الأربعاء، 15 يونيو 2022

قراءة في كتاب الإثبات بشهادة النساء منفردات

قراءة في كتاب الإثبات بشهادة النساء منفردات في الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية في قطاع غزة
الكتاب من إعداد اثنين هما ماهر حامد محمد الحولي ومازن عبد القادر أحمد وادي وهو يدور حول القضايا التى تثبت بشهادة النساء فقط كما قال الاثنان في المقدمة :
"المقدمة
أما بعد فالشهادة هي أحد الأمانات اللفظية التي استرعانا الله تعالى عليها، وطلب منا أداؤها، فقال تعالى [واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء]
وكان شهادة النساء منفردات فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه – غالبا- هي إحدى تلك الأمانات التي استرعاها الله تعالى، خاصة وأن هناك حالات ومواضع لا يستطيع الرجال النظر إليها، ويتوقف فيها الحكم على الشهادة فكان لا بد من إفراد النساء بها، وإلا ضاعت الحقوق وظهر الباطل وانتهكت الأموال واختلطت الأنساب."
وفى المبحث الأول استعرضا المعنى اللغوى والاصطلاحى لكلمة الإثبات فقالا:
"المبحث الأول حقيقة الإثبات ومشروعيته
المطلب الأول: حقيقة الإثبات
أولا: الإثبات لغة:
الإثبات من ثبت، يثبت، ثباتا، وثبت وهي تأتي على معان منها:
1 - شدة الحفظ، فيقال رجل ثبت، أي حافظ وثقة .
2 - التأكيد، فيقال أثبت الحق، أي أكده .
3 - إقامة الدليل على صحة الادعاء ، أو البرهنة على وجود واقعة معينة .
وبالنظر في التعريفات اللغوية المتقدمة يمكن القول بأن التعريف الثاني والثالث هما أقرب إلى تعريف الإثبات في الاصطلاح خاصة أن الإثبات إقامة الدليل والتأكيد على الحق.
ثانيا: الإثبات اصطلاحا:
عرف الإثبات عند فقهاء المسلمين ورجال القانون، ومن الخير ذكر تعريف الإثبات عند الفقهاء ورجال القانون.
أ) الإثبات عند الفقهاء
لم يرد تعريف مصطلح الإثبات عند قدامى الفقهاء، وكانوا يطلقون مصطلح الإثبات على إقامة الحجة أو الدليل على الشيء وقد عرفه الجرجاني فقال "الإثبات هو الحكم بثبوت شيء لآخر" ، وهذا التعريف هو المعنى العام للإثبات.
أما المحدثون من علماء الشريعة الإسلامية فقد عرفوا الإثبات بتعريف خاص، واختلفت عباراتهم فيه في حين وتقاربت في حقيقة معناه وقد اقتصرت على التعريف التالي:
الإثبات هو (تقديم الدليل المعتبر شرعا أمام القضاء على حق أو واقعة ترتب عليه آثاره الشرعية) "
وبعد ذلك تحدثا عن شرح التعريف المختار كما تحدثنا عن معنى الإثبات عند الفقهاء وعند القانونيين وهو كلام لا لزوم والمفروض هو الاكتفاء بما هو معروف لدى الناس وهو إقامة الحجة أو البرهان على الدعوى فقالا:
"شرح التعريف:
تقديم الدليل: جنس في التعريف يعني به تقديمه إلى من يقتنع به، ويشمل الدليل العلمي، والتاريخي، والدليل العام أمام القضاء وغيره.
والدليل هو: الحجة أو البراهين الشرعية التي يقدمها الخصوم للقاضي للنظر في الخصومة والدليل جنس في التعريف يشمل كل الأدلة سواء كانت بينة شخصية، أم بينة خطية، أو قرينة، أو بعلم القاضي، وسواء كانت دليلا ماديا أو معنويا.
المعتبر شرعا قيد يخرج فيه تقديم الدليل الغير مشروع في نظر الشارع كالأدلة العرفية المخالفة للشريعة .
أمام القضاء: قيد خرج به تقديم الأدلة أمام غير القاضي، وهو ضروري لبيان أن الإثبات لا يكون منصبا إلا على واقعة متنازع فيها بين الناس .
على حق أو واقعة وهو محل الإثبات.
والحق هو (اختصاص يقر به الشرع سلطته على شيء أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقا لمصلحة معينة)
يترتب عليه آثار شرعية: قيد يخرج به إثبات أمور طبيعية أو عادية فلا يترتب عليه حق كإثبات طلوع الشمس.
الإثبات عند رجال القانون:
تقاربت تعريفات رجال القانون لمصطلح الإثبات وقد اقتصرت على التعريف التالي:
"الإثبات هو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون على وجود واقعة قانونية ترتب عليها آثارها)
ومن خلال شرح تعريف الإثبات عند الفقهاء يمكن فهم تعريف الإثبات عند رجال القانون.
وبالنظر إلى تعريف الإثبات عند الفقهاء ورجال القانون نجد أن علماء الشريعة الإسلامية، وعلماء القانون متفقون على حقيقة الإثبات، مع الاختلاف في الصيغة."
وفى المطلب الثانى تحدثا عن مشروعية الإثبات فقالا:
"المطلب الثاني: مشروعية الإثبات
إن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية في تشريع القضاء كهيئة مستقلة، هو إظهار الحق والإعانة عليه، وقمع الباطل سواء أكان الباطل ظاهرا أم خفيا.
وعليه فإن الشريعة الإسلامية قد أوجبت إيصال الحقوق إلى أهلها، ومن الأسباب التي تعين على إيصال الحقوق إلى أهلها بداية توثيق الحقوق، وإثباتها عند التجاحد، وإلا ادعى رجال دماء أناس وأموالهم، وقد بين ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فيما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لدعا رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"
وقد علق ابن حزم الظاهري على الحديث فقال: "لو أعطي كل امرئ بدعواه ما ثبت حق ولا باطل، ولا استقر ملك أحد على أحد" وقد أكدت آية الدين مشروعية الإثبات، فقد قال الله تعالى [يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا ياب كاتب أن يكتب كما علمه الله] فهذه الآية تدل دلالة واضحة على مشروعية الإثبات في جميع الأمور وإن ذكر الدين والأموال على مشروعية الإثبات في جميع الأمور وإن ذكر الدين والأموال، ويقاس عليها جميع الحقوق، وإلا أدى ذلك إلى ضياع الحقوق والدماء والأموال.
وقد قال الله تعالى [واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} وهذه الآية طلبت التوثيق بالشهادة والشهادة أحد وسائل الإثبات التي تؤدي إلى حفظ الحقوق.
فالإثبات هو (المعيار في تميز الحق من الباطل والسمين من الغث، وهو الحاجز أمام الأقوال الكاذبة والدعاوى الباطلة)
والشريعة الإسلامية اهتمت بتوثيق الحقوق سواء كانت حقوق عامة، أو خاصة، أو حقوق لله تعالى، أو حقا للعباد، أو حقوق مالية أو عائلية.
ويؤكد محمد الزحيلي أن للإثبات أهمية كبيرة فيقول " إن وظيفة الإثبات يومية ودائمة على مر الزمان والعصور، ويلجأ إليه الأفراد في كل نزاع، ويستخدمه القاضي في كل قضية ونكتفي أن نلقي نظرة سريعة إلى إحدى المحاكم لنر مئات الأشخاص وآلاف الدعاوى توقف سلبا أو إيجابا على الإثبات) "
والإثبات كما هو موجود في نصوص الوحى موجود في القانون الوضعى وفيه قالا:
"والإثبات ليس مشروعا فقط بالكتاب والسنة بل هو أساس في المرافعات في القانون المدني، ولا تقتصر أهميته على القانون المدني فقط، بل تنتل إلى سائر أنواع القانون الأخرى، وخاصة القانون الجزائي وقانون العقوبات، فمن المعلوم أنه لا يجوز توجيه عقوبة على شخص إلا بعد إذنابه وفعله جريمة تستحق العقوبة، فإن لم تثبت هذه الجريمة بالأدلة فإنه لا يجوز توجيه العقوبة، ومن هنا تتبين أهمية الإثبات، فيقول محمد حسين منصور (فلا تقتصر أهمية الإثبات على الحقوق المالية وحدها، بل تمتد لتشمل سائر أنواع الحقوق ويحمل الإثبات مكانة هامة ليس في القانون المدني وحده بل في سائر فروع القانون الأخرى، وإلى جانب المصلحة الفردية التي يحققها الإثبات فإنه يحقق مصلحة عامة اجتماعية، حيث يؤدي تنظيم الإثبات إلى حسم المنازعات ومنع الإدعاءات الكيدية والكاذبة، وتوفير أسباب الاستقرار في الجماعة "
وكل هذا الكلام تحصيا حاصل وكان الأولى بالرجلين هو تقديم وسائل إثبات كل جريمة أو دعوى في الوحى فالمسلم لن يستفيد شىء من الكلام عن أهمية الإثبات وتعريفه ولكن الفائدة في تعريفه بأدلة إثبات كل جريمة أو دعوى في الوحى
وفى الجزء الهام من البحث وهو شهادة النساء منفردات في بعض القضايا قالا :
"المبحث الثاني
الإثبات بشهادة النساء منفردات
اتفق الفقهاء في الأصل على جواز مشروعية الإثبات بشهادة النساء منفردات فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا، وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، الحنابلة، والظاهرية .
ويوجد قول شاذ للإمام زفر، وليس عليه دليل، ولم يذكر في كتب الأحناف، بل أفرده ابن حزم في المحلى .
وقد دل على مشروعية شهادة النساء منفردات فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا جملة من الأحاديث، منها:
1. قوله -: (شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه) .
2. عن حذيفة (أن رسول الله - أجاز شهادة القابلة) .
وجه الدلالة: في هذين الحديثين دلالة واضحة على مشروعية أداء الشهادة من النساء منفردات فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا، ومن ذلك الشهادة على الولادة والاستهلال، ونحوها من عيوب النساء التي تحت الثياب من بكارة وثيوبة .
3. عن علي قال: (شهادة القابلة جائزة على الاستهلال) .
4. عن الزهري قال: (مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء، وتجوز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال، وامرأتان فيما سوى ذلك) .
وقد أجمعت الأمة ـ على خلاف زفر ـ على مشروعية شهادة النساء منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن من الرجال ـ غالبا ـ من عورات النساء مما تحت الثياب وعلى البكارة والثيوبة ."
وحكاية شهادة النساء منفردات في بعض القضايا المتعلقة بالنساء هو قول مخالف للوحى فالشهادة لمن شهد الواقعة رجل أو امرأة فالولادة مثلا قد يحضرها الزوج أو الأب أو الأخ ومثلا الرضاعة يشهدها رجال البيت أحيانا كما تشهدها نساء البيت وأما فض البكارة من عدمه فلا يثبت بشهادة نساء عاديات وإنما بشهادة طبيبة وأحيانا فض البكارة وعدمه قد لا يثبت عنة الزوج فالمسألة تحتاج لطبيب أيضا كما تحتاج لفحص وبحث من القاضى فلا شهادة الطبيب تثبت شىء ولا شهادة الطبيبة تثبت شىء لأن المسألة قد تكون مجرد تشهير وعناد بين الزوجين فقد تمتنع المرأة عن الرجل ولا تمكنه من نفسها لغرض في نفسها وقد يمتنع الرجل عن المرأة لغرض في نفسه
وتحدثا عن نصاب النساء في القضايا تلك فقالا:
"المبحث الثالث نصاب شهادة النساء منفردات
المقصود بالنصاب:
نصاب الشهادة هو ما تنتصب عليه، أو يتوقف عليه وجودها الشرعي .
