، قال: بنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن حذيفة بن اليمان أنه قال:
كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني،
فقلت: يا رسول الله، انا حديثوا عهد (بالاسلام) وكنا (أهل) جاهلية، وشر
وضلالة، وان الله عز وجل حبانا بالاسلام، وبهذا الخير، فهل بعد الخير من
شر؟
قال: نعم. قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن.
قلت: وما دخنه؟ قال:
قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هداي، يعرف منهم وينكر.
قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟
قال: نعم، دعاة الى أبواب جهنم، من أجابهم اليها قذفوه فيها.
قلت: صفهم لنا يا رسول الله؟ قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.
(قلت
فما تأمرني ان أدركني ذلك الزمان؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وامامهم.
قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا امام؟ قال: تعتزل تلك الفرق، ولو أن تقبض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك.
قال
أبو العباس الوليد بن يزيد، فسئل الأوزاعي عن تفسير حديث حذيفة، حين سأل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشر الذي يكون بعد ذلك الذي جاء به
فقال الأوزاعي: نعم، هي الردة التي كانت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، فكفر من كفر من قبائل العرب، وظنوا أن رحي الاسلام قد زالت، فأظهروا
ما كان في أنفسهم من الكفر، فلما رأي ذلك أبوبكر الصديق، دعا المهاجرين
والأنصار، ومن ثبت علي الايمان الى قتال أهل الردة، فأجابوه الى ذلك، ولم
يختلف عليه اثنان منهم، فكان فيما قال لهم أبوبكر: ما ترك قوم القتال في
سبيل الله الا ضربهم الله بذل.
وما
بينكم وبين أن يضربكم بذل الا أن تتلو هذه الآيات علي غير ما أنزلها الله
عز وجل في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل
اذا اهتديتم. قال الأوزاعي: فما اختلف علي أبي بكر اثنان.
قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فيخرجون (حتى ينزلوا مدينتي هذه) -
واسمها طيبة - وهي أجود مسكن المسلمين، ثم يكتبون الى من يكتبون من العرب،
حيث يبلغ كتابهم، فيجيبونهم حتى تضيق بهم المدينة، ثم يخرجون مجتمعين
مجردين قد بايعوا امامهم علي الموت، ويفتح الله لهم؛ ثم انه يكسر أغماد
سيوفهم، فيقول صاحب الروم: ان القوم قد استماتوا لهذه الأرض، وقد أقبلوا
اليكم، وهم (ل) يرجون حياة، واني كاتب اليهم أن يبعثوا الى من عندهم من
العجم، ونخلي لهم أرضهم هذه، فان لنا عنها غني، فان فعلوا فعلنا، وان أبوا
قاتلناهم حتى يقضي الله بيننا وبينهم.
فلما بلغ أمرهم ذلك الى من يلي أمر المسلمين قال لهم:
من
كان عندنا من العجم، فأراد أن يسير الى الروم فليفعل. فيقوم خطيب من
الموالي فيقول: معاذ الله أن نبتغي بالاسلام دينا. فيبايعوا علي الموت، كما
بايع الذين من قبلهم.
ثم
يسيرون مجتمعين، فاذا رآهم أعداء الله طمعوا وأحردوا وجهدوا، ثم يسل
المسلمون سيوفهم، ويكسرون أغمادها، ويغضب الجبار علي أعدائه، فيقتل
المسلمون منهم حتى يبلغ الدم ثنن الخيل.
ثم
يسير من بقي منهم بريح طيبة يوما وليلة حتى يظنوا أنهم (قد عجزو) ثم يبعث
الله عليهم ريحا عاصفة، فتردهم الى المكان الذي منه اصدروا، فيقتلهم بأيدي
المهاجرين، فلا ينفلت منهم (أحد) ولا مخبر، فعند ذلك تضع الحرب أوزارها؛
يا
حذيفة، فيعيشون في ذلك ما شاء الله حتى يتيكم من المشرق خبر الدجال أنه قد
خرج، فينالكم في ذلك أمر عظيم، وبلاء شديد، أن يعين الله برحمته.
ويسلط
الله علي الناس سنين أشد من سنين فرعون، ثم يقبل عدو الله بجنوده من
اليهود، وأهل اصبهان، وأصناف الناس، معه جنة ونار، ورجال يقتلهم ثم يحييهم،
معه جبل من ثريد، ونهر من ماء، واني سأنعت نعته:
انه
يخرج ممسوح (العين) في جبهته مكتوب (كافر) يقرأه من يحسن الكتابة، ومن لم
يحسن الكتابة، فجنته نار، وناره جنة، وهو المسيح الكذاب، ويتبعه من نساء
اليهود ثلاثة عشر ألف امرأة - فرحم الله رجلا منع سفيهته (أن) تتبعه -
والقوة (عليه يومئذ) بالقرآن، فان شأنه شديد، تنبعث اليه الشياطين من مشارق
الأرض ومغاربها، فيقولون له: استعن بنا علي ما شئت. فيقول لهم: انطلقوا
فأخبروا الناس، أني ربهم، أني قد جئتهم بجنتي وناري!! فتنطلق الشياطين
فيدخل علي الرجل كثر من مائة شيطان، فيتمثلون له بصورة والديه واخوته
ومواليه ورقيقه، فيقولون له:
أتعرفنا؟ فيقول لهم الرجل: نعم، هذا أبي، وهذه امي، وهذا أخي، وهذه اختي. فيقول الرجل: ما نبكم؟ فيقولون له: بل أنت، فأخبر ما نبك؟
فيقول
الرجل: انا قد اخبرنا أن عدو الله الدجال قد خرج. فيقول له الشياطين:
مهلا، لا تقل هكذا، فانه ربكم يريد القضاء بينكم، هذه جنته، وهذه ناره، قد
جاء بها معه، ومعه الطعام والأنهار، وليس طعام الا ما كان عنده الا ما شاء
الله!!
