الاثنين، 3 يناير 2022

قراءة فى كتاب أحسن الله عزاءكم

قراءة فى كتاب أحسن الله عزاءكم
المؤلف ناصر عبد الله العبيد وهو يدور حول موضوع العزاء فى الميت وفى مقدمته قال العبيد:
"لقد شاء ربنا أن تكون في هذه الحياة الدنيا سنن وأقدار، وأحداث تتقلب فيها الحياة من أفراح إلى أحزان، ومن اجتماع إلى فرقة، ومن ضحك إلى بكاء، ومن سراء إلى ضراء، وما ذاك إلا ليعرف من خلالها مقدار الصدق والصبر والإيمان في نفوس الذين رضوا بالله ربا , وبمحمد نبيا، وبالإسلام دينا، بل وماهية هذه الدنيا وحقيقة الآخرة وقرارها
وفي هذه الرسالة وفي باب العزاء ومصيبة الابتلاء وما أمر الله فيها، أستجمع لك أيها المبارك وصايا هذا الدين الكريم تجاه هذا العزاء، وما تضمنه من آيات وأحاديث وهدي لنبينا محمد (ص)في ذلك؛ لعلها أن تكون نبراسا لك في تخفيف وطأة الألم والمصاب الذي ابتليت به"
واستهل الرجل الكتاب بوعظ الناس وهم كلنا لأنه لابد أن يموت لكل واحد أعزاء عن كون الموت سنة أى قانون يسرى فى الكون فقال :
"أيها الحبيب المبتلى:
لا شك أن مصابك عظيم وخطبك جلل وفراقك لحبيبك وعزيز قلبك مثار الحزن والألم، بيد أن هذه السنة الإلهية التي يستسلم لها كل مخلوق إنما هي سنة الحياة التي قضاها ربنا على عباده الأولين والآخرين ونحن إن عاجلا أو آجلا في طريقنا إليها إذ إن الموت حق ولكل أجل كتاب، ولن تؤخر نفس عن يومها الموعود كما أخبر بذلك ربنا الحكيم: {إنك ميت وإنهم ميتون} وقال تعالى: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} فلا تجزع ولا تتسخط، واسترجع في مصيبتك كما وصاك وأمرك بذلك نبيك محمد (ص)بقوله: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي بخير منها » وتذكر أن عظم الجزاء من عظم البلاء، وأن مع الصبر الفلاح والرضا والظفر، الأمر الذي يدعو كل واحد منا إلى احتساب الأجر عليه دون تسخط ولا اعتراض لأمر الله "
ثم وعظنا مطالبا إيانا بالاستسلام لقدر الله فإننا لا نقدر على تغييره بأى وسيلة فقال :

أيها العبد المبتلى
ألست تؤمن بأن أمر الله لا مرد له، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك ألست تعلم أن هذه الدار دار ممر لا مستقر؟
ألست تؤمن أن هذا القضاء والقدر بأمر الله، وأنه لا يستأخر عن وقته ساعة ولا يستقدم؟
إذا جاهد نفسك بالصبر والمصابرة والاتعاظ ولا تضيع أجرك، فإنه من يتصبر يصبره الله ويثبته ويعينه، ويجعل له من همه فرجا ومن كل ضيق مخرجا
واعلم يا رعاك الله أنه لا أجل ولا أعظم من الاستسلام والانقياد لأمر الله، فأكثر من الدعاء لهذا الميت فإنه بحاجة لذلك أشد من حاجته لحزنك، واجعل هذا الموقف لك إعادة حساب ومراجعة، فقد جعل الله صاحبك اليوم موعظة لك، وغدا ستكون أنت موعظة لغيرك بعد مفارقة هذه الدنيا، فأعد العدة وشمر قبل فوات الأوان، فإن الأيام محطات والأنفاس لحظات والسعيد من وعظ بغيره، وتذكر في ذلك حديث المصطفى (ص)«ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبض صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة » البخاري "
ووعظنا فبين أن المسلم ليس أمامه إلا الصبر فقال:
أيها المصاب المبتلى
ما عسانا أن نفعل وكلنا سنلحق بركب الموتى لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا؟
ما عسانا أن نفعل وقضاء الله نافذ لا يرده إحجام ولا يزيده إقدام؟
ما عسانا أن نفعل والحكم لله من قبل ومن بعد يفعل ويحكم ما يشاء؟
ما عسانا أن نفعل وقد سبق القلم بالأقدار قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة؟
فاصبر يا رعاك الله لئلا تخسر الثواب الجزيل، واعلم أن الصبر عند الصدمة الأولى وحسبنا شرفا أن نتذكر قوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} "
والخطأ فى كلامه هو القول سبق القلم بالأقدار قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة؟ فلا يوجد نص فى تحديد المدة خاصة أن الزمان لا وجود له قبل خلق السموات والأرض لأنه بدأ يوم خلق السموات والأرض كما قال تعالى:
"إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهر فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض"
ولو قلنا بوجود القلم ولوح القدر والزمان قبل الخلق الكونى لجعلنا مع الله شركاء وقدماء وهو ليس معه أحد
ثم حدثنا عن رحمة الله فقال :
"أيها الحبيب أبشر:
فقد وسعت رحمة ربنا كل شيء وأنزل رحمة واحدة منها، وأبقى عنده تسعا وتسعين رحمة، لعل صاحبك مع أهل هذه السعة أبشر فقد كتب ربنا كتابا فهو معلق عنده تحت عرشه: إن رحمتي سبقت عذابي وقال في ذلك سبحانه: {ورحمتي وسعت كل شيء}
أبشر فربنا رحمان بل ورحيم ومنان كريم، يقبل توبة عبده ويعفو عن السيئات، حتى لو بلغت ذنوب عبده عنان السماء، ما دام أنه لم يشرك بالله شيئا، وفي الحديث القدسي: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي» بل ويزيدنا نبينا محمد (ص)في ذلك بشارة لمن صلى عليه جمع من الناس بقوله: «ما من مسلم يموت فيصلي عليه مائة لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه» مسلم والإمام أحمد وغيرهما هذا وغيره يجعلنا نؤمل في الله خيرا كثيرا، وصدق الله كما في الحديث القدسي «أنا عند حسن ظن عبدي بي»"
والكلام عن رحمة الله من خلال كتاب معلق بالعرش لا يصح فرحمة الله ككل شىء مكتوبة فى الكتاب المبين ومعها عذابه لأن الكون خلق لابتلاء الناس ومن ثم لابد من اجتماع الثواب والعقاب
ورواية شفاعة المائة فى المسلم الميت لا تصح فالشفاعة ليست دنيوية وإنما شفاعة أخروية أضف لذلك أن الشفاعة هى شهادة حق وهى لا تقدم ولا تؤخر فى حكم الله لأنه عالم بكل شىء وأضف أن المطلوب من المسلمين ليس الشفاعة وإنما الصلاة وهى الاستغفار للميت كما قال تعالى :
"ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره"
ودلف المؤلف إلى موضوع الكتاب وهو العزاء والتعزية وهى مواساة أهل الميتفبين أنه لم يثبت شىء محدد فيها فقال :
"أخي الحبيب
دعني أطرق معك في عزائك هذا بعض الأمور الشرعية التي وردت في ذلك
أولا: ما ورد في صيغ العزاء:
- جاء في المغني لابن قدامة قوله: لا نعلم في التعزية شيئا محدودا، وفي الحديث: «من عزى مصابا فله مثل أجره» الترمذي وفي لفظ عند ابن ماجة: «كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» وقد كان الإمام أحمد رحمه الله يعزي بقوله: أعظم الله أجركم، وأحسن الله عزاءكم
- أو يقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، ورحم الله ميتك، أو يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت
- أو اصبر واحتسب فلله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى
- وأما تعزية غير المسلم فمن العلماء من حرم تعزيتهم، ومنهم من أجازها بشرط عدم إظهار الاستكانة لهم أو تكبيرهم، ومنهم من فصل فقال: إن كان في ذلك مصلحة فلا بأس بذلك كرجاء إسلامهم، أو كف شرهم أو ما شابه ذلك:
- فإن عزى مسلم رجلا بكافر مات له قال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاك
- وإن عزى أحد من أهل الذمة بمسلم مات له قال: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك
- وإن عزى كافرا عن ميت له كافر قال: أخلف الله عليك ولا نقص عددك (لأجل زيادة الجزية)
- ومما يؤخذ على بعض الناس في ذلك عدم مراعاتهم لهذه الأقوال، إضافة إلى أن البعض منهم قد يقول عند تعزيته: الله يغفر له إن شاء الله، فيزيد كلمة إن شاء الله، ورسولنا (ص)قد نهى عن ذلك فقال: «وليعزم المسألة فإن الله لا يتعاظمه شيء» رواه مسلم"
التعزية هى قول الغرض منه شد أزر أهل الميت والمراد تشجيعهم على الصبر ومن ثم أى قول حسن هو مقبول فيها طالما معناه تشجيعهم على الصبر
واما تعزية الكفار المعاهدين أو الذميين فهى مرتبطة بالتشجيع الدنيوى ومن ثم لا يقال لهم أى دعاء عن الغفران لهم فى الآخرة أو الثواب وإنما يقال لهم مثلا :
البقاء لله شد حيلك أنت النافع لأسرتك البركة وهى النفع فيك وإن وجد عندهم قول صالح فى دينهم قيل له كما عند النصارى:
الرب أعطى الرب أخذ فليكن اسم الرب مباركا
وحدثنا عن مخالفات العزاء والدفن فقال :
"ثانيا: مخالفات العزاء والدفن:
يقول العلماء: إن العزاء ليس بواجب، وغاية ما فيه أنه سنة، يكون في أي مكان نلاقي فيه أهل الميت سواء في المسجد أو البيت أو المقبرة أو غير ذلك ومن عزى فعليه مراعاة منهج الإسلام في ذلك حتى يحظى بالأجر العظيم، وحتى تتحقق المصلحة المرادة من ذلك، ففي الحديث «من عزى مصابا فله مثل أجره» الترمذي وابن ماجة، وفي رواية: «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة» رواه ابن ماجة، وفيه دلالة على عظم العزاء ومكانته، "
والرواية ألولى صحيحة المعنى فالمواسى وهو المعزى له أجر مثل أجر الصابر على موت العزيز عليه أو قريبه وهو عشر حسنات كما قال تعالى :
" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"
وأما الثانية فلا تصح فالأجر هو حسنات كما فى الآية وليس حلل كسوة لأن الحلل سيلبسها كل المسلمون والمسلمات فى الجنة
وأشار لمخالفات ظنها فقال :
ولعلي في المقابل أشير إلى بعض تلك المخالفات التي تقع من بعض الناس في ذلك:
- اعتقاد أن التعزية لا تكون إلا بعد الدفن فقط، أو أنها لثلاثة أيام من الوفاة، والصحيح أنها في كل وقت ما دامت المصيبة باقية"
قطعا التعزية لا معنى لها بعد الوفاة بمدة طويلة وإنما تكون فى وقتها لأن الصبر كما فى القول عند صدمة الموت مباشرة والصبر يكون حينها وأما من يظل يبكى ويحزن على ميت فترة طويلة فهذا يحتاج للتعزية ولمن يوقف حزنه وقال :
-" لا يصح قول: "افتكره ربنا"؛ لأن ربنا لا ينسى أحدا أما قول رحمه الله أو «المرحوم» فلا بأس بها، لأنها بمعنى الذي رحم، وهذا من باب الرجاء والدعاء والتفاؤل وليس من باب الخبر"
قول العامة افتكره لا يقصدون بها تذكره الله فأماته ولكنهم يقصدون أن الله رحمه ومن ثم فهى مباحة بناء على المعنى الذى فى قلوبهم وقال:
- النعي في الجرائد بعد موت الميت يعد من النعي المنهي عنه لفوات المصلحة فيه؛ أما النعي في الجرائد قبل أن يصلى على الميت من أجل الصلاة عليه فلا بأس بها؛ لأن النبي (ص)نعى النجاشي حين موته"
النعى بعد وقت الموت مباشرة مطلوب وهو اعلام للأقارب والجيران والأصحاب كى يأتوا للصلاة على الميت ومواساة أهله أو مساعدتهم واما النعى بعد الدفن فلا يباح لأن الغرض وهو الصلاة على الميت انتهى بدفنه وقال:
- يغلظ بعض الناس على من بكى بكاء العين بزجره اعتقادا منهم أن هذا من البكاء المنهي عنه، وأن الميت يعذب بهذا البكاء ويتضرر وهذا غير صحيح، لقوله (ص)«إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا أو يرحم» وأشار إلى لسانه، رواه البخاري ومسلم
- شدد الإسلام في نهيه عن النياحة واللطم وشق الجيوب، لما في ذلك من اعتراض على حكم الله، قال (ص)«ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» رواه البخاري ومسلم وقال «أنا بريء ممن خلق وسلق وخرق» رواه أحمد والبخاري معلقا ومسلم وغيرهم، والمعنى بريء ممن حلق الشعر عند المصيبة، وسلق برفع الصوت بالبكاء، وخرق الثياب بالشق اعتراضا"
البكاء دون كلام أخرق مباح ولكنه يكون لدقائق معدودة لأن استمراره يؤدى لحرمته بسبب كونه إضرار للعين وإضرار للنفس وانشغال عن الواجبات على الباكى أو الباكية تجاه نفسه وغيره ثم قال :
- لا يشرع للنساء تخصيص لباس معين لأيام التعزية كلبس الأسود وغيره لبدعية ذلك الفعل، وللمرأة أن تلبس أي لباس يناسبها في ذلك دون التزين"
هذا كلام صحيح ثم قال :
"- لا يجوز استئجار قارئ ليقرأ القرآن على روح الميت، وأما انتفاع الميت بقراءة أخيه عموما، ففيها قولان مشهوران والأقرب أنها تصل للميت، ولكن الدعاء أفضل لصراحة الحديث في ذلك «أو ولد صالح يدعو له»"
قراءة القرآن لا تفيد الميت والمشروع هو الصلاة وهى الاستغفار للميت كما قال تعالى "
" ولا تصل على أحد منهم مات أبدا"
فالصلاة الممنوعة على المنافقين وهم من ضمن من كفروا والمباحة على المؤمنين هى الاستغفار لهم وقد أخبر الله نبيه(ص) والمؤمنين أنه لن يغفر لهم مهما استغفر هو والمؤمنين لهم فقال :
" استغفر لهم أو لا تستغفر إن تستغفر لهم سبعين مرة فلنيغفر الله لهم"
ثم قال :
- يسابق الكثير من أقارب الميت غيرهم من الأصحاب في تقديم الواجب الذي دعا إليه الإسلام لأهل الميت استجابة لقول رسولنا (ص)«اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم» رواه الخمسة إلا النسائي، إلا أنهم وللأسف قد يسيئون تطبيق ذلك الوصل والارتباط بكل مقاييس الشرع والعرف المعروف، حتى إن البعض منهم من قد يعجل وصله وجلوسه عند أهل هذا الميت في أول لحظاته من بعد الدفن، متناسيا ذلك العناء والتعب الذي قد يكون ناب هؤلاء الأهل من قبل في تجهيز ميتهم وترتيبه قبل الصلاة عليه، بل إنك تجدهم إذا زاروا أهل هذا الميت ربما أطالوا السهرة عندهم والجلوس معهم إلى ساعة متأخرة من الليل، في كلام ولغو ولهو مؤذ لا طائل فيه (وكفى بالموت واعظا) والأولى في ذلك مراعاة ما قصده الإسلام في ذلك العزاء، وكذلك مراعاة حال أهل الميت وما يظن أنه أصلح لهم من جلوسنا معهم أو الانصراف عنهم"
تقديم الطعام لأهل الميت لانشغالهم بميتهم أمر مطلوب من الأقارب والجيران والأصحاب ولكن المحرم هو السهر عندهم والجلوس مدة طويلة بحيث لا يقدرون على الاستراحة خجلا من الجالسين
ثم قال :
- يكره لأهل الميت أن يصنعوا طعاما ويدعوا الناس إليه؛ لأن هذا يعد من النياحة المنهي عنها كما قاله ابن عباس ، ولأن اجتماع الناس للعزاء خلاف على ما كان عليه السلف الصالح، وهو من البدع الظاهرة في هذا الزمن - ولا حول ولا قوة إلا بالله، حتى إنك لترى الكثير من أقارب الميت من يتسابق إلى إرسال الذبائح والبوادي المكلفة لأهل هذا الميت، والتي قد تكون نهاياتها وللأسف النفايات وساحات التراب، أو الجمعيات الخيرية التي قد لا تتدارك الوقت في حسن تصريفها على الوجه المطلوب
بل وصل الأمر عند البعض إلى مرحلة التنافس والتفاخر في الولائم المعدة في ذلك، لدرجة أنك ترى من أنواع المشروبات والحلويات المقدمة مع هذه الولائم ما الله به عليم وكأنها مناسبة فرح وليست عزاء
قال جرير بن عبد الله: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» بل إن المتبصر في وصية النبي (ص)لأصحابه بصنع الطعام لآل جعفر يجد أنه قصد بذلك أن يكون على قدر حاجة أهل البيت (أي أهله خاصة)
وقد جاء في كتاب الإقناع، والمهذب والمنتهى ما يدل على كراهة الجلوس لهذا العزاء يعني أنه يكره للمصاب أن يجلس في مكان ليعزوه، ويكره للمعزى أن يجلس عند المصاب للتعزية وليعلم أن ترك مثل هذه الاجتماعات من طاعة الله وليست من القطيعة؛ لأن القطيعة هي أن تترك فعل ما يشرع لك فعله من البر والخير فلتتجنب العاطفة والهوى أمام شرع الله ومراده - أيها المبارك –"
والإسراف محرم فى أى شىء ومن ثم يجب أن يتفق الأقارب والجيران الأصحاب على أمر الطعام فيقدم كل واحد وجبة لأهل الميت فقط وليس لمن حضروا للعزاء
وحدثنا عن الصلاة على الميت فقال :
"ثالثا: مفاهيم خاطئة في الصلاة:
- ومن أهم تلك الأمور الجهل بأحكام الصلاة على الجنازة والدعاء لها، وخاصة حال فوات شيء منها، والأصل أن العبد مخير حال فوات شيء من تكبيرات صلاة الجنازة، أن يدخل مع الإمام في التكبيرات التي هو فيها سواء كانت الأولى أو الثانية أو الثالثة ثم يسلم معه دون قضاء، أو يقضي ما فاته من التكبيرات بعد سلام الإمام، بشرط أن يكون ذلك قبل أن ترفع الجنازة، وبحيث يختصر الأذكار الواردة فيها (فيقول في الثانية مثلا: اللهم صل على محمد فقط، ثم يكبر للثالثة ويقول: الدعاء باختصار «اللهم اغفر له فقط»، ثم يكبر ويسلم الخ) (ابن عثيمين)"
الصلاة على الميت لا يوجد فيها حديث يبين طريقتها الحالية على الإطلاق فكل ما فيها قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى وبقية ما نفعله من قول الصلاة على النبى (ص) والدعاء وغيره لا يوجد نص عليه ومن ثم فهى عبادة اخترعها الفقهاء دون دليل وأما الاستغفار فقد ورد فى موت النجاشى رواية تقول أن الصلاة هى الاستغفار للميت فقط دون تكبيرات " استغفروا لأخيكم"
ثم قال :
"- ومن ذلك عدم تغسيل السقط «الذي بلغ أربعة أشهر وما فوق ذلك» وعدم الصلاة عليه، وكم وجد من فعل هذه المصيبة جاهلا رغم أن هذه النفس قد نفخت فيها الروح، قال (ص)«السقط يصلى عليه» رواه الإمام أحمد وأبو داود"
الصلاة على الأطفال خاصة السقط تتعارض مع كونه لم يعمل شرا ولا خيرا والصلاة إنما هى المكلفين بالعمل فكيف نستغفر للذى لم يعمل ذنب قط ؟
ثم قال :
- معانقة أهل المتوفى عند العزاء والصحيح أنه يصافحه فقط دون معانقة، لعدم ورود الدليل على ذلك"
العناق أو المصافحة كله مباح لا دليل على حرمة أيا منهم فالعناق إنما هو لشد أزر أهل الميت ثم قال :
- عدم السكينة عند حمل الجنازة، والسير أمامها إن كانت محمولة، واعتقاد أن من السنة حال حمل الجنازة أن يكون رأسها في المقدمة
- عدم الصلاة على الميت إذا وضع في قبره، وذلك لمن فاتته الصلاة عليها في المسجد، ومنهم من يرى أنها إن دفنت بعد صلاة العصر وأراد أن يصلي عليها في وقت نهي فإنه لا يجوز، ولكن يأتي ويصلي عليها في غير هذا الوقت من الغد مثلا والأمر واسع في ذلك"
الصلاة فى المسجد على الموتى لا تصح لأن الصلاة تكون عند القبر وقت الدفن كما قفال تعالى:
" ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" ثم قال :
- لا بأس أن يكبر الإمام خمس تكبيرات، أو أن يسلم تسليمتين، أو أن يقرأ شيئا من القرآن بعد الفاتحة فقد ورد ذلك عن رسول الله (ص)كما أخبر به ابن عباس رضي الله عنهما"
لا يوجد حديث فى صلاة الجنازة الحالية يبين طريقتها فكل ألأحاديث الموجودة عند كل الفرق مع اختلافها تقتصر على قراءة الفاتحة بعد التكبيرة ألأولى وبقية ما نفعله هو اختراع فقهى لا نص فيه والصلاة كما قال الله هى الاستغفار للميت أى الدعاء له بالمغفرة والرحمة والروايات فى الصلاة على النجاشى متعارضة فبعضها يطلب الاستغفار وبعضها يطلب التكبير ثم قال :
- كثرة الجدال عند دفن الميت، والتدخل بالآراء والاقتراحات التي ليس منها طائل من أناس قليل علمهم ومعرفتهم أو حتى حكمتهم في الحديث، والتي لا تليق بحال الجنازة ولا الموقف ولا ظرف المكان، فليتق الله من هذا حاله فحسب الناس ما هم فيهط
وقال :
