قراءة في كتاب المباحث المختصرة في حوض النبي (ص)
المؤلف هو عيسى بن عبدالرحمن العتيبي وفى المقدمة أخبرنا العتيبى أن الحوض من الغيبيات وأن دوره في البحث هو جمع المادة فقط فقال :
"المقدمة:
أما بعد :
فإن
الله تبارك وتعالى أثنى في كتابه العزيز على عباده المتقين في آيات كثيرة ،
ومن صفات عباد الله المتقين ما أخبر به سبحانه في سورة البقرة ، من
إيمانهم بالغيب ، فقال سبحانه { الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين
الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } " والأمور
الغيبية تشمل كل ما غاب عنك ، وأخبر به الرب –جل وعلا – أو رسوله (ص)،
كالإخبار عن الله تعالى وأسمائه وصفاته ، والإخبار عن الأمم السابقة ،
والأمور اللاحقة ، وعن يوم القيامة وأحواله ، وكل ما يحصل فيه .
ومن
الأمور الغيبية في الحياة الآخرة التي أخبر بها الصادق المصدوق (ص)الحوض ،
والنهر الذي يمده ، فإن الإيمان به مما يجب على كل مكلف"
وليس لي في هذه المباحث إلا أن جمعت كلام العلماء "
وقد استهل المؤلف كتابه بتعريف الحوض لغويا وشرعيا فقال :
"المبحث الأول :
تعريف الحوض في اللغة والشرع
الحوض في اللغة : مجتمع الماء ، ويجمع على أحواض ، وحياض
وفي الشرع : مورد عظيم ترده أمة محمد (ص)ممن اتبع هدي النبي (ص)، ولم يبدل أو يتغير"
وفى المبحث الثانى ذكر ما سماه أدلة وجود الحوض وكلها روايات فقال :
"المبحث الثاني :
الأدلة على إثبات الحوض
الأدلة على إثبات الحوض كثيرة جدا منها :
1 – حديث جندب قال : سمعت النبي (ص)يقول : " أنا فرطكم على الحوض " متفق عليه.
2 – حديث أنس قال : قال رسول الله (ص): " ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني .. " متفق عليه .
وقد نقل أبو العباس القرطبي ، إجماع السلف ، وأهل السنة من الخلف على إثبات الحوض.
قال
القاضي عياض : " وحديث الحوض صحيح ، والإيمان به واجب ، والتصديق به من
الإيمان ، وهو على وجهه عند أهل السنة والجماعة ، لا يتأول ولا يحال عن
ظاهره ، خلافا لمن لم يقل به من المبتدعة النافين له ، والمحرفين له
بالتأويل عن ظاهره " .
والأحاديث الواردة في الحوض قد بلغت حد التواتر المعنوي ، قال القاضي عياض : " وهو حديث ثابت متواتر النقل رواه جماعة من الصحابة " .
قال
الحافظ ابن كثير في فصل " ذكر ما ورد في الحوض المحمدي سقانا الله منه يوم
القيامة ، من الأحاديث المشهورة المتعددة الطرق المأثورة الكثيرة
المتضافرة ، وإن رغمت أنوف كثير من المبتدعة المكابرة القائلين بجحوده ،
المنكرين لوجوده ، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده ، كما قال بعض السلف
: من كذب بكرامة لم ينلها ، ولو اطلع المنكر للحوض على ما سنورده من
الأحاديث قبل مقالته لم يقلها".
ثم سرد أحاديث الحوض من رواية أكثر من ثلاثين صحابيا.
قال الحافظ ابن حجر : " وبلغني أن بعض المتأخرين وصلها إلى رواية ثمانين صحابيا " .
مما تواتر حديث من كذب ……ومن بنى لله بيتا واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ……ومسح خفين وهذي بعض
وذكر
الحافظ أن الخوارج وبعض المعتزلة ينكرونه ، وكذلك عبيد الله بن زياد أحد
أمراء العراق لمعاوية وولده وقد دخل عليه أنس وهم يتذاكرون الحوض ، فقالوا
له : ما تقول في الحوض ؟ فقال : " ولقد أدركت عجائز بالمدينة ما يصلين صلاة
إلا سألن الله تعالى أن يوردهن حوض محمد (ص)" فأنس تعجب ممن ينكر الحوض ،
لأنه أمر كان يؤمن
به العامة والخاصة ، حتى العجائز يسألن الله تعالى أن سقيهن منه ."
ومن العجيب أن يكون هناك شىء اسمه الحوض وردت فيه كل هذه الروايات ولم يرد ذكره في كتاب الله ولو مرة واحدة
وتحدث عن وجود الحوض فقال :
"المبحث الثالث :
وجود الحوض
جاء
في حديث عقبة بن عامر أن رسول الله (ص)خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته
على الميت ، ثم انصرف إلى المنبر ، فقال : " إني فرط لكم ، وأنا شهيد عليكم
، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن ... " ، متفق عليه .
قال النووي : " هذا تصريح بأن الحوض حوض حقيقي على ظاهره ، كما ثبت ، وأنه مخلوق موجود اليوم " ."
والحديث ظاهر البطلان فكيف ينظر القائل لشىء وهو في الدنيا لشىء لا يكون إلا في يوم القيامة الذى لم يحدث بعد ؟
الحوض
أساسا حسب الحديث يكون في أرض القيامة وأرض القيامة غير موجودة حاليا لأن
هذا يحدث كما قال تعالى" يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماء"
المبحث الرابع :
وفى المبحث الرابع ذكر صفات الحوض فقال :
"صفة الحوض
جاء
في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي (ص)قال : " حوضي مسيرة شهر ،
ماؤه أبيض من اللبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، من شرب
منها فلا يظمأ أبدا " متفق عليه
وجاء من حديث أبي ذر وثوبان رضي الله عنهما أن النبي (ص)قال في صفته " وأحلى من العسل " رواه مسلم.
وجاء من حديث أبي ذر أن النبي (ص)قال في صفة آنيته: " والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها"، رواه مسلم .
ولما
ذكر النووي اختلاف الروايات في عدد آنية الحوض ، قال : " الصواب المختار
أن هذا العدد للآنية على ظاهره ، وأنها أكثر عددا من نجوم السماء ، ولا
مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك ، بل ورد الشرع به مؤكدا ، كما قال (ص): "
والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء ".
وأما بالنسبة لمساحة الحوض فقد اختلفت فيه الروايات وسأذكر جزءا منها ثم كلام العلماء رحمهم الله في الإجابة عنها .
1 – جاء في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو أن النبي (ص)قال : " حوضي مسيرة شهر " .
2 – وجاء من حديث حارثة بن وهب أنه سمع النبي (ص)قال : " كما بين المدينة وصنعاء " متفق عليه.
3 – وجاء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (ص)قال : " إن أمامكم حوضا كما بين جرباء وأذرح " متفق عليه.
4 – وجاء من حديث أنس ؛ أن النبي (ص)قال : " إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن " متفق عليه.
5 – وجاء من حديث عقبة بن عامر أن النبي (ص)قال : " وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة " رواه مسلم.
6 – وجاء من حديث ثوبان أن النبي (ص)قال : " حوضي من عدن إلى عمان البلقاء " رواه الترمذي.
7 – وجاء من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي (ص)قال : " إن لي حوضا ما بين الكعبة وبيت المقدس " رواه ابن ماجه
وأجاب العلماء عن هذا الاختلاف فيما يلي :
قال
القرطبي : " ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب
واختلاف وليس كذلك ، وإنما تحدث النبي (ص)بحديث الحوض مرات عديدة ، وذكر
فيها تلك الألفاظ المختلفة مخاطبا لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات
مواضعها ، فيقول لأهل الشام : " ما بين جرباء وأذرح " ، ويقول لأهل اليمن :
" من صنعاء إلى عدن " ، وهكذا تارة أخرى يقدر بالزمان والزوايا ، فكان ذلك
بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات ، فخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها" .
وقال
القاضي عياض : " وهذا كله من اختلاف التقدير ، ليس في حديث واحد فيحسب
اختلافا واضطرابا من الرواة ، وإنما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحد من
الصحابة سمعوه في مواطن مختلفة ، ضرب النبي (ص)في كل واحد منها ميلا لبعد
أقطار الحوض ، وسعته وكبره ، بما تسنح له من العبارة وقرب للأفهام لبعد ما
بين البلاد النائية البعيدة بعضها عن بعض ، لا على تقدير المحقق لما بينهما
بلا إعلام ببعد المسافة ، وسعة القطر ، وعظم الحوض ، فبهذا تجتمع هذه
الألفاظ من جهة المعنى ، والله أعلم " .
انتهى الجواب عن الإشكال الوارد .
وقد
ذكر العلامة محمد بن صالح العثيمين في صفة الحوض فقال : " هذا إذا يقتضي
أن يكون مدورا ، لأنه لا يكون بهذه المساحة من كل جانب إلا إذا كان مدورا "
. وذكر أبو العباس القرطبي أنه يكون معتدل التربيع."
وهذه التناقضات ليس لها سوى معنى واحد هو أن كل الأحاديث في الحوض كاذبة
وضعها الكفار لوجود أكثر من خمس أنواع من التناقض فيها وهى :
1-عدد الآنية أى الكيران فمرة كعدد نجوم السماء ومرة أكثر
2- مساحة الحوض فمرة المساحة فترة زمنية مسيرة شهر ومرة مسافات مكانية مثل من صنعاء لعدن
3-
تناقض المسافات المكانية فمرة أيلة وصنعاء ومرة أيلة إلى الجحفة ومرة من
عدن إلى عمان البلقاء ومرة الكعبة وبيت المقدس ومرة.... وهى مسافات مختلفة
الأبعاد بأميال كثيرة
4- الطعم فمرة طعمه كاللبن ومرة كالعسل
5- في الذى يمد الحوض فمرة نهر الكوثر ومرة ميزابان من الجنة ...
وتحدث عن استمداد الحوض لمائه فقال :
"المبحث الخامس :
الماء الذي يمد الحوض
يستمد
الحوض مائه من الكوثر ، فقد جاء من حديث عبدالله بن مسعود أن النبي (ص)قال
: " ويفتح نهر من الكوثر إلى الحوض " رواه الإمام أحمد في مسنده.
وجاء من حديث ثوبان أن النبي (ص)قال في صفة الحوض : " يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة ، أحدهما من ذهب ، والآخر من ورق " رواه مسلم"
وتحدث عن أثر الشرب منه فقال :
"المبحث السادس :
آثار الحوض
جاء في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي (ص)قال : " فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا " متفق عليه.
جاء
في حديث أبي أمامة أن النبي (ص)قال في وصف الحوض : " من شرب منه لم يظمأ
أبدا ، ولم يسوء وجهه أبدا " رواه ابن أبي عاصم في السنة."
وتحدث عمن يشربون منه ومن لا يشربون فقال :
"المبحث السابع :
صفة من يرد الحوض
" يرد هذا الحوض المؤمنون بالله ورسوله (ص)، المتبعون لشريعته ، وأما من استنكف واستكبر عن ابتاع الشريعة ؛ فإنه يطرد منه " .
قال
أبو عبدالله القرطبي : " فكل من ارتد عن دين الله ، أو أحدث فيه ما لا
يرضاه الله ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض ، المبعدين عنه ، وأشدهم
طردا من خالف جماعة المسلمين ، وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها ،
والروافض على تباين ضلالها ، والمعتزلة على أصناف أهوائها ، فهؤلاء كلهم
مبدلون ، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور ، والظلم ، وتطميس الحق ، وقتل
أهله وإذلالهم ، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي ، وجماعة أهل الزيغ
والأهواء والبدع " .