فيقول
لهم الرجل: كذبتم، ما أنتم الا شياطين، وهذا هو الدجال الكذاب الذي بلغنا
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حدث بصفته وصفتكم، وحذرنا منه
ومنكم، فلا مرحبا بكم ولا به، أنتم الشياطين، وهو عدو الله الكذاب الدجال،
وليرسلن الله عيسي بن مريم عليها السلام فيقتله.
قال: فعند ذلك يحيبون، وينقلبون خاسرين.
قال
صلى الله عليه وآله وسلم: فبينما أنتم علي ذلك، اذ نزل عيسي بن مريم
بالمنارة، وبها جماعة من المسلمين وخليفتهم، وذلك بعد ما يؤذن المؤذن،
فيسمع المؤذن عصعصة، فاذا عيسي قد هبط، فيقول له:
يا روح الله تقدم فصلي بالناس صلاة الصبح - وذلك تصديقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك -.
فيقول عيسي: بل انطلقوا الى امامكم فليصلي بكم، فانه نعم الامام، فيصلي بهم امامهم، ويصلي عيسي معهم خلفه.
ثم
ان الامام ينصرف، ويعطي عيسي الطاعة، فيستبشر الناس بنزول عيسي، فيراه
الدجال، فيماع كما يماع القير علي النار، فيمشي اليه عيسي فيقتله باذن
الله، ويقتل معه جماعة من اليهود، ويتفرقون ويختبون تحت كل حجر وشجر حتى أن
الشجرة لتقول للرجل المسلم: (يا عبد الله! يا مسلم. تعال له هذا يهودي
ورائي فاقتله) ويقول الحجر مثل ذلك، غير شجرة اليهود، وهي (شجرة الغرقد).
فانها لا تدعو الى أحد يكون منهم عندها.
ثم
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انما حدثتكم حديث الدجال لتعقلوه
وتعوه وتفهموه، فاعقلوه ووعوه وافهموه، وحدثوا به من خلفكم، ويحدث به الآخر
من كان بعده، فان فتنته أشد الفتن وأعظمها."
والأخطاء كثيرة فى الرواية أهمها :
وجود شجر يهودى ويخالف هذا أن الشجر كله ساجد لله وهذا يعنى أنه مسلم أى مطيع لله مصداق لقوله تعالى :
"والنجم والشجر يسجدان"
وفى الحديث يوجد خليفة للمسلمين وهو فيما يبدو المهدى وهو ما يناقض كون عيسى(ص) هو نفسه المهدى فى الحديث التالى:
ثم انه يعيش عيسي بعده ما شاء الله، ثم يتوفي، ويصلي عليه المؤمنون.
14:311-
حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة، قال: نبا يونس بن عبدالأعلي
الصدفي، قال: أخبرني محمد بن ادريس أبوعبد الله الشافعي، قال: أخبرني محمد
بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أنه قال:
(لا
يزداد الأمر الا شدة، ولا الدين الا ادبارا، ولا الناس الا شحا، ولا تقوم
الساعة الا علي شرار الناس، ولا مهدي الا عيسي بن مريم).
كأنه يريد لا مهدي نبوي سماوي الا عيسي بن مريم في ذلك الوقت، ثم لا يكون بعده من يخلفه أرضي ولا سماوي بحال؛
ولم
يرد نفي المهدوية الأرضية، التي تقادمت، اذ الرسل والنبيون والخلفاء
الراشدون التي جاءت الأخبار الصحاح بصفاتهم، وهم اثنا عشر قرشيا، يكونون -
فيما ذكر عن دانيال - بعد الحسني الذي هو مهدي الأرض المشهور، فلما ثبت ذلك
كله، ثبت في خبر أنس ما تقدمنا بذكره آنفا، وليعلم مع ذلك أن خبر أنس
باسناده لين؛
ولو
أنه لم يوصف باللين لكان ما أتي به علي بن أبي طالب عليه السلام، وابن
مسعود، وام سلمة، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وثوبان مسندا.
ثم الذي روي عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وسالم بن أبي الجعد، وغيرهم في ثبت كون المهدي الحسيني.
هذا
(مضاف) الى المحكي عن كعب الأحبار، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي
الجلد، ومن داناهم في المعرفة والسن أثبت من خبر أنس، فلنقلب النفوس بأن
خبر أنس انما أتي بالمعني الذي أسلفنا ذكره، فان ذلك هو الصحيح المعول به
في ذلك، وبالله التأييد.