اختلف العلماء في نصاب شهادة النساء منفردات على خمسة أقوال:
القول الأول: نصاب شهادة النساء منفردات امرأة واحدة وهذا قول الحنفية، والمشهور لمذهب الإمام أحمد وقالوا: اثنتان أحوط .
القول الثاني: نصاب شهادة النساء منفردات امرأتان، وهو قول المالكية، ورواية عند الإمام أحمد .
القول الثالث: نصاب شهادة النساء منفردات ثلاث نسوة، وهو قول عثمان البتي.
القول الرابع: نصاب شهادة النساء أربع نسوة، وهو قول الشافعية، والظاهرية ، واستثنى الظاهرية الرضاع، فقالوا: تقبل فيه امرأة واحدة .
القول الخامس: نصاب شهادة النساء في الرضاع فقط امرأة واحدة، وهو قول الحسن البصري، وابن عباس، والظاهرية، ولم أجد لهم أدلة .
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول القائلين بأن نصاب شهادة النساء منفردات امرأة واحدة بالسنة، والأثر، والمعقول.
الاستدلال بالسنة:
1. ما روي عن ابن أبي مليكة قال حدثني عقبة بن الحارث، أو قال: سمعت منه: (أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فقال: فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي - فأعرض عني، وقال: تراجع فتنحى، فذكرت ذلك له، وقال: فكيف، وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟ فنهاه عنها)
وجه الدلالة:
في هذا الحديث دلالة واضحة على جواز التفريق بين الرجل وامرأته بسبب الرضاع وذلك إذا شهدت المرضعة، وشهادة المرضعة تكفي لوحدها .
2. ما روي عن حذيفة: (أن رسول الله (ص) أجاز شهادة القابلة) .
وجه الدلالة:
في هذا الحديث دلالة واضحة على أن الولادة من عورات النساء فلا يشهد عليها إلا امرأة واحدة .
3. قال -: (شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه) .
وجه الدلالة:
النساء اسم جنس يشمل أدنى ما يدل عليه، فعلى ذلك تكون شهادة المرأة الواحدة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه ـ غالبا ـ امرأة واحدة إذ شهادتها من قبيل الإخبار .
الاستدلال بالمعقول من وجوه:
1. اشتراط العدد في الشهادة أمر غير معقول المعنى، إذ إن الشهادة خبر يحتمل الصدق والكذب، وشهادة النساء لم يثبت بها العدد إلا في حالة مخصوصة نص عليها القرآن، وهي شهادة الرجل والمرأتين في الأموال، والديون، فقال تعالى:" فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} ويبقى النص على ما هو عليه، وتبقى شهادة النساء منفردات على أصل القياس القائل بعدم التعدد .
2. شهادة الرجال أقوى من شهادة النساء؛ وذلك لأن النساء ناقصات عقل ودين ونقصان عقلها أدى إلى اعتبارها نصف شهادة الرجل، ولكن حالة الضرورة التي تتمثل في وجود مواضع لا يستطيع الرجال النظر إليها ـ غالبا ـ؛ لذا أجيزت شهادة النساء وحدهن، وكانت شهادتهن من قبيل الإخبار، والإخبار يجوز بواحدة .
واعترض المالكية على استدلال الأحناف بحديث عقبة بن الحارث، بأنه حجة لنا لا لكم، إذ إن المرأة الواحدة لو كانت كافية لحكم الرسول (ص)بالتفريق من أول مرة، إذ إن التنفيذ واجب عند اكتمال الحجة؛ خاصة وأن هذه القضية هي استباحة للفرج؛ ولكن الحكم هنا كان مبناه على قاعدة (إذا غلب على الظن تحريم شيء كان هذا الشيء محرما) .
واعترض المالكية والشافعية على حديث حذيفة، بأنه حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، وإن سلمنا به على أنه يجوز للمرأة الشهادة على فعل نفسها لا على قبول شهادة واحدة فيما لا يطلع عليه غير النساء، وهذا على الجواز .
واعترض على قول الحنفية، بأن شهادة النساء هي من باب الإخبار، والرواية بأن هناك فارقا بين الشهادة والخبر، فالخبر يتساوى فيه المخبر والمخبر له في الالتزام والانتفاع، بينما الشهادة لا يتساوى فيها الشاهد والمشهود له والمشهود عليه .
واستدل المالكية ومن معهم القائلين بأن نصاب شهادة النساء امرأتان بالمعقول من وجهين.
الأول: أن كل جنس ثبت بشهادة على انفراد كان نصابه اثنان كشهادة الرجال، فكذلك شهادة النساء منفردات يكون النصاب فيها امرأتان على انفراد .
الثاني: شهادة الرجال أقوى وآكد من شهادة النساء ومع ذلك فلم يقبل الرجل الواحد، وذلك أولى أن يكون نصاب شهادة النساء منفردات اثنتين من النساء .
واعترض على الوجه الأول من المعقول بأنه معارض لحديث حذيفة، إذ فيه سقوط العدد، وهو جاء لتخصيص النظر في مواضع لا ينظر إليها الرجال، فكذا تسقط العلة التي يقاس فيها بين شهادة النساء والرجال .
وأجيب عليه، بأن حديث حذيفة لا يصح الاحتجاج به وإن سلمنا به، فإن معناه يجوز للقابلة الشهادة على فعل نفسها، وليس له دلالة على أن المرأة الواحدة تكون شاهدة في عورات النساء وعيوبهن .
استدل عثمان البتي على أن نصاب شهادة النساء منفردات هو ثلاث نسوة بأن الله سبحانه وتعالى ضم شهادة الرجل والمرأتين في المواضع التي لا ينفرد بها النساء، فمن باب أولى أن تضم ثلاث نساء في المواضع التي ينفردن بها .
واعترض عليه، بأنه قياس غير مطرد، إذ إنه قاس النساء منفردات فيما يطلعن عليه على النساء، والرجال فيما يطلع عليه الرجال غالبا .
واستدل الشافعية، وابن حزم على مذهبهم القائل، بأن نصاب شهادة النساء منفردات أربع نسوة بالكتاب، والسنة، والمعقول."
وكل هذه الأقوال والاستدلال عليها هو باطل فقد يكون هناك ألف من النسوة كاذبات وقد تكون واحدة صادقة فالقاضى لا يحكم حسب القلة أو الكثرة وإنما يحكم بصدق الشهادة من بطلانها بدراسته لها
في كل القضايا الشهادة مطلوبة ولكن حكم القاضى لا يكون بالشهادات إلا بعد دراستها ومعرفة صادقها من كاذبها ومقارنتها بالأدلة ألأخرى وهناك قضية شهيرة في الوجى اجتمع فيها النبى(ص) والمؤمنون فيها على اتهام برىء وتبرئة متهم فنزل عليهم وحى الله ناهيا إياهم عن ذلك فقال :
" إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما "واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما "ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ها أنتم جادلتم عنهم فى الحياة الدنيا فمن يجادل عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا "ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء "
وهناك قضية أخرى وهى مقتل يوسف(ص) فقد شهد عشرة على مقتله ومع شهادتهم كانت كاذبة لم يصدقها الأب وفى هذا قال تعالى :
"وجاءو أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون"
الشهادة إذا ليست بكثرة أو بقلة وإنما بسلامة الدليل وحاول الباحثان إثبات العدد عن طريق القرآن فقالا:
"الاستدلال بالكتاب:
قال تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء}
وجه الدلالة:
في هذه الآية دلالة واضحة على أن المطلوب في الاستشهاد رجلان، فإن لم يوجد فرجل وامرأتان، فالله سبحانه وتعالى جعل المرأتين تقومان مقام الرجل الثاني، فإذا قامت امرأتان مقام رجل عند الاجتماع فيما ينظر فيه الرجال ـ غالبا ـ، فنصاب الشهادة فيما لا يطلع فيه الرجال وتنفرد به النسوة أربع نسوة، كل اثنتين تقومان مقام رجل واحد .
واعترض عليه بأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد في حالة اجتماع النساء والرجال فيما يطلع عليه الرجال ـ غالبا ـ، وهذه العلة غير موجودة، إذ إن الرجال لا يطلعون على عيوب النساء وعوراتهن ـ غالبا "
وقضية المرأتين ليست بسبب نقص في العقل أو في الدين وإنما بسبب خلقى وهو أن آلام الطمث والولادة والنفاس تؤثر على عمل ذاكرتهن لأن الإنسان مشغول بألمه عن أى شىء أخر
والقضية هنا محددة وهى الشهادة في الاستدانة وليس في قضية أخرى ومن ثم لا يصح أن تكون شهادة المرأتين في القضايا ألأخرى مكان رجل وإنما كما سبق القول يشهد من حضر الواقعة رجلا أو امرأة
والرجلان مصران على حكاية النقص في الدين والعقل واستدلا برواية ما أنزل الله بها من سلطان وفيها قالا:
"الاستدلال بالسنة:
ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - قال: (يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جرأة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار، قال: تكثرن اللعنة، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، هذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين) .
وجه الدلالة:
في هذا الحديث دلالة واضحة على أن شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد، فإذا انفردن فتكون كل امرأتين مقابل رجل واحد فيصبح نصاب شهادة النساء منفردات أربع نسوة .
واعترض عليه بنفس ما اعترض عليه من الاستدلال بالقرآن الكريم، بأن هناك فرقا فيما يطلع عليه الرجال ـ غالبا ـ وما لا يطلع عليه الرجال ـ غالبا ـ."
وقد غاب عمن وضعوا الحديث أن هناك زيادة في الدين للنساء ليست للرجال وهى :
الحمل والولادة والرضاعة ومع هذا اعتبروا الطمث كنقصان ولم يعتبروا الحمل والولادة والرضاعة كزيادة
وتحدثنا عما سمياه معقولا فقالا:
"الاستدلال بالمعقول من وجوه:
1. شهادة النساء أضعف من شهادة الرجال، وذلك لأن النساء لا يقبلن في مواضع، ويقبل الرجال في نفس هذه المواضع، ومع ذلك فلا تجوز شهادة رجل واحد في تلك المواضع، فمن باب أولى ألا تقبل شهادة الواحدة من النساء مع ضعفها فيما تنفردن بالشهادة عليها، فيجب أن يكون العدد أربع نسوة في سائر الحقوق .
ويمكن الاعتراض عليه بأنه لا يصح قياس انضمام المرأة مع ضعفها على المرأتين مع الرجل، وذلك لأن الرجل والمرأتين يقبل في حالة ما يطلع عليه الرجال ـ غالبا ـ، أما شهادة النساء منفردات فهي من الشهادات التي لا يطلع عليها الرجال ـ غالبا ـ.
واستدل الحسن البصري ومن وافقه على أن نصاب شهادة النساء منفردات لا يكون إلا في الرضاع امرأة واحدة بالسنة، بما روي عن ابن أبي مليكة، قال: حدثني عقبة بن الحارث أنه تزوج بنت أبي إهاب، فقال: جاءت أمة سوداء، فقال: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي - قال: فتنحى، قال: فذكرت ذلك له، فقال: كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما، فنهاه عنها) .