جاء
من حديث أنس بن مالك أن النبي (ص)قال : " ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني
حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي اختلجوا دوني ، فلأقولن : أي رب ، أصيحابي ،
فليقالن لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
وجاء
من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي (ص)قال : " إني على
الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم ، وسيؤخذ أناس دوني ، فأقول : يا رب مني
ومن أمتي ، فيقال : أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون
على أعقابهم"متفق عليه.
وجاء
من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي (ص)قال : " إني فرط لكم على الحوض
، فإياي ! لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال ، فأقول : فيم
هذا ؟ فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقا " رواه مسلم .
وجاء من حديث أبي هريرة أن النبي (ص)قال : " وإني لأصد الناس عنه – أي الحوض- كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه" رواه مسلم .
ومما سبق من الأحاديث يتبين أن الذود عن حوض النبي (ص)على نوعين:
النوع الأول : ذود عام يشمل جميع الناس من غير أمة محمد (ص)، ويدل له حديث أبي هريرة المتقدم ذكره.
وقد
ذكر الحافظ ابن حجر الحكمة من هذا الذود ، فقال : " والحكمة في الذود
المذكور أنه (ص)يرشد كل أحد إلى حوض نبيه على ما تقدم (أن لكل نبي حوضا)
وأنهم يتباهون بكثرة من يتبعهم فيكون ذلك من جملة إنصافه ورعاية إخوانه من
النبيين ، لا أنه يطردهم بخلا عليهم بالماء ، ويحتمل أنه يطرد من لا يستحق
الشرب من الحوض ، والعلم عند الله ".
النوع
الثاني : ذود خاص ، ويكون على أناس من أمة نبينا محمد (ص)، لأمور قامت بهم
من الارتداد عن الدين ، نسأل الله السلامة ، والإحداث فيه ، وغيرها ويدل
لها الأحاديث المتقدمة ، وقد سبق ذكر كلام القرطبي ."
وكل هذا تخريف تام يتعارض مع أمان كل المسلمين في القيامة كما قال تعالى :
" وهم من فزع يومئذ آمنون"
وتحدث عن أول من يرد الحوض فقال :
"أول الناس ورودا للحوض :
عن
ثوبان أن النبي (ص)قال : " أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين ، الشعث
رؤوسا ، الدنس ثيابا ، الذين لا ينكحون المتنعمات ، ولا تفتح لهم أبواب
السدد " رواه الترمذي وابن ماجه."
والحديث
باطل فهم يصف المهاجرين بأوصاف لا يوصف به إلا الكفار كدناسة وهى نجاسة
الثياب وشعثاة الشعور وهو ما يعنى أنهم لا يتوضئون ولا يتطهرون مع أنهم في
أحاديث أخرى علامة الأمة التحجيل والغر بسبب الطهارة " غر محجلون"
وتحدث عن مكان الحوض فقال :
"المبحث الثامن :
مكان الحوض
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : مكان الحوض بالنسبة للميزان :
ذكر
أبو عبدالله القرطبي أن الحوض يكون قبل الميزان ، وعلل ذلك بقوله : "
والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم –كما تقدم- فيقدم قبل
الصراط والميزان ، والله أعلم".
المسألة الثانية : مكان الحوض بالنسبة للصراط :
الظاهر
–والله أعلم- أن الحوض يكون قبل الصراط ، لأنه لو كان بعد الصراط لكان
الذي يرد عن الحوض إلى النار قد جاوز جهنم خلفه فكيف يعاد إليها ، ومثل
هؤلاء لا يجاوزون الصراط
ذكر هذا القرطبي ، وابن كثير ، وابن أبي العز الحنفي.
وجاء
من حديث أبي هريرة أن النبي (ص)قال : " بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة
حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم قال : هلم ، قلت : أين ؟ قال إلى
النار والله ، قلت : وما شأنهم؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم
القهقرى ، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم ،
قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا
بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم " أخرجه
البخاري.
قال القرطبي : " فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط " ."
وهذا الكلام المتناقض دليل على عدم صحة أى حديث في الحوض وتحدث عن وجود حوض لكل نبى فقال:
"المبحث التاسع :
ما جاء أن لكل نبي حوض
قال الحافظ ابن حجر : " وقد اشتهر اختصاص نبينا (ص)بالحوض" .
والأصل
في هذا الباب ما جاء من حديث سمرة أن النبي (ص)قال : " إن لكل نبي حوضا ،
وإنهم يتباهون أيهم أكثر وارده ، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة " أخرجه
الترمذي.
قال
أبو عيسى الترمذي : " هذا حديث غريب ، وقد روى الأشعث بن عبدالملك هذا
الحديث عن الحسن عن النبي (ص)ومرسلا ، ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح "
…وقد
اختلف المحدثون في صحة مراسيل الحسن ، انظر شرح علل الترمذي لابن رجب
1/285-290 ، واختلف في سماع الحسن من سمرة على أربعة أقوال :
…القول الأول : أنه لم يسمع من سمرة ، قال به شعبة بن الحجاج وابن حبان وغيره .
…القول الثاني : أنه لم يسمع من سمرة ، وإنما حديثه عنه من كتاب سمرة ، قال به يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين .
…القول الثالث : أنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة ، قال به النسائي .
…القول الرابع : أنه سمع من سمرة ، قال به علي بن المديني ، انظر : تحرير علوم الحديث للجديع 1/155-157.
قال الحافظ ابن حجر : " والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال : قال رسول الله (ص)" ...وذكر الحديث".
وقال
أيضا : " أخرجه الطبراني من وجه آخر عن سمرة موصولا مرفوعا مثله وفي سنده
لين ، وأخرج ابن أبي الدنيا أيضا في حديث أبي سعيد رفعه ..وذكر الحديث ،
وقال " وفي إسناده لين".
قال
الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر سند ابن أبي الدنيا المرسل " وهذا مرسل عن
الحسن ، وهو حسن ، صححه يحيى بن سعيد القطان وغيره ، وقد أفتى شيخنا المزي
بصحته من هذه الطرق .
قال العلامة الألباني " وجملة القول إن الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح ، والله أعلم "
قال
الحافظ ابن حجر : " وإن ثبت -أي الحديث- فالمختص بنبينا (ص)الكوثر الذي
يصب من مائه في حوضه ، فإنه لم ينقل نظيره لغيره ، ووقع الامتنان عليه به
في السورة المذكورة –أي سورة الكوثر-"."
وكل هذا الكلام يدل على عدم صحة الحديث ولو عدنا لكتاب الله لوجدنا الحوض لا وجود له في أى عبارة في القرآن والموجود هو :
ان كل مسلم له عينان أى نهران أى حوضان سواء في الدرجة العليا أو في الدرجة الأقل كما قال تعالى :
"ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأى آلاء ربكما تكذبان ذواتا أفنان فبأى آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان"
وقال :
"ومن دونهما جنتان فبأى آلاء ربكما تكذبان مدهامتان فبأى ألاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاحتان"
ومن ثم لا وجود للحوض وإنما الموجود هو عينان أى نهران اى حوضان لكل مسلم وليس للنبى(ص) وحده
الأربعاء، 8 يونيو 2022
قراءة في كتاب المباحث المختصرة في حوض النبي (ص)
الثلاثاء، 7 يونيو 2022
نقد كتاب التمثيل السياسي في العهد النبوي
نقد كتاب التمثيل السياسي في العهد النبوي
المؤلف
مبارك محمد المعبدي الحربي والبحث يدور حول مكاتبة الملوك والأمراء الكفار
من قبل دولة المسلمين وقد تحدث الحربى في مقدمته عن أن الرسول (ص) بعد
هدوء الصراع مع قريش عمل على نشر الإسلام من خلال إرسال رسالات تدعو الملوك
والحكام لاتباع الإسلام فقال :
"مكاتبة الملوك والأمراء
مضت
خمسة أعوام على هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة
(يثرب) قبل أن تهدأ ثائرة قريش أو تفتر عن مخاصمة الرسول صلى الله عليه
وسلم ومهاجمته, وقضى النبي هذه الأعوام الخمسة على أهبة الدفاع لرد محاولات
قريش لغزو معقله وملاذ دعوته أولا في بدر ثم في أحد ثم في الخندق في السنة
الخامسة من الهجرة فلما وهنت قوى قريش بعد الخندق (غزوة الأحزاب) استطاع
النبي(ص) أن يعني بالتفكير في العمل الإيجابي لمغالبة خصومه وبث دعوته ولم
تكن الدعوة الإسلامية قد تجاوزت يومئذ وديان مكة والمدينة ولم تثبت دعائمها
في المدينة بين عصبة المهاجرين والأنصار ولم يكن ثمة ما ينبئ بأن هذه
البداية الضئيلة إنما هي الحجر الأساس الأول في صرح الدولة الإسلامية
العظيمة التي قامت بعد ذلك بعشرين عاما فقط على أنقاض دولتين من أعظم دول
التاريخ هما الدولة الفارسية والدولة الرومانية الشرقية وكان فشل قريش في
موقعة الخندق حاسما في تطور هذه الخصومة التي أضرمت لظاها منذ أذاع
النبي(ص) الرسالة المحمدية ومنذ الخندق استطاع الإسلام أن يفتح غزواته
للأمم والأديان القديمة ففي أواخر العام الخامس وأوائل العام السادس الهجري
قام النبي بعدة غزوات محلية لبعض القبائل والبطون المعادية وفي أواخر
العام السادس نظم النبي بعوثه أو سفاراته لأكابر الملوك والأمراء المعاصرين
بعد النصر المعنوي الذي حققه في صلح الحديبية في أواخر السنة السادسة من
الهجرة, وفي العام السابع كانت موقعة خيبر التي سحق فيها النبي اليهود
الخائنين"
وتحدث عن ما سماه السفارات النبوية فقال :
"
وفي العام الثامن كان فتح مكة وخضوع قريش وكان ظفر الإسلام حيثما استهل
رسالته وانبعث أشعته الأولى في جبال مكة وشعابها ووديانها وما النصر إلا من
عند الله عز وجل ولكن السفارات النبوية أو البعوث(التمثيل السياسي) بين
حوادث هذا العهد كانت حادثا فريدا ودليلا جيدا على ما تجيش به نفس الرسول
صلى الله عليه وسلم من سمو في الشجاعة وقوة في الإيمان برسالته, ولم يكن
الإسلام يومئذ قوة يخشى بأسها فيدعو قيصر وكسرى إلى اعتناق دعوته, ولكن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل للبشر كافة بشيرا ونذيرا وكما كانت
الغزوات النبوية المتواضعة سبيلا للذود عن الإسلام ووسيلة لتأييد كلمة
التوحيد كذلك كانت السفارات النبوية أو البعوث (التمثيل السياسي) سبيلا
لأداء رسالته وإبلاغ صوته إلى الملوك والأمراء الذين يحكمون العالم القديم
يومئذ."