15:312-
حدثنا محمد بن علي بن عتاب أبو بكر الأيادي، قال: نبا محمد ابن المثني أبو
موسي العنزي في سنة تسع وأربعين ومائتين، ونبا محمد بن (أبي) عدي، عن حميد
الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(لا تقوم الساعة حتى لا يبقي أحد يقول الله الله عز وجل)."
هذا الحديث يناقض الحديث الذى قال بإيمان الكل وهو رقم 8:305- فى اظهار الدين كله لله
وكل الأحاديث السابقة تشترك فى خطأ واحد فلم يقلها النبى(ص) ولا الصحابة
المؤمنون به ولا حتى أى مسلم عاقل يقول بها لمخالفتها كتاب الله فى إنها
علم بالغيب الذى لا يعلمه سوى الله كما بينا فى نقد بعض أحاديث الكتاب
الثلاثاء، 4 أكتوبر 2022
قراءة فى خطبة شهر التوبة
قراءة فى خطبة شهر التوبة
من ألقى الخطب سعود الشريم ومن متابعتى لخطب الخطباء
التابعين للدولة السعودية أجد أن هناك شبه اجماع فى المقدمة على أن أول شىء
فيها هو الوصية بالتقوى وتختم الخطبتين بالصلاة على النبى(ص) وهو أمر يدل
على أن تلك الخطب متابعة من قبل الأجهزة الأمنية لأن هؤلاء الخطباء لا
يقومون بتنويع الخطب وإنما تجدهم يركزون على خطب معين عن رمضان أو الأحداث
الإرهابية أو عن موضوعات عامة لا تعلم الناس شيئا بالتفصيل وإنما وصايا
عامة تجعل الناس جهلة فى الغالب بأحكام دينهم
استهل الشريم خطبته بالوصاية بتقوى الله فقال :
"أما بعد:
فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله سبحانه، فما أنتم
في هذه الدنيا إلا غرضٌ تنتضِل فيه المنايا، مع كل جرعة شرَق، وفي كل أكلة
غصَص، لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يحيى لكم أثرٌ إلا مات لكم
أثر، ولا يتجدَّد لكم جديد إلا بعد أن يبلى لكم جديد، وقد مضت أصولٌ نحن
فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله؟!"
ثم تحدث عن شهر رمضان وكونه شهر التوبة فقال :
"أيها الناس، إن شهرَكم هذا قد بدأ إدباره وآذن بوداع، وإن
ما بقي منه فسيمرّ مثل طرفة عين أو كلمح بصر أو هو أقرب، وهو عند ذوي
العقول كفيء الظل، بينا تراه سابغاً حتى قلص، وزائداً حتى نقص، ولا جرم ـ
عباد الله ـ فإن الشيء يُترقّب زوالُه إذا قيل: تمّ، وَالْقَمَرَ
قَدَّرْنَـاهُ مَنَازِلَ حَتَّىا عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39].
ألا فإن ما بقي من الشهر اليوم هو المضمار، وغداً السباق،
والسبَقَة الجنة، والغاية النار، أفلا تائب من خطيئته قبل ختام شهره؟! ألا
عاملٌ لنفسه قبل يوم بؤسه؟! ألا إنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فيا ويحَ
طالب الجنة إذا نام، ويا بؤسَ الهارب من النار إذا غفا، ثم هو لا يتخوّف
قارعةً حتى تحلّ به، ومَن هذه حالُه فليس هو من عُمَّار الشهر في مَراحٍ
ولا مغدى.
عباد الله، إن في هذا الشهر أناساً أشغلوا أنفسهم عن ذكر
الله وطاعته، حتى قصروا غاية برّهم به في جعله موسماً حولياً للموائد
الزاخرة، وفرصةً سانحة للهو والسمر الممتدين إلى بزوغ النهار، فصبحهم مثل
ليلهم، وأجواؤهم سود، وأجفانهم جمرٌ يومِض، جعلوا من هذا الشهر محلاً
للألغاز الرتيبة والدعايات المضلّلة، أو المواعيد المضروبة لارتقاب ما
يستجدّ من أفلام هابطة وروائيات مشبوهة، ترمي بشرر كالقصر لإحراق ما بقي من
أصل حشمةٍ وعفاف، أو تديُّنٍ يستحقّ التشجيع والإذكاء، وبذلك تخسر الأمة
في كل لحظة مواطناً صالحاً، يضلّ ضلالة يغشّ بها ويخدع ويسرق ويحتال،
تمتُّعاً بهذا الترف المرئي والداء المستشري، ولسان حال هؤلاء يقول: صُفّدت
شياطين رمضان إلا شياطينهم، حتى صاروا بذلك يطلبون ولا يعطون، ويشتهون ولا
يصبرون، ويحسنون الجمع في حين إنهم لا يعرفون القسمة، إلى أن تحطّمت فيهم
روح المغالبة والمقاومة، فلا عجب حينئذ إذا لم يجد هؤلاء بهذا الشهر
المبارك ما يجده المؤمنون الصادقون.