وجه الدلالة:
في هذا الحديث دلالة على أن شهادة المرضعة جائزة، ولم يرد دليل آخر يجيز شهادة النساء منفردات .
واعترض عليه، بأنه ليس فيه دلالة على أن شهادة المرضعة جائزة، ولا يجوز غيرها من شهادة النساء، بل كل ما يدل عليه جواز شهادة المرضعة على فعل نفسها .
سبب الخلاف:
بعد النظر في أدلة الفقهاء يمكن القول بأن سبب الخلاف راجع إلى أن النصوص الواردة في شهادة النساء منفردات من استهلال وفي الرضاع، هل تدل على أن النصاب واحدة من النساء أم يجوز العدد؟
فإن كان يجوز العدد: فهل شهادة النساء منفردات فيما يطلعن عليه ـ غالبا ـ تقاس على شهادة الرجال والنساء فيما يطلع عليه الرجال ـ غالبا ـ، فمن قال بأنها لا تقاس قال بأن نصاب شهادة النساء منفردات امرأتان قياسا على شهادة الرجلين عند الانفراد، ومن قال بأنها تقاس قال بأن النصاب أربع نسوة، قياسا على شهادة الرجال مع النساء فيما يطلع عليه الرجال ـ غالبا ـ.
الرأي الراجح:
بعد النظر في أدلة الفقهاء واستخلاص سبب الخلاف، يمكن القول بأن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه المالكية ومن وافقهم بقبول امرأتين فيما لا يطلع عليه غيرهن؛ وذلك لأن أحكام شهادة النساء منفردات تختلف عن أحكام شهادة النساء مع الرجال فيما يطلع عليه الرجال ـ غالبا ـ ولأن شهادة امرأتين تعتبر حجة كاملة، خاصة وأن الأحناف يقولون بأن النصاب امرأة واحدة والأحوط اثنتان، ولأن النصوص الواردة في شهادة النساء لا تفيد تخصيص شهادة النساء بامرأة واحدة، بل غاية ما تدل عليه جواز شهادة المرأة على فعل نفسها؛ وهذا الرأي موافق لمقاصد الشريعة الغراء"
وترجيح وجود امرأتين مطلوب في الرضاعة ولكن كما سبق القول الرضاعة يحضرها الرجال كما يحضرها النساء ومن ثم كل من حضر واقعة شهادته مطلوبة وكما سبق القول الشهادة ليست بالكثرة أو بالقلة وإنما الشهادات يدرسها القاضى وهو من يقرر صحتها من بطلانها
وتحدث الرجلان عن القضايا التى تثبت بشهادة النساء فقط فقالا:
"المبحث الرابع
ما يجوز إثباته بشهادة النساء منفردات وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية بقطاع غزة
المطلب الأول: ما يجوز إثباته بشهادة النساء منفردات
- اتفق الفقهاء على أنه يجوز الإثبات بشهادة النساء منفردات فيما لا يطلع عليه الرجال ـ غالبا ـ من عورات النساء وعيوبهن التي تحت الثياب، عدا زفر .
- واختلفوا في قبول شهادة النساء منفردات في أحكام الأبدان، والأموال، والحدود، والقصاص على قولين:
القول الأول: لا تجوز شهادة النساء في الحدود، والدماء، والقصاص، وأحكام الأبدان، والأموال، وهذا قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة .
القول الثاني: تجوز شهادة النساء في أحكام الأبدان، والأموال، والحدود، والدماء، والقصاص، وهذا قول ابن حزم الظاهري .
الأدلة:
أدلة الجمهور: استدل الجمهور بالكتاب، والسنة، والأثر، والمعقول.
الاستدلال بالكتاب:
استدلوا بآيات كثيرة منها قوله تعالى:" لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء}
وجه الدلالة:
في هذه الآية دلالة على أن حد الزنا لا يقبل فيه أقل من أربعة رجال ، ويقاس عليه جميع الحدود والقصاص، بجامع أنها تسقط بالشبهة.
الاستدلال بالسنة:
1. قال -: (شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه) .
وجه الدلالة:
في هذا الحديث دلالة واضحة على أن شهادة النساء منفردات تجوز فيما لا يطلع عليه الرجال ـ غالبا ـ من عورات النساء، وأما الحدود فهي مما ينظر ويطلع عليها الرجال ـ غالبا ـ
2. ما روي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله(ص) (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) .
وجه الدلالة:
في هذا الحديث دلالة على عدم إقامة الحد في حالة الشبهة؛ إذ إن شهادة النساء لا تخلو عن شبهة؛ لأن المرأة قد تنسى وتضل، فيسقط الحد بالشبهة، فكان للإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة .
الاستدلال بالأثر:
ما روي عن الزهري، أنه قال: (مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء، وتجوز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال وامرأتان فيما سوى ذلك)
وجه الدلالة:
في هذا الأثر دلالة على أن السنة الثابتة من عصر الرسول - والخلفاء، بأن شهادة النساء في العورات والعيوب التي لا يطلع عليها الرجال ـ غالبا ـ والنساء لا يطلعن على الحدود؛ لأن الرجال مما يطلعون عليه .
الاستدلال بالمعقول:
شهادة النساء لا تخلو عن شبهة، والحدود والقصاص تسقط بالشبهات، فلا يجوز شهادة النساء فيها؛ لأن المرأة قد تنسى وقد تضل .
أدلة القول الثاني:
واستدل ابن حزم على جواز شهادة النساء منفردات في الحدود، والقصاص، وأحكام الأبدان، والأموال، بالكتاب، والسنة، والمعقول.
الاستدلال بالكتاب:
قال الله تعالى: " وأشهدوا إذا تبايعتم} ، وقال تعالى: - وأشهدوا ذوي عدل منكم}
وجه الدلالة:
في هاتين الآيتين دلالة واضحة على أن المطلوب في إثبات الحقوق هو استشهاد رجلين، وهذا تخصيص بها، ولا فرق بين رجلين أو امرأتين، فالنصوص عامة، ولم يرد ما يخصصها
يمكن الاعتراض عليه، بأن الزنا من الحدود، وقد ورد في ذلك قوله تعالى: - لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم ياتوا بالشهداء} فقد طلبت هذه الآية استشهاد أربعة شهداء، ولفظ الشهداء يدل على أن المطلوب الرجال، وليس النساء، ويقاس على حد الزنا باقي الأحكام.
الاستدلال بالسنة:
ما روي عن الأشعث بن قيس: (أنه كانت بينه وبين رجل من حضر موت خصومة .... فقال له رسول الله - شاهداك أو يمينه ..... ) .
وجه الدلالة: أن الرسول - طلب من الأشعث شاهدين، ولم يذكر له صفة الشاهدين، ذكرين أم أنثيين أم رجل وامرأتين، وهذا يدل على أنه لو جاء الأشعث بامرأتين لقبل الرسول - منه ذلك
ويمكن الاعتراض عليه، بأن هذا الحديث عام خصص بقول الرسول (ص) (شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه) .
الاستدلال بالمعقول:
قياس الحدود والقصاص على الأموال والديون في جواز شهادة النساء فيها بجامع أن كلا منها حق .
ويمكن الاعتراض عليه، بأن هناك فارقا بين أحكام الأموال، والحدود، والقصاص، فأحكام الأموال لا تسقط بالشبهة، بينما أحكام الحدود والقصاص تسقط بالشبهة.
سبب الخلاف:
بعد النظر في أدلة الفقهاء يمكن القول، بأن سبب الخلاف راجع إلى السؤال التالي:
هل تعتبر شهادة النساء منفردات من باب الضرورات التي تدعو إليها الحاجة في المواضع التي لا يطلع عليها الرجال ـ غالبا ـ أم هي كباقي الشهادات؟
فمن قال إنها من باب الضرورات في المواضع التي لا يطلع عليها الرجال ـ غالبا ـ جعلها خاصة فيها، ومن قال بأنها ليست في المواضع التي لا يطلع عليها الرجال ـ غالبا ـ وأنها كباقي الشهادات أجاز شهادة النساء منفردات في الحدود والقصاص.
الرأي الراجح:
بعد النظر في أدلة الفقهاء واستخلاص سبب الخلاف، يمكن القول، بأن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز شهادة النساء منفردات فيما لا يطلع عليه الرجال ... ـ غالبا ـ؛ وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من الاعتراض، ولأن شهادة النساء من باب الضرورات، والضرورات تقدر بقدرها ولا تتجاوز ما ورد به النص، ولعل الإمام ابن حزم رحمه الله خفي عليه الحكمة من اشتراط أربعة رجال في حد الزنا، وهي استشواف الشارع الحكيم للستر وإسقاط الحد، وهذا الرأي موافق لمقاصد الشارع"
كل هذا الكلام هو مجرد كلام في غير محله فالقوم لم يذكرا قضية محددة يقبل فيهم شهادة النساء وحدهن ولا الرجال وحدهم سوى قضية الزنى ومن ثم لا يوجد شىء اسمه شهادة النساء منفردات أو الرجال منفردين إلا إذا كان من حضر الواقعة رجال فقط أو نساء فقط كما في قضية شهادة النسوة في قضية يوسف(ص) عندما قلن " ما علمن عليه من سوء"
صحيح أنها قضية في مجتمع كافر ولكن الاستدلال هنا هو أن بعض الوقائع قد يحضرها نسوة فقط وقد يحضرها رجال فقط كما في قضية مقتل يوسف (ص)
وتحدثا عن تطبيقات المحاكم الشرعية في غزة لذلك فقالا:
"المطلب الثاني: التطبيقات القضائية في المحاكم الشرعية بقطاع غزة.
نص قانون الأحوال الشخصية الصادر في عام 1336 هـ المطبق في محاكم الشرعية بقطاع غزة على بعض الصور التي تجيز شهادة المرأة ومنها:
(إذا أنكر الزوج دعوى المرأة عليه بالعنة ، وادعى الوصول إليها قبل التأجيل أو بعده يعين الحاكم امرأتين ممن يوثق بهن للكشف عنها، فإن كانت ثيبا من الأصل أو بكر، وقالتا هي ثيب يصدق الزوج بيمينه، ولو ادعت المرأة زوال بكارتها بعارض، فإن حلف سقط حقها، وإن نكل عن اليمين أو قالتا هي بكر، فإن كان ذلك قبل التأجيل يؤجل سنة، كما مر في المادة السابقة، وإن كان بعد التأجيل تخير المرأة في مجلسها، فإن اختارت الفرقة يفرق بينهما، وإن عدلت واختارت الزوج أو قامت أو أقامها أحد من مجلسها قبل أن تختار بطل اختيارها) ."
والقانون هنا فادح فالعنة لا تثبت بقول رجل ولا امرأة وإنما المختص بها أولا هما الطبيب والطبيبة فكما سبق القول قد لا تمكن الزوجة زوجها منها لفضحه بتهمة العنة والعكس قد لا يقترب الرجل من المرأة لفضحها بتهمة الزنى مع غيره قبل الدخول
فالطبيب يكشف على الرجل ويطلب منه الاستمناء والقاضى شاهد لدخوله حجرة بجوارهم يستشكفها القاضى قبل الدخول والطبيبة تكشف على المرأة لرؤية غشاء البكارة فإذا ثبت أنه أمنى وأنها سليمة فهناك قضية أخرى لا علاقة لها بالعنة
ومن ثم لا يمكن إثبات العنة بوجود غشاء البكارة فقط خاصة مع وجود معلومة طبية عن وجود غشاء بكارة يسمى الغشاء المطاطى لا يتمزق إلا بعد كثير من مرات الجماع
وتحدثا عن قضية أخرى فقالا:
"كما نص قانون الأحوال الشخصية على أنه: (إذا ادعت الزوجة المنكوحة الولادة، وجحدها الزوج تثبت بشهادة امرأة مسلمة حرة عدلة، كما لو أنكر تعين الولد، فإنه يثبت تعينه بشهادة القابلة المتصفة بما ذكر) ."