- هناك ثلاثة أوقات نهينا أن نصلي فيها أو أن ندفن موتانا فيها وهي عند طلوع الشمس وعند الزوال (قبل أذان الظهر بحدود ربع ساعة) وعند الغروب، إلا أنه لو لم يتيسر الصلاة على الجنازة إلا في هذه الأوقات لعارض ما، فإنه لا بأس بذلك؛ لأنها تعد من ذوات الأسباب
- لا مانع من الدفن ليلا فقد دفن رسول الله (ص)ليلا وكذا أبو بكر وعثمان وعائشة وابن مسعود جميعا، إلا أن البعض من الناس قد يدفن الميت ليلا دون ضرورة لذلك، فيخلوا بالصلاة عليه وبكفنه، وبتشييعه ودفنه، والأولى مراعاة ما فيه خير لهذا الميت"
ولا يوجد ما يسمى بالوقت المكروه للدفن فالدفن مرتبط بقدرة أهل الميت على ضبط أنفسهم فإن كان وجود الميت فى البيت يتسبب فى ارتكابهم ذنوب فالأولى دفنه على الفور فى أى وقت ليل أو نهار وهو مرتبط أيضا بالأحوال الجوية فإذا كان الجو ممطر ويوجد أوحال ومتاعب ينتظر به حتى ينتهى المطر أو يوضع الميت على سيارة ويسير الناس معه ثم قال
- عدم فك عقد كفن الميت إذا وضع في قبره وعدم توجيهه للقبلة وكشف وجهه، والأصل في ذلك أن يبقى وجهه مغطى"
لا يوجد أى نص فى حكاية تغطية الوجه ولا فى التوجيه للقبلة ثم قال :
- اعتقاد وجوب تغطية القبر بعباءة أو غيرها عند دفن المرأة رغم أنه سنة، (والأعجب من ذلك أن تراهم يفعلونه رغم أن الذي يدفن ليس محرما للمرأة المدفونة في تناقض عجيب)، والدليل في ذلك أمر النبي (ص)لأبي طلحة أن ينزل القبر ويدفن ابنته مع وجوده (ص)وزوجها عثمان (ص)
- اعتقاد أن المرأة لا يصح لها أن تصلي على الميت إذا حضرت المسجد، والحق أن المرأة مثل الرجل في ذلك
- من فاتته الصلاة المكتوبة وقد شرع الإمام في صلاة الجنازة، فإنه يصلي على الجنازة ثم يصلي المكتوبة بعد ذلك، لأن المكتوبة يمكن إدراكها أما الجنازة فقد تحمل ويذهب بها
- يتكلم البعض في سيئات الميت وزلاته، خاصة إذا كان هذا الميت مسؤولا، ورسولنا (ص)قد نهى عن ذلك بقوله: «اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم» وقال: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» رواه أحمد والبخاري وغيرهما، بل إن البعض قد يسألون عن الميت قبل أن يصلى عليه هل كان يصلي أو لا؟ وهذا من التنطع وتتبع العورات والبدع التي ليست من الدين في شيء، لأن رسول الله (ص)وصحبه كانوا يصلون على الميت ولا يسألون عن ذلك
- لا يحسن البعض منا الدعاء الوارد في الصلاة على الميت رغم يسره والذي منه «اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وكبيرنا وصغيرنا وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده» وأما إن كان الميت فرطا (طفلا) فيقول: «اللهم اجعله فرطا لوالديه وذخرا وشفيعا مجابا، اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم» والأمر في اختيار الدعاء واسع، له أن يدعو بما يحفظ ويناسب"
ودعاء الميت الطفل لا يصح فليس هو ذخرا لوالديه ولا شفيعا ولا مجابا فلا أحد ينال ثوابا من أحد كما قال تعالى:
" وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" ثم قال :
- يعتقد البعض أنه لا تصح الصلاة على جنازة دفنت من أيام، والصحيح جواز ذلك ما دام أنها دفنت من عهد قريب، ولو أراد مصل أن يصلي عليها صلاة الغائب، فإن القول الراجح في هذه الصلاة أنها غير مشروعة إلا لمن لم يصل عليه أحد من المسلمين
- لا يصح قراءة القرآن في العزاء ولا عند القبور ولا الاجتماع على ذلك، لأن ذلك من البدع المستحدثة، وأما ما ورد في قراءة سورة يس فذهب بعض أهل العلم إلى جواز قراءتها عند موته واحتضاره وليس بعد موته لقول رسولنا (ص)«اقرؤوا على موتاكم يس» ويرى البعض الآخر من العلماء عدم جواز قراءتها؛ لأن هذا الحديث ضعيف
ثم حدثنا عن مخالفات الغسل والمقابر فقال :
رابعا: مخالفات الغسل والمقابر:
- إذا تعذر غسل الميت بالماء فإنه ييمم، بأن يضرب الحي بيديه التراب ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه، ثم يكفن بعد ذلك بما هو معتاد
- إذا كفن الميت فلا توضع يديه على بعضهما كما هو الحال في الصلاة، وإنما اليد اليسرى عند يساره واليمنى على يمينه
- يسن إدخال الميت القبر من عند رجليه (أي القبر) أو من الأمام، ويقال عندها بسم الله وعلى ملة رسول الله، ويوضع في القبر على جنبه الأيمن ولا يكشف وجهه، ولا يوسد تحته بحجر ولا شيء من ذلك، وعند حثو التراب عليه يكون من قبل رأس الميت
- يعتقد البعض من الناس أن التراب الذي أخرج من القبر حال حفره لا بد من إعادته على القبر بعد الدفن؛ لأنه حق للميت، وهذا غير صحيح ولا أصل له
- يجوز أن يدفن أكثر من واحد في القبر الواحد، وإذا دفن اثنان فأكثر فإنه يجعل بين كل اثنين حاجزا من التراب ويقدم دفنا وفي اتجاه القبلة أكثرهم حفظا للقرآن والآخر يكون من خلفه
- لا مانع من وضع علامة على قبر الميت كوسم أو خشبة أو رخام أو ما شابه ذلك، وأما الكتابة عليه أو التلوين بألوان خاصة فإنه لا يصح فعله، كما يجب أن تسوى هذه القبور بتجنب بناء القباب عليها، لأنه منكر عظيم نهى عنه نبينا - صلى الله عليه وسلم -
- من انتحر أو قتل نفسه أو قتل غيره فإنه يغسل ويصلى عليه ويدعى له ويترحم عليه، حاله كحال أي ميت من أموات المسلمين لأنه يعد عاصيا فقط، تحت مشيئة الله
- لا يشرع أن يقول أهل الميت للناس عند الدفن حللوه؛ «لأن هذا يعد من البدع المستحدثة، كما لا يشرع أن يلقن الميت في قبره شيئا كما هو في أصح قولي العلماء، ولا يرفع الصوت بلا إله إلا الله عند حملها ولا عند دفنها، اللهم إلا الاستغفار والدعاء له بالذي ورد فيه نص عن رسول الله (ص)حيث قال: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» رواه أبو داود والحاكم والبزار فيقول: اللهم اغفر له وثبته على الحق، ولا تنس يا محب رحمة هذا الميت، أن تبادر إلى قضاء ديونه إن كان عليه شيء، فهو من أهم الأمور التي يجب الحرص عليها
- أجاز بعض أهل العلم للإنسان أن يصلي تطوعا عن والديه أو غيرهم من المسلمين لمن رغب ذلك، كما يجوز أن يتصدق عنه، ولا فرق بين الصلوات والصدقات والحج وغيرها من أعمال الخير، إلا أن هذا عمل غير مشروع ومعنى ذلك (أنه لا ينكر على فاعله إن فعله ولا أيضا أن يطلب منه فعله إن لم يفعله) ومن أراد أن يصلي على قبرين متقاربين فله ذلك لأنه يكفي الصلاة عليهما صلاة واحدة ما داما ما بين يدي المصلي
- ليس هناك دليل على تخصيص يوم لزيارة القبور كيوم العيد أو الجمعة وإن كان ذكر بعض أهل العلم ترغيب الزيارة يوم الجمعة لما فيها من ساعة إجابة، إلاأنه ليس لهم دليل على ذلك
- لا تزار القبور من أجل الاستغاثة أو التبرك، حتى ولو كان ذلك القبر قبر نبينا محمد (ص)وإنما الحكمة من زيارتها هو تذكر الآخرة، والدعاء لقوله (ص)«زوروا القبور فأنها تذكركم الآخرة» رواه مسلم
- لا يشترط لزيارة القبور طهارة، ومن زار ميتا فإنه يقف عند رأسه مستقبلا إياه، وليس شرطا أن ينصرف إلى القبلة، ويسلم على الميت ويدعو له، وليس للزيارة وقت محدد لا من الليل ولا من النهار، بل هي في كل وقت جائزة
- لا يصح أن نقول: فلان دفن في مثواه الأخير، لأن القبر ليس آخر المطاف، وإنما هو حياة البرزخ التي بعدها البعث والنشور والحساب
- ينبغي لمن دخل المقبرة أن يذكر الدعاء الوارد في ذلك ومنه قوله (ص)«السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» رواه مسلم وغيره، أو أن يقول «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر» رواه الترمذي، أو يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» فقد قال النبي (ص)«ما من مسلم يمر بقبر رجل مسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام» وليتذكر كل مسلم أن هؤلاء الموتى ينتظرون منه الدعاء في كل وقت وحين، إذ هو ما بقي لهم منا بعد عملهم الصالح
- وأخيرا تذكر أخي الحبيب أننا اليوم قد دخلنا وخرجنا من بين هذه القبور، وغدا سندخل ونبقى ولا نخرج، فالله الله أن نعد لهذا اليوم عدته بحسن العمل وحسن الظن بالله وصدق التوبة لله، سائلين الله العلي العظيم أن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين أجمعين، وأن ينور على أهل القبور قبورهم، وأن يجعلها روضة من رياض الجنة "
ومعظم ما ذكره الرجل ليس عليه دليل كوضع اليدين للميت على بطنه أو صدره بأى طريقة كما أن العمل للميت كالتصدق وغيره لا ينفع الميت بشىء فهو لا يرحم أى لا يدخل الجنة إلا بعمله هو كما قال تعالى:
" وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون"

الأحد، 2 يناير 2022

نقد كتاب إرشاد العباد في كشف مثالب الحسد والحساد

نقد كتاب إرشاد العباد في كشف مثالب الحسد والحساد
الكتاب تأليف علي محمد سليمان محيميد آل عسكر العبيدي وهو يبحث فى موضوع أَضرار الحسد وعيوبه وفى هذا قال :
"فهذه رسالة في بيان مضار الحسد على الفرد والمجتمع، وبيان مثالبه والتحذير منه، وكيفية علاجه وأسأل الباري - عز وجل - أن يعم نفعها، آمين"
والكتاب معظمه نقول لأشعار وأقوال عن الحسد وهو لا يناقش الحسد من خلال كتاب الله ولا من حيث الروايات إلا قليلا وقد استهله بنقل التالى من كتب التراث:
عن علي بن بشر المروزي قال: كتب إلي ابن المبارك هذه الأبيات:
كل العداوة قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد
فإن في القلب منها عقدة عقدت وليس يفتحها راق إلى الأبد