وفي المقابل عباد الله، فإن لهذا الشهر أناساً غضّ أبصارَهم
ذكرُ المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد هارب من الكسل
والخذلان، وخائف مقهور، وداعٍ مخلص، وثكلان موجَع.
ألا فاتقوا الله أيها الصائمون القائمون، وتنفَّسوا قبل ضيق
الخناق، وانقادوا قبل عُنف السياق، فيومئذ تعرَضون لا تخفى منكم خافية،
وإلا فما يصنع بالدنيا من خُلق للآخرة؟! وما يصنع بالمال من عمّا قليل
سيُسلَبه وتبقى عليه تبعاتُه وحسابه؟! فاللهَ اللهَ وأنتم سالمون في الصحة
قبل السقم، وفي الفسحة قبل الضيق، ويا لفوز من سعوا في فكاك رقابهم من قبل
أن تغلق عليهم رهائنها، ألا إن لله عتقاء من النار في هذا الشهر المبارك.
وأما هذه الدنيا فهي غرّارة ضرّارة، حائلة زائلة، لا تعدو أن تكون بزخرفها
كما قال الله تعالى: كَمَاء أَنْزَلْنَـاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ
بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرّياحُ [الكهف:45]."
وبالقطع لا يوجد شهر للتوبة ولا شهر للعمل الصالح فكل الشهور وكل الأيام أيام توبة وعمل صالح
وكعادة الخطباء فى بلادنا يطالبون الناس بالتوبة وأما
الحكام فلا حديث عنهم مع أنهم أكثر الناس ذنوبا وأكثرهم حاجة للتوبة ومن ثم
ذكر الشريم المصلين بوجوب المسارعة للتوبة فقال:
"إنه ما بين أحدنا وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزِل
به، وإن غايةً تنقصها اللحظة ويهدمُها الساعة لجديرة بقِصر المدّة مهما
طالت، وإن غائباً يحدوه الجديدان الليلُ والنهار لحريّ بسرعة الأوبة، فرحم
الله امرأً قدّم توبته وغالب شهوتَه، فإن أجلَه مستور عنه، وأمله خادعٌ له،
والشيطان موكّلٌ به، يزيّن له المعصية والتفريط ليركبهما، ويمنّيه التوبة
ليسوّفَها، يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَـانُ
إِلاَّ غُرُوراً [النساء:120].
فالبدار البدار قبل مفاجأة الأجل، فلو أن أحداً يجد إلى
البقاء نفقا في الأرض أو سلماً في السماء دون أن يُقضى عليه بالموت لكان
ذلك لسليمان بن داود عليه السلام الذي سخَّر الله له ملك الجن والإنس، و
الرّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَـاطِينَ كُلَّ
بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى الأصْفَادِ [ص36-38] هذا
مع نبوّته وعظيم زلفته، غيرَ أنه لما استوفى طُعمتَه واستكمل مُدّته رماه
قوسُ الفناء بنبال الموت، وأصبحت الديارُ منه خالية، وورثها قوم آخرون. وإن
لكم في القرون السالفة لعبرة، وإلا فأين العمالقة وأبناء العمالقة؟! وأين
الفراعنة وأبناء الفراعنة؟! أين أصحاب مدائن الرسّ؟! وأين عاد وثمود وإرمُ
ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد؟!"
وذكر الشريم القاعدون بضرورة عدم تأخير التوبة لأنهم لا يعلمون متى يأتى الموت فقال:
"فيا مؤخِّراً توبته بمطل التسويف، لأيّ يوم أجّلتَ توبتك
وأخَّرت أوبتك؟! لقد كنت تقول: إذا صمتُ تبت، وإذا دخل رمضان أنبت، فهذه
أيام رمضان عناقِد تناقصت، لقد كنتَ في كل يوم تضع قاعدة الإنابة لنفسك،
ولكن على شفا جرف هار. ويحك أيها المقصّر، فلا تقنع في توبتك إلا بمكابدة
حزن يعقوب عن البين، أو بعبرة داود ومناداة أيوب لربه في ظلمات ثلاث: لاَّ
إِلَـاهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّـالِمِينَ
[الأنبياء:87]، أو بصبر يوسف عن الهوى، فإن لم تُطق ذلك فبذلِّ إخوته يوم
أن قالوا: إِنَّا كُنَّا خَـاطِئِينَ [يوسف:97].
نعم أيها المذنب المقصر، لا تخجل من التوبة، ولا تستح من
الإنابة، فلقد فعلها قبلك آدم وحواء حين قالا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا
أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ
الْخَـاسِرِينَ [الأعراف:23]، وفعلها قبلك إبراهيم حين قال: وَالَّذِى
أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِينِ [الشعراء:82]، وفعلها
موسى حين قال: رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ
[القصص:16]،"
ثم ذكر رواية من الروايات الكاذبة عن أيوب(ص) فقال :
" وقد قال رسول الله : ((إن أيوب نبيَّ الله لبث في بلائه
ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوته، كانا من أخصِّ
إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلَمُ والله، لقد
أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحدٌ من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال:
منذ ثماني عشرة لم يرحمْه الله فيكشف ما به. فلما راح إليه لم يصبر الرجلُ
حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول، غيرَ أن الله يعلم أني كنت
أمرّ على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفِّر عنهما
كراهية أن يُذكر الله إلا في حق، ـ قال: ـ وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضى
حاجته أمسكت امرأته بيده، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب
في مكانه: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـاذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
[ص:42]، فاستبطأته فبلغته، فأقبل عليها حتى قد أذهب الله ما به من البلاء،
فهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيتَ نبي الله هذا
المبتلى، واللهِ على ذلك ما رأيتُ أحدًا كان أشبهَ به منك إذ كان صحيحاً،
قال: فإني أنا هو، وكان له أندران: أندرُ القمح وأندر الشعير، فبعث الله
سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض،
وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض)) رواه ابن حبان والحاكم
وصححه الذهبي."