هذا الكلام مخالف تماما لكتاب الله فالطفل أيا كان لا يمكن إنكاره إلا بإثبات الزنى بالأربعة شهود على المرأة أو بحلف الزوج أربع مرات على زنى زوجته وإقرارها بالزنى وإما إذا أنكرت الزنى فالولد هو ابن للزوج ويثبت نسبه به وهذا هو تطبيق لقوله تعالى :
"والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدروأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين"
وأما شهادة القابلة فلا قيمة لها في تلك القضية وحتى ما يسمونه بتجلي الحمض النووى فهو خداع من البشر للبشر لا يثبت به نسب ولا غيره ومن اخترعوه في الغرب اخترعوه لكسب أموال الناس بالباطل والمحاكم الأمريكية لم تعترف به لأن الباحثين اعترفوا بإمكانية وجود ثمانية حالات من كل مليون يمكن أن تتشابه أحماضهم النووية تماما
وقالا:
"وأيضا نص قانون الأحوال الشخصية على أنه: (إذا ادعت معتدة الطلاق الرجعي أو البائن، أو معتدة الوفاة الولادة لأقل من سنتين من وقت الفرقة، وجحدها الزوج أو الورثة فلا تثبت إلا بحجة تامة، ما لم يكن الزوج أو الورثة قد أقروا بالحبل، أو كان الحبل ظاهرا غير خاف، فإن جحدوا تعين الولد، ويثبت بشهادة القابلة كما مر) ."
وهذا الكلام مخالف للطب والشرع تماما فأقصى مدة للحمل هى عشرة شهور إن بقى الجنين حيا لأن الحالات التى اكملت الشهر العاشر ونجت نادرة جدا وبعدها يكون حملا من زنى وقد حدد الله الحمل والرضاعة بثلاثين شهرا وطبقا له لا يمكن أن يتجاوز الحمل الفعلى وهو الثقيل ستة أشهر والحمل الخفيف وهو غير معتبر في الثلاثين شهرا هو ثلاثة أشهر

الثلاثاء، 14 يونيو 2022

نقد كتاب محاسبة النفس ضرورة ملحة

نقد كتاب محاسبة النفس ضرورة ملحة
المؤلف عبدالله بن محمد العسكر وهو يدور حول محاسبة الفرد لنفسه وقد استهل الكتاب بتعريف المحاسبة لغويا واصطلاحيا فقال :
"المبحث الأول
معنى المحاسبة
في اللغة :
هي صيغة على وزن مفاعلة ، فعلها حاسب وجاء في "المعجم الوسيط " : " حاسبه محاسبة ، وحسابا : ناقشه الحساب وجازاه "
ب- أما تعريفها عند العلماء :
فقد قال الماوردي في ذلك : " أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموما استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل"
وقال ابن القيم "هي التمييز بين ماله وما عليه ( يقصد العبد ) فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه؛ لأنه مسافر سفر من لا يعود"
وأما الحارث المحاسبي فقد عرفها بقوله : "هي التثبت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير، أو الفعل بالجارحة؛ حتى يتبين له ما يفعل وما يترك، فإن تبين له ما كره الله ـ عز وجل ـ جانبه بعقد ضمير قلبه، وكف جوارحه عما كرهه الله ـ عز وجل ـ ومنع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض، وسارع إلى أدائه "
محاسب أو حساب النفس قد تكون قد العمل وقد تكون بعد العمل فمن يحاسب نفسه قبل العمل لا يخطىء وهو أمر قليل الوقوع واما الحساب بعد العمل فهو يتضمن أمرين:
الأول حمد الله على طاعته
الثانى الاستغفار للذنوب وهى الأخطاء والتوبة منها والتوبة قد تكون استغفار فقط وقد استغفار مع كفارة كالحلف المحنوث به وقد تكون استغفار مع إعادة المال لصاحبه
وتحدث العسكر على فوائد حساب النفس فقال :
"المبحث الثاني
فوائد محاسبة النفس
لمحاسبة النفس فوائد متعددة نذكر منها ما يلي:
1 - الاطلاع على عيوب النفس ونقائصها ومثالبها، ومن ثم؛ إعطاؤها مكانتها الحقيقية إن جنحت إلى الكبر والتغطرس ولا شك أن معرفة العبد لقدر نفسه يورثه تذللا لله فلا يدل بعمله مهما عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر قال أبو الدرداء: " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتا وليعلم العبد علم اليقين أنه مهما قدم من طاعات وقربات فذاك لا يوازي فضل الله عليه ، فالحذر من أن يتسلل إلى العبد داء العجب القتال فإنه محبط للعمل ، مسقط من عين الله ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم أنه قال له رجل : إني لأقوم في صلاتي فأبكي حتى يكاد ينبت البقل من دموعي فقال له ذلك العالم : إنك أن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك ، فإن صلاة الدال لا تصعد فوقه فقال : أوصني ، قال : عليك بالزهد في الدنيا وألا تنازعها أهلها ، وأن تكون كالنحلة : إن أكلت أكلت طيبا ،وإن وضعت وضعت طيبا ، وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره وأوصيك بالنصح لله _ عز وجل_ نصح الكلب لأهله ؛ فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم وينصحهم "
2 - أن يتعرف على حق الله _تعالى _ عليه وعظيم فضله ومنه؛ وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله ، فيكون ذلك رادعا له عن فعل كل مشين وقبيح ؛ وعند ذلك يعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقن أنه من حقه _ سبحانه _ أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر
3 - تزكية النفس وتطهيرها وإصلاحها وإلزامها أمر الله ـ تعالى ـ وهذه هي الثمرة المرجوة من جراء محاسبة العبد لنفسه فتزكية النفس عليها مدار فلاح العبد ونجاته من عذاب الله قال تعالى : ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها )
وقال مالك بن دينار: " رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله ـ عز وجل ـ فكان لها قائدا "
4 – " أنها تربي عند الإنسان الضمير داخل النفس، وتنمي في الذات الشعور بالمسؤولية ووزن الأعمال والتصرفات بميزان دقيق هو ميزان الشرع " حكى الغزالي أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ عند الموت: " ما أحد من الناس أحب إلي من عمر " ثم قال لها : "كيف قلت" ؟ فأعادت عليه ما قال، فقال: " ما أحد أعز علي من عمر " !! يقول الغزالي: " فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبرها وأبدلها بكلمة غيرها " "
المحاسبة لها فائدة واحدة وهى انقاذ النفس من دخول النار وليس لها سوى مقياس واحد وهو شرع الله فالضمير المزعوم ليس مقياسا للحسن والسوء وإنما المقياس هو أحكام الله
وكرر فوائد المحاسبة تحت عنوان فضل المحاسبة فقال :
"المبحث الثالث فضل المحاسبة وما ورد في ذلك من آثار
لقد حث الله أهل الإيمان على محاسبة نفوسهم والتأمل فيما قدموه لأخراهم فقال : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) قال صاحب الظلال: " وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه، ومجرد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته ، ويمد ببصره في سطورها كلها يتأملها، وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته لينظر ماذا قدم لغده في هذه الصفحة وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير مهما يكن قد أسلف من خير وبذل من جهد؛ فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلا ورصيده من البر ضئيلا ؟! إنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبدا، ولا يكف عن النظر والتقليب "
وقال تعالى : ( ولا أقسم بالنفس اللوامة ) يقول الفراء: " ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت: هلا ازددت، وإن عملت شرا قالت: ليتني لم أفعل " وقال الحسن في تفسير هذه الآية :" لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه "
ويقول الله _عز وجل _ في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلة والتقصير ويرجعون عماكانوا عليه :( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله " قال الترمذي : " معنى قوله من دان نفسه :حاسب نفسه في الدنيا فبل أن يحاسب يوم القيامة "
وما أجمل قول الفاروق عمر _ رضي الله عنه _في عبارته الشهيرة : "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) وصدق فإن المحاسبة للنفس في دار الدنيا أهون من محاسبة الله للعبد في يوم تشيب فيه رؤوس الولدان فالمحاسب هو الله ، وكفى بالله حسيبا والوثيقة التي يدان بها العبد ( كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا )
يصف الحسن البصري المؤمن بقوله :"المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة" ويقول ميمون بن مهران: "إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه "
روي عن الإمام أحمد أن وهب بن منبه قال : " مكتوب في حكمة آل داود : حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات :ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل ، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات ، وإجماما للقلوب " ومن هنا تتضح أهمية محاسبة النفس ، وخطورة إهمالها من غير محاسبة وملاحظة ؛ لأن إهمالها هو شأن الغافلين السادرين قال ابن القيم: " أضر ما على المكلف الإهمال وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك ، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمشي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة ، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنس بها وعسر عليه فطامها "
ولنستمع إلى هذه الكلمات الجميلة لأبي حامد الغزالي وهو يصف أرباب القلوب المنيبة وذوي البصائر الحية فيقول: " فعرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله _ تعالى _ لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته "
إن الأمر شاق وعسير يتطلب من المسلم صبرا ومصابرة وطول مجاهدة ؛ فليست النفس سهلة القياد ، بل هي صعبة عسيرة إلا إن روضت وألجمت بلجام التقوى وهذا يستلزم أخذها بالحزم والمجاهدة قال الحسن: " اقرعوا هذه الأنفس؛ فإنها طلعة ، وإنها تنازع إلى شر غاية، وإنكم إن تقاربوها لم تبق لكم من أعمالكم شيئا، فتصبروا وتشددوا؛ فإنما هي أيام تعد، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فلا يجيب ولا يلتفت فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم "
وكل هذا الكلام يعتبر تكرار لنغس المعنى وهو وجوب مراجعة كل مسلم لعمله في أى وقت والغالب هو قبل النوم
وتحدث عن كيفية المحاسبة فقال :
"المبحث الرابع كيفية المحاسبة