إلا الإله فإن يرحم تحل به وإن أباه فلا ترجوه من أحد"
والشعر هنا مخالف للقرآن فليس الحسد سحر معقود ولا يوجد شىء اسمه لا ينحل إلى الأبد بدليل أن بعض الكتابيين أسلموا رغم أنهم حسدوا المسلمين على إسلامهم ثم قال :
قال يزيد بن الحكم الثقفي:
تكاشرني كرها كأنك ناصح وعينك تبدى أن قلبك لي دوي
بدا منك عيب طالما قد كتمته كما كتمت داء ابنها أم مدوي
لسانك ماذي وقلبك علقم وشرك مبسوط وخيرك منطوي
تملات من غيظ علي فلم يزل بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تشتوي
وما برحت نفس حسود حشيتها تذيبك حتى قيل: هل أنت مكتوي
وقال النطاسيون إنك مشعر سلالا ألا بل أنت من حسد جوي
أراك إذا لم أهو أمرا هويته ولست لما أهوى من الأمر بالهوي
وكم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي
عدوك يخشى صولتي إن لقيته وأنت عدوي ليس ذاك بمستوي"
والشاعر هنا مؤمن بحسد العين وهو أمر لا وجود له لأن الحسد مجرد تمنى نفسى كما قال تعالى :
" عند أنفسهم"
ثم قال :
قال القائل:
طال على الحاسد أحزانه فاصفر من كثرة أحزانه
دعه فقد أشعلت في جوفه ما هاج من حر لنيرانه
العيب أشهى عنده لذة من لذة المال لخزانه
فارم على غاربه حبله تسلم من كثرة بهتانه"
والأبيات هى فى شرح نفسية الحاسد ولكنها ليست أمرا عاما فليس كل الحساد يحزنون بسبب بقاء الوضع كما هو عليه
وقد قام العبيدى بتعريف الحسد فقال :
"تعريف الحسد:
الحسد: هو ثوران النفس لغير الحق، وحقد دفين في الصدور، وغل كامن في دواخل النفس، ولؤم مستور في القلب، كلها سهام مصوبة نحو الكرم، والنبل، والشهامة، والفضيلة، التي تستحيل على الحاسد أن ينالها، أو يرقى إلى محاسنها، أو يتحلى ببعض صفاتها، والحسد انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمني زوالها، وسواء أتبع الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لإزالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيظ، أو وقف عند حد الانفعال النفسي، فإن شرا يمكن أن يعقب هذا الانفعال
وهو مرض في القلب خطير، ينشأ نتيجة تفاوت الناس وتفاضلهم في الأرزاق والأعمال والمناصب والجمال وغيرها، والحسد دائما يكثر بين الأقران من البشر، كالحسد بين التجار أنفسهم وبين أصحاب الأموال، وأصحاب الرياسات وبين طلبة العلم، وهو سبب من أسباب إثارة النفوس وانفعالها، فالذي يراقب الناس ويحسدهم على ما آتاهم الله من فضله ولم يرزقه الله من ذلك شيئا يتضجر ويغضب من حاله؛ لأن الحسد حبل قوي من حبال الشيطان، يدخل من خلاله إلى نفس الإنسان ويوسوس له؛ ليخرجه من هدوئه واستقراره إلى عالم الغضب والانفعال، ويجعل هذا الإنسان الغاضب يسلك تجاه المحسود سلوكا غير محمود العاقبة عليه وعلى المجتمع الذي يعيش فيه، والحسد مذموم مثل الجزع، الحسد خلق دنيء، ومن لؤمه ودناءته أنه يبدأ بالأقرب فالأقرب، من الأقارب والأكفاء والمعارف والخلطاء والإخوان
والحسد داء ينهك الجسد، ويفسد الود، علاجه عسر، وصاحبه ضجر، وهو باب غامض وأمر متعذر، وما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء"
وكل الكلام السابق هو كلام لا يفيد فى تعريف الحسد سوى قوله:
"والحسد انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمني زوالها" فقد صدق فى التعريف فهو أمر نفسى فقط وما يترتب عليه ليس حسدا وإنما معاصى غير المعصية الأساسية وهى الحسد
ثم نقل كلاما عن الجاحظ فى الموضوع قال فيه:
فال الجاحظ: "والحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، وحرب البيان؛ فقد ذم الله - تعالى - أهل الكتاب به فقال: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا عند أنفسهم}
منه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنتج كل وحشة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين الخلطاء، يكمن في الصدر كمون النار في الحجر"
والخطأ فى كلام الجاحظ كون الحسد سبب كل قطيعة فأسباب القطيعة متعددة منها أكل الحقوق المالية ومنها التمتع بمتع الدنيا ولو حساب الأخرين
وذكر الجاحظ ما يدور فى نفسية الحاسد فقال :
"ولو لم يدخل على الحاسد بعد تراكم الغموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه ووسواس ضميره، وتنغص عمره وكدر نفسه ونكد عيشه - إلا استصغاره نعمة الله عليه، وسخطه على سيده بما أفاد غيره، وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه، وأن لا يرزق أحدا سواه، وقال المهلب بن أبي صفرة: الحسد شهاب لا يبالي من أصاب، وعلى من وقع
والحسد تركيب لعله يحسد عليها؛ فهو لا يزول إلا بزوالها، ومن هذا قال معاوية : يمكنني أن أرضي الناس كلهم إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه منها إلا زوالها
والحسد لا يكون إلا عن فساد الطبع، واعوجاج التركيب، واضطراب السوس
والحسد أخو الكذب، يجريان في مضمار واحد؛ فهما أليفان لا يفترقان، وضجيعان لا يتباينان، والعداوة قد تخلو من الكذب؛ ألا ترى أن أولياء الله قد عادوا أعداء الله؛ إذ لم يستحلوا أن يكذبوا عليهم، والحسد لا يبرأ من البهت، وكيف يبرأ منه وهو عموده الذي عليه يعتمد، وأساسه به البناء يعقد؟! وأنشد:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها كذبا وزورا إنه لدميم
والحسد نار وقوده الروح، لا تخبو أبدا أو يفنى الوقود، والحسد لا يبلي المحسود أو الحاسد، والعداوة جمر يوقده الغضب، ويطفئه الرضا، فهو مؤمل الرجوع مرجو الإنابة، والحسد جوهر، والعداوة اكتساب"
ثم نقل كلاما أخر فقال :
"وقال بعضهم: الحسد أنثى؛ لأنه ذليل، والعداوة ذكر فحل؛ لأنها عزيزة"
وهو كلام كاذب فالذكورة والأنوثة ليست فى كلمات اللغة وتحدث الرجل ناقلا عن غيره كون الحسد أسوأ من العداوة فقال :
"قال الجاحظ: إن الحسد أخس وأغبن من العداوة، إن الملل كلها ذمته وعابته، ولا نعلم أن شاذا من الشواذ، وشاردا من الشراد، فضلا عن جيل من الأجيال - أمر بالحسد"
وقطعا الحسد هو من ضمن أسباب العداوة وليس أسوأ منها فهو يعتبر جزء من موضوع العداوة ونقل كلاما أخر فقال :
"والحسد شقيق اللؤم، فكل حاسد لئيم، الحقد مدفون في صدره، نار الغل مستعرة فيه، لا تخبو ولا تنطفئ، من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسن القول، سيئ الفعل، بعيد الغضب، قريب الحسد، حمولا للفحش، مجازيا بالحقد، متكلفا للجود، صغير الخطر، متوسعا فيما ليس له، ضيقا فيما يملك"
وهذا الكلام عن كون الحسد حقد دفين خطأ لأن الحاسد يحسد من يعرفه ومن لا يعرفه فيكفى أن يقال له أن عنده كذا وكذا فيتمنى زوال ذلك دون حتى أن يشاهد وجه المحسود
ثم نقل التالى من بطون الكتب:
"وحدثنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا عبدالرحمن عن عمه قال: سمعت رجلا يقول: الحسد ماحق الحسنات، والزهو جالب لمقت الله ومقت الصالحين، والعجب صارف عن الازدياد من العلم داع إلى التخمط والجهل، والبخل أذم الأخلاق وأجلبها لسوء الأحدوثة
وقال سليمان التيمي: الحسد يضعف اليقين، ويسهر العين، ويثير الهم، وكان يقال: لا يوجد الحر حريصا، ولا الكريم حسدا
وجاء في "العقد الفريد": قال بعض الحكماء: أجهد البلاء أن تظهر الخلة، وتطول المدة، وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقا موليا، وابن عم شامتا، وجارا حاسدا، ووليا قد تحول عدوا، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة، وعبدا يحقرك، وولدا ينتهرك، فانظر أين موضع جهدك في الهرب؟ قال الشاعر:
حسدوا النعمة لما ظهرت فرموها بأباطيل الكلم
وإذا ما الله أسدى نعمة لم يضرها قول أعداء النعم
وقيل: إذا سرك أن تسلم من الحاسد فعم عليه أمرك، وكانت عائشة تتمثل بهذين البيتين:
إذا ما الدهر جر على أناس حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
ولبعضهم:
إياك والحسد الذي هو آفة فتوقه وتوق غيرة من حسد
إن الحسود إذا أراك مودة بالقول فهو لك العدو المجتهد
وقال الحسن: أصول الشر ثلاثة وفروعه ستة، فالأصول الثلاثة: الحسد، والحرص، وحب الدنيا، والفروع الستة: حب النوم، وحب الشبع، وحب الراحة، وحب الرئاسة، وحب الثناء، وحب الفخر
وقال الحسن: يحسد أحدهم أخاه حتى يقع في سريرته وما يعرف علانيته، ويلومه على ما لا يعلمه منه، ويتعلم منه في الصداقة ما يعيره به إذا كانت العداوة، والله ما أرى هذا بمسلم
وقال بعض الحكماء: ما أمحق للإيمان، ولا أهتك للستر من الحسد؛ وذلك أن الحاسد معاند لحكم الله، باغ على عباده، عات على ربه، يعتد نعم الله نقما، ومزيده غيرا، وعدل قضائه حيفا، للناس حال وله حال، ليس يهدأ، ولا ينام جشعه، ولا ينفعه عيشه، محتقر لنعم الله عليه، متسخط ما جرت به أقداره، لا يبرد غليله، ولا تؤمن غوائله، إن سالمته وترك، وإن واصلته قطعك، وإن صرمته سبقك
وأنشد أبو موسى لنصر بن سيار:
إني نشات وحسادي ذوو عدد يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
إن يحسدوني على حسن البلاء بهم فمثل حسن بلائي جر لي حسدا
وقال آخر:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد
وقال حبيب الطائي:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
وما أجمل ما قال محمد بن مناذر:
يأيها العائبي وما بي من عيب ألا ترعوي وتزدجر
هل لك عندي وتر فتطلبه أم أنت مما أتيت معتذر
إن يك قسم الإله فضلني وأنت صلد ما فيك معتصر
فالحمد والشكر والثناء له وللحسود التراب والحجر
فما الذي يجتني جليسك أو يبدو له منك حين يختبر
اقرا لنا سورة تذكرنا فإن خير المواعظ السور
أو صف لنا الحكم في فرائضنا ما تستحق الأنثى أو الذكر
أو ارو فقها تحيى القلوب به جاء به عن نبينا الأثر
أو من أعاجيب جاهليتنا فإنها حكمة ومختبر
أو ارو عن فارس لنا مثلا فإن أمثالها لنا عبر
فإن تكن قد جهلت ذاك وذا ففيك للناظرين معتبر
فغن صوتا تشجى النفوس به وبعض ما قد أتيت يغتفر
وقيل لأبي عاصم النبيل: إن يحيى بن سعيد يحسدك وربما قرضك، فأنشأ يقول:
فلست بحي ولا ميت إذا لم تعاد ولم تحسد"
وكان المفترض بالرجل أن يجمع الأقوال فى جزئيات متعددة وليس أن يذكر ألقوال خلف بعضها دون رابط سوى كلمة الحسد
وتحدث عن حسد الأقارب فقال :
"محاسدة الأقارب:
كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا
وقال أكثم بن صيفي: تباعدوا في الدار، تقاربوا في المودة
وقالوا: أزهد الناس في عالم أهله
وقال فرج بن سلام: وقف أمية بن الأسكر على ابن عم له فقال:
نشدتك بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من لؤي بن غالب
فإنك قد جربتني فوجدتني أعينك في الجلى وأكفيك جانبي
وإن دب من قومي إليك عداوة xxxxبهم دبت إليهم xxxxبي
قال: أكذلك أنت؟ قال: نعم، قال: فما بال مئبرك لا يزال إلي دسيسا؟ قال: لا أعود، قال: قد رضيت، وعفا الله عما سلف، وقال يحيى بن سعيد: من أراد أن يبين عمله، ويظهر علمه، فليجلس في غير مجلس رهطه
وقال ذو الإصبع العدواني:
لي ابن عم على ما كان من خلق محاسد لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا فخالني دونه أو خلته دوني
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي ألا أحبكم إن لم تحبوني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
وقال آخر:
مهلا بني عمنا عن نحت أثلتنا سيروا رويدا كما كنتم تسيرونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
الله يعلم أنا لا نحبكم ولا نلومكم ألا تحبونا
وقال آخر:
ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ووصفت ما وصفوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعا وإذا المودة أقرب الأنساب
وقال حبيب أيضا:
ذو الود مني وذو القربى بمنزلة وإخوتي أسوة عندي وإخواني
عصاة جاورت آدابهم أدبي فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني"
وما نقله الرجل هو العداوة بين ألأقارب وليس التحاسد بينهم سوى قول ذو الإصبع العدوانى فقط
وحدثنا عن مضار الحسد فقال:
"مثالب الحسد:
وأما مثالب الحسد، فهي أكثر من أن تذكر، وأشهر من أن تسطر، ولكن ما لا يستطاع ذكر كله لا يترك بعضه"
وهذا القول هو قول باطل فكل شىء محدود ويقدر الناس على ذكره مرتبا ثم قال:
فاعلم - رحمك الله تعالى - أن أول معصية وقعت من الخلق الحسد؛ لما حسد إبليس آدم، ثم حسد قابيل هابيل، والحسد لا يكون إلا على نعمة"
وأول المعاصى ليس الحسد كما قال الرجل فلم يذكر الله فى القرآن فى القصة مع تعدد أماكنها فيه أن لإبليس حسد آدم(ص) وإنما ذكر تكبر لإبليس واعتقاده أن افضل من آدم(ص) بسبب مادة خلقه فقال:
" اخرج منها فما يكون لك أن تتكبر فيها"
وقال:
" أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين"
ثم حدثنا عن الغبطة حيث قال :
ومتى أنعم الله على عبد نعمة فأحب أحد أن يكون له مثلها من غير أن تزول عن المحسود، فذلك الحسد يسمى غبطة، ولا لوم فيه ولا ذم؛ عن النبي (ص)((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله حفظ القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه في وجوه البر آناء الليل وآناء النهار)) فهذا الحسد إنما هو في طاعة الله - عز وجل - وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم"
والحديث لا يصح لأن الحسد يكون على أمور متعدد منها الإسلام كما قال تعالى:
"ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم"
وما سماه الحديث حسدا ليس حسدا لأن الحسد كما هو معروف تمنى زوال النعمة والحديث لم يقل أن الحسد هو تمنى مثل النعمتين فى الحديث والحديث بذلك يبيح للمسلمين المحرم هو حسد بعضهم لاضاعة علمهم وأموالهم
ونقل لنا أقوالا فيما سماه الحسد المحمود فقال :
وقال بعض الأشراف:
احسد على نيل المكارم والعلى إذ لم تكن في حالة المحسود
حسد الفتى بالمكرمات لغيره كرم ولكن ليس بالمعدود
وإن أحب زوالها عن المحسود فهذا الحسد المذموم، وصاحبه الملوم الظلوم
ثم إن هذا الحاسد تارة يحب زوالها عن المحسود ومجيئها إليه، وهذا قبيح؛ لأنه إيثار في ضمنه اعتراض، وأقبح منه طلب زوالها عن المحسود، وحصولها إلى غيره، وأقبح منهما طلب زوالها مطلقا، فهذا عدو نعم الله - تعالى
وعن الأصمعي قال: العرب تقول: لا ثناء مع الكبر، ولا صديق لذي الحسد، ولا شرف لسيئ الأدب"
وما سبق من كلام عن وجود حسد محمود اعتمادا على الحديث يناقض النهى عن الحسد نهائيا فى الأحاديث التالية:
وفي الصحيحين عن أنس عن النبي (ص)أنه قال: ((لا تباغضوا ولا تقاطعوا، ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا))، وفي "صحيح ابن حبان": ((لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد))، ورواه البيهقي أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا
وروى الطبراني بسند رجاله ثقات عن ضمرة بن ثعلبة قال: قال رسول الله (ص)((لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا))
وروى البزار بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما عن الزبير أن رسول الله (ص)قال: ((دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين))"
ومن ثم لا يوجد حسد محمود لأن الله وصف الحسد بالشر فقال:
" من شر حاسد إذا حسد"
وحدثنا عن علاج الحسد فقال :
"معالجة داء الحسد:
فإن قيل: قد ذكرت من صريح الآثار وصحيح الأخبار ما ينفر عن الحسد ويبعد عنه كل أحد، لكن الحسد مرض باطني، فكيف السبيل إلى زواله؟
فالجواب: إن الآدمي قد جبل على حب الرفعة، فلا يحب أن يعلو عليه أحد في نعمة من نعم الدنيا، فإذا علا أحد عليه شق عليه وأحب زوال ما علا به ومعالجة ذلك تارة بالزهد في الدنيا، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فلا وجه للمنافسة فيها عند العقلاء، وتارة بالرضا بالقضاء؛ فإنك إن لم ترض لم تحصل إلا على الندم وفوات الثواب، وغضب رب الأرباب، فهما مصيبتان أو أكثر، وليس للعاقل حيلة في دفع القضاء فعليه بالرضا
ما لي على مر القضا من حيلة غير الرضا
أنا في الهوى عبد وما للعبد أن يتعرضا
وتارة في النظر فيما يتعلق بتلك النعم من الآفات، فإذا لم يعمل بمقتضى ما في النفس ولم ينطق، لم يضره ما وضع في الطبع فالحسد أولا يضر الحاسد في الدين والدنيا، ولا يستضر بذلك المحسود، فلا تؤذ نفسك
أما ضرره في الدين، فإن الحاسد قد سخط قضاء الله - تعالى - فكره نعمته على عباده، وهذا قذى في بصر الإيمان، ويكفيه أنه شارك إبليس في الحسد وفارق الأنبياء في حبهم الخير لكل أحد
وقال عبدالله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله، فقيل له: ومن يعادي نعم الله؟! قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ثم إن الحسد يحمل على إطلاق اللسان في المحسود بالشتم والتحايل على أذاه
وأما ضرره في الدنيا، فإن الحاسد يتألم ولا يزال في كمد، وأنشدوا:
دع الحسود وما يلقاه من كمده كفاك منه لهيب النار في جسده
إن لمت ذا حسد نفست كربته وإن سكت فقد عذبته بيده
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد؛ حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي
وقد قال معاوية : ليس في خصال الشر أعدل من الحسد، يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود
وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتم في وقت سرورك
وقيل في منثور الحكم: عقوبة الحاسد من نفسه
وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك! قال: تركت الحسد فبقيت
فإن قيل: هل للحاسد دواء؟ فالجواب: قل أن ينجع فيه دواء؛ لأنه جهول ظلوم، وليس يشفي علة صدره ويزيل حزازة الحسد من قلبه إلا زوال النعمة، فحينئذ يتعذر الدواء أو يعز
ومن هذا قول بعضهم وأحسن:
وكل أداويه على قدر دائه سوى حاسدي فهي التي لا أنالها
وكيف يداوي المرء حاسد نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
نعم، إن كان الحاسد ذا فهم فدواؤه أن يقمع أسباب الحسد من الباطن؛ فإن سببها في الغالب الكبر وعزة النفس، ثم يتكلف مدح المحسود والتواضع له والهدية إليه
ثم اعلم أنك إنما تحسد إخوانك على الدنيا وحطامها، وأما قوام الليل وصوام النهار فلا أراك تحسدهم"
وهذا الكلام عن علاج الحسد كلام باطل فلا يزيل الحسد من الإنسان إلا نفسه بالانتهاء عن حسد الناس
ثم تحدث عن التعوذ من الحسد فقال :
"التعوذ من السحر والعين والحسد:
إن من الأدواء الفتاكة والشر العظيم ما يكون في الإنسان من مرض بسبب السحر أو العين أو الحسد، والسحر له تأثير بالغ في المسحور، فقد يمرض وقد يقتل، وهكذا الشأن في عين الحاسد إذا تكيفت نفسه بالخبث، واستجمع في قلبه الشر، فإنه يضر بالمحسود، فربما أمرضه وربما قتله، فالسحر له حقيقة وتأثير، والحسد له حقيقة وتأثير
وإن من نعمة الله على عبده المؤمن أن هيأ له أسبابا مباركة وأمورا نافعة، يندفع بها عنه شر هؤلاء، ويزول بها عنه ضررهم والبلاء النازل به بسببهم، قال ابن السماك: أنزل الله - تعالى - سورة جعلها عوذة لخلقه من صنوف الشر، فلما انتهى إلى الحسد، جعله خاتما إذ لم يكن بعده في الشر نهاية
وقد أجمل العلامة ابن القيم ذلك في عشرة أسباب عظيمة، إذا قام بها العبد وطبقها، زال عنه شر الحاسد والعائن والساحر
السبب الأول: التعوذ بالله من شره والتحصن به واللجوء إليه؛ كما قال - تعالى -: {قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد}
والله - تعالى - سميع لمن استعاذ به، عليم بما يستعيذ منه، قادر على كل شيء، وهو وحده المستعاذ به، لا يستعاذ بأحد من خلقه، ولا يلجأ إلى أحد سواه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين ويعصمهم ويحميهم من شر ما استعاذوا من شره
وحقيقة الاستعاذة: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك ويحميك منه، ولا حافظ للعبد ولا معيذ له إلا الله، وهو - سبحانه - حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير المستجير، وهو نعم المولى ونعم النصير
وقوله: {من شر ما خلق}؛ أي: من شر جميع المخلوقات، وقال ثابت البناني، والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته مما خلق، ذكره ابن كثير في "تفسيره"
وفي الحديث: أن جبريل جاء إلى رسول الله (ص)فقال: اشتكيت يا محمد؟ فقال: ((نعم))، فقال: بسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك؛ رواه مسلم
السبب الثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه، فمن اتقى الله تولى حفظه ولم يكله إلى غيره؛ قال - تعالى -: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} وقال النبي (ص)لعبدالله بن عباس ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك))، فمن حفظ الله حفظه الله، ووجده أمامه أينما توجه، ومن كان الله حافظه وأمامه، فممن يخاف؟! وممن يحذر؟!
السبب الثالث: الصبر على عدوه وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا، فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه، وكلما زاد بغي الحاسد كان بغيه جندا وقوة للمبغى عليه، يقاتل بها الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهم يرميه من نفسه إلى نفسه؛ {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} فإذا صبر المحسود ولم يستطل الأمر، نال حسن العاقبة، بإذن الله
وقال عبدالله بن المعتز
اصبر على كيد الحسو د فإن صبرك قاتله
فالنار تاكل بعضها إن لم تجد ما تاكله
وحقيقة الحسد: شدة الأسى على الخيرات تكون للناس الأفاضل، وهو غير المنافسة، وربما غلط قوم فظنوا أن المنافسة في الخير هي الحسد، وليس الأمر على ما ظنوا؛ لأن المنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم، والحسد مصروف إلى الضرر؛ لأن غايته أن يعدم الأفاضل فضلهم، من غير أن يصير الفضل له، فهذا الفرق بين المنافسة والحسد
فالمنافسة إذا فضيلة؛ لأنها داعية إلى اكتساب الفضائل والاقتداء بأخيار الأفاضل
السبب الرابع: التوكل على الله، فمن يتوكل على الله فهو حسبه، والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، ومن كان الله كافيه فلا مطمع فيه لعدو، ولو توكل العبد على الله حق توكله، ولو كادت له السموات والأرض ومن فيهن، لجعل له مخرجا من ذلك، وكفاه ونصره
السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه، بل انعزل عنه، لم يقدر عليه، فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه، حصل الشر، وهكذا الأرواح سواء، فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى، عدم القرار ودام الشر حتى يهلك أحدهما، فإذا جذب روحه عنه وصانها عن الفكر فيه والتعلق به، وأخذ يشغل باله بما هو أنفع له - بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضا، فإن الحسد كالنار، إذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضا
السبب السادس: الإقبال على الله والإخلاص له، وجعل محبته ونيل رضاه والإنابة إليه في كل خواطر نفسه وأمانيها، تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئا فشيئا حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب والتقرب إليه وذكره والثناء عليه؛ قال - تعالى - عن عدوه إبليس أنه قال: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} فالمخلص بمثابة من آوى إلى حصن حصين، لا خوف على من تحصن به، ولا ضيعة على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو منه
السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه؛ فإن الله - تعالى - يقول: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب، يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره
وفي الدعاء المشهور: ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم))؛ رواه البخاري في "الأدب المفرد"، فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه، فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب، وليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، فإذا عوفي من الذنوب عوفي من موجباتها، فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح من الذنوب التي كانت سببا لتسلط عدوه عليه
السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه، فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة، والصدقة والإحسان من شكر النعمة، والشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها
السبب التاسع: أن يطفئ نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا، ازددت إليه إحسانا، وله نصيحة، وعليه شفقة؛ قال الله - تعالى -: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} "
وما سبق من كلام عن التعوذ الكلامى لا يفيد الحسود بشىء لأن معنى التعوذ هو الاحتماء بطاعة أحكام الله فى الموضوع فالحاسد ينهى نفسه عن تمنى زوال نعمة الله على غيره ولا يعمل على زالها
وأما كلمة أعوذ بالله من الحسد فلا تحمى سواء قالها الحاسد أو المحسود
وانتهى الرجل فى خاتمة الحديث إلى النهى عن الحسد فقال :
"الخاتمة
لا تكن حسودا:
ليكن مما تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك ألا تكون حسودا؛ فإن الحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب والأكفاء والمعارف، والخلطاء والإخوان، فليكن ما تعامل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون مع من هو خير منك، وأن غنما حسنا لك أن يكون عشيرك وخليطك أفضل منك في العلم، فتقتبس من علمه، وأفضل منك في القوة فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في المال فتفيد من ماله، وأفضل منك في الجاه فتصيب حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين فتزداد صلاحا بصلاحه
...فالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قدر عليه أحرص منه على تربيته، ولا يجد لإماتته دواء أنفع من البعاد؛ فإن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضد الرضا بالقضاء؛ كما قال العتبي:
أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى = لنفسي جرما غير أنك حاسد فإن الحسد عقوبة موجبة للحاسد بما يناله منه ويشينه؛ من عصيان ربه، واستصغار نعمته، والسخط لقدره، مع الكرب اللازم والحزن الدائم، والتنفس صعدا، والتشاغل بما لا يدرك ولا يحصى
....وذكر الباري - جل جلاله - في كتابه أهل الجنة، وما من به عليهم من السرور والكرامة عندما دخلوها وبوأها لهم فقال: {إن المتقين في جنات وعيون * ادخلوها بسلام آمنين * ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين}
فما أنزلهم دار كرامته إلا بعد ما نزع الغل والحسد من قلوبهم، فتهنوا بالجنة، ..وما أرى السلامة إلا في قطع الحاسد، ولا السرور إلا في افتقاد وجهه، ولا الراحة إلا في الإعراض عن مداراته، ولا الربح إلا في ترك مصافاته، فإذا فعلت ذلك، فكل هنيا مريا، ونم رضيا، وعش في السرور مليا"

السبت، 1 يناير 2022

قراءة فى كتاب البلاء في حسن المؤمن

قراءة فى كتاب البلاء في حسن المؤمن
المؤلف علي بن صالح العايد والكتاب يدور حول ابتلاء المسلم وقد استهل الكتاب بالحديث عن الابتلاء بالضرر وهو الشر فقال :
" الحمد لله القائل: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} والصلاة والسلام على رسول الله الذي ابتلي بأنواع من البلاء فصبر وشكر، وعلى آله وصحابته المبتلين الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
* فلا يخفي على أحد أن الحياة الدنيا مليئة بالمصائب والبلاء، وأن كل مؤمن ومؤمنة عرضة لكثير منها؛ فمرة يبتلى بنفسه، ومرة يبتلى بماله، ومرة يبتلى بحبيبه، وهكذا تقلب عليه الأقدار من لدن حكيم عليم، وإذا لم يحمل المؤمن النظرة الصحيحة للبلاء فسوف يكون زلله أكبر من صوابه، ولاسيما أن بعض المصائب تطيش منها العقول لضخامتها وفجاءتها، عياذا بالله."
وقطعا هذا الكلام يغفل النصف الأخر من البلاء وهو الابتلاء بالخير وهو النعم كما قال تعالى:
"ونبلوكم بالشر والخير فتنة"
وبين سبب ـأليف الكالب وهو الرسالة وهو تسلية أهل البلاء الشرى فقال "ومن هنا كانت كتابة هذه الرسالة لتسلية كل مصاب مهما بلغ مصابه، أبين له من خلالها بعض حكم البلاء العظيمة التي ربما غفل عنها بعض الناس - هداهم الله - ونسوا أو تناسوا أن الله لا يبتلينا ليعذبنا، بل ليرحمنا، وأن على المؤمن أن ينظر إلى البلاء - سواء كان فقدانا للمال أو الصحة أو الأحبة - من خلال نصوص الكتاب والسنة على أنه امتحان وابتلاء"
وكما سبق القول هو تناسى الجانب الأخر من البلاء وهو الابتلاء وهو الخير ومن ثم فالكتاب يبحث فى مسألة الضررفيقول:
"أولا: امتحان وابتلاء:
* نعم امتحان وابتلاء، فنحن في قاعة امتحان كبيرة - نمتحن فيها كل يوم - تدعى الحياة، فكل ما فيها امتحان وابتلاء؛ المال فيها امتحان، والزوجة والأولاد امتحان، والغنى والفقر امتحان، والصحة والمرض امتحان، وكلنا ممتحن في كل ما نملك وفي كل ما يعترينا في هذه الحياة حتى نلقى الله، قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} وقال جل ذكره: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}
* فأنت أيها المعافى ممتحن، ولكن ما أحسست أنك في قاعة امتحان حتى ابتليت، وأنت أيها المريض ممتحن، ولكن ما أحسست أنك في قاعة امتحان حتى شفيت"
ونلاحظ التركيو على جانب المصائب وهو امتحان كما أن جانب النعم هو امتحان والغرض هو أن ينظر أينا أحسن عملا فالمطلوب فى جانب الضرر هو طاعة الله بالصبر والمطلوب فى جانب الخير هو طاعة الله باستخدام النعم فيما قال الله
وحدثنا عن كون ألنبياء هم أكبر الممتحنين بالشر فقال :
" وليس فينا من هو أكبر من أن يمتحن، وكيف لا؟! وفي الحديث الصحيح: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ... » [رواه البخاري]، كما أنه ليس فينا من يملك رفض هذا الامتحان، ولكن فينا من يمتحن بالبلاء فينجح بالصبر والإيمان والاحتساب، وفينا من يمتحن بالبلاء فيرسب بالجزع والاعتراض على الله، عياذا بالله.
* ورحم الله الفضيل بن عياض حين قال: الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه."
وقطعا الله لا يبتلى الناس سواء بالخير أو بالشر إلا عن طريق عدله الذى لا يظهر لنا فكم الضرر ومراتع وكم الخير ومراته لا أحد يعدها أو يحصيها ولكنه سبحانه عدل ومن ثم يجب أن نوقن أن كم الضرر والنفع وعدد مراتهم معمول فيه بالعدل الإلهى فهو يعطى الكل نفس الفرص
وحدثنا عن كون ابلاء بالضرر قسمة وقدر فقال :
"ثانيا: قسمة وقدر:
* إن الله تعالى قسم بين الناس معايشهم وآجالهم، قال تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} فالرزق مقسوم، والمرض مقسوم، والعافية مقسومة، وكل شيء في هذه الحياة مقسوم، فارض بما قسم الله لك يا عبد الله، ولا تجزع للمرض، ولا تكره القدر، ولا تسب الدهر، فإن الدقائق والثواني والأنفاس كلها بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء، فيمرض من يشاء، ويعافي من يشاء، ويبتلي من يشاء
{ألا له الخلق والأمر} بلى سبحانه وتعالى.
* وما دام الأمر كذلك، فسلم أمرك لله أيها المبتلى، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن من يريد أن تكون الحياة على حال واحدة، فكأنما يريد أن يكون قضاء الله تعالى وفق هواه وما يشتهيه، وهيهات هيهات.
يا صاحب الهم إن الهم منفرج ... أبشر بخير فإن الفارج الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسن فإن الكافي الله
الله يحدث بعد العسر ميسرة ... لا تجزعن فإن القاسم الله
إذا بليت فثق بالله وارض به ... إن الذي يكشف البلوى هو الله
والله ما لك غير الله من أحد ... فحسبك الله في كل لك الله"
وأما كون الابتلاء قدر فلا شك فيها ,أما قسمة الرزق فيجب أن نفرق بين القسمة الإلهية الواردة فى نصوص الوحى والتى تعدل بين الكل وبين قسمة البشر خاصة الحكام الذين لا يعملون بحكم الله قيوزعون على هواهم قلة وكثرة وعلماء السلطان هم من يقولون أن تقسيم البشر للرزق هو تقسيم الله ولكنه ليس كذلك لأن النصوص فى الوحى تدل على غير ذلك فالمال مطلوب أن يوزع على الكل بالعدل حتى لا يكون دولة بين الأغنياء فقط مع حرمان الباقى كما قال تعالى" كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم"
وبين الرجل أن الابتلاء بالضرر خير وهو قطعا ليس خيرا لأن الله سماه شرا ولكن الخير هو فى صبر المسلم عن طريق طاعته لأحكام الله وقت الضرر كما قال تعالى :
" والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس" وقد قال العايد:
"ثالثا: خير ونعمة بشرط:
* وأيا كانت هذه القسمة وهذا الامتحان فهو خير للمؤمن، وليس لأحد غيره، ولكن بشرط الشكر على النعماء، والصبر على البلاء، وفي الحديث الصحيح: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» [رواه مسلم].
* وما أصدق الشاعر إذ يقول:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
* وأجمل من ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} وقوله: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}
* لذا فاعلم يا عبد الله أنه إنما ابتلاك الذي أنعم عليك، وأخذ منك الذي أغدق عليك، وليس كل ما تكرهه نفسك فهو مكروه على الحقيقة، ولا كل ما تهواه نفسك فهو نافع محبوب، والله يعلم وأنت لا تعلم
لئن كان بعض الصبر مرا مذاقه
فقد يجتنى من بعده الثمر الحلو
* يقول بعض السلف: إذا نزلت بك مصيبة فصبرت، كانت مصيبتك واحدة، وإن نزلت بك ولم تصبر، فقد أصبت بمصيبتين؛ فقدان المحبوب، وفقدان الثواب ومصداق ذلك من كتاب الله عز وجل قوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين}
كن في أمورك معرضا ... وكل الأمور إلى القضا
وأبشر بخير عاجل ... تنسى به ما قد مضى
فلرب أمر مسخط ... لك في عواقبه الرضا"
والعايد هنا لا يفرق بين الكراهية للشىء الذى ينتج منه خير وبين الضرر فالمكروه كالزوجة ليست ضررا تاما وإنما فيها خير وشر وكذلك القتال ففيه خير وشر أيضا فخيره امتناع الكفار عن الاعتداء على المسلمين والاستيلاء على الغنائم وضرر استشهاد المجاهدين وجرحهم ودمار البيوت وغيرها
وتحدث عن كون البلاء تمحيص وتكفير فقال :
"رابعا: محطة تمحيص وتكفير:
* نعم، الابتلاء محطة نتوقف فيها برهة من الزمن، فإذا بأدران الذنوب والمعاصي تتحات منا كما يتحات ورق الشجر؛ إذ المؤمن يثاب على كل ضربة عرق، وصداع رأس، ووجع ضرس، وعلى الهم والغم والأذى، وعلى النصب والوصب يصيبه، بل وحتى الشوكة يشاكها، وفي الحديث: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب - وهما المرض والتعب - ولا هم ولا حزن، ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» [متفق عليه].
* فالأجر ثابت يا عبد الله على كل ألم نفسي أو حسي يشعر به المؤمن إذا صبر واحتسب، فقد جاء في كتب السنة أن النبي (ص) دخل على أم السائب - رضي الله عنها - فقال لها: «ما لك تزفزفين؟» قالت: الحمى، لا بارك الله فيها! فقال: «لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد» [رواه مسلم]، وفي الحديث عن النبي (ص) أنه قال: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله تعالى به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» [متفق عليه]، فهنيئا للصابرين المحتسبين."
والحديث لا يصح هنا فسب المريض للمرض ليس ذنبا فقد وصفه أيوب (ص) بالنصب والعذاب كما أن المريض لا يعاقب على هذا السب والتوجع كما قال تعالى "

" ولا على المريض حرج"
فقد رفع الحرج وهو العقاب أو الذنب على المريض إذا ارتكبه لأنه فى حالة غير صحية ومن ثم أعطاه الله حقوقا فى تلك الحالة
وحدثنا عن ىثواب الابتلاء بكونه زيادة الدرجات فى الجنات فقال :
خامسا: رفعة للدرجات وتبوؤ لمنازل الجنات:
* إن البلاء يعتري المسلم فيمحو منه - بإذن الله - أدران الذنوب والمعاصي إن كان مذنبا مخطئا، وكل ابن آدم خطاء كما مر معك، وإن لم يكن كذلك فإن البلاء يرفع درجاته ويبوؤه أعلى المنازل في الجنة، وقد جاء في الحديث أن الله عز وجل يقول لملائكته إذا قبضوا روح ولد عبده: «قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع،فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد» [رواه أحمد وحسنه الألباني]، ويقول سبحانه في الحديث القدسي: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» [رواه البخاري].
* بل ترفع درجات المؤمن حينما يبتلى بما هو أقل من ذلك، ففي الحديث أن النبي (ص) قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة» [رواه مسلم].