هذا كلام لا أصل له فى كتاب الله سوى مرض النبى أيوب(ص)
واغتساله بالماء وشربه منه كما أن الله لم يقل أنه أعطاه ذهب أو فضة وإنما
أعطاه أسرته التى توفيت وأنجب عدد مثلهم فيما بعد كما قال تعالى:
"وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين
فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وأتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا
وذكرى للعابدين"
وقال نفس المعنى فى قوله :
"واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب
اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا
وذكرى لأولى الألباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم
العبد إنه أواب"
ومن ثم فحكاية الذهب والفضة هى كذب منقول عن العهد القديم فى السفر المسمى سفر أيوب (ص)
وتحدث الرجل عن أن باب التوبة مفتوح للكل فقال :
فلا إله إلا الله، من يمنع المذنب من التوبة؟! ولا إله إلا الله، من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون؟!
يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (دعا الله إلى مغفرته من زعم
أن عزيراً ابن الله، من زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن
زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول لهؤلاء جميعا: أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى
اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة:74]).
ألا فإن التوبة للمرء كالماء للسمك، فما ظنكم بالسمك إذا
فارق الماء؟! جاءت امرأة إلى النبي فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيتُ
فطهرني، فردها النبي ، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، لمَ تردّني؟
فلعلك أن تردّني كما رددت ماعزاً، فوالله إني لَحبلى، قال: ((إما لا فاذهبي
حتى تلدي))، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته، قال:
((اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه))، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز،
حرصاً منها على التوبة وإقامة الحدّ، فقالت: هذا ـ يا رسول الله ـ قد
فطمتُه، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر
لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها،
فتنضّخ الدم على وجه خالد فسبّها، فسمع نبي الله سبَّه إياها فقال:
((مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحبُ مكس لغُفر
له))، وصاحب المكس هو الذي يأخذ الضريبة من الناس. رواه مسلم. وفي رواية:
((لقد تابت توبة لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة وسعتهم، وهل وجدت شيئاً
أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟!))."
الرواية باطلة لأمرين :
الأول عدم وجود الطرق الثانى فيها وهو الزانى وعدم السؤال
عنه واحضاره فإن أقر عوقب وإن لم يقر جلدت المرأة 80 جبدة لشهادة الزور ما
لم تحضر شهودا على زناهما
ثانيا رجمها وهو قتلها يتعارض مع أن عقوبة الزنى هى الجلد فى كتاب الله كما قال تعالى :
" الزانية والزانى فاجلدوا كل منهما مائة جلدة"
وتحدث عن أن المذنب يشعر بقلق وهو أمر ر يحدث مع الكل
فالمتعود على تكرار الذنوب لا يشعر بأى قلق وإنما المؤمن هو من يقلق بلوم
نفسه وفى هذا قال :
إن صاحب الذنب مهما غفل عن التوبة أو تناءى عنه الوصول
إليها فسيظل أسير النفس، قلقاً لا قرار له، متلفّتا لا يصل إلى مبتغاه ما
لم يُفتح له باب التوبة ليطهّر نفسه من كلكلها، ويخفّف من أحمالها.
إلهنا، إلهنا، يا من ترى مدَّ البعوض جناحها في ظلمة الليل
البهيم الأليل، ويا من ترى نياط عروقها في نحرها والمخّ في تلك العظام
النُحَّل، امنُن علينا بتوبة تمحو بها ما كان منا في الزمان الأول.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه كان غفاراً.
فيأيها الناس، في يوم من الأيام صعد رسول الله درجات
المنبر، فلما رقي عتبة قال: ((آمين))، ثم رقي عتبة أخرى فقال: ((آمين))، ثم
رقي عتبة ثالثة فقال: ((آمين))، ثم قال: ((أتاني جبريل فقال: يا محمد، من
أدركه رمضان فلم يُغفر له فأبعده الله، قلت: آمين)) الحديث، رواه ابن حبان
وغيره.
صدق رسول الله بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، لقد
خسر وفرّط ورغم أنفه من ضيّع فرصة رمضان ونكص على عقبيه، ألا أين أنتم أيها
التائبون؟! عقلكم يحثّكم على التوبة، وهواكم يمنعكم، والحرب بينهما سجال،
فلو جهَّزتم جيشَ عزمٍ لفرّ العدوّ منكم، تنوون قيام الليل فتتكاسلون،
وتسمعون القرآن فلا تبكون، بل أنتم سامدون، ثم تقولون: ما السبب؟ قُلْ هُوَ
مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165]."