الحق أنه ليس هناك وسيلة محددة ذات خطوات وأساليب منضبطة في كيفية محاسبة النفس؛ وذلك لأن النفوس البشرية متباينة الطبائع والسجايا؛ لكن هناك أطرا عامة وخطوطا عريضة يمكن الإشارة إليها والاستفادة منها في هذا الموضوع والأمر الذي يجب أن يفقهه كل مسلم ومسلمة أنه لا بد من الجدية في المحاسبة والحرص الشديد على أخذ النتائج والقرارات التي يتوصل إليها بعد ذلك بمأخذ العزيمة والجد قال الغزالي: " اعلم أن العبد كما ينبغي أن يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدنيا، وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟! ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان وقلة التوفيق نعوذ بالله من ذلك " "
وعرفنا العسكر بوجود نوعين من المحاسبة قبل العمل وبعده فقال :
"ويمكن لنا تقسيم مجالات محاسبة النفس إلى نوعين اثنين :
النوع الأول: محاسبة قبل العمل:
وهي : أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه قال عمر الأشقر: " ينظر في همه وقصده ؛ فالمرء إذا نفى الخطرات قبل أن تتمكن من القلب سهل عليه دفعها… فالخطرة النفسية والهم القلبي قد يقويان حتى يصبحا وساوس، والوسوسة تصير إرادة، والإرادة الجازمة لا بد أن تكون فعلا قال الحسن: كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة تثبت؛ فإن كانت لله أمضاها، وإن كانت لغيره توقف "
وشرح بعضهم قول الحسن فقال: " إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور عليه أو غير مقدور عليه؟ فإن لم يكن مقدورا عليه لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا عليه وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أم تركه خير له من فعله ؟ فإن كان الخير في تركه تركه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله _ عز وجل _ وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق ؟ فإن كان الثاني لم يقدم عليه وإن أفضى به إلى مطلوبه ؛ لئلا تعتاد النفس الشرك ويخف عليها العمل لغير الله ؛ فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله _ تعالى _ حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر: هل هو معان عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه _ إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك _ أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه ، كما أمسك النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور _ بإذن الله "
النوع الثاني: المحاسبة بعد العمل
وهي على أقسام ثلاثة :
أ- محاسبتها على التقصير في الطاعات في حق الله تعالى :
وذلك يكون بأن يديم سؤاله نفسه: هل أديت هذه الفريضة على الوجه الأكمل مخلصا فيها لله ووفق ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فإن كان مقصرا ، وأينا يسلم من ذلك ؟ فليسد الخلل بالنوافل فإنها ترقع النقص في الفريضة وتربي لدى العبد جانب العبادة، وبالمجاهدة وكثرة اللوم يخف التقصير في الطاعات إلى درجة كبيرة
ب - محاسبتها على معصية ارتكبتها :
والمعصية هنا تشمل الصغيرة والكبيرة وقد حكى ابن القيم أنموذجا في كيفية محاسبة النفس على الوقوع في المعصية فقال : " وبداية المحاسبة أن تقايس بين نعمته – عز وجل - وجنايتك؛ فحينئذ يظهر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته أو الهلاك والعطب وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب والعبد عبد، ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها وعظمة جلال الربوبية وتفرد الرب بالكمال والإفضال، وأن كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كل شر وأساس كل نقص وأن حدها: [ أنها] الجاهلة الظالمة، وأنه لولا فضل الله ورحمته بتزكيته لها ما زكت أبدا ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصول إلى خير ألبتة؛ فهناك تقول حقا: أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي " وبعد أن يحاسب نفسه هذه المحاسبة ويجلس معها هذه الجلسة المطولة فإنه ينتقل إلى الثمرة والنتيجة ألا وهي العمل على تكفير تلك المعصية، فيتدارك نفسه بالتوبة النصوح وبالاستغفار والحسنات الماحية والمذهبة للسيئات قال سبحانه : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) فالبدار البدار قبل أن يختم للمرء بخاتمة سوء وهو مصر على المعصية ولم يتب منها وليتذكر الحشر والنشر وهول جهنم وما أعده الله للعصاة والفسقة من الأغلال والحديد والزقوم والصديد في نار قال عنها كعب الأحبار ـ رضي الله عنه ـ : " لو أنه فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها " أجارنا الله والمسلمين منها
ومما يساعد في هذا الجانب أن يستذكر العبد ويستشعر رقابة الحق سبحانه عليه ، فإنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وحينما تهم النفس بمعاقرة الذنب صغر أم كبر فليتذكر المرء أن نظر الله إليه أسرع من نظره إلى ذلك الذنب ولو كان العبد في جوف داره فإن الله سبحانه لا تحجز نظره الأبواب المغلقة ، ولا الستر المرخاة بل لو كان العبد في قعر البحار، أو على رؤوس الجبال فإن ربه يراه ، ويعلم بكل حركة منه وسكنة (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا كتاب مبين )
فبذلك السبيل وأشباهه من المحاسبة يكون المرء صادقا في محاسبته نفسه على ارتكاب المعصية والذنب ومن منا يسلم من معاقرة الذنوب والخطايا؟! نسأل الله اللطف والتخفيف
ج - محاسبتها على أمر كان تركه خيرا من فعله ، أو على أمر مباح، ما سبب فعله له :
فيوجه لنفسه أسئلة متكررة: لم فعلت هذا الأمر؟ أليس الخير في تركه؟ وما الفائدة التي جنيتها منه؟ هل هذا العمل يزيد من حسناتي؟ ونحو ذلك من الأسئلة التي على هذه الشاكلة
وأما المباح فينظر: هل أردت به وجه الله والدار الآخرة فيكون ذلك ربحا لي؟ أو فعلته عادة وتقليدا بلا نية صالحة ولا قصد في المثوبة؛ فيكون فعلي له مضيعة للوقت على حساب ما هو أنفع وأنجع ؟ ثم ينظر لنفسه بعد عمله لذلك المباح، فيلاحظ أثره على الطاعات الأخرى من تقليلها أو إضعاف روحها، أو كان له أثر في قسوة القلب وزيادة الغفلة فكل هذه الأسئلة لا بد منها حتى يسير العبد في طريقه إلى الله على بصيرة ونور
أورد أبو نعيم بسنده عن الحسن قوله: " إن المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي؛ ولكن _ والله _ ما من صلة إليك ، هيهات!! حيل بيني وبينك ويفرط منه الشيء [يقع في الخطأ] فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا، وما لي ولهذا؟ ما أردت إلى هذا، وما لي ولهذا؟ والله ما لي عذر بها، ووالله لا أعود لهذا أبدا _ إن شاء الله
إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله ـ عز وجل ـ يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله وفي الجملة ؛ فلا بد للمسلم من دوام محاسبة النفس، ومعاتبتها وتذكيرها كلما وقعت منها زلة أو جنحت إلى حطام الدنيا الفاني
ولننظر إلى أنموذج آخر في كيفية معاتبة النفس أورده الغزالي ـ رحمه الله ـ حيث يقول: " وسبيلك أن تقبل عليها فتقول لها: يا نفس ما أعظم جهلك، تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا!! أما تتدبرين قوله ـ تعالى ـ: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون*ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون *لاهية قلوبهم )) ويحك يا نفس ! إن كانت جرأتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك! وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياءك! ويحك يا نفس!! لو كان الإيمان باللسان فلم كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار؟!! ويحك يا نفس! لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا، ولا يغرك بالله الغرور فما أمرك بمهم لغيرك، ولا تضيعي أوقاتك ؛ فالأنفاس معدودة، فإذا مضى عنك نفس فقد مضى بعضك ويحك يا نفس! أو ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا، ثم ذهبوا وخلوا؟ اعملي يا نفس بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود "
وكل ما سبق من كلام لا أصل له في كتاب الله سوى حمد الله على الطاعات وأما العصيان لله فالحساب يكون بالطريقة التى طلبها الله وهى :
الأول الاستغفار للذنوب كما قال تعالى :
" من يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما"
الثانى عمل العقوبات المطلوبة كالكفارات فمثلا مرتكب المظاهر عليه إما أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين نسكينا ومثلا مرتكب القتل الخطأ عليه عتق رقبة ودفع الدية فإن لم يكن معه أيا منهما صام شهرين متتابعين كما قال تعالى :

وتحدث عن نماذج من محاسبة القدماء لأنفسهم فقال :
"المبحث الخامس نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم:
إن الهدف من إيراد هذا المبحث ما هو إلا التذكير فحسب ؛ لأن في إيراد القصة أثرا لا يخفى على القارئ والسامع فكيف إذا كانت هذه القصص من حياة صفوة الأمة وخيارها وهم سلفها الكرام ؟!
ولا شك أن البحث والاستقصاء عن كل ما ورد من نماذج رائعة وصور مشرقة لمحاسبة السلف الصالح لأنفسهم يتطلب مجهودا جبارا ووقتا طويلا؛ وحسبنا هنا أن نذكر طرفا من ذلك موعظة وذكرى
إن أولئك القوم ارتبطت قلوبهم بالله؛ فكانوا أجسادا في الأرض وقلوبا في السماء، وما إن يحصل من أحدهم تقصير أو زلة إلا ويسارع في معالجة خطئه، ومعاقبة نفسه على ذلك؛ حتى لا تكاد تأمره إلا بخير ولعلنا نقتصر هنا على بعض النقولات العجلى عن أولئك النفر الكرام لعلها تحرك القلوب، وتشحذ النفوس ، وتسهم في تربية المسلم لنفسه تربية جادة
عن أنس بن مالك _ رضي الله عنه _ قال: سمعت عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ يوما وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته يقول _ وبيني وبينه جدار _ :" عمر!! أمير المؤمنين !! بخ بخ، والله بني الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك "
وجاء رجل يشكو إلى عمر وهو مشغول فقال له: " أتتركون الخليفة حين يكون فارغا حتى إذا شغل بأمر المسلمين أتيتموه "؟ وضربه بالدرة ، فانصرف الرجل حزينا، فتذكر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرة ، وقال له :" اضربني كما ضربتك " فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك فقال عمر: " إما أن تتركه لله فقط ، وإما أن تأخذ حقك " فقال الرجل: تركته لله فانصرف عمر إلى منزله فصلى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه : "يا ابن الخطاب: كنت وضيعا فرفعك الله، وضالا فهداك الله، وضعيفا فأعزك الله، وجعلك خليفة فأتى رجل يستعين بك على دفع الظلم فظلمته ؟!! ما تقول لربك غدا إذا أتيته؟ وظل يحاسب نفسه حتى أشفق الناس عليه