* إذا هي درجة تلو درجة ليبلغه الله منزلته في الجنة، والتي يكون تبليغه إياها بفضل الله، ثم بفضل صبره على البلاء، والله عز وجل يقول: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}
عطيته إذا أعطى سرور ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا
فأي النعمتين أعم فضلا ... وأحمد في عواقبها إيابا
أنعمته التي أهدت سرورا ... أم الأخرى التي أهدت ثوابا
بل الأخرى وإن نزلت بكره ... أحق بشكر من صبر احتسابا"
والحديث ألأول لا يصح فالمسلم لا يبنى له بيت يسمى بيت الحمد فى الجنة لأن الله يعطى كل مسلم قصور أى غرف على الأعمال كلها وليس على الحمد وحده كما قال تعالى:
" وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون"
والحديث الثالث عن إعطاء درجةفى الجنة بكل شوكة أو وجع لا يصح والخطأ هو أن يقرر وجود درجات كثيرة فى الجنة بينما هما درجتين كما قال تعالى :
" فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة"
وقال :
" ومن دونهما جنتان"
وحدثنا عن كون البلاء علامة حب ورأفة فقال :
"سادسا: علامة حب ورأفة:
* إن المصائب والبلاء امتحان للعبد، وهي علامة حب من الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنه وإن كان مرا إلا أنك تقدمه على مرارته لمن تحب، ولله المثل الأعلى، ففي الحديث الصحيح: «إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله عز وجل إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» [رواه الترمذي وصححه الألباني].
* يقول ابن القيم: إن ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه لأهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به إلى تمام الأجر وعلو المنزلة ... إلى آخر ما قال.
* ولا شك - أخي الحبيب - أن نزول البلاء خير للمؤمن من أن يدخر له العقاب في الآخرة، وكيف لا، وفيه ترفع درجاته وتكفر سيئاته!
يقول المصطفى (ص): «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة» [رواه الترمذي وصححه الألباني]، وبين أهل العلم أن الذي يمسك عنه هو المنافق، فإن الله يمسك عنه في الدنيا ليوافيه بكامل ذنبه يوم القيامة، عياذا بالله."
والكلام السابق الخطأ الأساسى فيه هو أن البلاء حب فلو كان الأمر كذلك فإن الله يحب كل الناس كفارا ومسلمين لأنه يبتلى الكل كما قال:
"ونبلوكم بالشر والخبير فتنة"
ولو كان الجزاء على قدر البلاء الضار فمعنى هذا أن الكفار سيكونون فى الجنة لأن هلاكهم بأنواع العذاب المختلفة هو أعظم ضررا يمكن أن يبتلى به إنسان ومن ثم يكونون فى الجنة ومن ثم لا تصح الرواية التى استشهد بها العايد لأن المحبوب والمكروه مبتلى كما قال تعالى :
" لنبلوهم أيهم أحسن عملا"
وحدثنا عن اتخاذ الدروس والعبر من البلاء فقال:
"سابعا: دروس وذكرى:
* في البلاء دروس لا يمكن أن نأخذها من غيره أبدا، وهي من حكم البلاء، ومن أهمها ما يلي:
* الدرس الأول: أن البلاء - أخي المسلم - درس من دروس التوحيد والإيمان والتوكل، يطلعك عمليا على حقيقة نفسك؛ لتعلم أنك عبد ضعيف لا حول لك ولا قوة إلا بربك، فتتوكل عليه حق التوكل، وتلجأ إليه حق اللجوء، حينها يسقط الجاه والتيه والخيلاء، والعجب والغرور والغفلة، وتفهم أنك مسكين يلوذ بمولاه، وضعيف يلجأ إلى القوي العزيز سبحانه.
* الدرس الثاني: أن البلاء يكشف لك حقيقة الدنيا وزيفها وأنها متاع الغرور، وأن الحياة الصحيحة الكاملة وراء هذه الدنيا، في حياة لا مرض فيها ولا تعب، {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} أما هذه الدنيا فنكد وجهد وكبد، {لقد خلقنا الإنسان في كبد *} فهذا شان الدنيا، فبينما هي مقبلة إذا بها مدبرة، وبينما هي ضاحكة إذا بها عابسة، فما أسرع العبوس من ابتسامتها، وما أسرع القطع من وصلها، وما أسرع البلاء من نعمائها.
* فهذه طبيعتها، ولكنك تنسى - أخي الحبيب - فيأتي البلاء فيذكرك بحقيقتها؛ لتستعد للآخرة، ويقول لك:
فاعمل لدار غدا رضوان خازنها
الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك تربتها
والزعفران حشيش نابت فيها
* الدرس الثالث: أن البلاء يذكرك بفضل نعمة الله عليك بالعافية، فإن هذه المصيبة تشرح لك بأبلغ بيان وأصرح برهان معنى العافية التي كنت تتمتع بها سنين طويلة، ولم تتذوق حلاوتها ولم تقدرها حق قدرها، وصدق من قال: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى. ومن غير المبتلى يعرف أن الدنيا كلمة ليس لها معنى إلا العافية؟
* الدرس الرابع: أن البلاء يذكرنا، فلا نفرح فرحا يطغينا، ولا نأسى أسى يفنينا، فإن الله عز وجل يقول: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور}
* الدرس الخامس: أن البلاء يذكرك بعيوب نفسك لتتوب منها، والله عز وجل يقول: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا}
فالبلاء فرصة للتوبة قبل أن يحل العذاب الأكبر، فإن الله تعالى يقول: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} والعذاب الأدنى هو نكد الدنيا ونغصها.
* الدرس السادس: أن البلاء درس تربوي عملي يربينا على الصبر، وما أحوجنا إلى الصبر في كل شيء، فلن نستطيع الثبات على الحق إلا بالصبر على طاعة الله، ولن نستطيع البعد عن الباطل إلا بالصبر عن معصية الله، ولن نستطيع السير في مناحي الحياة إلا بالصبر على أقدار الله المؤلمة، وما أجمل الصبر في ذلك كله، فهو زادنا إلى جنة الخلد والرضوان، قال سبحانه وتعالى: {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم}
* وختاما لهذه الدروس: أظنك - أخي الحبيب - توافقني الرأي بأن هذه الدروس الستة لا يمكن أن نأخذها من غير بلاء؛ إذ هي من قبل أن نصاب بالبلاء لا تعدو أن تكون حبرا على ورق، أو كلاما نظريا يطير به الهوى، فإذا نزل بنا البلاء واجتزناه بنجاح صارت واقعا عمليا نعيشه، وهذا من حكم البلاء."
وما قاله العايد ليس فيه أى دروس فالبلاء بالضرر أوله وأخره للمسلم هو أن يتحمل الضرر مطيعا أحكام الله فى وقت الضرر وإنما العبر تتخذ من الغير وما حدث له وأما النفس فلا عبرة منها
وحكى العايد حكايات عن الصبر على البلاء بالضرر فقال:
قصص وعبر:
"* لما فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين الحكمة الشرعية للبلاء، كانوا أفضل منا حالا معه، وضربوا لنا أروع المثل في الصبر والعزاء والاحتساب، وإليك أمثلة على ذلك:
1 - يروى عن عمر الفاروق - رضي الله عنه - أنه كان يكثر من حمد الله على البلاء، فلما سئل عن ذلك قال: ما أصبت ببلاء إلا كان لله علي فيه أربع نعم: أنه لم يكن في ديني، وأنه لم يكن أكبر منه، وأني لم أحرم الرضا والصبر، وأني أرجو ثواب الله تعالى عليه.
2 - أصيب عروة بن الزبير في قدمه، فقرر الأطباء قطعها، فقطعت، فما زاد على أن قال: اللهم لك الحمد، فإن أخذت فقد أبقيت، وإن ابتليت فقد عافيت. فلما كان من الغد ركلت بغلة ابنه محمدا - وهو أحب أبنائه إليه، وكان شابا يافعا - فمات من حينه، فجاءه الخبر بموته، فما زاد على أن قال مثل ما قال في الأولى، فلما سئل عن ذلك قال: كان لي أربعة أطراف فأخذ الله مني طرفا وأبقى لي ثلاثة، وكان لي سبعة من الولد فأخذ الله واحدا وأبقى لي ستة، وعافاني فيما مضى من حياتي ثم ابتلاني اليوم بما ترون؛ أفلا أحمده على ذلك؟!هكذا كانوا رضي الله عنهم أجمعين، وألحقنا بهم في فسيح جناته، فهلا تشبهنا بهم؟!
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح"
وفى النهاية نصح العايد كل مسلم فقال :
"وختاما أخي الحبيب: لا تنس:
* لا تنس أن تبحث في البلاء عن الأجر، ولا سبيل إليه إلا بالصبر، ولا سبيل إلى الصبر إلا بعزيمة إيمانية وإرادة قوية.
* ولا تنس ذكر الله تعالى شكرا على العطاء، وصبرا على البلاء، وليكن ذلك إخلاصا وخفية بينك وبين ربك.
* ولا تنس أن الله تعالى يراك، ويعلم ما بك، وأنه أرحم بك من نفسك ومن الناس أجمعين، فلا تشكون إلا إليه، واعلم بأنك:
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم"
هناك لبس فى حكاية الشكوى إلى الله فاشتكاء المرض مثلا للطبيب أو للغير مباح وهو من ضمن الشكوى إلى الله لأمر الله لنا بالتداوى وأن يواسى بعضنا بعضا فهو من ضمن قوله تعالى:
"وتعانوا على البر والتقوى" ثم قال:
" ولا تنس إذا أصبت بأمر عارض أن تحمد الله أنك لم تصب بعرض أشد منه، وأنه وإن ابتلاك فقد عافاك، وإن أخذ منك فقد أعطاك.
* ولا تنس أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن عظم الجزاء من عظم البلاء، وأن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبر واحتسب، ودع الجزع فإنه لن يفيدك شيئا، وإنما سيضاعف مصيبتك، ويفوت عليك الأجر، ويعرضك للإثم.
* ولا تنس أنه مهما بلغ مصابك فلن يبلغ مصاب الأمة جمعاء بفقد حبيبها (ص)، فتعز بذلك، فقد قال (ص): «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب» [رواه البيهقي وصححه الألباني].
* ولا تنس إذا أصابتك أي مصيبة أن تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها. فإنك إن قلت ذلك أجارك الله في مصيبتك، وخلفها عليك بخير.
* ولا تنس أن لا تيأس من روح الله مهما بلغ بك البلاء، فإن الله سبحانه يقول: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} ولن يغلب عسر يسرين كما قال عمر الفاروق ، ثم حذار أن تنسى فضل الله عليك إذا عادت إليك العافية، فتكون ممن قال الله عنه: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل}
* ثم لا تنس أن البلاء يذكرك بساعة آتية لا مفر منها، وأجل قريب لا ريب فيه، وأن الحياة الدنيا ليست دار مقر، فاعمل لآخرتك؛ لتجد الحياة التي لا منغص لها.
وقبل الوداع أذكرك وأبشرك بما بدأت به، وهو قول الحق جل وعلا: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} "