الخطأ فى الرواية هو قصر التوبة على رمضان وهو أمر يخالف كتاب الله فى أن التوبة وهى الاستغفارلا تكون فى أى وقت كما قال تعالى:
"ومن يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما:
وأعاد الشرين الوصية بالتقوى فقال:
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، وتوبوا إلى ربكم توبة
نصوحاً، توبوا إلى الله أفراداً وجماعات، فما توبة الأمة بأدنى شأناً من
توبة الأفراد إذ يقول الله تعالى: وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].
ألا ترون ـ يا رعاكم الله ـ ما قاله الباري جل شأنه في
كتابه: فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا
إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ
الخِزْىِ فِى الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىا حِينٍ
[يونس:98].
فيا أيها المسلمون، ما هي إلا التوبة والاستغفار، وإلا
فالمصير النار والخسار، وما لهذا الجلد الرقيق صبرٌ عليها، فارحموا أنفسكم،
فقد جربتموها في مصائب الدنيا، أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه
والرمضاء تحرقهُ؟! فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيعَ حجر وقرين شيطان
في نار يحطم بعضها بعضا، لا تسمع فيها إلا تغيظاً وزفيراً، كلما نضجت فيها
الجلود بدَّلها الله جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىا
نَزَّاعَةً لّلشَّوَىا تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىا وَجَمَعَ
فَأَوْعَى [المعارج:15-18].
يقول الرسول فيما يرويه عن ربه عز وجل: ((يا ابن آدم، إنك
ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت
ذنوبُك عنان السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو أنك
أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها
مغفرة)) رواه الترمذي في جامعه.
ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرْضِ بَعْدَ
إِصْلَـاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55، 56]."
السبت، 1 أكتوبر 2022
نظرات فى خطبة خسر المتشائمون
الخطيب عبد الله بن عبده نعمان العواضي والخطبة تدور حول التشاؤم فى حياتنا وقد استهل العواضى خطبته بالمقدمة التقليدية التى حذفتها ثم دخل على الهدف من خلق الكون والناس فقال :
"أما بعد:
فاتقوا الله-عباد الله- فتقوى الله بها السعادة والفلاح، والظفر والنجاح، واليُمن والنجاة، والطمأنينة والحياة، فحُقَ للتقوى أن تكون وصيةَ رب العالمين إلى الأولين والآخرين، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} [النساء 131].
أيها الناس، اعلموا أن الله تعالى خلق الإنس والجن ليعبدوه وحده لا شريك له الذي شهدت بوحدانيته مخلوقاته، ونطقت بتفرده أفعاله وصفاته، أطاعه كل شيء وخضع، وسجد له وركع، ما عدا الكثرة الكاثرة من الجن والإنس.
فواعجباً كيف يُعصى الإله *** أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... *** ... تدل على أنه الواحد
لقد كان توحيد الله تعالى عنوان رسالة الأنبياء ومفتتَح دعوتهم بين قومهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل 36].
فسعد من أقوام الرسل من آمن ووحد، وشقي من أشرك وتمرد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا) "
ومع تركيزه على موضوع التوحيد دخل فى مقولة أن الكون لا يحدث فيه شىء من غير مشيئة الله فقال :
"أيها المسلمون، إن توحيد الله تعالى يقتضي أن لا يجري شيء في الكون إلا بمشيئة الله تعالى، ومشيئة الله تنفذ في عباده، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشاء لم يكن. فالخلق خلقُه والملك ملكه، فمن ذا الذي يقدر أن يصنع شيئاً لم يرده الله، أو يمحو شيئاً أراده الله؟! لا يخرج شيء عن علم الله وقدرته، وما من شيء إلا قد سبق به علمه وخطه قلمه، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد 22]."
وقد تحدث عن التطير والتشاؤم وأنهما من مخالفات توحيد الله فقال :
"عباد الله، لما ضعف في قلوب بعض المسلمين توحيدهم لربهم، ومعرفتهم بكماله في حسن صفاته وفعاله، وإحاطته بكل شيء علما، وحمايته لكل من وحده باللجوء والضراعة دوما، صدرت منهم أفعال تكشف عن هذا الضعف الكثيف.
ومن تلك الأفعال المشينة: التطير والتشاؤم ببعض المسموعات والمرئيات، ومرور بعض الأزمان والأوقات، وهذه عادة مقيتة وترِكة سيئة ورثتها الجهالة عن الجاهلية، وتلقاها ضعفاء القلوب عن ضُلال الدروب."
وحدثنا عن عادات ما قبل عهد النبوة الأخير من التطير فقال :
"فقد كان من عادة الجاهليين الاعتماد على الطير إقداماً وإحجاما، فإذا عزم أحدهم على أمر كنكاح أو سفر أو غير ذلك زجر الطير ونظر جهة طيرانه، فإن طار يمنة تيمن به ومضى في قصده بنشاط، وإن طار يسرة تشاءم به ورجع. وربما كان أحدهم يهيج الطير فيعتمده، فما ولى المتطيرَ ميامنه سموه السوانح، وما ولاه مياسره سموه البوارح.