وقال إبراهيم التيمي: " مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا! قلت: فأنت في الأمنية فاعملي "
وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه : " يا حنيف !ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ "
كان عمر بن عبدالعزيز شديد المحاسبة لنفسه قليل الكلام ، وكان يقول : " إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة "
ونقل عن ابن الصمة : أنه جلس يوما ليحاسب نفسه فعد عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي واحد وعشرون ألفا وخمسمائة يوم؛ فصرخ وقال: " يا ويلتى! ألقى الملك بواحد وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب " ؟!! ثم خر فإذا هو ميت!! فسمعوا قائلا يقول: يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى يقول الغزالي معلقا على هذه القصة : " فهكذا ينبغي أن يحاسب (العبد) نفسه على الأنفاس، وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل ساعة ولو رمى العبد بكل معصية حجرا في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة قريبة من عمره، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي؛ والملكان يحفظان عليه ذلك ( أحصاه الله ونسوه ) "
وقال عبد الله بن قيس :" كنا في غزاة لنا فحضر العدو، فصيح في الناس فقاموا إلى المصاف في يوم شديد الريح، وإذا رجل أمامي وهو يخاطب نفسه ويقول: أي نفسي! ألم أشهد مشهد كذا فقلت لي: أهلك وعيالك؟!! فأطعتك ورجعت! ألم أشهد مشهد كذا فقلت لي: أهلك وعيالك؟!! فأطعتك ورجعت! والله لأعرضنك اليوم على الله أخذك أو تركك فقلت: لأرمقنك اليوم، فرمقته فحمل الناس على عدوهم فكان في أوائلهم، ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا (أي هربوا) فكان في موضعه، حتى انكشفوا مرات وهو ثابت يقاتل؛ فوالله ما زال ذلك به حتى رأيته صريعا، فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة " "
هذه النماذج ليست حسابا للنفس فالمروى عن عمر وهو توبيخه لنفسه ليس حسابا لأن الحساب يكون تفصيليا حتى يمكن الاستغفار لكل ذنب على حدة وعمل المطلوب فيه من كفارات أو غيرها للتم التوبة والمروى عن ابن الصمة جنون مطبق فالرجل ينسبون له ان قال أنه كان يرتكب عشرة ألاف ذنب في اليوم وهو أمر محال فاليوم1440 دقيقة ومن ثم فهو لن يقدر على ارتكاب حتى ألف سيئة في اليوم إذا نام سبع أو ست ساعات
وتحدث عن معينات المحاسبة فقال :
"المبحث السادس مما يعين على المحاسبة
هناك بعض الأمور تعين المرء على المحاسبة لنفسه ، بحيث إذا تأملها وتملاها جيدا كانت خير معين له على أن يبادر ويسارع إلى أطر نفسه وإيقافها عند أمر الله ونهيه فمن ذلك ما ذكره ابن القيم حيث قال :"ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا ويعينه أيضا : معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس ، والنظر إلى وجه الرب سبحانه ، وخسارتها دخول النار والحجاب عن الرب تعالى
فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم فحق على المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها ، فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد فإضاعة هذه الأنفاس ، أو اشتراء صاحبها ما يجلب هلاكه : خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن ببينها وبينه أمدا بعيدا ) "
ويحسن التنبيه هنا عل أمر يعين على المحاسبة وهو أن يحرص المسلم على تخصيص وقت محدد يحاسب فيه نفسه ، وإن كان ذلك ليس شرطا في هذا الباب فإن المسلم رقيب على نفسه في كل وقت ؛ لكن ذكر بعض العلماء أن تخصيص وقت قبل النوم من كل ليلة من أحسن الأوقات للمحاسبة
قال الماوردي : " عليه أن يتصفح في كل ليلة ما صدر من أفعال نهاره ، فإن الليل أخطر للخاطر وأجمع للفكر "
وقال ابن القيم : " ومن أنفعها أن يجلس الرجل عندما يريد النوم ساعة يحاسب فيها على ما خسره وربحه في يومه ، ثم يجدد له توبة نصوحا بينه وبين الله ، فينام على تلك التوبة ، ويعزم على ألا يعاود الذنب إذا استيقظ ، ويفعل هذا كل ليلة ، فإن مات من ليلته مات على توبة ،وإن استيقظ استيقظ مستقبلا للعمل مسرورا بتأخير أجله حتى يستقبل ربه ويستدرك ما فات " "
والحق أنه لا يعين على المحاسبة سوى المحاسب نفسه فمن لا يقدر على حساب نفسه لن يعينه غيره لأن الحساب خاص بالفرد نفسه ولذا قال تعالى :
"كل نفس بما كسبت رهينة"
واختتم العسكر رسالته فقال :
"ونختم موضوع رسالتنا هذه بالتذكير بقضية مهمة وهي : أنه لا بد من أن يكون المرء صادقا في محاسبته لنفسه وتعتمد المحاسبة الصادقة على أسس ثلاثة ذكرها الإمام ابن القيم وهي: الاستنارة بنور الحكمة ؛ وسوء الظن بالنفس ، وتمييز النعمة من الفتنة
فأما نور الحكمة ؛ فهو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل، وكلما كان حظه من هذا النور أقوى كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم
وأما سوء الظن بالنفس؛ فحتى لا يمنع ذلك من البحث والتنقيب عن المساوئ والعيوب
وأما تمييز النعمة من الفتنة؛ فلأنه كم مستدرج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه !
حكى الذهبي عن المروذي قال: قلت لأبي عبد الله [ يعني الإمام أحمد]: قدم رجل من طرسوس فقال:كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء لأبي عبد الله، وكنا نمد المنجنيق ونرمي عن أبي عبد الله وقد رمي عنه بحجر والعلج على الحصن متترس بدرقته فذهب برأسه والدرقة !! قال: فتغير وجه أبي عبد الله وقال:" ليته لا يكون استدراجا"
وكما سبق القول :
كل مسلم عليه أن يحاسب نفسه قبل نومه أو في أى وقت فيعرف فيما أذنب ليستغفر ويعمل كفارات الذنب إن وجدت
مقياس الحسنات والسيئات وهى الذنوب هو أحكام الله وليس أى شىء أخر
إحزان القريب أو الصديق أو الحبيب ليس ذنبا إذا كان في طاعة لله والبعض منا يعتبره ذنبا ويبيت ليله مهموما بسبب حزنهم

الاثنين، 13 يونيو 2022

قراءة في كتاب أهداف الترويح والترفيه من منظور إسلامي

قراءة في كتاب أهداف الترويح والترفيه من منظور إسلامي
المؤلف عبد العزيز الدغيثر وقد استهل البحث بالحديث عن فوائد الترويح فقال :
"للترويح آثار إيجابية كثيرة منها:
إشباع الحاجات الجسمية والاجتماعية والعلمية والعقلية؛ إضافة إلى دوره في اكتشاف الأخلاق، كما أنه يمكن أن يكون وسيلة استثمار عالية العوائد كما أن الترويح يزيد الترابط بين المشاركين في النشاط الترويحي ومما هو معلوم لدى كل إنسان أن الأنشطة الترويحية تجعل الإنسان يعود إلى عمله بنشاط أكثر ورغبة أقوى وإنتاجية أعلى "
وقد أورد الدغيثر ما يدل على أهمية الترويح للبدن فقال :
"والنشاط الترويحي ضروري للبدن؛ لذا جاء في قصة حنظلة قال: لقيني أبو بكر الصديق فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله (ص)يذكرنا بالنار والجنة، حتى وكأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله (ص)عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر الصديق، حتى دخلنا على رسول الله (ص) قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله (ص)وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً فقال (ص)«والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ـ ثلاث مرات» "
والحديث ليس فيه أى إشارة للترويح الجسدى أو البدنى لأنه يتحدث عن التلهى بالزوجات والأولاد والأموال وعن ذكر الجنة والنار
ثم استشهد بالحديث التالى:
"ولما رأى النبي (ص)من عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ زيادة في التعبد على حساب حاجات أخرى أمره بالتوازن؛ فقال: «صم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً» "
وهو استشهاد صحيح ثم نقل أقوالا أخرى فقال :
"وقد جاءت الآثار عن الصحابة للتأكيد على هذا المفهوم؛ فقال علي : أَجِمُّوا هذه القلوبَ، والتمسوا لها طرائف الحكمة؛ فإنها تملّ كما تمل الأبدان» وقال ابن مسعود : أريحوا القلوب؛ فإن القلب إذا أُكره عمي
إلا أن هذا لا يعني أن يغلب الترفيهُ الجِدَّ في حياة المسلم، بل الغالب على المسلم أن يكون جاداً منتجاً والترفيه طارئ"
وتحدث عن أهداف الترفيه وهى تسمية مخالفة للقرآن فهى تعبير عن الترف والترف هو صفة المجتمعات الكافرة والتعبير الصحيح هو ‘راحة البدن او حق البدن والاستجمام وفى الأهداف قال :
"كما أن الترفيه له أهداف رئيسة وأهداف جانبية؛ فمن أهداف الترفيه:
الهدف الأول: تجديد النشاط، وتقوية الإرادة:
للترويح أثر ملاحظ على النفس بتجديد نشاطها، وفي هذا يقول أبو الدرداء : «إني لأستجم لقلبي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق»
ولذا يجد المتأمل في حكمة التشريع الإسلامي أن عيد الفطر يأتي بعد وقت جد وعبادة، بالصيام، والقيام، وغيرها من النوافل، وعيد الأضحى يأتي بعد يوم عرفة، وهو يوم عبادة، ودعاء، وتضرع، وصيام لغير الحاج والعيد هو البهجة والسعادة التي تجدد للقلب حياته وحيويته، وحتى يكون الفرح عبادة يؤجر عليها العبد ارتبط العيد بشعيرتين إسلاميتين، هما: صوم رمضان، وأداء مناسك الحج والأضاحي وسمي العيد عيداً؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد وليس للمسلم في السنة إلا عيدان؛ فعن أنس قال: قدم رسول الله (ص) ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال (ص)«قدمت عليكم، ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم النحر، ويوم الفطر» والعيدان المذكوران هما: يوم النيروز، ويوم المهرجان (عون المعبود 3/485) وفي حديث الجاريتين أنهما كانتا تغنيان، وتضربان بالدف عند عائشة في العيد من أيام منى "
والكلام عن كون العيد ترفيه أو لعب هو كلام خارج عن الشرع فلو كان لعبا حسب المعروف ما كان فيه صلاة ولا تكبير ولا أداء المناسك فالعيد هو عبادة أى طاعة لأحكام الله
"وتحدث عن تصبير الأطفال على الصوم فقال :
وللترفيه أثر في إزالة ما يعتري النفس من تعب وجوع وعطش، وقد استخدم الصحابة الترفيه لتصبير أطفالهم على الصوم؛ فقد روى البخاري ومسلم عن الربيع بنت معوذ قالت: «أرسل النبي (ص)غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار:
من أصبح مفطراً فليتمّ بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن؛ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك، حتى يكون عند الإفطار»