السفارات
النبوية هى ضرب من الوهم الذى اختلقه الكفار ونسبوه للنبى(ص) فلم يرسل
النبى(ص) سفارات للملوك والأمراء كما تزعم الروايات للتالى :
أن الله أعلمه أن الأغنياء وهم كبار الأقوام لا يؤمنون فقال تعالى :
" كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى"
وقد كرر الله عليه الكلام مرارا في كون الأمراء والملوك والحكام هم من يحاربون رسالة الله في كل مكان وزمان فقال :
"وكذلك جعلنا فى كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون"
وقد تكرر نفس المعنى عشرات المرات فى القرآن
أن الرسول(ص) من المؤكد أنه تعلم الدرس من قصة عبوسه فى وجه الأعمى وهى:
ألا يدعو من انشغل عنه وهم المتلهون إلى الإسلام كما قال تعالى :
" وأما من تلهى فأنت له تصدى"
وأن يركز دعوته على من يسعى إلى الإسلام وهم من يريد تعلمه وفهمه كذلك ألأعمى وفيه قال تعالى :
"وأما من جاءك يسعى فأنت عنه تلهى"
ومن ثم من المستبعد تماما حكاية السفارات المزعومة
وتحدث الحربى عن أسماء من أرسل لهم النبى(ص) رسلا لدعوتهم إلى الإسلام فقال :
"ب. أسماء أهم الملوك والأمراء في العهد النبوي
ففي شهر ذي الحجة سنة ست من الهجرة نيسان (إبريل) 628 م بعث النبي كتبه وسفراءه إلى ثمانية من أولئك الملوك والأمراء هم:
1- قيصر هرقل حاكم قسطنطينية
2- قيروس أو المقوس حاكم مصر الروماني (جريج بن متى)
3 - الحارث بن أبي شمر الغساني النصراني عامل قيصر على بلاد
الشام (صاحب دمشق)
4- كسرى خسرو ملك فارس
5- أصحمة بن الأبجر النجاشي ملك بلاد الحبشة.
6- هوذة بن علي صاحب اليمامة في نجد.
7- جيفر وأخيه عباد ابني جلندا صاحبا عمان.
8- المنذر بن ساوي صاحب البحرين.
وقد
كان هؤلاء ملوك العرب والعجم والروم الذين يسودون الجزيرة العربية يومئذ ,
أو يتصلون بها بأوثق الصلات وكان أهمهم وأعظمهم بلا ريب هرقل قيصر الروم
وكسرى ملك فارس وعمالهما, وقد كانا يقتسمان سواد العالم القديم يومئذ , إذ
يبسط أولهما حكمه على بلاد الشام وما إلى ذلك جنوبا حتى شمال الحجاز, ويدين
له الغساسنة بالطاعة , أما الثاني فيبسط حكمه على شمال شرقي شبه الجزيرة
العربية , ويدين له كثير من أمراء العرب بالولاء والطاعة , مثل المناذرة في
الحيرة وغيرهم , وكان قيصر الروم زعيم الأمم النصرانية , وكسرى زعيم الأمم
الوثنية.
ومن
هذا المنطلق أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم للإسلام فنظم
السفارات وأرسل الرسائل إلى مختلف الأنحاء لكل ملك ولكل أمير."
والملاحظ
في تلك الأسماء هو مساواة الروايات بين كبار الملوك والصغار ونلاحظ أنه
نسى مثلا اليمن رغم وجود أمير أو ملك عليها كما نلاحظ أن أصحمة النجاشى
أساسا كان مسلما بدليل الصلاة عليه في الروايات ألأخرى
وتحدث الحربى عن كون الرسائل كانت واحدة المضمون فقال :
"وكتب
النبي(ص) المرسلة إليهم جميعا كانت مهمتها واحدة, وهي الدعوة إلى الإسلام
الدين الحق. وتقدم الرواية الإسلامية إلينا صورة الكتب المرسلة, وهي جميعها
في صيغ واحدة أو متماثلة , وفيها يدعو النبي (ص) ملوك عصره إلى الإسلام
والإيمان برسالته"
وتحدث الحربى عن رسل رسول الله (ص ) فقال :
"ج. السفارات النبوية (التمثيل السياسي):
· السفارة الأولى مع هرقل قيصر الدولة الرومانية , وكان السفير دحية بن خليفة الكلبي.
· السفارة الثانية مع كسرى ملك الفرس , وكان السفير عبد الله بن حذيفة السهمي.
· السفارة الثالثة مع النجاشي ملك الحبشة , وكان السفير عمرو بن أمية الضمري.
· السفارة الرابعة مع المقوقس ملك مصر وكان السفير حاطب بن أبي بلتعة اللخمي.
· السفارة الخامسة مع الحارث الغساني حاكم الشام , وكان السفير شجاع بن وهب.
· السفارة السادسة مع صاحبا عمان جيفر وعباد ابني جلندا, وكان السفير عمر بن العاص.
· السفارة السابعة مع هوذة بن علي صاحب اليمامة في نجد, وكان السفير هم سليط بن عمرو العامري.
· السفارة الثامنة مع حاكم البحرين المنذر بن ساوي أخي عبد القيس , وكان السفير هو العلاء بن الحضرمي"
وحدثنا عن الرسالة النموذج وهى الرسالة المرسلة إلى هرقل فقال :
"وكان
سفير النبي إلى هرقل قيصر الدولة الرومانية الشرقية دحية بن خليفة الكلبي
وإليك نص الكتاب النبوي إلى قيصر حسبما ورد في السيرة وفي الصحيحين
من
رسول الله إلى هرقل عظيم الروم؛ سلام على من اتبع الهدى, أما بعد فإني
أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم أسلم يؤتك الله أجرك مرتين, فإن توليت فإن
عليك إثم الإريسيين "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا
نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله
فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون") (شهاب الدين الأسدي 1976 م) وكان
هرقل قد تسلم عرش القسطنطنية قبل ذلك بثمانية أعوام بعد حوادث وخطوب جمة ,
ومضى معظم عهده في حروب طاحنة مع الفرس, وكان الفرس قد غلبوا على مصر
وسوريا وآسيا الصغرى, فتصدى لهم هرقل فقاتلهم وهددوا بلادهم , وسحقت قوات
هرقل معظم قوات الفرس في موقعة نيفة الحاسمة في شهر كانون الأول (ديسمبر)
سنة 627م. وفر كسرى الثاني ملك الفرس المعروف بكسرى أبرويز من عاصمته
المدائن , ثم قبض عليه ولده سيروس وقتله وجلس مكانه على العرش وعقد الصلح
مع هرقل وعاد قيصر إلى القسطنطينية ظافرا يحمل صندوق الصليب المقدس الذي
كان الفرس انتزعوه من بيت الصليب القدس , ثم سار في سنة 628م حاجا إلى بيت
المقدس سيرا على الأقدام , ومعه الصليب ليرده إلى موضعه بالقبر المقدس ؛
فبينما هو في بيت المقدس يؤدي مراسم الحج إذ وفد عليه حاكم بصرى بوسترا
ومعه دحية بن خليفة الكلبي, فقدم إليه كتاب النبي(ص) وأخبره بمضمون سفارته,
وتقول الرواية الإسلامية أن هرقل استقبل سفير النبي بأدب وحفاوة, وسأله عن
بعض أحوال النبي (ص) , وأحوال رسالته بل تذهب الرواية به إلى القول بأن
هرقل هم باعتناق الإسلام لولا أن خشي نقمة البطارقة وأنه صارح دحية برغبته,
وهذه مبالغة بلا ريب ونستطيع أن نتصور ما أثارته سفارة النبي في نفس قيصر
من بواعث الانكسار والدهشة, ولعله لم يكنقد سمع عن محمد ورسالته من قبل,
ورد السفير النبوي ببعض المجاملات والأقوال الودية , ولما عاد هرقل إلى
عاصمته وصلته رسالة أخرى تلقاها عامله على الشام المنذر بن الحارثة الغساني
من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يد رسوله , شجاع بن وهب يدعوه
فيها إلى الإسلام ويحذره عواقب المخالفة فبعث بها المنذر إلى هرقل وسأله هل
يسير لمحاربة ذلك الذي اجترأ على الوعيد, فلم يوافقه هرقل على ذلك، ورد
شجاع كما رد دحية ببعض المجاملات والتحيات وتقول بعض الروايات إن عامله
شرحبيل الغساني قتل شجاع الأسدي وكان هذا التصرف سبب من أسباب معركة مؤتة
عام 8 هـ."
والرسالة المزعومة باطلة لاحتوائها على مخالفة صريحة لكتاب الله ولا يمكن للنبى(ص) قولها وهى قول الرسالة:
" فإن توليت فإن عليك إثم الإريسيين"
فإثم الأمة لا يكون على أحد لقوله تعالى :
" ولا تزر وازرة وزر أخرى"
فالعمل الذى يحاسب عليه الإنسان هو عمله هو وليس عمله غيره كما قال تعالى :
"كل نفس بما كسبت رهينة"
والغريب أن هذا الخطأ هو الخطأ الذى قامت عليه عقيدة الصلب النصرانية وهى تحمل واحد لآثام الكل
وتحدث عن الرسالة للمقوقس فقال :
"وفي
نفس الوقت وصلت سفارة النبي إلى مصر يحملها بن أبي بلتعة اللخمي وتجمع
الرواية الإسلامية على أن هذه السفارة كانت موجهة إلى المقوقس عظيم القبط
وتقدم إليه صورة كتاب النبي الذي أرسل إليه مستهلا بهذه العبارة بسم الله
الرحمن الرحيم من رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط وهو في نص الكتاب الذي
وجه إلى هرقل وفي نفس عباراته مع تغيير يسير في بعض الروايات وفيه يدعى
المقوس كما دعي هرقل إلى اعتناق الإسلام، وهنا يجب أن نقف قليلا عند شخصية
المقوس هذا الذي تعرفه الرواية الإسلامية دائما بأنه عظيم القبط فقد كانت
مصر يومئذ ولاية رومانية استردها هرقل من الفرس بعد أن لبثوا فيها عدة
أعوام ورد إليها سلطة قسطنطينية وعاد يحكمها الولاة الرومانيون كما كانت من
قبل ولم يكن لأهلها القبط أي نوع من الاستقلال والظاهر أن هذه الحقائق لم
تكن مجهولة في المدينة حيث تدل رسائل النبي(ص) وكتبه على أن الأحداث
والأوضاع السياسية التي كانت تسود الجزيرة العربية وما يجاورها من الممالك
كانت معروفة من النبي وصحبه فالمرجح أن المقوقس الذي تردد الرواية العربية
اسمه هو كيروس حاكم مصر الروماني بيد أن هنالك نقطة ما تزال غامضة هي أن
كيروس لم يعين حاكما لمصر إلا في سنة 631 م أي بعد إرسال السفارات النبوية
بأكثر من عامين ولا يمكن أن تفسر هذه الثغرة في التواريخ إلا بأن السفير
النبوي قد أنفق الوقت في قطع الطريق ثم في الانتظار أو أن كيروس كان معنيا
من قبل ذلك ليحكم مصر بصفة رسمية بيد أن الواقدي يقدم إلينا حلا لهذا
المشكل فيقول أن سفارة النبي إلى المقوس كانت في السنة الثامنة من الهجرة
لا في أواخر السنة السادسة. وأواخر السنة الثامنة من الهجرة توافق أواسط
سنة 630م, فإذا أضفنا إلى ذلك طول المسافة من المدينة إلى مصر استطعنا أن
نضع مقدم السفير النبوي في أوائل 631م وعلى أي حال فالمرجح والمعقول هو أن
السفارة النبوية لم توجه لأحد في مصر غير الحاكم العام وقد كان هذا الحاكم
العام هو كيروس ومما يؤيد هذه الحقيقة هو أن السفير النبوي قصد الإسكندرية
ليؤدي مهمته وقد كانت الإسكندرية يومئذ مقر الحاكم الروماني. اخترق حاطب بن
أبي بلتعة اللخمي مصر من شرقها إلى غربها وقصد الإسكندرية ليؤدي سفارة
النبي ورسالته وأخذ كيروس في مجلسه المشرف على البحر فاستقبله بترحاب
وحفاوة وتلقى منه كتاب النبي وناقشه في مضمونه وسأله عن النبي(ص) ودعوته
وهنا تقول الرواية الإسلام أيضا كما قالت في شأن هرقل أن المقوقس كيروس أفض
إلى حاطب بأنه مؤمن بصدق رسالة النبي وأنه يود لو تبعه لولا خشيته من
القبط ثم صرف حاطبا بكتاب منه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهبة
يذكرها في الكتاب وإليك نصه كما يورده ابن عبد الحكم أقدم مؤرخ لمصر
الإسلامية (لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام أما بعد فقد قرأت
كتابك وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيا قد بقي وقد كنت أظن
أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط
عظيم وبكسوة وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام) وفي بعض الروايات أن الهدية
تضمنت فوق ذلك حمار وشيئا من العسل والمال والجاريتان هما مارية القبطية
وأختها شيرين وقد أسلمتا على يد النبي- صلى الله عليه وسلم - وتزوج النبي
بمارية القبطية ورزق منها بولده إبراهيم الذي توفي طفلا ووهب أختها شيرين
لأحد أصحابه المقربين إليه وفي زواج النبي بمارية وفي مولده ولده إبراهيم
دليل قاطع على أنه كانت ثمة مخاطبات وعلاقة حقيقة بين النبي وعظيم مصر
يومئذ أعنى كيروس الحاكم الروماني."
من كلام الحربى السابق نجد أن الروايات متضاربة في الرسالة لحاكم مصر فليس
معقولا أن يستغرق رسول رسول الله(ص) عامين في الطريق لمصر حتى ولو سار على
قدميه فالمسافة مشيا لا تستغرق شهرين ولكن الرجل كما يقول الحربى استغرق
عامين حتى وصل للحاكم
كما أن الروايات متناقضة في المهدى لرسول(ص) من قبل المقوقس
وتحدث الحربى عن كون أن نتائج كل السفارات كانت واحدة وهلا النتيجة السلبية وهى رفضهم لاتباع الإسلام كدين فقال :
"هكذا
كانت النتائج التي انتهت إليها الكتب والسفارات النبوية إلى قيصر وعامليه
على مصر والشام وقد كانت نتائجها سلبية ولم تكن حاسمة في شيء بيد أنها كانت
بلا ريب ذات أثر معنوي عميق في البلاط الروماني وفي الكنيسة والحقيقة إن
معظم المراجع التي كتبت في هذا الشأن لم تزد عن هذه النتائج. ولكنني أرى أن
هؤلاء السفراء أعطوا صوتا إعلاميا خارج شبه الجزيرة العربية بوجود النبي -
صلى الله عليه وسلم -، وتحقق بالتأكيد إنه آخر الأنبياء وأن هؤلاء الملوك و
الأمراء يعرفون أن هناك نبيا اسمه أحمد فثبت لديهم أنه نبي ورسول لا محالة
في ذلك، ولولا خوفهم لآمنوا به لأنهم يعرفون ذلك.
وأما
الكتب والسفارات النبوية في شرق الجزيرة, ويقصد بها السفارة الثانية فقد
لقيت مصائر أخرى, وكانت ثلاثا أهمها سفارة فارس, وكان سفير النبي إلى ملك
فارس عبد الله بن حذافة السهمي, فقصد إلى المدائن ومعه الكتاب النبوي,
وتقدم الرواية الإسلامية أيضا نص هذا الكتاب فيما يلي: (بسم الله الرحمن
الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن
بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده
ورسوله وأدعو بدعاء الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان
حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك وكان
ملك الفرس يومئذ كسرى أبرويز فلما قرأ عليه كتاب النبي مزقه وأهان السفير و
طرده وبعث إلى عامله في اليمن أن يبعث إلى محمد من يتحقق خبره أو يأته به
فصعد بالأمر بيد أنه حدث في تلك الأثناء بالمدائن حوادث خطيرة فإن شيرويه
سيرون ولد كسرى ثار عليه وقتله وانتزع الملك لنفسه ويضع الواقدي تاريخ هذا
الانقلاب في العاشر من جمادى الأولى قبل قيام البعثة النبوية بنحو شهر وإذا
فالمرجح أن الذي استقبل السفير النبوي هو شيرويه ولد كسرى أما حادث إرسال
كسرى لعامله على اليمن أن يتحقق خبر محمد أو يأتيه به فالمرجح أنه وقع قبل
البعوث النبوية وقبل مصرع كسرى ببضعة أشهر لما نمى إلى كسرى من ظهور الدعوة
الإسلامية."
وقد تكرر نفس خطأ رسالة هرقل في رسالة كسرى وهو قول الرسالة :
" فإن إثم المجوس عليك"
وكما سبق القول فالرسول(ص) لا يمكن أن يخالف القرآن مرتين متتاليتين في نفس الخطأ فالقول مخالف لعشرات الآيات مثل :
"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى"
ومثل :
"ووفيت كل نفس ما عملت"
فكل واحد حسابه على عمله وليس على عمل غيره
وتحدث عن رسالة البحرين فقال :
"
وفي السنة الثامنة من الهجرة 630م قصد إلى البحرين سفير آخر هو العلاء
الحضرمي ومعه كتاب نبوي إلى أميرها المنذر بن ساوي, وقصد إلى عمان عمرو بن
العاص الذي أسلم قبل ذلك بأشهر قلائل ومعه أيضا كتاب نبوي إلى أميرها جيفر
بن جلندا, وفي الكتابين يطلب النبي(ص) إلى هؤلاء الأمراء اعتناق الإسلام أو
أداء الجزية, بيد أنهما حسب ما تنقل الرواية الإسلامية قد صيغا في أسلوب
يخالف أسلوب الكتب السابقة؛ فمثلا تنقل إلينا كتاب النبي إلى أمير البحرين
فيما يأتي:
"من
محمد النبي رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك فإني أحمد الله إليك
الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن كتابك جاءني به رسولك أن من صلى صلاتنا
وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فإنه مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على
المسلمين ومن أبى فعليه أداء الجزية", ففي الكتاب خياران الإسلام أو دفع
الجزية, ولم يرد في الكتب السابقة وهو بهذه الصفة ذو صيغة عملية ثم هو يدل
على أمر آخر هو أنه رد على استفهام وجهة البحرين إلى النبي عن أحكام
الإسلام وقد تضمن الكتاب الذي أرسل إلى أميري عمان شرح بعض أحكام الإسلام
أيضا وكان لهاتين السفارتين نتيجة عملية فإن أمير البحرين وأميري عمان
آمنوا برسالة النبي- صلى الله عليه وسلم - واعتنقوا الإسلام وأدوا الجزية
عن رعاياهم وأرسلت سفارة ودعوة على يد سليط بن عمرو إلى أمير آخر من أمراء
هذه الأنحاء هو هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة, وكان نصرانيا فرد على
النبي بكتاب خشن يطالب فيه بمشاركة النبي أمره وسلطانه شرطا لدخول في دعوة
الإسلام."
الغريب هنا أن رسالة البحرين وعمان تقول :
"ومن أبى فعليه أداء الجزية"
فالجزية
لا تدفع إلا عندما يسيطر المسلمون على أرض الدولة الأخرى نتيجة اعتدائهم
وهنا لا يوجد اعتداء ولا حرب حدثت بين الفريقين فكيف يؤدون الجزية ؟
والغريب
في قول الحربى هو أن الملكين ومن عندهم أسلموا ومع هذا دفعوا الجزية
والجزية على الكفار الذميين وليست على المسلمين وهو قول الحربى :
"فإن أمير البحرين وأميري عمان آمنوا برسالة النبي- صلى الله عليه وسلم - واعتنقوا الإسلام وأدوا الجزية عن رعاياهم"
وتحدث الرجل عن سفارة الحبشة فقال :
"بقي
أن نتحدث عن سفارة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحبشة وهي السفارة
الثالثة ولكنها الوحيدة التي أرسلت إلى ما وراء البحر, وقد كان إرسالها في
ختام السنة السادسة أو فاتحة السنة السابعة في نفس الوقت الذي أرسلت فيه
سفارتا قيصر وكسرى وكان بين الحبشة والنبي(ص) وأنصاره قبل ذلك علاقة ودية
منتظمة وإلى الحبشة لجأ كثير من أنصار النبي(ص) أيام هجرتهم فرارا من
اضطهاد قريش وأقاموا بها تحت حماية النجاشي ورعايته ومنهم جعفر بن أبي طالب
ابن عم النبي(ص) فلما نظمت السفارات النبوية إلى ملوك العرب والعجم أرسلت
سفارة إلى ملوك الحبشة النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري في ذي الحجة سنة
ست من الهجرة أعني في نفس الوقت الذي أرسلت فيه سفارة قيصر.
ووجه
النبي إلى النجاشي كتابين يدعوه في أولهما إلى الإسلام ويطلب إليه في
ثانيهما أن يرسل إلى المدينة من عنده من المسلمين اللاجئين.
وقد
صيغت دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي في أسلوب خاص في روحه
وألفاظه ما تقدم من الدعوات وإليك نص هذه الدعوة حسبما يقدمها إلينا ابن
إسحاق في السيرة:
"
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة سلم أنت
فإني أحمد الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن
مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى
فخلقه الله من روحه كما خلق آدم بيده ونفخه وإني أدعوك إلى الله وحده لا
شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله
وقد بعثت إليك ابن عمي جعفر ونفرا من المسلمين فإذا جاءوك فاحترمهم ودع
التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي والسلام
على من اتبع الهدى".
وقد
كان النجاشي نصرانيا, وكانت النصرانية تسود الحبشة منذ القرن الرابع
الميلادي, وفي الكتاب النبوي شرح لموقف الإسلام نحو النصرانية ونظريته في
خلق المسيح بهذه الوحدة. وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم -أيضا يطلبه بأن
يعقد زواجه من أم حبيبة بنت أبي سفيان, وكانت من المسلمين اللاجئين وكانت
زوجة لصاحبي يدعى عبيد الله هاجر بها إلى الحبشة ثم ارتد هناك عن الإسلام
وتنصر وتوفي مرتدا.
وتقول
الرواية أن النجاشي لبى دعوة النبي (ص)وأسلم وبعث إليه بكتاب يؤكد فيه
إسلامه وأنه حقق رغبته في تزوجه من أم حبيبة نيابة عنه وبعثها إليه مع من
كان عنده من المسلمين في سفينتين كبيرتين بيد أنه يلوح لنا أن القول بإسلام
النجاشي مبالغة يمكن أن تحمل على ما أبداه النجاشي من أدب ومجاملة في
استقبال السفارة النبوية والمرجح أن النجاشي لم يسلم ولو أسلم النجاشي
يومئذ لكان الإسلام قد غمر الحبشة كلها و لكانت النصرانية قد غاضت منها بيد
أن الإسلام لمن ينتشر في الحبشة إلا بعد ذلك وكان انتشاره في الجهات
الشرقية الجنوبية فقط."
وهذا
الكلام يؤكد أن الروايات كلها في الموضوع كاذبة لأن كثير من الروايات أكدت
إسلام النجاشى من خلال باب الجنازات حيث صلى المسلمون عليه صلاة الغائب
طاعة للرواية القائلة" صلوا على أخيكم "
ومن أسلم هذا كان موته في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة بينما من تحدث عنه الحربى كان موجودا بعد سنة ثمانية
وتحدث الحربى عن وجود رسائل لآخرين فقال :
"ونلاحظ
أخيرا أن البعوث والسفارات النبوية لم تقتصر على من تقدم الملوك والأمراء
فقد أوفد النبي بعوثا وكتبا أخرى إلى عدة من زعماء الجزيرة المحليين لتحقيق
نفس الغاية في ظروف وتواريخ مختلفة أسفر بعضها عن نتائج عملية مرضية ودخل
بعض هؤلاء الزعماء في الإسلام وكانوا عونا له فيما بعد كانت هذه السفارات
والكتب النبوية عملا بديعا من أعمال الدبلوماسية بل كانت أول عمل قام به
الإسلام في هذا الميدان.
وليس
أطلع من هذه السفارات دليلا على ما كانت به نفس النبي- صلى الله عليه وسلم
- من فيض في الإيمان والشجاعة ذلك النبي الذي لم يكن قد نجا بعد من اضطهاد
قومه ولم يكن له سلطان يعتد به أو قوى يخشى بأسها يقدم في ثقة وشجاعة على
دعوة قيصر الدولة الرومانية وعاهل الدولة الفارسية وباقي الملوك والأمراء
المعاصرة على اعتناق دعوة لم تكتمل بعد في مهدها على هذه الدبلوماسية
الفطنة التي لجأ إليها النبي في مخاطبة ملوك عصره لم تذهب كلها عبثا كما
رأينا ولا ريب أن النبي لم يكن يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته
وهو مازال يكافح في بثها بين عشيرته وقومه بيد أن إيفاد هذا المبعوث كان
عملا متمما للرسالة النبوية وكان العالم القديم الذي يتوجه إليه النبي -
صلى الله عليه وسلم - بدعوته يقوم يومئذ على أسس واهية تنذر بالانهيار من
وقت إلى آخر وكانت الأديان القديمة قد أدركها الانحلال والوهن وفسدت مثلها
العليا فكانت الدعوة الإسلامية تبدو في جدتها وبسطها وقوتها ظاهرة تستحق
البحث والدرس ولم يكن عسيرا أن يستشف أولو النظر البعيد ما وراء هذه الدعوة
الجديدة من قوى معنوية تنذر بالانفجار في كل وقت وقد كان الانفجار في
الوقع سريعا فلم تمض أعوام قلائل على إيفاد هذه البعوث حتى كان الإسلام قد
غمر الجزيرة العربية وانساب تيار الفتح الإسلامي إلى قلب الدولتين
الرومانية والفارسية وأخذ العرب أبناء الدين الجديد وحملة الرسالة المحمدية
يعملون بسرعة خارقة على إنشاء الدولة الإسلامية الكبرى."
وكما
سبق القول فإن تلك السفارات لم تبعث وتلك الرسائل لم تكتب وهو ما أشار
إليه الحربى معتبرا هذا من أقوال المستشرقين وهو أساسا لم يناقش ما في
الرسائل فقال :
"وقد
تناول البحث الغربي حوادث السفارات النبوية فيما تناول من حياة النبي- صلى
الله عليه وسلم - وكان جل اعتماده في شأنها على الرواية الإسلامية وهنالك
من كتاب السيرة الغرين من يبدي ريبا في أمر هذه السفارات أو يبدي بالأخص
ريبا في صحة الكتب والرسائل النبوية وهذا أمر طبيعي يثيره أعداء الإسلام
حول هذه السفارات والبعثات الدبلوماسية, وليس ذلك من باب الحقائق التاريخية
ومدى صحتها أو حتى بطلائها وإنما لحقد في قلوب هؤلاء الأعداء الذين
يراقبون الفرص ويضعون الخطط للهجوم على الإسلام والقضاء عليه ولكن الله عز
وجل لا بد أن يتم نوره ولو كره الكافرون."
وقطعا من يبتغى الحقيقة مناقشا إياها من خلال كتاب الله ليس عدوا وإنما من يصدق كل ما يروى جاهل
الاثنين، 6 يونيو 2022
نظرات في كتاب البيان في حكم التغني بالقرآن
نظرات في كتاب البيان في حكم التغني بالقرآن
المؤلف بشار عواد معروف وهو يدور حول حكم تطريب وتلحين القرآن وقد تحدث عن اختلاف القوم في القديم والحديث في حكم المسألة فقال:
" فالقرآن العظيم هو كتاب الله
الدال عليه لمن أراد معرفته وطريقه الموصلة لسالكها إليه ونوره المبين الذي
أشرقت له الظلمات ...ومعلوم أن تزيين قراءة القرآن الكريم وتحسين الصوت
بها والتطريب عند القراءة وقع في النفوس وأدعى إلا استمتاع والإصغاء إليه
ففيها تنفيذ للفظ القرآن إلى الأسماع ومعانيه إلى القلوب وذلك عون على
المقصود وهو بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفيذه إلى موضع الداء
وبمنزلة الأفاوية والطيب الذي يجعل في الطعام تكون الطبيعة أدعى له قبولا
وقد اختلف العلماء في قراءة القرآن
بالألحان منذ القديم إلى يوم الناس هذا فنص على كراهتها الإمامان أحمد بن
حنبل ومالك بن أنس ورويت هذه الكراهة عن أنس بن مالك -بسند ضعيف كما
سيأتي- وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن /66/
البصري ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وتابعهم القرطبي وغيره
وأجاز آخرون رفع الصوت في قراءة
القرآن والجهر والتطريب والتغني به لأنه أوقع في النفوس وأسمع في القلوب
وهم: أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وعبدالله بن المبارك والنضر بن شميل
وأبو جعفر الطبري وأبو الحسن بن بطال وأبو بكر بن العربي وابن قيم
الجوزية وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس
وعطاء بن أبي رباح وغيرهم
وامتد هذا الخلف حتى وصل إلى عصرنا
هذا فكتب فيه من كتب كارها مانعا أو مجوزا فممن منعوه وتشددوا في المنع
العلامة محمد أبو زهرة وغيره وممن جوزوه العلامة رشيد رضا ولبيب السعيد
وأحمد عبدالمنعم البهي وغيرهم "
وقد ذكر لماما تخوفات القدماء فقال :
"وإذا كان بعض الأقدمين قد كرهه
استنادا إلى فهمهم لبعض كلمات أو عبارات وردت في بعض الأحاديث وخوفهم من
أن بعض القراءات بالألحان قد تؤدي إلى همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بممدود
وترجيع الألف الواحد ألفات والواو واوات والياء ياءآت فيؤدي ذلك إلى
زيادة في القرآن فإن بعض المحدثين -مما يؤسف عليه- ذهبوا إلى محاولة نفي
الأحاديث الصحيحة الثابتة عن المصطفى (ص)واستدلوا بأحاديث ضعيفة وبنوا
أحكامهم عليها وهذه بلية كبيرة "
وتحدث معروف عن كون ثبات الأمر أو نفيه مداره الأحاديث متغافلا تماما عن كتاب الله فقال :
"ومعلوم أن مثل هذه الأمور إنما
تثبت أو تنفى بالرجوع إلى سنة المصطفى (ص)ومعرفة صحيحها من سقيمها ودراسة
الأحاديث والأدلة التي استند إليها الفريقان "
وانتهى معروف إلى أن أحاديث منع التغنى وهو التطريب والتلحين كلها لم يثبت منها شىء بينما ثبت عنده أحاديث الاباحة فقال :
"وقد وفقني الله سبحانه وتعالى إلى
دراسة الأحاديث الواردة في هذا الموضوع فثبت عندي من حديثه (ص)ضرورة تحسين
الصوت والتطريب والتغني بالقراءة للقرآن الكريم ولم يثبت عندنا حديث واحد
في منع ذلك أو كراهته مما يمكن أن ترد به تلك الأحاديث الصحيحة الثابتة"
واستعرض معروق أدلته في إباحة التغنى فقال :
"فأحببت أن ينتفع بذلك إخواني من
محبي كتاب الله والإنصات إليه والحنين إلى سماعه فضلا عما سأسوقه من أقوال
الصحابة والتابعين وأدلة العلماء المتشبعين بسنة المصطفى (ص)وما أبينه من
العلل في الأحاديث المنسوبة على رسول الله (ص)التي استدل بها بعض العلماء
في النكير على من جوز ذلك وإليك دلالات ذلك:
الدليل الأول:
أخرج أحمد في مسنده والبخاري ومسلم
في صحيحيهما والنسائي في السنن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله
(ص)« لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغني بالقران » /70/
وقد اختلف العلماء في معنى قوله (ص)« يتغنى » على وجهين رئيسين:
أ- الاستغناء به وهو من الاستغناء
الذي ضد الافتقار لا من الغناء يقال: تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت
وتغانوا: أي استغنى بعضهم عن بعض وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينة
كما صرح به البخاري وغيره إذ قال بعد أن ساق هذا الحديث من طريق سفان عن
الزهري قال: قال سفيان: تفسيره يستغني به وكان يقول في حديث: « ليس منا
من لم يتغن بالقرآن »: ليس منا من لم يستغن بالقرآن عن غيره ولم يذهب إلى
الصوت ونصره في ذلك أبوعبيد القاسم بن سلام فقال: وهذا جائز فاش في كلام
العرب ...
وبهذا أيضا قال وكيع بن الجراح
ولعله اختيار محمد بن إسماعيل البخاري لإتباعه ترجمة الباب بقوله تعالى: {
أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } وقال أبوالعباس ثعلب: «
الذي حصلناه من حفاظ اللغة في قوله (ص)« كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن » أنه
على معنيين على الاستغناء وعلى التطريب قال الأزهري: فمن ذهب به إلى
الاستغناء فهو من « الغنى » مقصورة ومن ذهب إلى التطريب فهو من « الغناء »
الصوت ممدود
ب- تحسين الصوت والتحزن به والتلذذ
والاستحلاء كما يستلذ أهل الطرب بالغناء فأطلق عليه تغنيا من حيث أنه يفع
عنده ما يفعل عند الغناء كما سيأتي مفصلا
وتفسير سفيان بن عيينة ومن تابعه مردود من عدة وجوه نذكر منها ما يتيسر:
1- إن مسلم بن الحجاج أخرج في صحيحه
هذا الحديث بلفظ آخر صرح فيه بحسن الصوت فقال: حدثني بشر بن الحكم قال:
حدثنا عبدالعزيز بن محمد قال: حدثنا يزيد وهو ابن العاد عن محمد بن
إبراهيم (التيمي) عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله (ص)يقول: «
ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به »
2- وروى عبدالأعلى عن معمر عن
الزهري في حديث الباب بلفظ: « ما أذن لنبي في الترنم في القرآن » أخرجه
الطبري وعنده في روياة عبدالرزاق عن معمر عن الزهري: « ما أذن لنبي حسن
الصوت » -أي كما أوردناه من صحيح مسلم ووقع عند ابن أبي داود والطحاوي من
رواية عمرو بن دينار عن أبي سلمة عن أبي هريرة: « حسن الترنم بالقرآن »
قال الطبري: ومعقول عند ذي الحجا أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به
3- وأخرجه البخاري هذا الحديث في
موضع آخر ومسلم من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أنه سمع النبي (ص)يقول: «
ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به »
وأخرج البخاري في موضع آخر من صحيحه
من طريق الليث عن عقيل عن الزهري عن أبي سلمة عبارة « يجهر به » /73/
خارجة عن قول النبي (ص)فقال إثر روايته الحديث: « وقال صاحب له: يريد يجهر
به »
قال الحافظ ابن حجر: فإنها إن كانت
مرفوعة قامت الحجة وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره
لاسيما إذا كان فقيها وقد جزم الحليمي أنها من قول أبي هريرة والعرب
تقول: سمعت فلانا يتغنى بكذا أي يجهر به ومنه قول ذي الرمة:
أحب المكان القفر من أجل أنني به أتغنى باسمها غير معجم
أي أجهر ولا أكني
وقال الطبري: وهذا الحديث من أبين
البيان أن ذلك كما قلنا ولو كان كما قال ابن عيينة -يعني: يستغني به عن
غيره- لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى
4- وسئل الشافعي عن تأويل ابن
عيينة فقال: نحن أعلم بهذا لو أراد به الاستغناء لقال: لم يستغن بالقرآن
ولكن لما قال: يتغنى بالقرآن علمنا أنه أراد به التغني
5- وقال عمر بن شيبة: ذكر لأبي عاصم النبيل -الضحاك بن مخلد- تأويل ابن عيينة فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئا
6- وممن أنكر تفسير يتغنى بيستغني
أيضا الإسماعيلي فقال: الاستغناء به لا يحتاج إلا استماع لأن الاستماع أمر
خاص زائد على الاكتفاء به 7- قال الطبري: وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت
بمعنى استغنيت فاش في كلام العرب فلم نعلم أحدا قال به من أهل العلم بكلام
العرب وأما احتجاجه لتصحيح قوله بقول الأعشى:
وكنت امرءا زمنا بالعراق عفيف المناخ طويل التغن
وزعم أنه أراد بقوله: طويل
التغني: طويل الاستغناء فإنه غلط منه وإنما عنى الأعشى بالتغني في هذا
الموضع: الإقامة من قول العرب: غني فلان بمكان كذا: إذا أقام به ومنه
قوله تعالى: { كأن لم يغنوا فيها }
8- وقال الطبري أيضا: ومما يبين
فساد تأويل ابن عيينة أيضا أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن
يوصف أحد به أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن إلا أن يكون الأذن عند ابن عيينة
بمعنى الإذن الذي هو إطلاق وإباحة وإن كان كذلك فهو غلط من وجهين أحدهما:
من اللغة والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه أما اللغة فإن الأذن مصدر
قوله أذن فلان لكلام فلان فهو يأذن له: إذا استمع وأنصت /76/ كما قال
تعالى: { وأذنت لربها وحقت } بمعنى: سمعت لربها وحق لها ذلك كما قال عدي
بن زيد:
إن همي في سماع وأذن بمعنى: في
سماع واستماع فمعنى قوله: « ما أذن الله لشيء » إنما هو: ما استمع الله
لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن
9- ومع أن الحافظ ابن حجر حاول
جاهدا الدفاع عن تفسير سفيان بن عيينة ومن تابعه لكنه لم ينكر أيضا أنه
أيضا بمعنى تحسين الصوت به والجهر والترنم عن طريق التخزين لتظافر ظواهر
الأخبار الصحيحة على ترجيح هذا المعنى فقال: « والحاصل أنه يمكن الجمع بين
أكثر التأويلات المذكورة وهو أنه يحسن به صوته جاهرا به مترنما على طريق
التحزن مستغنيا به عن غيره من الأخبار طالبا به غنى النفس راجيا به غنى
اليد وقد نظمت ذلك في بيتين:
تغن بالقرآن حسن به الصوت حزينا جاهرا رنم
واستغن عن كتب الألى طالبا غنى يد والنفس صم الزم
10- وإذا جمعت هذه الآراء
والتأويلات إلى الأحاديث الصحيحة التي سوف نسوقها بعد قليل تبين صحة تأويل
من قال أنه بمعنى تحسين الصوت والتطريب والغناء المعقول "
صال معروف وجال بين أقوال القوم
مثبتا ونافيا من خلال كتب اللغة وهى ليست حجة في الدين لورود الكلمة فيها
بمعانى متعددة وهذا هو دليله ألأول في حديثه عن الدليل ودليله الثانى
روايات حسن الصوت وهى روايات باطلة لأنها تمنع من صوته ليس بحسن كالصوت
الخشن والصوت الرفيع من قراءة القرآن لانعدام حسن الصوت عن البشر وهو ما
يناقض وجوب قراءة القرآن من كل المسلمين كما قال تعالى :
" فاقرءوا ما تيسر من القرآن"
ودليله الثالث أقوال الرجال كالشافعى وغيره وكل البشر ومنهم أنا لا قيمة لكلامنا طالما تعارضت مع كتاب الله
ولو استخدمنا كلمة لحن فقد وردت في سياق تحريم الكلام الملحن فهو صفة من صفات المنافقين قال تعالى فيها:
"ولتعرفنهم في لحن القول"
وتحدث عن دليله الثانى فقال :
الدليل الثاني:
أخرج أحمد في مسنده والبخاري
ومسلم في صحيحها وأبوداود في السنن من حديث عبدالله بن مغفل قال: «
رأيت النبي (ص)يقرأ وهو على ناقته -وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح- أو
من سورة الفتح- قراءة لينة يقرأ وهو يرجع »
وبين عبدالله بن مغفل كيفية ترجيعه
وأنه آ آ آ ثلاث مرات قال شعبة عن معاوية بن قرة المزني راوي الحديث عن
عبدالله بن مغفل: ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفل وقال: لولا أن يجتمع
الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي - صلى الله عليه وسلم -
فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه قال: « آ آ آ ثلات مرات » أخرجه البخاري
ومسلم في صحيحيهما
وزعم القرطبي أن ذلك مجموع على
إشباع المد في موضعه ويحتمل أن يكون حكاية صوته عند هز الراحلة كما يعتري
رافع صوته إذا كان راكبا من انضغاط صوته وتقطيعه لأجل هز المركوب وإذا
احتمل هذا فلا حجة فيه
وهذا الذي ذهب إليه القرطبي مردود
بمن هو أفضل منه في فهم حديث رسول الله (ص)قال العلامة ابن القيم: « أن هذا
الترجيع منه (ص)كان اختيارا لا اضطرارا لهز الناقة له فإن هذا لو كان
لأجل هز الناقة لما كان داخلا تحت الاختيار فلم يكن عبدالله بن مغفل يحكيه
ويفعله اختيار ليؤتسى به وهو يرى هز الراحلة له حتى ينقطع صوته ثم يقول:
كان يرجع في قراءته فنسب الترجيع إلى فعله ولو كان من هز الراحلة لم يكن
منه فعل يسمى ترجيعا »
وقال الحافظ ابن حجر متعقبا
القرطبي: وهذا فيه نظر لأن في رواية علي بن الجعد عن شعبة عند الإسماعيلي:
« وهو يقرأ قراءة لينة فقال: لولا أن يجتمع الناس علينا لقرأت ذلك اللحن »
وكذا أخرجه أبوعبيدة في « فضائل القرآن » عن أبي النضر عن شعبة "
لو صحت الحديث فالقراءة اللينة تعنى القول السهلة الواضحة والترجيع يعنى التكرار وليس آآآ كما زعموا
والحديث راويه شكك فيه هل قرأ السورة كاملة أو بعضها ومن ثم فهو مردود لعدم معرفة راويه للحدث بالضبط
زد على ذلك أن قراءة القرآنم وهى
صلاة لا تكون بصوت مسموع يعرفه الناس وإنما بصوت لا هو جهرى ولا هو سرى وهو
ما يعنى عدم معرفة السماع لما يقرأ المصلى كما قال تعالى :
" ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا"
وتحدث عن الدليل الثالث فقال :
الدليل الثالث:
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي من
حديث أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله (ص)لأبي موسى: «
لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود »
وأخرج البيهقي بإسناد مسلم نفيه «
داود بن رشيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا طلحة عن أبي بردة عن
أبي موسى » زيادة أنه قال لرسول الله (ص)« لو علمت لحبرته لك تحبيرا » وقد
نص البيهقي على أن هذه هي رواية مسلم ومع أن الزيادة ليست فيه فهي زيادة
صحيحة لورودها بالإسناد نفسه فكأنما مسلما اقتصر منه على ما ذكر
وأخرجها ابن سعد أيضا من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم وفيها: وكان حلو الصوت
قال الخطابي: قوله « آل داود » يريد
داود نفسه لأنه لم ينقل أن أحدا من أولاد داود ولا من أقاربه كان أعطي من
حسن الصوت ما أعطي وداود عليه السلام إليه المنتهى في حسن الصوت
بالقراءة
وفي هذا الحديث شبه (ص)حسن الصوت
وحلاوة نغمته بصوت المزمار وأصل الزمر: الغناء قال النووي: قال العلماء:
المراد بالمزمار هنا الصوت الحسن وأصله الآلة أطلق اسمه على الصوت
للمشابهة "
الحديث باطل فالمزامير لا تنسب لآل داود وإنما تنسب لداود (ص) كما هو معروف
أن كلمة المزمور والمزامير تطلق عند أهل الكتاب على عبارات الكتاب وليس على الصافرة التى تسمى مزمار
أن الله وصف عمل داود(ص) بالتسبيح وليس بالغناء أو بالتزمير فقال :
"وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير"
وأما الدليل الربع عنده فقال فيه:
"الدليل الرابع:
أخرج مالك في الموطأ وأحمد في
مسنده والحميدي والبخاري ومسلم في صحيحيهما وابن ماجه وأبوداود /81/
والترمذي والنسائي في سننهم وابن خزيمة في صحيحه من حديث البراء بن عازب
قال: « سمعت النبي (ص)يقرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن
صوتا منه »
قال الحافظ ابن حجر: ومراده منه هنا: بيان اختلاف الأصوات بالقراءة من جهة النغم"
هذا ليس بدليل تشريعى لأنه لم يصدر من الله ورسوله(ص) وإنما وصف صحابى لصوتا النبى(ص) والوصف ليس حكما وقال :
"الدليل الخامس:
أخرجه البخاري في التوحيد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)« ليس منا من لم يتغن بالقرآن »
وهذا الحديث أخرجه أبوداود في الصلاة من حديث أبي لبابة بسند قوي وأخرجه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص
وأخرجه البيهقي بسنده إلى الربيع بن
سليمان قال: سمعت /82/ الشافعي يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن فقال
له رجل: ليستغني به فقال: لا ليس هذا معناه معناه: يقرؤه حدوا وتحزينا
وذكر أبوداود في روايته أن
عبدالجبار بن الورد قال لابن أبي مليكة عند روايته للحديث: يا أبا محمد
أرأيت أن لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع
وقال أبوسعيد ابن الأعرابي في هذا
الحديث: كانت العرب تتغنى بالركباني إذا ركبت وإذا جلست في الأفنية وعلى
أكثر أحوالها فلما نزل القرآن أحب النبي (ص)أن تكون هجيراهم بالقرآن مكان
التغني بالركباني "
هذا الدليل هو اعادة للدليل الأول وقد سبق مناقشته لأنه يستدل بنفس الحديث وقال:
الدليل السادس:
عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول
الله (ص)« لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب
القينة إلى قينته » والقينة: المغنية
قلت: هذا حديث صحيح أخرجه أحمد
وابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم قال حديثنا الأوزاعي قال حدثنا إسماعيل
بن عبيدالله عن ميسرة مولى فضالة فذكره /83/
وقد صرح الوليد بن مسلم بالسماع من
الأوزاعي فهو ثقة عند تصريحه وإسماعيل ثقة وميسرة مولى فضالة وثقه ابن
حبان وذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبعة العليا التي تلي الصحابة ولم نجد
فيه جرحا
وأيضا فهو متابع عليه فقد أخرج
البيهقي من طريق العباس بن الوليد بن مزيد وهو صدوق عن أبيه وهو ثقة ثبت
عن الأوزاعي به ولكن ليس فيه (عن ميسرة) فرواه عن فضالة بن عبيد مباشرة
وفي سماعه منه نظر كما قال المزي في تهذيب الكمال على أن المتن صحيح لما
ذكرنا أولا وإن سقط اسم ميسرة من مسند أحمد فهو في الأصل كما نص على
ذلك الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد والسنن كما حققناه في مسند فضالة بن
عبيد من كتابنا المسند الجامع "
الحديث اتهام صريح لله بتهمتين :
الأولى التجسد بوجود عضو سمعى هو أذن لله وهو ما ينفيه عدم شبهه بالحلق في قوله تعالى:
" ليس كمثله شىء"
الثانية أن الله يسمع حسب هواه فينصت لشىء أكثر من شىء وهو ما يناقض أنه يسمع كل شىء بطريقة واحدة لذلك اسمه السميع وقال :
الدليل السابع:
أخرج أحمد في مسنده والدارمي في
سننه والبخاري في /84/ خلق أفعال العباد وأبوداود(8) وابن ماجه
والنسائي(10) في سننهم وابن حبان(11) في صحيحه وصححه الحاكم ووافقه
الذهبي من حديث البراء بن عازب أن رسول الله (ص)قال: « زينوا القرآن
بأصواتكم »
وهو حديث صحيح ومعناه تحسين الأصوات
عند القراءة فإن الكلام الحسن يزيد حسنا وزينة بالصوت الحسن وهو أمر مشاهد
ولكن لما رأى بعضهم أن القرآن أعظم من أن يحسن بالصوت بل الصوت أحق بأن
يحسن بالقرآن قال: معناه زينوا أصواتكم بالقرآن وزعم بعضهم أنه من باب
القلب فقد رواه معمر عن منصورعن طلحة: زينوا أصواتكم بالقرآن
على أن الأمر بالتزيين -كما أورده
القرطبي عن بعضهم- هو اكتساب القراءات وتزيينها بأصواتنا وتقدير ذلك: أي
زينوا القراءة بأصواتكم فيكون القرآن بمعنى القراءة كما قال تعالى: {
وقرآن الفجر } أي قراءة الفجر وقوله تعالى: { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه }
أي: قراءته
ومع أن البخاري علق هذا الحديث في
كتاب التوحيد من صحيحه لإثبات كون التلاوة فعل العبد فيدخلها التزيين
والتحسين والتطريب من فعل القارئ وتتصف بما تتصف به الأفعال فإنه يدل في
الوقت نفسه على جواز التزيين والتحسين والترجيع والتطريب فالمراد واحد إن
شاء الله "
الحديث باطل المعنى وإنما زينة
القرآن هى طاعته وأما ترديده ترديد المغنيين الملحنين المطربين فهو إثم
عظيم فالقرآن نزل لطاعته وليس للتغنى الكلامى به كما قال تعالى :
"وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله"
فما الفائدة من ذلك الترديد الكلامى إذا كنا نعصى الله ؟
وقال :
الدليل الثامن:
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه قال:
حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن
عامر قال: قال رسول الله (ص)« تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه فوالذي نفسي
بيده لهو أشد تفصيا من المخاض من العقل »
قال بشار: هذا حديث صحيح رجاله
رجال مسلم زيد بن الحباب تكلم بعضهم في حديثه عن الثوري فهو ثقة في
غيره خبر ابن عدي أحاديث فوجدها مستقيمة وقال: وهو من أثبات مشايخ الكوفة
ممن لا يشك في صدقه»
وموسى بن علي بن رباح اللخمي المصري
ثقة وثقه البخاري وابن سعد ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والعجلي
وأبو حاتم الرازي والنسائي وابن /87/ حبان(8) والذهبي وما أظن الحافظ
ابن حجر أصاب حينما قال في التقريب: صدوق ربما أخطأ(10)
أما أبوه علي بن رباح فهو من ثقات التابعين المعروفين لا يحتاج إلى بيان
وأخرجه من طريق موسى بن علي عن
أبيه: أحمد والدارمي والنسائي في « فضائل القرآن واللفظ له-: « تعلموا
القرآن وتغنوا به واقتنوه والذي نفسي بيده له أشد تفلتا من المخاص في
العقل »
وأخرجه أحمد والنسائي في « فضائل القرآن » من طريق قباث بن رزين -وهو صدوق- عن علي بن رباح فتابع موسى في روايته عن أبيه /88/
وقد جاء في بعض الروايات مقتصرا على
قوله: « واقتنوه » من غير قوله « وتعنوا به » فقال قباث: ولا أعلمه إلا
قال: وتغنوا به وفي رواية أخرى قال: وحسبته قال: وتغنوا به "
الحديث إن صح فالتغنى بالقرآن يعنى العمل به أو طاعته أو على أقل تقدير تدبره وهو فهمه لطاعته كما قال تعالى :
"كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته"
وقال :
"الدليل التاسع:
أخرج أحمد في مسنده والبخاري في
صحيحه وفي خلق أفعال العباد وأبوداود وابن ماجه والترمذي في الشمائل
والنسائي من حديث قتادة قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي (ص)قال: كان
يمد مدا وفي رواية أخرى عن قتادة: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي (ص)فقال:
كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد ببسم الله ويمد بالرحمن
ويمد بالرحيم"
والمد ليس من التغنى وهو التلحين
لأن المد هو هنا مد ألف المد أى فتحها ومد الياء يعنى كسرها والمراد نطق
حرف المد قدر نطق الحرف ألأخر مرتين في الزمن للفهم فلو نطقت الرحمن الرحمن
وليس الرحمان لكان المعنى مختلفا
وبعد أنتهى معروف من أدلته الواهية نقل لنا أقوال تتعارض مع حكاية التغنى فذكر أحاديث التباكى والتحزن عند قراءة القرآن فقال :
"إضاءة:
وقد كان السلف يحبون الصوت الحسن
ويطربون لقراءته فتكون قراءته أوقع في قلوبهم وأحلى قال: أبوعثمان
النهدي: « ما سمعت مزمارا ولا طنبورا ولا صنجا أحسن من صوت أبي موسى
الأشعري إن كان ليصلي بنا فنود أنه يقرأ البقرة من حسن صوته » لذلك كان
عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: ذكرنا ربنا فيقرأ أبوموسى
وروي أن أسيد بن الحضير أحد النقباء الإثني عشر ليلة العقبة كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن
وذكر حنظلة بن أبي سفيان عن
عبدالرحمن بن سابط عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: استبطأني رسول الله
(ص)ذات ليلة فقال: « ما حبسك؟ » قلت: إن في المسجد لأحسن من سمعت صوتا
بالقرآن فأخذ رداءه وخرج يسمعه فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال: «
الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك » /90/
والمسلمون يستحبون البكاء وخشوع القلب عند سماع القرآن قال تعالى: { خروا سجدا وبكيا }
وعقد البخاري في فضائل القرآن من صحيحه بابا للبكاء عند قراءة القرآن
وقال العزالي: « يستحب البكاء مع
القراءة وعندها وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف يتأمل القارئ ما
فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في أوامره
وزواجره فيحزنه لا محالة ويبكي »
وقال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين
وقال الحافظ ابن حجر ولا شك أن
النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم لأن
للتطريب تأثير في رقة القلب وإجراء الدمع "
وناقش أدلة المحرمين فقال :
"أما المانعون فاستدلوا بأحاديث لا تثبت عن المصطفى (ص)منها:
1- ما قيل إن حذيفة بن اليمان روي
عن النبي (ص)أنه قال: « اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون
أهل الكتاب والفسق فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء
والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم »
رواه أبو الحسن رزين في تجريد
الصحاح ورواه أبوعبدالله الحكيم الترمذي في نوادر الأصول واحتج به القاضي
أبو يعلى في "الجامع" وأخرجه الطبراني في "الأوسط" والبيهقي في "شعب
الإيمان" من حديث بقية بن الوليد عن الحصين الفزاري عن أبي محمد عن
حذيفة
قلت: لا يصح فبقية يدلس عن الضعفاء
وقد عنعن والحصين بن مالك الفزاري ليس بمعتمد قال الذهبي في الميزان: «
الحصين بن مالك الفزاري عن رجل عن حذيفة « اقرأوا القرآن بلحون العرب
وأصواتها » تفرد عن بقية ليس بمعتمد والخبر منكر وأبو محمد مجهول ففيه
ثلاث علل »
2- واستدلوا بحديث عابس بن عبس
الغفاري في شرائط الساعة فذكر أشياء منها: « أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون
أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم ما يقدمونه إلا ليغنيهم غناء »
أخرجه أحمد في مسنده من حديث
شريك عن أبي اليقظان عثمان بن عمير عن زاذان عن عليم عن عابس وسنده ضعيف
لضعف أبي اليقظان وأخرجه الطبراني وابن شاهين من طريق موسى الجهني عن
زاذان قال: كنت مع رجل من أصحاب النبي (ص)يقال له عابس أو ابن عابس وذكر
الحديث من غير ذكر عليم ولم يضبط الصحابي ومدار الحديث على زاذان وهو
متكلم في عقيدته كان كثير الكلام كما في ضعفاء العقيلي والتهذيب وغيرهما
وأيضا: فإنني لم أجد أحدا من أهل العلم ذكر أن موسى الجهني /94/ قد روى عن
زاذان فلا يحتج بمثل هذا الحديث المضطرب السند تجاه الأحاديث الصحيحة التي
سقناها
3- وقالوا: وقد منع النبي (ص)المؤذن
المطرب في أذانه من التطريب واستدلوا بحديث أخرجه الدارقطني في سننه من
حديث ابن عباس قال: كان لرسول الله (ص)مؤذن بطرب فقال النبي (ص)« إن
الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن»
قلت: هذا حديث ضعيف جدا ففي
سنده إسحاق بن أبي يحيى الكعبي: ضعفه الدارقطني نفسه وعد الذهبي حديثه هذا
عن ابن جريج من أوابده وقال في الميزان: هالك يأتي بالمناكير عن الأثبات
4- واستدلوا على كراهية أنس بن مالك
للتطريب بالقرآن ما روي عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى أنس بن
مالك فقيل له: اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوات فكشف أنس عن وجهه
وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون وكان إذا رأى
شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه /95/
ولم نعرف لهذا الخبر راويا عن أنس
غير زياد بن عبدالله النميري فعليه مدار الحديث وهو ضعيف قال يحيى بن
معين: ضعيف الحديث وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه فضعفه
وقال أبو حاتم: « يكتب حديثه ولا
يحتج به وذكره ابن حبان في كتابه "الثقات" أولا وقال يخطئ ثم عاد فذكره
في "المجروحين" وقال: منكر الحديث يروي عن أنس أشياء لا تشبه حديث الثقات
لا يجوز الاحتجاج به تركه يحيى بن معين » وقال الدار قطني في السنن: ليس
بالقوي وضعفه الحافظان: الذهبي وابن حجر وكفاك بهما "
الرجل هنا ذكر المتكلم فيهم في أحاديث المانعين مع وجود أمثالهم في أحاديثه المبيحة
وانتهى معروف إلى أن رأى ابن حجر هو الرأى الصحيح وهو اعتقاده فقال :
"القول الفصل:
بعد كل هذا الذي قدمنا نرى من
المفيد أن نقتبس خلاصة رأي واحد من أعاظم المحدثين الفقهاء ممن تشبعوا
بالهدي النبوي وعرفوه حق معرفته في هذه المسألة هو حافظ عصره ابن حجر
العسقلاني وهو خلاصة هذا البحث وهو الذي نعتقده ونؤمن به لما تحصل عندنا
من الأدلة
قال الحافظ ابن حجر: « والذي يتحصل
من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع
كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث وقد أخرج ذلك عنه أبوداود بإسناد
صحيح
ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه
قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك وإن خرج عنها أثر ذلك في
حسنه وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر
عند أهل القراءآت فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء ولعل هذا
مستند من كرة القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا
يراعي الأداء فإن وجد من يراعيهما معا فلا شك في أنه أرجح من غيره لأنه
يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء"
والبحث وما بنى عليه باطل فالقرآن
نزل لقراءته قراءة عادية لفهمه ومن ثم طاعته ولم ينزل ليكون مجرد أقوال
ملحنة مطربة لا يفهم سامعها معناها والايمان بصحة رأى الإباحة دفع
المفسدين من أهل التلحين والغناء الموسيقى أن يحولوا كتاب الله لأغانى وقد
شهد اهل العصر على فعل بعض المعنيين والملحنيين للأمر
الأحد، 5 يونيو 2022
نقد كتاب الإجارة في الذمة
نقد كتاب الإجارة في الذمة
المؤلف هو محمود فهد مهيدات وهو يدور حول موضوع الإجارة وقد استهل مهيدات حديث بتعريف الإجارة فقال :
"وبعد
الإجارة:
هي عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم
وعليه فهي بيع منفعة معلومة بعوض معلوم، وبما أن البيع يقتضي التمليك، فهي تمليك المنافع بعوض سواء أكان هذا العوض عينا أو دينا"
وبألفاظ أخرى اعطاء شىء مقابل شىء
وقد بين مهيدات أنواع الإجارة فقال :
"وهي قسمان هما:
الأول: إجارة العين
هي:
ما ترد على منفعة مرتبطة بعين كإجارة الxxxx أو دابة أو شخص معي وهذا يعني
أنها متعلقة بنفس العين، كأن يستأجر شخصا يعينه لخياطة ثوب، أو بناء حائط.
الثاني: الإجارة في الذمة.
هي
التي ترد على منفعة متعلقة بذمة المؤجر، كاستئجار دابة أو سيارة ذات أوصاف
معينة لإيصاله إلى مكان معين أو مدة معينة، أو القيام بعمل "
والحقيقة
أن الإجارة مباحة في المجتمعات الكافرة وأما في المجتمع المسلم فلا تصح
لأن معظم المعاملات قائمة على ظلم سواء كان ظاهرا أو خفيا والحالة التى
وردت في القرآن عنها كانت في مجتمع كافر في مدين حيث تم استئجار موسى(ص)
للعمل ثمانى سنوات أو عشر سنوات في الرعى مقابل زواجه من بنت الشيخ الكبير
والظلم الخفى هنا هو أن المهر قد يتم دفعه في مدة أقل أو مدة أطول
وفى هذا قال تعالى :
"قال
إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج فإن أتممت
عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدنى إن شاء الله من الصالحين"
وقد بين مهيدات أنه يقصد بالإجارة في البحث الإجارة في الذمة فقال :
"وهذا
النوع من الإجارة هو مدار بحثنا، لتعلقها بقضايا معاصرة، الناس يحتاجون
إليها، منها على سبيل المثال لا الحصر ــ تذاكر الطيران التي يحتاجها الناس
اليوم للسفر إلى خارج بلادهم، فخدمة النقل هي منفعة موصوفة في الذمة وكذلك
عمليات الشحن للبضائع من بلد إلى آخر برا أو جوا، فهي منفعة متعلقة بذمة
أصحاب مكاتب الشحن ــ وعليه فهل يجب دفع الأجرة في مجلس العقد أم يجوز
التأخير في دفعها، اختلف الفقهاء في ذلك على عدة أقوال هي:
الشافعية: اشترط الشافعية لجواز الإجارة في الذمة ما يلي:
1) ـ أن تكون الأجرة حالة، أي نقدا في مجلس العقد، لأن هذه إجارة سلم في المنافع، فيشترط تسليم رأس مال السلم.
2) ـ تعين العين المستأجرة جنسا ونوعا وصفة، كسيارة أو باخرة كبيرة أو صغيرة حديثة أو قديمة.
هذا
في الأصح، وذلك نظرا إلى المعنى (وهو السلم) لذلك فلا يجوز فيها تأخير
الأجرة ولا الإستبدال عنها ولا الحوالة بها ولا عليها و لا الإبراء منها،
وعليه فان تفرقا قبل القبض بطلت الإجارة"
وبعد ذلك استعرض مهيدات أقوال بعض الفقهاء في الموضوع فقال :
"وقال الإمام النووي:
ومن
أصحابنا من قال إن عقد بلفظ السلم وجب قبض العوض في المجلس لأنه سلم، وإن
كان بلفظ الإجارة لم يجب لأنه إجارة، والأول أظهر لأن الحكم يتبع المعنى لا
الاسم ومعناه السلم فكان حكمه كحكمه
وحجة الشافعية:
القياس على السلم، والسلم كما هو معروف هو: بيع موصوف في الذمة، يجب فيه
دفع رأس مال السلم في مجلس العقد، وذلك تجنبا لبيع الدين بالدين، وهما
العين (أي المبيع) وهو الموصوف في الذمة والثمن (أي ثمن المبيع) غير
المدفوع في مجلس العقد، وقد ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ والإجارة في
الذمة تحمل نفس المعنى، لذلك اشترطوا فيه ما اشترطوه في السلم
المالكية:
وافقوا
الشافعية في اشتراط دفع الأجرة في مجلس العقد إذا كانت الإجارة مضمونة في
الذمة (أي موصوفة في الذمة)، على اعتبار عدم جواز تأخر البدلين، لأنه يصبح
بيع الدين بالدين، إلا أنهم جعلوا ذلك مرتبطا بعدم الشروع بالعمل، فقالوا:
فأما إذا كان مضمونا في ذمته فلا يجوز إلا بتعجيل الأجر، أو الشروع بالعمل،
لأنه متى تأخرا جميعا، كان الدين بالدين، فلا يجوز، إلا بتعجيل أحد
الطرفين أو تعجيلهما جميعا ومع ذلك فقد أجازوا تأخير الأجرة اليومين
والثلاثة، وذلك قياسا على جوازهم تأخير رأس مال السلم عن مجلس العقد
اليومين والثلاثة.
الحنفية:
قالوا: الأجرة لا تجب بالعقد وتستحق بأحد ثلاثة معان.
إما بشرط التعجيل.
بالتعجيل من غير شرط.
باستيفاء المعقود.
لأن
من ضرورة التراخي في جانب المنفعة التراخي في البدل، وإذا استوفى المنفعة
يثبت الملك في الأجر لتحقق التسوية وعليه قالوا: من استأجر بعيرا إلى مكة
فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة
وقال أبو حنيفة:
لا يجب الأجر إلا بعد انقضاء المدة، وانتهاء السفر، وهو قول زفر وهذا سواء كانت الإجارة عينا، أم كانت دينا موصوفا في الذمة
وعليه فخلاصة قولهم أنهم لم يشترطوا دفع الأجرة في مجلس العقد في الإجارة
الموصوفة في الذمة، إلا إذا اشترط ذلك ابتداء، لذا فالإجارة الموصوفة في
الذمة جائزة عندهم وان تأخر دفع الأجرة عن مجلس العقد لأنها عوض في عقد
معاوضة محضة فلم يجب تسليمها في مجلس العقد كالإجارة الواردة على الأعيان.
الحنابلة فرقوا بين حالتين، فقالوا:
إن
جرت بلفظ السلم أو سلف كأسلمتك هذا الدينار لتحملني إلى مكان كذا ونحوه،
وقبل المؤجر فانه يشترط لصحتها عندئذ تسليم الأجرة في مجلس العقد، لأنها
بذلك تكون سلما في المنافع فلو لم تقبض الأجرة قبل تفرق العاقدين فإن الأمر
يؤول إلى بيع الدين بالدين وهو منهي عنه
أما إذا لم تجر بلفظ السلم أو السلف، فلا يشترط تعجيل الأجرة في هذه
الحالة، لأنها لا تكون سلما فلا يلزم فيها شرطه وبهذا يوافقون الشافعية في
الرأي الثاني وهو
(إن عقد بلفظ السلم وجب قبض العوض في المجلس لأنه سلم، وإن كان بلفظ الإجارة لم يجب لأنه إجارة)"
وبعد أن نقل أقوال البعض بين الخلاف بين تلك الأقوال فقال :
"بعد
هذا العرض لأهم أقوال الفقهاء في حكم قبض الأجرة في الإجارة الموصوفة في
الذمة، يتبين أن الخلاف بينهم إنما هو ناشئ عن تباين وجهات نظرهم في تكييف
طبيعة إجارة الذمة، فالشافعية والمالكية شبهوها بالسلم، والحنفية شبهوها
بإجارة الأعيان، والحنابلة حكموا عليها بحسب اللفظ والصيغة، وعليه فأرى
والله أعلم العمل برأي الحنفية وهو جواز الإجارة الموصوفة في الذمة، وإن
تأخر دفع الأجرة عن مجلس العقد لأنها عوض في عقد معاوضة محضة فلم يجب
تسليمها في مجلس العقد كالإجارة الواردة على الأعيان."
وحكاية
الذمة في الموضوع حكاية مشكوك فيها لأن أى عقد هو عقد ذمة بمعنى أن صاحبه
مسئول عن إتمامه أو تعويض الطرف الأخر عن عدم لإتمامه
وأما الدفع مقدما أو مؤخرا أو على دفعات فهذا يعود لتراضى الطرفين كما قال تعالى :
"يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"
المهم هو عدالة المعاملة بمعنى:
أن
كل طرف لا يظلم الطرف الأخر فمثلا ثمن التذكرة يعاد أجزاء لمشتريها إذا لم
تكتمل الرحلة حسب المسافة التى تم سيرها أو يتم استئجار ركوبة من قبل
الشركة صاحبة التذكرة لتوصيل المسافر حيث اتفقوا
ومثلا
في حالة شركات الشحن فالبضاعة إذا حدثت حادثة للسفينة أو للطائرة أو غيرها
من وسائل الشحن لابد أن تعاد لصاحبها أو يعاد ثمنها كما في قصة يوسف :
" هذه بضاعتنا ردت إلينا"
إلا إذا كان هناك سبب قهرى كتصادم سفينتين أو وجود ريح عاصفة أغرقت أو أسقطت السفينة أو الطائرة فهنا الخسارة على الطرفين
وكل هذا لابد أن يكون متفقا عليه في عقد مكتوب وليس مجرد تذاكر