وقد كانوا يتشاءمون-أيضاً- بالأيام والأوقات، فتشاءموا بشهر شوال قليلاً وشهر صفر كثيرا. فيقعدون عن قضاء سفرهم أو زواجهم حتى تخرج أيام هذين الشهرين.
ومن صور تشاؤمهم: التشاؤم بالنجوم بطلوع نجم أو خفوته أو تغير بعض ملامحه.
ولم يقف بهم الخور عند هذا الحد بل صاروا يتشاءمون ببعض المرئيات وبعض المسموعات.
فإذا رأوا الغراب أو سمعوا نعابه تطيروا، وربما كان حالهم كما قال بعضهم:
إذا نعب الغراب وقال خيراً*** فأين الخير من وجه الغراب؟!
وإذا هبط البوم على البيوت كانوا يزعمون أنه إذا قتل القتيل صارت عظامه هامة أي: بومة تطير وتصرخ حتى يؤخذ بثأره، وليس صوت البوم الصوتَ الطبيعي، وربما اعتقد بعضهم أنها روحه، أو يقولون-إذا وقعت على بيت أحدهم: إنها تنذر بموت أحد من أهل البيت. "
وهذه العادات لا ترتبط بعصر ما وإنما قد توجد فى عصور متعددة مثل عصرنا فما زال الناس يتشاءمون من الغراب ولا يتزوجون فى أيام او شهور معينة
وتحدث العواضى عن محاربة الإسلام لتلك العادات فقال :
"عباد الله، لا عجب أن تكون هذه المعتقدات المنحرفة عند أهل الجاهلية؛ فهم أهل الحيرة عن الرشاد، والضلال عن طريق السداد، لكن العجب أن تبقى بعض هذه الاعتقادات لدى بعض المسلمين إلى اليوم.
إن دين الإسلام حينما بزغ نوره خلع تعلق القلوب بغير خالقها وردها إلى التعلق بالذي بيده كل شيء، فنهى عن هذه الخرافات التي تقوم على شفا جرف هار، معتمدة على ضعف الدين وكثرة الجهل والاضطراب الداخلي، بدلاً من قوة اليقين، وجلاء الحقيقة، وسطوع ضياء العلم.
فعندما كان أهل الجاهلية يبنون إقدامهم أو إحجامهم في الأمور على الاستقسام بالأزلام جاء الإسلام بصلاة الاستخارة. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: (إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني. قال: ويسمي حاجته) "
وبالقطع لا يوجد فى الإسلام ما يسمى الاستخارة لأن نتيجتها لا تظهر فى صورة وحى من الله يقول افعل أو لا تفعل وإنما لا يوجد أى شىء يوحى بأن الله اختار كذا أو كذا وكل ما يعتمدون عليه هو الأحلام أو كلمات تصدر من هذا أو ذلك وهو نفسه ما كان يفعله الجاهليون
الموجود فى الإسلام هو التخطيط مع اتخاذ القرار المرتبط بقول إن شاء الله كما قال تعالى :
"ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله "
لقد شرع الله ألأخذ بالأسباب والتفكير ولم يشرع شىء اسمه الاستخارة التى لا فائدة منها لأن الوحى الإلهى لم يعد ينزل حتى يعرف المستحير ما يفعله أو ما لا يفعله
وذكر الرجل أن التوكل على الله وهو الأخذ بالأسباب هو ما شرعه الله وأن بعض الجاهليين أنكروا التطير فقال :
"ولما كان أهل الجاهلية يعتمدون في السعود والنحوس على زجر الطير أمر الإسلام المسلم بالتوكل على الله تعالى، وفعل الأسباب المشروعة لذلك المقصود.
قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} [الطلاق 3].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر)
معشر المسلمين، إننا عندما ذكرنا هذه الانحرافات عن أهل الجاهلية فإن ذلك لا يعني إطباق جميعهم على ذلك، فهناك من أنكر التشاؤم والتطير وتمدح بتركه له، قال أحدهم:
الزجر والطير والكهان كلهمُ*** مضللّون ودون الغيب أقفال
وقال آخر:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى*** ولا زاجرات الطير ما الله صانع
سلوهن إن كذبتموني متى الفتى *** يذوق المنايا أو متى الغيث واقع"
وحدثنا ‘ن أن عادات التطير ما زالت موجودة فى المجتمعات الحالية فقال :
"إن مما يؤسف له-يا عباد الله- أن تبقى هذه المعتقدات الضالة لدى بعض المسلمين، بحيث صار عندهم نظرة سوداوية إلى بعض الأحوال والأزمان كشهرنا هذا شهر صفر.
أو ينظر بعضهم في النجوم عند إرادة الزواج أو غيره، أو ينظر في البروج التي تعرض في بعض المجلات مبينة سعود ذلك الشهر ونحوسه، أو يقلبون أوراق عداد العام لينظروا حظوظهم، فسبحان الله كيف تضل العقول وقد تبدى لها نور الطريق المستقيم!."