والكلامك غير مستقيم فهو متناقض فتصبير الأطفال عن الصوم ليس نوع من الترويح الجسدى وإنما هو نوع من التعود على ألم الجوع والعطش
وتحدث عن السفر كوسيلة ترويحية فقال :
"والتغيير بالسفر أمر لا بد منه، ولا يعارضه الشرع؛ لأن فيه مصلحة واضحة جلية، قال الشافعي:
ما في المقام لذي عقل وذي أدبِ
من راحة فدعِ الأوطان واغتربِ
سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقه
وانصب فإن لذيذ العيش في النصَبِ
إني رأيت وقوف الماء يفسده
إن سال طاب وإن لم يجر لم يطبِ
الأُسْدُ لولا فراق الغاب ما قنصت
والسهم لولا فراق القوس لم يُصبِ
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة
لملها الناس من عجم ومن عربِ
والبدر لولا أفول منه ما نظرت
إليه في كل حين عين مرتقبِ والتبر كالترب ملقى في أماكنه
والعود في أرضه نوع من الحطبِ
فإن تغرَّب هذا عز مطلبه
وإن أقام فلا يعلو على رتبِ
وقال:
الكحل نوع من الأحجار منطرحاً
في أرضه كالثرى يُذرى على الطرق
لما تغرَّب نال العز أجمعه
فصار يُحمل بين الجفن والحَدَقِ
ولكن العاقل من يتعظ بسفره، ويجعل سياحته تقربه لربه، وتزيد من إيمانه ومعرفته وثقافته ولما أراد أعداء ابن تيمية طرده من بلاده، قال ـ يرحمه الله ـ: «ما ينقم مني أعدائي أنا جنتي في صدري قتلي شهادة، وتسفيري سياحة، وسجني خلوة»"
والكلام ليس صحيحا فطبقا للرواية " السفر قطعة من العذاب"فالسفر ليس ترويحا للجسد وإنما هو أتعاب للجسد
ثم ذكر الهدف الثانى فقال "
" الهدف الثاني: إظهار سماحة الإسلام:
قد يظن ظان أن الترفيه يعارض الدين الإسلامي، وقد أعلنها رسول البشرية (ص)حين قال لبعض الغلاة: «لا رهبانية في الإسلام»؛ ولذا فإن إظهار الترفيه المباح لإعلام الآخرين بسماحة الدين وواقعيته أمر مطلوب ومشروع، ودليل ذلك ما ثبت في المسند من حديث عائشة أن النبي (ص)لما أذن لعائشة باللعب بالبنات مع صواحبها، قال: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني بُعثت بحنيفية سمحة» وقد فهم السلف من الصحابة ومن تبعهم هذا المقصد؛ فقد قال أحد السلف لأصحابه ليبين لهم هذه السماحة: «كان أصحاب رسول الله (ص)يتبادحون بالبطيخ؛ فإذا كانت الحقائق كانوا هُمُ الرجال» "
الترفيه ككلمة على اطلاقها دون تعريف كما سبق القول هى نوع من أنواع الترف الكفرىكما قال تعالى :
" ,إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها"
والمسلمون ليسوا كفرة والكلمة الصحيح هى :
إراحة البدن أو حقوق البدن
ثم ذكر الهدف الثالث فقال :
" الهدف الثالث: إسعاد الصغار:
إسعاد الصغار أمر مطلوب حيث كان النبي (ص)يتحراه ويقصده؛ لأن الصغار هُمْ بهجة الدنيا وإسعادهم يملأ الأجواء سعادة وفرحاً ومما يدل على الحرص على هذا الأمر ما ثبت عن أبي هريرة قال كان رسول الله (ص)إذا أتى الثمر أُتي به فيقول: (اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي مدنا، وفي صاعنا بركة مع بركة)، ثم يعطيه أصغر من بحضرته من الولدان وهذه الهدية الصغيرة لها أثر عميق في نفس الصغير لا ينساه ما عاش
ومن ذلك إردافهم على الدابة؛ فقد قال عبد الله بن جعفر : «كان رسول الله (ص)إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بالصبيان من أهل بيته قال: وإنه قدم مرة من سفره فسيق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابنيْ فاطمة؛ إما حسن، وإما حسين فأردفه خلفه، قال: فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة» وقال ابن عباس لما قدم رسول الله (ص)مكة استقبله أغيلمة بني عبدالمطلب فحمل واحداً بين يديه، وآخر خلفه
ومن إسعاد الصغار تفريحهم بالمال؛ فقد مَرّ ابن عمر في طريق فرأى صبياناً يلعبون فأعطاهم درهمين ومما يفرح الصبي حمله والإنشاد له؛ فعن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر يحمل الحسن بن علي، ويقول:
بأبي شبيه بالنبي
ليس شبيهاً بعلي
وعلي معه يتبسم قال الحافظ في الفتح: وكان عمر الحسن إذ ذاك سبع سنين
وعن عروة بن الزبير قال: كان أبي ينقزني ويقول:
أبيض من آل عتيقِ
مبارك من ولد الصديقِ
ألذه كما ألذ ريقي
وكان العباس يرقص قثم، ويقول:
يا قثم يا قثم
يا ذا الأنف الأشم
يا شبه ذي الكرم
وكانت أم الفضل بن عباس ترقصه وتقول:
ثكلت نفسي وثكلت بكري
إن لم يسد قهراً أو عين قهري
بالحسب العز وبذل الوفر
وقال الشعبي: كانت قريش تحب عثمان بن عفان حتى إن المرأة كانت ترقص ابنها وتقول:
أحبك والرحمن
حب قريش عثمان"
والسعادة عملية نفسية قد تتم عن طريق الكلام وقد تتم عن طريق البدن والسعادة هى ترقيص الأطفال بدنيا وأما الكلام فهو عملية نفسية وليست بدنية
وقال في الهدف الرابع فقال :
"الهدف الرابع: التنمية العضلية:
من أفضل الوسائل الترفيهية ما يفيد البدن وينشطه؛ لأنه ثبت في الحديث أن النبي (ص)قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» والصغير كثير الحركة واللهو، والمطلوب من الكبار أن يتنزلوا لهم ليسعدوا؛ ولأن في حركتهم تنمية لقواهم العضلية؛ فعن أبي هريرة : «أنه صلى مع رسول الله (ص)العشاء؛ فأخذ الحسن والحسين يركبان على ظهره؛ فلما جلس وضع واحداً على فخذه، والآخر على فخذه الأخرى » ، وفي حديث شداد بن الهاد أنه رأى الحسن أو الحسين على ظهر النبي (ص)وهو ساجد فأطال السجود؛ فلما قضيت الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطلتها؛ فظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: «فكل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني؛ فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» ، وعن ابن مسعود قال: «كان النبي (ص)يصلي والحسن والحسين يثبان على ظهره، فيأخذهما الناس فقال: دعوهما بأبي هما وأمي! من أحبني فليحب هذين!»
فهذه الوقائع تدل على أن الإنسان في حال تعامله الجادّ يختلف عن حاله وقت الترفيه؛ فليس التجهّم من الإسلام في شيء، وقد ورد عنه (ص)أنه كان من أفكه الناس مع صبي "
وهدف التنمية العضلية ما كتب تحته لا يدل عليه فليس ركوب الأطفال على ظهور الكبار شىء ينمى عضلاتهم وما كتبه الدغيثر عن حرمة التجهم في نهاية الفقرة لا يتناسب مع عنوان التنمية العضلية
ثم قال :
"ونقل ابن مفلح عن ابن عقيل أنه قال: «والعاقل إن خلا بأطفاله خرج بصورة طفل، ويهجر الجد في ذلك الوقت»
وقد عزل عمر والياً؛ لأنه لا يلاعب أطفاله والصغار يحبون المنافسة كثيراً، وقد استخدم النبي (ص)الترفيه للصغار عن طريق إجراء السباق بينهم؛ فقد ثبت عن عبد الله بن الحارث قال: كان (ص)يصفُّ عبدَ الله وعبيدَ الله ـ من بني العباس ـ ثم يقول: من سبق إلى كذا فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم
والزوجة تحتاج إلى أن تأخذ حظها من الترفيه؛ فقد سابق النبي (ص)عائشة مرة فسبقته، ثم سابقها بعد أن حملت اللحم فسبقها، فقال (ص)«هذه بتلك»
وورد عن عائشة أنها كانت تلعب بالأرجوحة مع صاحباتها قبل دخول النبي (ص)بها "
وما سبق من أحاديث يدل على الرياضة مع أن كثير منهم لم يحدث خاصة تسابق الرجل والمرأة أمام الناس مع حاجة المرأة لكشف ساقيها كى تجرى وهو ما يناقض قوله تعالى :
" ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن"
وتحدث عن الجمع بين الأهداف فقال :
"وقد وردت عدة وسائل في النصوص الشرعية؛ مما يحصل به الجمع بين الترفيه والتنمية العضلية والاستعداد العسكري للمجتمع المسلم؛ فمن ذلك:
أولاً: السبق بالأقدام:
تعتبر المسابقة بالأقدام من أقدم أنواع المسابقات وأسهلها وأقلها كلفة، وقد وردت في قصة يوسف أن إخوته قالوا: {إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} قال ابن سعدي في تفسيره: نستبق إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال كما أن النبي (ص)استخدم هذا الأسلوب الترفيهي كما في حديث عائشة أنها كانت مع النبي (ص)في سفر فسابقته على رجلها فسبقته، قالت: فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: «هذه بتلك»
وبعد غزوة (ذي قرد) سابق سلمة بن الأكوع رجلاً من الأنصار إلى المدينة بإذن النبي (ص)فسبقه سلمة وعندما قفل النبي (ص)وأصحابه من غزوة تبوك قالت الأنصار: السباق، فقال النبي (ص)إن شئتم وسابق ابن الزبير عمر بن الخطاب فسبق ابن الزبير؛ فقال: سبقتك ورب الكعبة، قال عبد الله: ثم سبقني فقال: وسبقتك ورب الكعبة "
وكما سبق القول سباق عائشة والنبى(ص) لم يحدث لأن ه لكى يكون شرعيا لابد أن يكون في خلاء ليس فيه رجل ولا امرأة لعدم رؤية بعض العورات التى لابد من كشفها
وقال:
"ثانياً: المصارعة:
وهذه رياضة نبيلة، لكنها تطلق الآن على رياضة عنيفة لا يقرها دين ولا عقل، وقد ورد في المصارعة أن سمرة بن جندب ورافع بن خديج تصارعاً بين يدي النبي (ص)يوم أحد ليتبين الأقوى فينال شرف الجهاد
وحديث ركانة بن عبد يزيد قال: كنت أنا والنبي (ص)في غُنَيْمة لأبي طالب نرعاها في أول ما رأى؛ إذ قال لي ذات يوم: هل لك أن تصارعني؟ قلت له: أنت؟ قال: أنا، فقلت: على ماذا؟ قال: على شاة من الغنم، فصارعته فصرعني» وقد أفادت هذه المصارعة إسلام ركانة؛ لأنه علم أن النبي (ص)مُعان من الله تعالى وردَّ عليه النبي (ص)غُنيمته"
وحديث ركانة باطل خاصة أنه يبيح الرهان المحرم وهو نوع من القمار حيث يوجد مكسب مالى وخسارة مالية
وقال :
" ثالثاً: الغطس:
وهذه الوسيلة الترفيهية رياضة جماعية، وفيها فائدة تمرين الصدر والرئتين على الحصول على كمية أكبر من الهواء مع التكرار والصبر؛ ولذا نلاحظ أن الغواص المحترف يمكث تحت الماء مدة أطول من غيره لتمرّن رئتيه على ذلك، وقد ورد في هذا النوع من المسابقات أن عمر بن الخطاب مَرّ بساحل البحر وهو محرم، فقال لابن عباس تعالَ أباقيك في الماء أينا أطول نَفَساً؟ قال ابن عباس: ونحن محرمون وجاء عن ابن عمر أن عاصم بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتمالقان (يتغاطسان) يغيِّب أحدهما رأس صاحبه وعمر ينظر إليهما، فلم ينكر ذلك عليهما
رابعاً: السباحة:
وهي من أفضل وسائل الترفيه وأنفعها للبدن والنفس، وقد جاءت النصوص النبوية بمدح هذه الوسيلة، واستحباب تعلمها وتعليمها؛ لأنها قد تكون وسيلة لإنقاذ النفس، ومن طريف ما يُذكر أن نحوياً صعد سفينة فسمع ربانها يصيح بأعلى صوته: ارفعوا الشراعُ يا أيها البحارة! فقال النحوي للربان: ألا تعرف النحو؟ قال: لا، فقال النحوي: فاتك نصف عمرك! فهبَّت عاصفة هزت السفينة حتى ارتفعت الأمواج وتلاطمت؛ فقال الربان للنحوي: أتعرف السباحة؟ قال: لا؛ فقال الربان: فَاتَك عمرك كله!