وتحدث عن إبطال الإسلام التطير وهو التشاؤم فقال:
"أيها العقلاء الكرام، إن الإسلام دين يحترم الحقيقة وينفي الوهم والخرافة، ويقدر العقل ويرمي السفه والجهل، والتطير والتشاؤم من ذلك المتروك غير المحترم؛ لأنها ظنون لا تقوم على يقين ولا تستقر على أرض الحقيقة.
ولهذا أبطل ديننا هذا العدول عن الحق وجعل اعتقادها أو فعلها من الشرك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطيرة شرك، الطيرة شرك، ثلاثا، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل)
وإنما جعلت الطيرة من الأمر المنكر لكون المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غيره، ولأنه اعتمد على تخييل ووهم لا على حقيقة، فأي رابطة بين هذا الأمر وبين ما يحصل له؟!، ولأن التطير من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، وذلك بتعلق القلب به خوفاً وطمعا، واعتقاد النفع والضر في طائر لا علم عنده ولا قصد."
وتحدث عن أن علاج التطير هو التوكل على الله وهو الأخذ بالأسباب وهو التفكير والتخطيط للمستقبل لاتخاذ القرار فى أى موضوع ومن ضمن ذلك مشاورة المسلمين كما قال تعالى :
" وشاورهم فى الأمر"
وقال:
"وأمرهم شورى بينهم"
وحدثنا عن كون التطير ذنب له كفارة فقال :
"إن التطير ذنب وكفارته ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك) قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: (أن يقول أحدهم: اللهم لا خير الا خيرك، ولا طير الا طيرك، ولا إله غيرك)"
والحديث باطل لأن أول شىء للتكفير عن أى ذنب هو الاستغفار كما قال تعالى :
"ومن يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما"
وأما الكفارة فلم يذكر لفظ الكفارة فى القرآن إلا مع عقوبة مالية كالعتق واطعام المساكين أو عقوبة جسمية كالصوم
وحدثنا الرجل عن كون النهى عن التشاؤم فيه مصلحة أو دفع مضرة فقال :
"عباد الله، إن الله تعالى لا ينهى عن فعل شيء إلا وفي تركه مصالح وفي فعله مفاسد عاجلة وآجلة. فالتشاؤم ينافي الإيمان والتوكل، ويبرهن على ضعف العقل واضطراب النفس، ويسوق إلى الفشل والوساوس، وضيق العيش. قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية ذلك في وجهه) "
وتحدث عن تطير الناس فى القرآن فقال :
" عباد الله، إن كان للتشاؤم مكان يصح أن يكون فيه فإنه بالذنوب والمعاصي؛ فإن لها شؤماً يرفع النعم ويستنزل النقم، ويكدر العيش ويُظلِم النفس، قال الله تعالى عن أصحاب القرية التي جاءها المرسلون: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} يس [18 - 19].
قال بعض المفسرين: طائركم معكم أي: هو ما معكم من الشرك والشر المقتضي لوقوع المكروه والنقمة وارتفاع المحبوب والنعمة."
والتطير فى قول القرآن هو اتهام للغير بأنهم السبب فى الضرر الحادث بهم دون أن يكون سببا فعليا وهو يخالف معنى التنطير المهروف نوعا ما فهو :
نسبة الضرر لغير فاعله
وقد أثبت الله أن الطائر وهو الضرر الحادث لهم سببه أعمالهم وليس غيرهم
وذكر قول أحدهم فى شؤم الذنوب فقال :
"قال بعض السلف وقد شكي إليه بلاء وقع في الناس: ما أرى ما أنتم فيه إلا بشؤم الذنوب."
وبالقطع ليس كل الضرر بسبب الذنوب لأن الابتلاءات قد تكون دون ذنب ارتكبه البعض فمثلا المسلمون عذبوا بسبب الخير وهو إسلامهم
وحدثنا الرجل عن العودة للتوحيد مستبعدا التطير والسعود فكلاهما محرم كالأخر فقال :
"فيا أيها الناس، حافظوا على توحيدكم من شوائب الشرك، وعلى عقولكم من هجوم الخرافة، ووثقوا صلتكم بالله بحسن الظن به وقوة التوكل عليه، واليقين بأنه لا يحدث شيء في الحياة إلا بقضاء الله وقدره، وكونوا متفائلين بالأشياء الطيبة، وبالأعمال الصالحة، فالأيام أيام الله والزمان زمانه يصرفه خالقه تعالى وحده، والسعود والنحوس نتائج كسب الجوارح لا بالسوانح ولا بالبوارح، فما للمسلم والتشاؤم بعد هذا؟!
وصدق من قال:
طيْرة الناس لا تردُّ قضاء*** فاعذر الدهر لا تشبه بلوم
أيَّ يوم تخصه بسعود *** المنايا ينزلن في كل يوم
ليس يومٌ إلا وفيه سعود *** ونحوس تجري لقوم فقوم"
وختم العواضى خطبته بما يناقض استبعاده السعود وهو التفاؤل بوجوب الصلاة على سيد المتفائلين فقال :
"هذا وصلوا على سيد المتوكلين المتفائلين "
فالتفاؤل مثله مثل التشاؤم وهو التطير نسبة شىء لغير فاعله أو عدم ألأخذ بالأسباب واتباع كلمة هنا أو هناك أو حلم أو ما شابه