ومما ورد في فضل السباحة ممارسة وتعلماً وتعليماً حديث جابر أن النبي (ص)قال: «كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو غير أربع خصال: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بين الغرضين، وتعليم السباحة»
وكتب عمر إلى أبي عبيدة «أن علموا غلمانكم العوم ومقاتلتكم الرمي» ، وليعلم أن معرفة السباحة غاية في الأهمية؛ ولذا أوصى الحجاج مؤدب بنيه بقوله: «علمهم السباحة قبل الكتابة؛ فإنهم يجدون من يكتب عنهم ولا يجدون من يسبح عنهم» "
وحديث وجود أربعة ليست من ذكر الله مباحة هو تخريف تام فكل ما أبيح وحرم هو من ذكر وهو حكم الله فالملاعبة وهى الجماع بين ألزواج واجب كما قال تعالى :
"فآتوهن من حيث أمركم الله"
ثم قال :
"خامساً: الفروسية:
وهي رياضة النبلاء والقادة؛ لأنها تدل على شجاعة وثبات ورباطة جأش وقوة عزيمة، ولقد حث الشرع على أن يكون الترفيه البدني معيناً على الاستعداد العسكري للجهاد، وأجاز بذل العوض فيه، والأصل في ذلك حديث أبي هريرة عن النبي (ص)قال: «لا سَبْقَ إلا في خف أو حافر أو نصل» وحديث ابن عمر أن النبي (ص)«سبَّق بين الخيل وراهن» وفي لفظ: «سبق بين الخيل وأعطى السابق» وأصل الحديث في مسلم بلفظ: «أن النبي (ص)سابق بالخيل» دون ذكر الرهن وتعليم الفرس وتأديبها من وسائل ذلك لحديث جابر أن النبي (ص)قال: «كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو غير أربع خصال: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بين الغرضين، وتعليم السباحة» "
وهذه الأحاديث عن السباق ووجود مكسب مالى وخسارة مالية هى نوع من القمار حرمه الله ولا توجد في الإسلام سباقات ذات جوائز لأن هذا شغل للناس بمال يأكلونه دون وجه حق وهو ما يدفعن للتدريب المحرم فيتركون الأعمال الوظيفية الشريفة إلى عمل منحك محرم وهو جعل الرياضة مصدر رزق وهو الحادث الآن في العالم حيث اللاعبون عبيد للمال الذى يتسابقون عليه أو من خلال ما يسمى شراءهم وبيعهم معيدين بذلك عهود العبيد
وقال :
"سادساً: السباق على الإبل:
من وسائل الترفيه عند العرب السباق على الإبل التي هي سفينتهم التي يعبرون بها الفيافي والقفار، وقد كان أغنياء العرب يتنافسون في اقتناء الإبل الأصيلة السريعة الصبورة، وإجراء المسابقات بين الإبل أمر شائع في العهد النبوي، ففي البخاري عن أنس قال: «كانت لرسول الله (ص)ناقة تسمى العضباء لا تُسبق» وكان الصحابة يسابقون على الخيل والركاب وعلى أقدامهم "
هذا الكلام هو إعادة لأيام الكفر وهى للأسف عادة فالأغنياء هم من يقيمون الرياضات الحالية ويشترون البشر ويبيعونهم وهم اللاعبون واللاعبات وهو أمر حرمه فتلك الرياضة ليست مهن مفيدة للناس وإنما هى تكريس لعادات الكفار من حيث شغل الناس عن طاعات الله بالفرجة على من يكشفون العورات ويجرون وراء كرة أو يضربون بعضهم وما شاكل مما هو غير مفيد
وقال :
"سابعاً: الرمي:
من أجمل وأمتع وسائل الترفيه الرمي بالسلاح للتمرين على الإصابة والدقة؛ فقد ثبت في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله (ص)وهو على المنبر يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» وخرج النبي (ص)على قوم مِن أسلم يتناضلون بالسوق فقال: «ارموا بني إسماعيل! فإن أباكم كان رامياً»
بل حذر النبي (ص)من نسيان الرمي؛ حيث قال: «من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا»
ولذا حرصوا على هذا الأمر، حيث كانوا يتواصون به، فكتب عمر إلى أبي عبيدة «أن علموا غلمانكم العوم ومقاتِلَتَكم الرمي»
وقال سعد بن أبي وقاص : «عليكم بالرمي؛ فإنه خير لَهْوِكُم»
وفي مجمع الزوائد أن أنساً كان يجلس ويُطرح له فراش ويجلس عليه ويرمي ولده بين يديه، فخرج يوماً وهم يرمون فقال: يا بنيَّ! بئس ما ترمون، ثم أخذ القوس فرمى؛ فما أخطأ القرطاس»
ثامناً: اللعب بالسلاح:
واللعب بالسلاح يشبه إلى حد كبير رقصة الحرب، ووقتها في العادة قبل المعارك وفي الأعياد ونحوها، ومشاهدة هذا اللعب وممارسته أمر مباح، ودليل ذلك حديث عائشة، في إذن النبي (ص)لها برؤية الحبشة وهم يلعبون بالحراب في المسجد "
وحديث اللعب في المسجد باطل فالمساجد بنيت لذكر الله كما قال تعالى :
"في بيوت اذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه "
كما أن رؤية المرأة للرجال محرمة خاصة إذا كانت متزوجة كما قال تعالى :
" وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن"

وبعد أن ذكر بعض الوسائل والكثير من أحاديثها باطل كحديث أنواع من السابقات والرهان غليها والمصارعة وسباقات الخيل والهجن
وتحدث عن الهدف الخامس فقال :
"الهدف الخامس: التهيئة النفسية وإزالة التوتر:
من حكمة الشارع أنه شرع للإنسان في حال توتره وخوفه بعض الوسائل الترفيهية لإزالة ذلك، ومن أصعب المواقف ليلة زفة العروس إلى زوجها؛ إذ كل طرف يصيبه توجس وقلق من الموقف، وقد يصيبه خوف من الإخفاق؛ فشرع الضرب بالدف، وذكر الأناشيد التي تؤدي الغرض ومثل ذلك وقت الحرب والختان ونحوها كما ورد في السنة النشيد وقت العمل الشاق، كمثل ما حدث في حفر الخندق، وفي السفر، ونحو ذلك
جواز الغناء واستعمال الدف في وليمة العرس:
ورد في السنة جواز ذلك:
أولاً: حديث عائشة أنها زفت امرأةً إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله (ص)يا عائشة! ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو»
ثانياً: حديث عائشة أن يتيمة تزوجت رجلاً من الأنصار، وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها، قالت: فسلمنا ودعونا بالبركة، ثم انصرفنا، فقال (ص)إن الأنصار قوم فيهم غزل، ألا قلتم يا عائشة: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم» وفيه دليل على جواز الغزل غير الفاحش عند زفاف المرأة إلى زوجها والحكمة في ذلك إعلان النكاح
ثالثاً: حديث عامر البجلي قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي مسعود ـ قال الراوي عنه: وذكر ثالثاً ذهب عليَّ ـ وجوارٍ يضربن بالدف ويغنين، فقلت: تقرون على هذا وأنتم أصحاب رسول الله (ص) قالوا: إنه قد رخص لنا في العرسات، وفي البكاء على الميت من غير نياحة»
حكم الدف والغناء في العرس:
قال أحمد: يستحب أن يُظهر النكاح، ويُضرب عليه بالدف، حتى يشتهر ويُعرف وقال أيضاً: لا بأس بالغزل في العرس كقول النبي (ص)للأنصار: «أتيناكم أتيناكم»
وأما الدف للرجال فقد قال المرداوي: ظاهر قوله ـ أي صاحب المقنع ـ والضرب عليه بالدف، أنه سواء كان الضارب رجلاً أو امرأة، قال في الفروع وظاهر نصوصه، وكلام الأصحاب التسوية
وقال صاحب الشرح: وإنما يستحب الضرب بالدف للنساء ذكره شيخنا وأما الطبل فقال أحمد: وأكره الطبل، وهو المنكر، وهو: الكوبة التي نهى عنها النبي (ص)
الهدف السادس: التشجيع:
إقامة الحفلات الترفيهية المباحة سبيل إلى تشجيع المحسن، سواء أكان كبيراً أم صغيراً، وقد ورد مثل هذه الحفلات عن بعض من سلف؛ فمن الأساليب التي تحبب العلم إلى الصغار الاحتفال بهم، بوضع حفلة ترفيهية مفرحة قال أبو خبيب الكرابيسي: كان معنا ابن لأيوب السختياني في الكُتَّاب فحذق الصبي، فأتينا منزلهم فوُضِع له منبر، فخطب عليه، ونهبوا علينا الجوز، وأيوب قائم على الباب، يقول لنا: ادخلوا، وهو خاص لنا "
بالقطع لا يجوز اقامة الحفلات المعروفة لحرمة النظر وإنما الحفل هو طعام يتم أكله وانتهى الأمر
وقال :
"الهدف السابع: تنمية الروح الابتكارية والتخيلية:
من أهداف الترفيه: التعليم والابتكار، وقد توالت الدعوات في الدراسات التربوية الحديثة إلى توسيع أسلوب التعليم بالترفيه وقد كان من العادات التي أقرها الشرع استعمال الدمى للصغيرات؛ فقد ورد عن عائشة أنه كان لها فرس، له جناحان وفي الصحيحين عنها قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي (ص) وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله (ص)إذا دخل ينقمعن منه فيُسَرِّبُهن إليَّ فيلعبن معي» قال النووي: قال القاضي: فيه جواز اللعب بهن، وهن مخصوصات من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن ثم قال: ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن وقال ابن حجر نحو هذا الكلام وأضاف: جزم القاضي عياض بتخصيص لعب البنات من عموم النهي، ونقله عن الجمهور وقال الشيخ ابن عثيمين «إن كانت لعب الأطفال المجسمة كخلق الإنسان فاجتنابها أوْلى، ولكن لا أقطع بالتحريم؛ لأن الصغار يرخص لهم ما لا يرخص للكبار في مثل هذه الأمور؛ فإن الصغير مجبول على اللعب والتسلي وليس مكلفاً بشيء من العبادات حتى نقول: إن وقته يضيع عليه لهواً وعبثاً»
ومن الأساليب الترفيهية التي تنمي الروح الابتكارية لعب الصغار بالتراب النظيف، وذكر البيهقي باباً فيما ورد من لعب الصبيان بالتراب
ومن الترفيه المحبب إلى نفوس الصغار اقتناء الحيوانات والطيور الأليفة وملاعبتها بما لا يؤذيها فقد ذكر العلماء أنه يجوز لعب الأطفال ببعض الحيوانات والطيور؛ إذ لم يكن فيه أذى لها؛ ففي الصحيحين عن أنس أن النبي (ص)قال لأخ لأنس : «يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» وقد ذكر العلماء في فوائده: جواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح له اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ما دام يطعمه ويسقيه، وأشار بعض أهل العلم إلى جواز قص جناح الطير حتى لا يطير وقد جاء عن أبي هريرة أنه كني بهرة كان يحملها معه ويلاعبها"
وحديث أبو النغير باطل فهو اباحة لتعذيب ألأطفال للحيوانات من خلال جرهم بحبل أو ما شابه وقال :
"ومما يقود إلى التعلم بأسلوب ترويحي وترفيهي استعمال المسابقات العلمية؛ وذلك بطرح المسألة على الحاضرين ليعرف الأحذق والأعلم فيجيب، والأصل في جوازه حديث ابن عمر أن النبي (ص)قال: «إن من الشجر شجرة لا يعضد شوكها ولا يتحات ورقها، وإنها مثل المؤمن فخاض الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة»