الجمعة، 3 ديسمبر 2021

نقد كتاب التولي يوم الزحف

نقد كتاب التولي يوم الزحف
يبدو أن الكتاب كان لقاء فى مسجد أو قاعة أو قناة تلفزيونية وتم تحويله إلى كتاب وفى المقدمة أشار الملقى إلى أنه تناول خمس من السبع الموبقات وأن هذه الحلقة السابعة وفى هذا قال :
"أحبتي في الله
هذا هو لقاءنا السابع مع السبع الموبقات التي حذر منها النبي (ص) ( في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) ( قال:
(( اجتنبوا السبع الموبقات )) قالوا : يا رسول الله(ص) وما هن ؟
قال (( الشرك بالله ، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ))"
والحديث لا يصح فالموبقات وهى الجرائم أو الكبائر كثيرة لا تقتصر على المذكور فى الحديث فمثلا الفتنة وهى عندى طرد الإنسان من بيته أكبر من القتل كما تعالى:
"والفتنة أكبر من القتل"
غير مذكورة فى الرواية زد على هذا أن الشرك هو الشامل لكل الذنوب وليس واحد منها
واستهل الحلقة بالتعريف اللغوى للتولى يوم الزحف فقال:
" الكبيرة السادسة ألا وهي التولي يوم الزحف والتولي كما قال ابن منظور في لسان العرب في مادة ولى
أولا : المعنى اللغوي لقوله ( والتولي يوم الزحف
قال ابن منظور في لسان العرب في مادة ولى ولى الشيء ، وتولى أي أدبر ، ودنى عنه أي أعرض عنه ، وقد تكون التولية إقبالا كما في قوله تعالى : {فول وجهك شطر المسجد الحرام} أي أقبل بوجهك نحوه وقد تكون التولية إعراضا وانصرافا ، وإدبارا كما في قوله تعالى :
{ثم وليتم مدبرين }
فالتولي يوم الزحف هو الإعراض والإدبار والفرار أمام العدو في ساحة الجهاد
جاء في لسان العرب لابن منظور في مادة ولى وزحف إن التولي : هو الإدبار والإعراض والانصراف
والزحف هو الشيء رويدا أي ببطء فالجيش الزاحف هو الذي يرى كثرته كأنه يزحف ويمشي ببطء لأنه يتحرك ككتلة واحدة وكجسم واحد
وعليه فالتولي يوم الزحف : هو الإعراض والانصراف والإدبار والفرار أمام العدو من أرض المعركة "
تعريف المؤلف للتولى عن الزحف الإعراض والانصراف والإدبار والفرار أمام العدو من أرض المعركة ليس تعريفا سليما فبعض الخطط الحربية تطلب من بعض الوحدات الانسحاب وهو الفرار من العدو للالتفاف حول العدو ومن ثم فليس كل فرار تولى وإنما التولى :
هو ترك الفرد مهمته الموكولة له فى المعركة بقصد الحفاظ على حياته
وأما مثلا من ترك المكان القتالى بهدف العودة له سواء بع قليل أو فى معركة أخرى لأنه أيقن أن الهزيمة ستحل بالكل وسيهلكون كلهم فليس فرارا فالفرار هو ترك المعركة بغرض عدم الجهاد والحفاظ على الحياة
ثانيا : تشريع الجهاد في الإسلام والهدف منه
وتحدث عن أذى المسلمين والهجرة فقال :
"لقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ، وأمره أن يدعو الناس جميعا لهذا الدين وخاطبه بقوله جل وعلا :{ يا أيها المدثر ، قم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهر}
فقام النبي (ص) ( في ذات الله أتم قيام وشمر عن ساعده ودعا إلى الله ليلا ونهارا وسرا وجهرا إلى أن نزل عليه قول الله عز وجل :
{فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } فصدع بأمر الله فدعا إلى الله الصغير والكبير ، والحر والعبد والذكر والأنثى والأحمر والأسود فأبرقت قريش وأرعدت وأرغت وأزيدت ودقت طبول الحرب وأوعدت فلما اشتد الإيذاء والبلاء أمر النبي (ص) أصحابه أن يهاجروا إلى أرض الحبشة مرتين وتضاعف الإيذاء والابتلاء ومع هذا لم يأذن الله لرسوله بأن يقابل السيئة بالسيئة ، أو أن يواجه الأذى بالأذى ، أو أن يحارب هؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله ، ويفتنوا المؤمنين والمؤمنات بل أمره بالعفو والصفح كما قال تعالى : {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم }
{فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون }
{فاصفح الصفح الجميل }
{قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون }
{ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون }
وتتابع الأذى والاضطهاد حتى بلغ ذروته بتدبير مؤامرة حقيرة لاغتيال رسول الله(ص) فاضطر النبي (ص) إلى الهجرة من مكة إلى المدينة ، وأمر أصحابه بالهجرة إليها بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة المباركة "
ثم تحدث عن فرض الجهاد على المسلمين بعد إقامة دولتهم الناشئة فى المدينة فقال :
"فلما استقر رسول الله(ص) بالمدينة وأيده بنصره بعبادة المؤمنين من الأنصار الأبرار والمهاجرين الأطهار ، وألف الله بين القلوب ، وبذلوا نفوسهم دونه ، وقدموا محبته على محبة الآباء ، والأبناء ، والأزواج والأموال وهنا رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة وشمروا لهم عن ساق العداوة ، والمحاربة ، وأحاطوا بهم من كل ناحية وهنا أذن الله المؤمنين في القتال ، ولم يفرضه عليهم دفاعا عن النفس ، وتأمينا للدعوة فقال تعالى : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } "
والخطأ هنا قول الملقى "وهنا أذن الله المؤمنين في القتال ، ولم يفرضه عليهم دفاعا عن النفس ، وتأمينا للدعوة"
فالجهاد هو دفاع عن النفس أولا فى كل الأحوال ثم قال :
وفي السنة الثانية من الهجرة فرض الله القتال بقوله تعالى :
"{كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون }
وقال تعالى :
"يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليمتؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين }
والله إنها لتجارة رابحة ، ولم لا ؟! وقد علق الله عليها مغفرة الذنوب ، والنصر في الدنيا والنجاة من النار والفوز بالجنة في الآخرة
وبعد هذه التجارة الرابحة يأتي هذا العقد الجليل والوعد الكريم الذي أودعه الله جل وعلا أفضل كتبه المنزلة وهي التوراة والإنجيل ، والقرآن ويا له والله من عقد ما أعظم خطره ، وأجل قدره فالله جل وعلا هو المشتري والثمن جنات النعيم أما السلعة فهي الجهاد في سبيل الله ، بالأنفس والأموال فلما رأى التجار عظمة المشتري ، وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه ، ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد عرفوا أن للسلعة قدرا وشأنا ، ليس لغيرها من السلع فرأوا أن من الخسران الكبير أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة فعقدوا مع المشتري بيعة الرضا والرضوان فقال سبحانه : {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم }
فلما تم العقد وسلم الفائزون المفلحون السلعة الغالية أي أنفسهم وأموالهم قيل لهم : قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا ، والآن قد رددناها عليكم أوفر وأكرم وأعظم ما كانت فقال سبحانه :
{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون }"
ثم تحدث الملقى ذاكرا الأحاديث فقال :
"ثم بين إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين شرف الجهاد وفضله فقال كما في الحديث الذي رواه البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة أن النبي (ص) ( قال : (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة "
الخطأ وجود أكثر من درجتين فى الجنة وهو ما يخالف أنها درجتين فقط واحدة للمجاهدين والأخرى للقاعدين عن الجهاد وفى هذا قال تعالى "فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة "والخطأ الأخر هو اتساع الدرجة كما بين السماء والأرض وهذا يعنى أن الدرجات المائة أو الأكثر من السبعة أعظم فى الإتساع أضعافا مضاعفة وهذا يخالف أن الجنة مساحتها كمساحة الأرض والسماء مصداق لقوله تعالى "وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض "
ثم قال:
"وفي حديث أبي سعيد في صحيح مسلم أن النبي (ص) ( قال لأبي سعيد : (( من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا وجبت له الجنة فعجب لها أبو سعيد فقال : أعدها علي يا رسول الله(ص) ففعل ، ثم قال رسول الله(ص) : وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، قال : وما هي يا رسول الله(ص) ، قال : الجهاد في سبيل الله ))"
وتكرر الخطأ السابق فى عدد درجات الجنة ثم قال :
"وفي الحديث الذي رواه البخاري وأحمد من حديث أبي عبس عبد الرحمن بن صير أن النبي (ص) قال : (( من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار )) "
ومعنى الحديث صحيح
وعن محمد بن المنكدر قال : مر سلمان الفارسي على شرحبيل بن السمط وهو في مرابط له ، وقد شق المقام عليه ، وعلى أكثر الصحابة فقال لهم سلمان : ألا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله(ص)؟قالوا : بلى قال سمعته يقول : (( رباط يوم وليلة في سبيل الله أفضل أو قال : خير – من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله ، وأجري عليه رزقه و وأمن الفتان ))
الخطأ فى الرواية جريان العمل بعد موت المجاهد وأخذه لثوابه فلا أحد يأخذ أجر على شىء لم يعمله أى لم يسع له مصداق لقوله تعالى :
"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى"
فالسعى ينتهى بالموت ثم قال :
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي (ص) (ص) قال : (( والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله – والله أعلم بمن يكلم في سبيله – إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك)) "
الخطأ ه مجىء الشهيد يوم القيامة مجروحا ملونا مريحا ويخالف هذا أن الإنسان يأتى سليما حتى بنانه يكون كما هى وفى هذا قال تعالى :
"أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوى بنانه "
فهو يعود كما بدأ كما قال تعالى :
"كما بدأكم تعودون" ثم قال :
"وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أن النبي (ص) (ص) قال : (( إن أرواح الشهداء في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى ملك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال : هل تشتهون شيئا ؟ فقالوا : أي شيء نشتهي ؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يارب ! أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ))
الخطأ الأول فى الحديث أن أرواح الشهداء فى طير خضر ويخالف هذا أن الشهداء أحياء حياة حقيقية وليسوا فى طير خضر مصداق لقوله تعالى "ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون "كما أن الأكل والشرب والنيك فى الجنة يحتاج لوجود أجسام
والخطأ الأخر هو إرادة الشهداء العودة للدنيا للقتال ويخالف هذا فرحة الشهداء فى الجنة والفرح لا يريد ترك مكان الفرح أبدا لوجود كل وسائل الراحة والمتعة فيه وفى هذا قال تعالى "بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله "زد على هذا علمهم أن لا عودة للدنيا بعد الموت لتحريم الله لذلك ثم قال :
"ولذلك قال النبي (ص) لجابر بن عبد الله : (( ألا أخبرك ما قاله الله لأبيك )) قال بلى ، قال : (( ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب ، وكلم أباك كفاحا )) فقال : يا عبدي تمن علي أعطك ، قال يارب تحييني فأقتل فيك ثانية ، فقال : إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ، قال : يارب فأبغ من ورائي ، فأنزل الله تعالى : {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } "
الخطأ حدوث معجزات هى تكليم الله لعبد الله كفاحا وهو ما يخالف أن الله منع الآيات المعجزات فى عهد النبى (ص)وبعده فقال:
"وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ".
ثم قال :
"ومن أجل هذا كله ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي (ص) (ص) قال : (( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق )) "
يتنافى الحديث مع أن الجهاد ليس على الكل ومنهم قسم الله المسلمين لمجاهدين وقاعدين ثم قال:
وأكتفي بهذا القدر من الأحاديث وإلا فهي كثيرة
وأختم بهذه الأبيات المعبرة التي تبين شرف الجهاد وفضله
والتي أرسل بها الإمام المجاهد العلم عبد الله بن المبارك لأخيه القانت الزاهد الورع عابد الحرمين الفضيل بن عياض يذكره فيها بشرف الجهاد في سبيل الله فيقول :
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا وهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في أنف امريء ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب"
وحدثنا الرجل عن الثبات فى الجهاد فقال :
"رابعا : وجوب الثبات في الجهاد
ولما كان هذا هو شرف الجهاد وفضله أمر الله جل وعلا بالثبات أثناء الزحف للقاء الكفار والمشركين لأن قلب المؤمن ينبغي أن يكون راسخا ثابتا لا تهزمه في الأرض قوة ما دام موصولا بالله القوي العزيز : {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ويجب أن يكون هذا القلب كذلك على يقين أن الآجال بيد الله وأن واهب الحياة هو الله ، وأنه إلى الله إن عاش حيا إلى الله إن كتبت له الشهادة ، ومن ثم جاء هذا الأمر الرباني الكريم بالثبات والصبر والذكر ، والذل لله والطاعة وعدم الكبر ، وعدم التنازع فقال سبحانه :{يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط}
فهذه هي العوامل الحقيقية للنصر :
- الثبات عند لقاء العدو
- كثرة الذكر لله عز وجل
- الطاعة لله والرسول (ص)
- البعد عن النزاع والخلاف
- الصبر على تكاليف المعركة
- الحذر من البطر والرئاء والبغي
واستحباب الصحب الكرام الذين رباهم سيد الأنام (ص) لهذا الأمر الرباني الكريم وضربوا أروع الأمثلة في الثبات في ساحة الوغي وميدان البطولة والشرف حينما تصمت الألسنة الطويلة ، وتخطب السيوف والرماح على منابر الرقاب ، وأكتفي بهذا المشهد الكريم لأنس بن النضر الذي صرخ في الناس يوم أحد لما أشيع الخبر بأن رسول الله(ص) قد مات ، وبدأ الجيش ينسحب راجعا إلى المدينة معتقدا أن أمر هذا الدين قد انتهى قام أنس ليقول : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال : أين يا أبا عمرو فقال أنس : واها لريح الجنة يا سعد ، إني أجده دون أحد ، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورميته بسهم !! والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أنس "
الثبات فى الجهاد لا يعنى سوى الحرب أو العودة إلى الحرب ففى بعض المعارك يكون البقاء فى الميدان ضرب من الحماقة حيث يفنى بقية المجاهدين إن ظلوا فى الميدان ومن ثم ينتهى جيش المسلمين ومن ثم يجب أن ينسحبوا من الميدان ليعودوا مرة أخرى فى معركة أخرى فهذا ليس هروبا وإنما حفاظ على بعض القوة المتبقية للعودة للانتصار مرة أخرى
ثم حدثنا عن كون التولي يوم الزحف كبيرة من الكبائر فقال:
"خامسا : التولي يوم الزحف كبيرة من الكبائر
وبعد هذا الأمر بالثبات يأتي الأمر بعدم الفرار إلا في حالتين اثنتين وإلا فإن الفرار من أرض المعركة كبيرة من كبائر الذنوب تستحق غضب الله ونار جهنم والعياذ بالله
فقال سبحانه وتعالى : {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير}
والتحرف : هو ترك الموقف أو المكان إلى موقف أو مكان أصلح أو أفضل للانطلاق منه على العدو مرة أخرى وهذا من خدع الحرب ومكائدها
والتحيز : هو الانضمام إلى فئة أخري لمعاونتهم أو لطلب العون منهم
وهكذا دلت الآية على أن من فر من موقع إلى موقع آخر لمعاودة القتال أو مريدا إلى فئة أخرى من المسلمين فإنه لا يكون داخلا في هذا الوعيد الشديد اللاحق بالفارين من الزحف
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الفرار من الزحف ليس كبيرة من الكبائر واحتجوا لذلك بأن الآية نزلت في أهل بدر خاصة
وزعم بعضهم أن الآية منسوخة بقوله تعالى :
{الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين} فأجاز هؤلاء الفرار إذا زاد عدد الأعداء عن الضعف
ولكن جمهور أهل العلم ذهبوا إلى أن محكمة عامة كما يقول الإمام ابن جرير الطبري وأولى التأولين عندي قول من قال : حكم الآية محكم ، وأنها نزلت في أهل بدر وحكمها ثابت في جميع المؤمنين وأن الله حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الأدبار منهزمين إلا لتحرف لقتال ، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام
وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف للقتال منهزما بغير نية إحدى هاتين الخصلتين اللتين أباح الله التولية بهما ، فقد استوجب من الله وعيده إلا أن يتفضل عليه بعفوه
وذكر الحافظ ابن كثير بأن الآية نزلت في أهل بدر ، ولكن هذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر ، وإن كان سبب نزولها فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير "
والتحيز وهو نفسه التحرف هو ما قلته سابقا من ترك ميدان القتال إما تنفيذا لخطة حربية تعتمد على هذا الخداع وإما تعتمد على العودة لميدان أخر للقتال لأن البقاء فى الميدان الحالى معناه انتهاء ما تبقى من قوة المجاهدين الذين قت كثير منهم
ثم تحدث عن كن الجهاد سبب العز فقال :
وأخيرا : لا عز إلا بالجهاد
والله ما ضعفت الأمة وذلت وهانت إلا يوم أن ضيعت الجهاد الذي أمرها به لتعيش حميدة أو لتلقى الله شهيدة سعيدة والله ما ضاعت الأمة إلا يوم أن ضيعت الجهاد الذي جعله النبي (ص) (ص) ذروة سنام هذا الدين
وقد حرص أعداؤنا على أن يحولوا بين الأمة وبين الجهاد وحاولوا بشتى الطرق على ألا نربي الأجيال المسلمة على روح الجهاد ، ولا على سير الأبطال المجاهدين لتظل الأمة ذليلة كسيرة مبعثرة كالغنم في الليلة الشاتية الممطرة وبالفعل لقد تضاءل كثيرا مفهوم الجهاد في حس المسلمين يوما بعد يوم حتى صارت الدعوة إلى الجهاد تقابل بشيء من الفتور البارد الشديد "
وبعد ذلك حدثنا عما يحدث فى عصرنا من انسحاب جيوش المنطقة من الحروب ضد الأعداء وانصياعها لأوامر المنظمات العالمية التى لم تحل مشكلة واحدة خاصة بالمنطقة وتركت المشاكل كلها معلقة كفلسطين وكشمير والغريب هو أن الحكام يحرمون الجهاد إلا بأوامر منهم وهم لا يصدرونها أبدا ومن حاول الجهاد فهو إرهابى يتم قتله فقال :
"بل لا أكون مغاليا إن قلت حتى صارت الدعوة إلى الجهاد تقابل بشيء من الإنكار الشديد والحمد لله فقد أثبتت الأيام عمليا أن مجلس الأمن وهيئة الأمم وجميع المحافل لن تعيد للأمة المكلومة حقوقها ، ولن تعيد لمن يذبحون تذبيح الخراف دماءهم ، ولن ترد لهذه الأمة هويتها وكرامتها وسيادتها بل لا سبيل لذلك على الإطلاق إلا باحياء روح الجهاد في الأمة بتخليص النفوس ابتداء من الركون إلى هذا الوحل ، والخلود إلى هذا التراب والطين
وقد شخص النبي (ص) الداء تشخيصا دقيقا وحدد الدواء كذلك تحديدا دقيقا ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره من حديث ثوبان أنه ( قال : (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها )) فقال قائل : من قلة نحن يومئذ ؟ قال : (( بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن )) قيل : وما الوهن يا رسول الله(ص) ؟ قال : (( حب الدنيا وكراهية الموت )) وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد ، وأبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : (( إذا تبايعتم بالعينة ، ورضيتم بالزرع وتبعتم أذناب البقر ، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم )) "
قطعا ترك الجهاد سبب رئيسى من أسباب ما يعيش الناس فى بلادنا من مهانة وذل على يد الأعداء وأذنابهم من الحكام

الخميس، 2 ديسمبر 2021

قراءة فى كتاب بين العادة والعبادة

قراءة فى كتاب بين العادة والعبادة
مؤلف الكتاب سعيد محمد السواح وهو يدور حول وجوب اتباع النبى(ص) فيما جاء به وفى مقدمته قال :
"ثم أما بعد ولنعلم أن النجاة كل النجاة في صدق الإخلاص لله تعالى وحسن الإتباع لرسول الله (ص)دون غلو أو ابتداع ، قال الله عز وجل
{ وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيلي ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } "
وتساءل عن كيفية تحقيق محبة النبي (ص)وتعظيمه وأجاب فقال :
"كيف نحقق محبة النبي (ص)وتعظيمه ؟
بمتابعته (ص)وتكون بطاعته فيما أمر به - تصديقه فيما أخبر به - اجتناب ما نهى عنه وزجر ، وأن لا يعبد الله إلا بما شرعه "
وبعد ذلك حكى لنا عن مقدار حب الصحابة للنبى(ص) فقال :
"انظر أيها المسلم الحبيب إلى حب الصحابة لنبيهم (ص)، فهذا خبيب بن عدى لما وقع في أيدي كفار قريش وأجمعوا على قتله فقال له أبو سفيان أيسرك أن محمدا عندنا نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ فقال : لا والله ما يسرني إني في أهلي وإن محمد (ص)في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه "
وقد بين السواح أن للنبى(ص) حقوق زائدة فقال :
"لذا فإن الله سبحانه وتعالى أوجب لنبينا (ص)على القلب واللسان والجوارح حقوقا زائدة على مجرد التصديق بنبوءته ، كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أمورا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه وحرم سبحانه بحرمة رسوله (ص) مما يباح أن يفعل مع غيره أمورا زائدة على مجرد التكذيب بنبوءته
فمن ذلك :
"* أن الله أمر بالصلاة عليه والتسليم بعد أن اخبر أن الله وملائكته يصلون عليه والصلاة تتضمن ثناء الله عليه ودعاء الخير له وقربته منه ورحمته له ، والسلام عليه يتضمن سلامته من كل آفة فقد جمعت الصلاة عليه والتسليم جميع الخيرات ثم إنه يصلى سبحانه عشرا على من يصلى عليه (ص)مرة واحدة حضا للناس على الصلاة عليه ليسعدوا بذلك وليرحمهم الله بها"
هذا ليس حق زائد فكما أوجب الصلاة على النبى(ص) أوجب عليه أن يصلى على المسلمين فقال:
" وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم"
ثم قال :
"إن الله عز وجل أخبر أنه (ص)أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن حقه (ص)أنه يجب أن يؤثره العطشان بالماء والجائع بالطعام وأنه يجب أن يوفي بالأنفس والأموال ، كما قال سبحانه { ما كان من أهل المدينة ومن حوله من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه }
فعلم أن رغبة الإنسان بنفسه أن يصيبه ما يصيب رسول الله (ص)من المشقة معه حرام ، وقد قال الله تعالى مخاطبا المؤمنين فيما أصابهم من مشقات الحصر والجهاد : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا } "
والمراد هنا عدم تفضيل المؤمنين أنفسهم على النبى(ص) عند الجهاد فعليهم أن يفدوه بأنفسهم ثم قال :
* أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دل على ذلك قوله سبحان : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله } ومن ذلك قول عمر بن الخطاب : يا رسول الله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي ، فقال النبي (ص): " لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك " ، فقال له عمر : فإنه الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي ، فقال النبي (ص): " الآن يا عمر " ، وقال رسول الله (ص)" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ""
المطلوب هنا هو تفضيل حكم الله وكتابه المنزل على الرسول (ص) على حكم أنفس الناس وأما حكاية الحب المعروفة عند الناس فلست مقصودة فالمسلم يحب نفسه أكثر من أى شخص بمعنى أنه يريد إدخالها الجنة عن طريق طاعة الله ومن ضمنها افتداء النبى (ص) بنفسه فى الجهاد ثم قال :
"* أن الله عز وجل أمر بتعزيزه وتوقيره فقال
{ وتعزروه وتوقروه } والتعزيز : اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه ، وتوقيره : اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار "
والتعزير والتوقير المذكور فى الآية لله وليس للنبى(ص)لأنه قال بعدها وتسبحوه بكرة وأصيلا والتسبيح خاص بالله وليس بالنبىى(ص)
" خصه في المخاطبة بما يليق به فقال تعالى :
{ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } فنهى أن يقولوا يا محمد أو أحمد أو يا أبا القاسم ، ولكن يقولوا يا رسول الله ، يا نبي الله ، وكيف لا يخاطبونه بذلك والله سبحانه وتعالى أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء فلم يدعه باسمه قط في القرآن بل يقول :
{ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا}
{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } "
والآية الأولى ليست خصوصية فى المخاطبة فالمراد به طاعة حكم الله المنزل على النبى(ص) ناهية على طاعة الناس بعضهم البعض فى الأحكام
وأما كونه النبى الرسول فهذا خطاب خاص لا شك فى ذلك ثم قال :
* أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن ، وحرم رفع الصوت فوق صوته وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل ، وأخبر أن ذلك سبب حبوط العمل ، وأخبر أن الذين يغضون أصواتهم عنده هم الذين امتحنت قلوبهم للتقوى ، وأن الله يغفر لهم ويرحمهم ، وأخبر أن الذين ينادونه وهو في منزله لا يعقلون لكونهم رفعوا أصواتهم عليه ولكونهم لم يصبروا حتى يخرج إليهم ولكن أزعجوه إلى الخروج
* أنه حرم على الأمة أن يؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضا تمييزا له ، مثل نكاح أزواجه من بعده ، فقال تعالى : { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما } "
وما سبق معناه هو نفس معنى الدعاء وهو طاعى الوحى المنزل عليه وهو الكلام الذى يقوله قاضية على أى كلام لغيره لأنه ليس وحيا ثم قال :
* وأوجب على الأمة لأجله احترام أزواجه وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام ، فقال سبحانه وتعالى :
{ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم }
* وأما ما أوجبه من طاعته والانقياد لأمره والتأسي بفعله فهذا باب واسع "
هذا أمر خاص بنسوته(ص) ثم قال :
* ومن كرامته المتعلقة بالقول : أنه فرق بين أذاه وأذى المؤمنين ، فقال تعالى :
{ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } "
لا فرق بين إيذاء النبى (ص)وبين إيذاء المؤمنين لأنه واحد من المؤمنين كما قال تعالى :
"آمن الرسول" ثم قال:
* ومن ذلك أيضا : أن الله رفع له ذكره فلا يذكر الله سبحانه وتعالى إلا ذكر معه ،و لا تصح للأمة خطبة و لا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله وأوجب ذكره في كل خطبة ، وفي التشهد في الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام ، وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام ، وفي الصلاة التي هي عماد الدين ، إلى غير ذلك من المواضع "
والذكر المقصود ليس ذكر النبى (ص)وإنما الوحى المرفوع كما قال تعالى :
" فمن شاء ذكره فى صحف مكرمة مرفوعة مطهرة"ثم قال :
* ولذا كان سابه أو منتقضه قد ناقض الإيمان به وناقض تعزيزه وتوقيره ، وناقض رفع ذكره ، وناقض الصلاة عليه والتسليم ، وناقض تشريفه في الدعاء والخطاب بل قابل أفضل الخلق بما لا يقابل به أشر الخلق "
كلام صحيح فمن سبه أو انتقصه... فقد كفر
وتحدث الرجل عن الاقتداء به فقال :
"لذلك نقول فإنه ينبغي أن نقتدي به في خلقه وفي إيمانه وعبادته وفي حبه لله وللمؤمنين امتثالا لقول ربنا :
{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } وينبغي أن نقتدي برسول الله (ص)في سياسة الدين وسياسة الدنيا
مكانة السنة ووجوب الالتزام بها والعمل بها والحث على التمسك
بالدين وإحياء السنة
1 – الأمر الصريح بالأخذ بما أمر به الرسول والانتهاء عما نهى عنه ، قال تعالى :
{ ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }
فهذه الآية تقرر هذا الأصل الهام وهو وجوب إتباع النبي (ص)"
الجملة المنتزعة من الآية ليست فى اتباع النبى(ص) وإنما فى الرضا بتوزيعه المال كما قال تعالى :
"ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب" ثم قال :
2 – طاعة الرسول (ص)هي طاعة الله تعالى ، قال عز وجل :
{ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا }
3 – من حاد عن طاعة الله وطاعة رسوله (ص)كان في عداد الكافرين ، قال تعالى :
{ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }
4 – رد الحكم عند التنازع إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة رسوله (ص)، قال تعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا } "
الآية ليس فيها ذكر لسنة النبى(ص) وإنما الرد للوحى المنزل من الله على رسوله(ص) ثم قال
5 – مبايعة النبي (ص)مبايعة مع الله تعالى ، كما قال عز وجل :
{ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم }
6 – نفي الإيمان عن من لا يحتكم إلى النبي (ص)ولا يرضي تمام الرضي بحكمه وقضائه ، فقال تعالى :
{ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }
7 – لا خيار للمؤمن مع سنة النبي (ص)ولا مع قضائه كما قال الله سبحانه وتعالى
{ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } "
لا ذكر للسنة فى الآية وإنما اتباع الوحى المنزل من الله على رسوله(ص)سواء كان القرآن أو تفسيره المنزل على النبى(ص) ثم قال :
ولقد حذر الله تعالى من مخالفة أمر النبي (ص)، فقال الله عز وجل :
{ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } وقال تعالى :
{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا }
فإتباع النبي محمد (ص)أحد ركائز دين الإسلام وأساسياته :
{ وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ، والإتباع هو الاقتداء والأسى بالنبي (ص)في الاعتقادات والأقوال والأفعال والمتروك
ولقد بين الله عز وجل أهمية ومنزلة الإتباع في الشريعة"
وحكاية الاقتداء بالرسول(ص) أو غيره من الرسل (ص) حددها الله بقوله" فبهداهم اقتده "
والمراد بالوحى المنزل عليهم نعمل لأن الرسل(ص) بعض عملهم غير صالح وهى ذنوبهم والتى أقر الله بوجودها فقال:
" ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"
ثم قال :
حيث أن الإتباع هو شرط لقبول العبادات : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "
الإتباع سبب لدخول الجنة : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " ، قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ؟ ، قال : " من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " ،
الإتباع دليل محبة العبد لله تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }
والناظر إلى حال المسلمين يجدهم قد زهدوا في سنة نبيهم (ص)، فلقد ترك الناس العمل بسنة النبي (ص)زهدا فيها ، لذا ترى أحدهم يعبر عنها بقوله إنها سنة وكأنه يقلل من شأنها وينزل من قدرها ، ألم يسمع هذا قول النبي (ص): " من رغب عن سنتي فليس منى " ، ولقد ذكر الإمام مسلم تحت كتاب الفضائل ، قال : قال رسول الله (ص): " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم ، واختلافهم على أنبيائهم " ،"
هذه الأحاديث إن صحت تتكلم عن سنته بمعنى دينه وليس عن أنه يشرع للمسلمين لأن المشرع واحد وهو الله ولو شرع النبى(ص) لكان شريكا لله الذى لا شريك له
كما أن الأمر والنهى كلام وليس اقتداء بالعمل ومن ثم فهو يقصد ما نها الله وأمره به ثم قال :
"وكذا ذكر تحت باب فضل النظر إليه (ص): عن أبى هريرة قال : قال رسول الله (ص)" والذي نفس محمد في يده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني ، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله "
هذا الكلام لو صح فإنه يصدق فيمن راوه وهو حى لأن من عاش بعد موته لا يعرف صورته فكيف يتمنى رؤية صورة يجهلها؟
المعنى : أن رؤية النبي (ص)أفضل عنده وأحظى من أهله وماله ، ولقد قال لنا النبي (ص): " إنما الأعمال بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه "
الحديث لا يصح لأن المرأة ليس غير الدنيا فهى جزء من الدنيا ومن ثم لا يصح التفرقة بينها وبين متاع الدنيا ثن قال :
"…تأثير النية في المباحات
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ينبغي للعبد ألا يفعل من المباحان إلا ما يستعين به على الطاعة ، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة ) ، فالمسلم إذا قصد بنومه وأكله وشربه أن يتقوى بها على عبادة الله عز وجل كي يتمكن من قيام الليل والجهاد في سبيل الله فهذا مثاب على هذه الأعمال بهذه النية ، وقد صح عن رسول الله (ص)أنه قال لسعد بن أبى وقاص : " إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أجرت بها ، حتى ما تجعل في امرأتك " ، قال النووي رحمه الله معلقا على هذا الحديث : ( وضع اللقمة في في الزوجة يقع غالبا في حال المداعبة ، ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر ، ومع ذلك إذا وجه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له فضل الله تعالى )
وفيه أن الإنفاق على العيال يثاب العبد عليه إذا قصد وجه الله تعالى ، وفيه أن المباح إذا قصد العبد به وجه الله تعالى صار طاعة ويثاب عليه ، إذ وضع اللقمة في فم امرأته إنما يكون في العادة عند المداعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة ومع ذلك فقد أخبر الشارع بأن ذلك يؤجر عليه بالقصد الجميل ، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا قصد به وجه الله تعالى
ويؤخذ من ذلك : أن الإنسان إذا فعل مباحا من أكل أو شرب وقصد به وجه الله كالاستعانة بذلك على الطاعة ، وبالنوم على قيام الليل يثاب عليه "
وهذا الكلام صحيح تماما فكل فعل قصد به طاعة الله أى رضاه فعليه ثواب وإن ظن الناس أنه ليس عليه ثواب ثم قال :
* استحضار النية عند المباح :
الأفعال والأقوال المباحة كثيرة جدا وإذا لم يقصد بها العبد النية الخيرة فإنها لن تعود علينا بالنفع الأخروي فإذا أحسن المكلف القصد والتوجه حين القيام بها فإن هذه الأعمال من المطعم والمشرب والنوم والمتاجرة والصناعة تصبح ثروات عظيمة تنفعنا عندما نقدم على ربنا في يوم القيامة { قلا إن صلاتي ونسكى ومحياي ومماتي لله رب العلمين } قال بن مسعود : فإني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي
ونحن نستعرض بإذن الله تعالى أيها المسلم الحبيب جانبا من عادات الناس على أفعال اعتادوا القيام بها في كل يوم من الأيام مع غفلتهم عن سنة نبيهم (ص)في كيفية تأدية هذه العادات ليتحقق من خلالها العبودية لله تعالى وذلك بتأسيهم وإتباعهم لسنة نبيهم التي وردت في تلك الشئون وكم من ثواب عظيم يضيعه ويفقده الإنسان في كل يوم من الأيام عند غفلته عن قصد إتباع النبي (ص)في هذه الأحوال "
وتحدث السواح عن المأكل و المشرب و الملبس و دخول الخلاء و الخروج منه فقال :
كلامنا سوف يكون بإذن الله تعالى : عن المأكل و المشرب و الملبس و دخول الخلاء و الخروج منه
فقد تتفق عادات الإنسان في طعامه مثلا مع الآداب والسنن والتي وردت عن النبي (ص)ولكنه لما كان فعلهم عن غير إتباع لسنة نبيه (ص)فإنه قد فوت على نفسه الثواب لعدم وجدانية وقصد إتباعه لسنة نبيه (ص)وما قصدنا بالكلام عن هذه البنود إلا تنبيه المسلم الغافل عن سنة نبيه (ص)
في المأكل
قد تكون عادة الإنسان تقديم اليمين عند طعامه وشرابه وعدم استعماله شماله لا في طعامه ولا شرابه ولكن إن أكل بيمينه وشرب بيمينه قاصدا إتباع هدى النبي (ص)لأثيب وأجر على ذلك
فلقد قال النبي (ص):" يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " قال الغلام :" فما زالت تلك طعمتى بعد "
بمعنى أي لازمت ذلك حتى صارت عادة لي
وعن ابن عمر قال رسول الله (ص)" إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله " وكان نافع يقول " ولا يأخذ بها ولا يعطى بها " أي المعنى لا يأخذ بالشمال ولا يعطى بالشمال ولكن تقدم اليمنى أيضا في الأخذ والعطاء فلماذا إذا نقدم اليمين في الطعام والشراب ؟ حتى لا نتشبه بالشيطان
بل أنظر إلى مخالفة الإنسان لسنة النبي (ص): فعن سلمه بن الأكوع أن رجلا أكل عند رسول الله بشماله فقال " كل بيمينك " قال : " لا أستطيع قال (ص)" لا استطعت ما منعه إلا الكبر " قال فما رفعها إلى فيه "
الحديث لا يصح فهنا آية أى معجزة وهى شل يد الرجل وهو ما منعه الله فى عهد النبى (ص)فقال:
"وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون"
والأكل باليمنى أو اليسرى هو تعود ثم قال :
كراهية الأكل من وسط الطعام
فعن ابن عباس " أن النبي (ص)قال " البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه "
ترجمة هذه الروايات : يتطلب من المسلم العاقل المحب لدينه والمحب لرسوله أن يترجم هذه الروايات لواقع عملي حتى تصبح عاداتنا في الطعام موافقة لهدى رسولنا (ص)، والأمر يحتاج إلى الإدراك والانتباه عند ممارسة هذه الأفعال ، فأنا أتذكر عند إرادة الطعام أن أقدم اليد اليمنى وأتذكر أن السنة وردت بذلك وهكذا في باقي السنن التي وردت بشأن الطعام "
الخطأ نزول البركة وسط الطعام وهو تخريف لأن البركة تكون فى كل الشىء المطعوم لأن أصله هو الماء المبارك لقوله تعالى "ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد "والأنعام تشرب هذا الماء وغيرها من الحيوانات المأكولة ومن ثم تتوزع البركة فى أجسامها ثم قال :
في الشراب
"كراهية التنفس في الإناء :
عن أبى قتادة أن النبي (ص)نهى أن يتنفس في الإناء
لماذا تشرب ؟ لا شك إن ألم بالإنسان العطش فهو يشرب لكي يروى ذلك الظمأ فقد أرشدنا النبي (ص)إلى الطريقة التي يروى بها الظمأ وهذا أن نتجرع الماء على ثلاث
فعن أنس بن مالك أن النبي (ص)كان يتنفس في الإناء ثلاثا ويقول " أمرا وأروى وأبرأ " ، قال أنس : فأنا أتنفس في الشراب ثلاثا
يتنفس في الشراب ثلاثا أى يشرب على ثلاث جرعات ( تحقيق ذلك أن يسم الله ثم يشرب ثم يبعد الإناء عن فيه ثم يتجرع الثانية ثم يبعد الإناء ثم يفعل في الثالثة مثل ذلك ثم يحمد الله )
لو كان مجموع من الناس في مكان فكيف يدار عليهم الشراب ؟
فلقد بينت لنا السنة أن إدارة الشراب يستحب فيه التيامن وأن الأيمن في الشراب ونحوه يقدم وإن كان صغيرا أو مفضولا لأن رسول الله (ص)قدم الأعرابي والغلام على أبى بكر الصديق
عن أنس بن مالك رضي الله عته أن رسول الله (ص)أتى بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابى وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن "
وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله (ص)أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام : " أتأذن لي أن أعطى هؤلاء " ، فقال الغلام : لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا ، فتله رسول الله (ص)في يده "
وفي رواية أخرى : عن أنس بن مالك قال : أتانا رسول الله (ص)في دارنا فاستسقى فحلبنا له شاة ثم شبته من ماء بئري هذه ، قال فأعطيت رسول الله (ص)، فشرب رسول الله وأبو بكر عن يساره وعمر وجاهه وأعرابي عن يمينه ، فلما فرغ رسول الله من شربه ن قال عمر : هذا أبو بكر يا رسول الله يريه إياه فأعطى رسول الله (ص)الأعرابي وترك أبا بكر وعمر ، وقال رسول الله ألايمنون الأيمنون الأيمنون ، قال أنس فهي سنة فهي سنة فهي سنة "
نرى أن السنة لم تترك فرصة للشيطان لكي ينزغ بين المسلمين ، وإلا لم لم يكن إدارة الماء بهذه الطريقة لتطلع كل من كان في مجموع من الناس لو شرب أولا ، لكن السنة تعلمنا كيف نسكن النفوس "
قطعا الأحاديث لا تصح فالشرب ليس بالجهة وإنما بالعطش فالأكثر عطشا هو أول من يشرب سواء على اليمين أو على اليسار فلا فرث لأن الله خالق الجهتين والسجود يكون على الجهتين كما قال تعالى :
"أو لم يروا إلى ما خلق الله من شىء يتفيوأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله"
فالمخلوقات هنا تسجد عن اليمين والشمال فلو كان الشمال خاص بالشيطان ما سجدوا جهة الشمال ثم قال :
"في اللباس
في كيفية لباس النعال :
عن جابر قال : " نهى رسول الله (ص)أن ينتعل الرجل قائما " ، معنى ذلك أنه عند إرادة الانتعال تنتعل من جلوس "
لا يصح الحديث فاللبس حسب الظروف من القعود أو الوقوف ثم قال :
بأي النعال يبدأ في لبسه :
عن أبى هريرة أن رسول الله (ص)قال : " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ بالشمال ولينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا ""
نفس ما قلته سابقا الله لا يفرق بين اليمين واليسار فى الاستعمال لأن المخلوقات تطيغعه من كل الجهات كمل جاء فى آية السجود ثم قال :
وكذا عن أبى هريرة أن رسول الله (ص)قال : " لا يمشى أحدكم في النعل الواحدة لينتعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا "
هذا القول الغرض منه صحة الإنسان لأن المشى بواحدة يضغط على جهة دون أخرى ضغطا زائدا ثم قال :
قال العلماء : يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة ونحو ذلك كلبس النعل والخف والسراويل والكم وحلق الرأس وترجيله وقص الشارب ونتف الإبط والسواك والاكتحال وتقليم الأظافر والوضوء والغسل والتيمم ودخول المسجد والخروج من الخلاء ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع الحسنة وتناول الأشياء الحسنة ونحو ذلك
يستحب البداءة باليسار في كل ما هو ضد السابق في المسألة الأولى ، فمعنى ذلك خلع النعل والخف والسراويل والكم والخروج من المسجد ودخول الخلاء والاستنجاء ومس الذكر والاستنثار وتعاطي المستقذرات وأشباهها
ماذا يفعل الإنسان لو قطع شسعه ( نعله ) ؟
قال رسول الله (ص): " إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه ولا يمش في خف واحد ولا يأكل بشماله "
وفي رواية لمسلم : " عن جابر قال : قال رسول الله (ص)إذا انقطع شسع أحدكم أو من انقطع شسع نعله فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه ولا يمش في خف واحد ولا يأكل بشماله ولا يجتبى بالثوب الواحد ولا يلتحف الصماء "
وقد سبق الكلام عن ذلك فى الفقرة قبلها ثم قال :
"عادة تغطية الآنية وإيكاء الأسقيه :
وماذا قالت فيها السنة لكي تحول هذه العادة إلى عبادة عن قصدنا لإتباع النبي (ص)؟
فعن جابر قال : قال رسول الله (ص): " إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من الليل فحلوهم فأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئا وأطفئوا مصابيحكم " ، ثم بينت السنة العلة من الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء ، " فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء " ، فالسنة ما أتت إلا لحماية الإنسان حتى عما يجهله ، فالوباء مرض عام يفضى إلى الموت غالبا "
الحديث لا يصح فالشياطين موجودة فى الليل والنهار والخطأ أيضا أن الوباء يقع فى ليلة معينة فى السنة وهو يخالف الواقع فالأوبئة تنزل فى أيام عدة من السنة بدليل ما نعرفه من الأمراض الوبائية ثم قال:
عند النوم
فقد يكون من عادة الإنسان أن ينام على شقه الأيمن ، فلما كانت عادة لم يكن له فيها ثواب أما إذا نام الإنسان على شقه الأيمن قاصدا بذلك الإتباع فقد حقق عادته لكن بالإضافة إلى ثواب إصابته للسنة
فعن البراء بن عازب قال كان رسول الله (ص)إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال : ( دعاء النوم ) "
النوم يكون على أى جنب يرتاح عليه الإنسان بدليل أن الله قال فى نوم أصحاب الكهف :
"ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال"
عند المضاجعة
نريد منك أن تحقق العبودية عند إتيانك لأهلك ، فحظك من أهلك توفاه غير منقوص ولكن قل " باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا "
ثم قال :
عند إرادة دخول الخلاء :
انتبه أن تقدم اليسرى عند الدخول ، وانتبه أن تقدم اليمنى عند الخروج ، وقل وأنت تقدم اليسرى ( بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث ) وقل وأنت تقدم اليمنى للخروج : ( غفرانك ) "
نفس ما قلناه الله لم يفرق بين الجهتين لكونه خالقهما ثم قال :
"عند مداعبة الرجل لأهله :
عن سعد بن أبى وقاص أن رسول الله (ص)قال : " إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في امرأتك "
فهو يرفع اللقمة إلى في امرأته مداعبة لها لإرادته أن يصيب منها ومع ذلك لو احتسبها عند الله تعالى لأجر على ذلك ، تأتى شهوتك وحظك من امرأتك ومع ذلك ينتظرك ذلك الثواب الذي يثقل به ميزان حسناتك يوم القيامة
والأمر يحتاج منك فقط القصد والنية وهذا لا شك أمر ميسور لا يكلفك إلا عقد القلب فقط وقصد الفعلة إتباعا لهدى نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم"
ثم قال :
عند مداعبة الأولاد
عن محمود بن الربيع قال : عقلت من (ص)مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو
حتى المداعبة بين لنا النبي (ص)كيف تكون لتكون أفعال المسلم كلها أفعال مقصودة ليبتغى من ورائها الأجر والثواب "
ثم قال :
أيها المسلم الحبيب
ليس غرضنا من هذا البيان الكلام عن سنن وآداب الطعام أو الشراب أو اللباس أو غيره ولكن أردنا أن نضرب بعض الأمثلة عن العادات وكيف نحولها إلى عبادات وإن كانت السنة قد أتت لكي تتكلم عن عادات الإنسان في الطعام والشراب واللباس أفلا يجدر بنا أن نبحث عن سنة رسولنا (ص)لكي نتأسى بها في كل شأن من شئون حياتنا
ولتعلم أن النبي (ص)كما قال الله عز وجل عنه : { قل إنني هداني ربى إلى صراط مستقيم } ، فما من أمر أردنا فيه الرقى والترقي إلا و لابد أن ننظر إلى قدوتنا وحبيبنا وأمامنا النبي محمد (ص)ويكفيك أن تعلم أن من تشبه بقوم حشر معهم فلنتشبه بالحبيب محمد (ص)وختاما نقول لك أيها المسلم الحبيبي المحب لدينه ولرسوله (ص): هل عاداتك توافق السنة ؟ كل ذلك لا يتحقق إلا بالقصد والنية
أيها المسلم الحبيب:
قبل أن تطوى هذه الصفحات ، نقول ينبغي أن تكون إيجابيا وما ينبغي أن تكون سلبيا ، تكون ايجابيا مع سنة حبيبيك محمد (ص) كيف نحقق هذه الايجابية
نقول:
1 - نبدأ من الآن بلا تسويف أو تأخير ، ونترجم ذلك إلى سلوك عملي ونعزم من الآن على تحويل هذه العادات إلى سنن
2 – ولنبدأ بوضع لافتات نكتب فيها تعليمات وإرشادات للفعل الذي نقوم به ونضع هذه اللافتات عند أماكن هذا الفعل
على سبيل المثال لافتة عند مكان الطعام نضع فيه إرشادات قبل تناول الطعام ، وهكذا الخلاء نضع خارج الخلاء لافتات نضع فيها إرشادات تنبهنا على ما يلزم فعله سواء عند الدخول أو الخروج من الخلاء
3 – نركز على أن نقوم بنقل ما تعلمناه وطبقناه إلى الأهل والأصدقاء
ولنعلم أن السنة سلعة جيدة ينبغي لكل نسيم أن يتحصل عليها فلك أيها المسلم الحبيب أن تعلن عن سلعتك وتبذل أقصى جهدك لكي تروج لها فإن أهل الباطل يروجون لسلعتهم وباطلهم ليلا ونهارا دون كلل أو ملل
واعلم أيها المسلم الحبيب :
أن النبي (ص)قال : " كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها او موبقها " "
والواجب على المسلم هو الإلتزام بأحكام الله وتعليمها لأهله وجيرانه وغيره 

الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

قراءة فى كتاب أسس الحكم في الشريعة الإسلامية

قراءة فى كتاب أسس الحكم في الشريعة الإسلامية
المؤلف صالح بن غانم السدلان والكتاب يدور حول ثلاثة من اسس الحكم فى الإسلام وفى هذا قال :
"أما بعد:
فإن الحكم في الإسلام يعني تلك القوة المسيطرة على تصريف شؤون الدولة ولن يتحقق ذلك إلا في ظل أسس راسخة ودعائم قوية، أعانني الله تعالى على الكتابة في ثلاثة منها رئيسة يشملها الكتيب المتواضع
- وأول هذه الأسس والدعائم: الشورى، وقد بينت مكانتها في سياسة وإدارة الدولة
- وثاني هذه الأسس: العدل، وهو أساس التشريع في الإسلام
- الأساس الثالث: المساواة، وهي من الأصول العامة للتشريع في الإسلاملهذا كان من اللازم بيان الأسس التي تعد ركنا أساسيا في بناء الدولة الإسلامية فنؤمن بالأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي، ونترجم ذلك إلى تطبيق عملي يحقق الحكمة من مشروعيتها، فيعيش المجتمع الإسلامي في ظلها في أمن ورخاء ومحبة، وتعاون بين الحاكم والمحكوم "
بداية لا يوجد شىء اسمه أسس الإسلام أو اركان الإسلام فكل حكم قاله الله هو أساس لا يمكن للمسلم أن يتخلى عنه أو يستبعده كما قال تعالى:
"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم "
وثانيا العدل كلمة تطلق على الإسلام نفسه كما قال :
" وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا"

والمتم أى المكمل هو الدين وهو الإسلام كما قال تعالى:
" اليوم اكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا "
وقد اختار السدلان ثلاثة أسس من الأسس التى يعتقدها كأصول وفروع وليست قطعا هى كل أحكام الإسلام وإنما بعض منها وتحدث عن الشورة فقال :
"الأساس الأول الشورى
الآيات الواردة في الشورى والتعليق عليها
من الأسس العظيمة والقيم الأخلاقية في الشريعة الإسلامية قاعدة الشورى، وهي من أهم قواعد الشريعة الإسلامية التي نطق بها القرآن الكريم؛ قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}
وقال تعالى: {وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون}
كما كان النبي (ص)على عظيم قدره، ومنزلته وتأييده بوحي السماء، كان كثير المشاورة لأصحابه في كثير من الشؤون التي لم ينص عليها في القرآن وكان النبي (ص)يعمل بما يظهر له أنه صواب"
الأحاديث والآثار الواردة في الشورى
1 - فقد قال (ص)لأصحابه يوم بدر: «أشيروا علي أيها الناس» فأشار عليه الحباب بن المنذر بالنزول على الماء فقبل منه
2 - وأشار عليه السعدان: (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) يوم الخندق بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما
3 - كما ثبت أنه (ص)استشار المسلمين قبل أن يخرج لغزوة أحد، وأنهم أشاروا عليه بأن يخرج لقتال أعدائهم، وكان من رأيه أن يبقى في المدينة مدافعا، ولكنه نفذ ما أشاروا عليه به، وخرج وانتهى الأمر بمحنة المسلمين، وفي هذا برهان على أن الله سبحانه وتعالى يريد أن تكون سياسة المسلمين قائمة على مبدأ الشورى، فإذا كان النبي (ص)مأمورا بالشورى، وهو الذي يمتاز بكماله العقلي والروحي واتصاله بالوحي الإلهي؛ فغيره أولى بالأمر بالأخذ بهذا الأساس العظيم
قال ابن عطية : «الشورى بركة، وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافة – وهي من أعظم النوازل – شورى»
وقال الحسن: «والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم»
وأخرج الشافعي عن أبي هريرة قال: «ما رأيت أحدا أكثر مشاورة لأصحابه من المصطفى (ص)»
ومعلوم أنه (ص)لم يكن في حاجة قط إلى مشاورة أحد منهم، لأنه مؤيد بالوحي: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ، ومسدد من الله تعالى في اجتهاده، ولم يكن يجتهد إلا فيما لم ينزل عليه فيه وحي، وكان اجتهاده واقعا تحت إقرار الوحي، أخرج البيهقي في الشعب عن أنس وابن عباس رضي الله عنهما لما نزل: {وشاورهم في الأمر}: قال المصطفى (ص)«أما إن الله ورسوله يغنيان عنهما، لكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا» قال ابن حجر: غريب
وقال الحسن البصري: «ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمته من بعده»
وقال الحسن أيضا: «كان والله غنيا عن المشاورة، ولكن أراد أن يستن لهم»
وقال علي :«الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم» "
وما نقله السدلان هنا من أقوال كله يخالف كتاب الله فالنبى(ص) لم يكن مستغنيا عن الشورى لأن الوحى لم يكن سوى معرفا له سوى الأحكام وأما تفاصيل حكم كالقتال فى مكان ما فلم يعرفه الله أماكن وضع المقاتلين وأسلحتهم وما شاكل هذا وواحد من الناس مهما بلغ من العقل لن يقدر على الإلمام بكل الأمور ولهذا كان الاعتراف الموجود فى القرآن:
" قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى"
فممد(ص) بشر والوحى لن يقول له كل شىء فى حياته لأنه فى تلك الساعة سيكون مسيرا ولبيس مخيرا ومن ثم فالنبى(ص)كان محتاجا للشورى
ثم تحدث عن أمره بالمشاورة فقال :
"ولذا كان النبي (ص)كثيرا ما يحض على إقامة الشورى من بعده بما يشعر بوجوبها، عن أبي هريرة قال: «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها»
ففي هذا وعد بالخير والبركة في حياة المسلمين ما داموا متمسكين بالشورى، وفيه وعيد شديد وإنذار بما تلقاه الأمة في حياتها من الشدائد والمحن إذا تخلت عن الشورى الجادة
ومن يقرأ حياة الخلفاء الراشدين والصالحين من ولاة الأمر في خير قرون الإسلام، يجد أن الشورى كانت ديدنهم في جميع ما يعرض لهم من الحوادث التي لم يكن فيها نص من كتاب الله أو سنة رسوله (ص)؛ سواء أكان ذلك من قبيل سياسة الأمة، أم من قبيل التشريع الاستنباطي في الأحكام الشرعية، أم كان من قبيل مصالح الحروب وتعيين قوادها، وتجهيز الجيوش، ومعاهدات الصلح، وتحديد علاقات الأمة بغيرها من الأمم في حالتي الحرب والسلم، وإقامة موازين العدل بين الأفراد والجماعات، إلى غير ذلك مما يشمل كل جانب من جوانب حياة الأمة الإسلامية "
وحدثنا عن تعريف الشورى فقال :
"مهمة الشورى وأهميتها في حياة الأمة
إن مهمة الشورى هي: تقليب أوجه الرأي واختيار اتجاه مناسب من الاتجاهات المعروضة، وهي خير وسيلة لتربية الأمم، وإعدادها للقيادة الرشيدة، وتدريبها على تحمل التبعات، وهي الدعامة الأولى التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام؛ فلا يجوز لحاكم، ولا لمجتمع أن يلغي الشورى من حياته السياسية والاجتماعية، ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون بالتسلط والجبروت، كما هو حال كثير من القادة والرؤساء الذين يعميهم التعصب الممقوت والاستبداد بالرأي؛ فينزلقون إلى الشر ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الهلكة والدمار!! ولكن الشورى في الإسلام ربانية المصدر؛ فلا يجوز لحاكم أن يعطلها ليبسط سلطان طغيانه على الناس: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}، {وأمرهم شورى بينهم}؛ على حين يجوز للحاكم في الدول ذات الدساتير الوضعية أن يعطل الدستور، ويفرض الأحكام العرفية باسم ضرورات الأمن وضبط النظام؛ ومن ثم يكون التسلط والطغيان "
الشورى تكون فى الأحكام التى جعل الله فيها خيارات متعدد فمثلا فى اختيار الحاكم هنا مثلا عشرات او مئات أو آلاف يمكن لكل مسلم أن يختار منهم ومثلا اختيار زوج لابنة هناك عشرات أو مئات يمكن الاختيار منهم وهنا الشورى خاصة تقتصر على الفتاة ووالديها ومن يعيش معهم من الأقارب ومثلا فى القتال هناك اختيار لأماكن متعددة يتخدها المجاهدون للقتال منها
وتحدث عما سماه قاعدة الشورى وهى اختصاص من سماهم أهل الحل والعقد فقال :
"قاعدة الشورى في الإسلام
ليست الشورى في المجتمع الإسلامي على غرار الشورى في المجتمعات الديمقراطية؛ فهذه شورى ابتدعها الإنسان للتشاور في صيغة حكمه نفسه بنفسه؛ ولكن الشورى في الإسلام شرعت للتداول بين أصحاب العقول الراجحة من أهل الحل والعقد؛ للتوصل إلى الصورة المثلى في تطبيق حكم الله على البشر؛ كذلك فإن قاعدة الشورى تمثل أجلى مظاهر اليسر، والسماحة، والتوازن، بين الثبات والمرونة في الشريعة الإسلامية، فإذا كانت الشورى واجبة على المسلمين بمقتضى قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر}، وقوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}، وهذا يمثل عنصر الثبات والدوام، فإن تفصيل النظم الشورية والطرق التي تكون بها – مما يختلف باختلاف الأحوال والزمان والمكان – قد تركت لكل أمة تنظمها حسب الظروف والأحوال، حسبما يتفق ومصلحتها؛ فيستطيع المسلمون في كل عصر أن ينفذوا ما أمر الله به من الشورى بالصورة التي تناسب حالهم وأوضاعهم، وتلائم موقعهم من التطور؛ دون تحديد شكل معين أو قيد يلزمهم بذلك، وهذا يمثل عنصر السعة والمرونة، واليسر والسماحة، والسبيل الأقوم للشورى في الإسلام
أهل الشورى
«إن الشورى التي أوجبها الله سبحانه وتعالى لا يفهم منها أنها لمجموع أفراد الأمة أو الأكثرية المطلقة فيها؛ وإنما لأهل الحل والعقد، قاصرة على علية القوم من ذوي العقول الراجحة، والكفاءات العلمية المتخصصة؛ فهم زعماؤها، ورؤساؤها، وعلماؤها، العالمون بشريعتها، ومصالحها السياسية والاجتماعية، والقضائية، والإدارية» دون الغوغائيين وسفلة القوم من محترفي السياسة وتجارها؛ كما هو الحال في برلمانات اليوم ومجالس الشعب، في كثير من الدول التي تدين بالإسلام!!
وفي القرآن الكريم تكررت آيات كثيرة تنص على أن الرأي لأهل الفضل والعلم، وليس لأكثر الناس على التعميم؛ قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} ؛ فإذا كانت طاعة الكثرة الجاهلة تضل عن سبيل الله، فليس من الصواب أن تكون لهم المشورة؛ وإنما ترجع المشورة إلى أهل الرأي والحكمة؛ بدليل قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}
وقال تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب}
ويقول الرسول الكريم (ص)فيما رواه عنه ابن مسعود - رضي الله عنه -: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإياكم وهيشات الأسواق» فإشارة النبي (ص)بتقديم أولي الأحلام والنهى ليكونوا خلفه في الصلاة ترشيح لهم ليكونوا من أهل الشورى والحل والعقد في المجتمع الإسلامي، وشتان ما بين شورى تعتمد على السوقة وطغام القوم وسفلتهم، وبين شورى تعتمد على أعيان الفضل، وغرر المجد، وهامة الشرف والتقوى في المجتمع؛ نعم، هناك أمور تتعلق الحقوق فيها برأي العامة الذين تتصل بهم اتصالا مباشرا، ولا يحتاج الرأي فيها إلى كبير تدبير؛ فتكون مشورتهم حينئذ حقا من حقوقهم لا يقضى فيها إلا إذا أخذ رأيهم بطريقة من طرق تعرف الرأي المتاحة في المجتمع"
كل ما استشهد به الرجل من القرآن على أهل الحل والعقد يدل على غير ما ذهب إليه فقوله شاورهم وبينكم عائد إلى كل المسلمين وليس لطائفة منهم ولا يوجد اى دليل على التخصيص لأنه ذكر المؤمنين دون تحديد
ثم حاول أن يلوى حتى عنق الروايات فقال :
"ومثال ذلك ما شرعه النبي (ص)لأمته؛ لتقتدي به من بعده
روى البخاري في صحيحه بسنده أن رسول الله (ص)قام حين جاءه وفد ***** مسلمين؛ فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال الرسول (ص)«معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، وقد كنت أستأنيت بكم»، وكان أنظرهم رسول الله (ص)بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله (ص)غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا فقام رسول الله (ص)في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: «أما بعد: فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك، فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فليفعل» فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال رسول الله (ص)«إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إليها عرفاؤكم أمركم»، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله (ص)فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا»
فقول الرسول (ص)«إنا لا ندري – على التفصيل والتعيين – من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم»؛ أي بعد التعرف على رأي كل فرد منكم في حرية وطيب نفس؛ فهذا مسلك يرشدنا إلى أدق ما وصلت إليه السياسة في تعرف رأي العامة فيما يتصل بما يكون للأفراد حق فيه، ويرشدنا كذلك إلى أن سياسة المسلمين مشاركة إيجابية بين الراعي والرعية، وتعاون حقيقي فيما بينهم؛ فالرئيس الأعلى للدولة سلطته محكومة بشريعة الإسلام في أصولها العامة، وقواعدها الكلية، وأحكامها التفصيلية، فإذا وقع من الحوادث ما يتصل بالأفراد في حق من حقوقهم، أو واجب من واجباتهم، بادر إلى طلب الشورى من أهلها، ولزام على الرعية أن يبدوا آراءهم، حتى ولو تعارضت مع رأيه، فما دام الحاكم مسلما تقيا لا يجد غضاضة أن يسمع المعارضة تأتيه من أي فرد من أفراد الرعية، فيتقبلها بطيب خاطر، ويرد عليها بسماحة نفس، كما كان من عمر بن الخطاب حينما اعترضه أحد المعترضين فقال له عمر: «لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها»"
الغريب فى مناقشته الرواية التى يستدل بها على وجود أهل الحل والعقد أنه قال :
"فهذا مسلك يرشدنا إلى أدق ما وصلت إليه السياسة في تعرف رأي العامة فيما يتصل بما يكون للأفراد حق فيه"
فهنا يقر أن رأى العامة مأخوذ به ومن ثم يكون الأمر على عكس ما ذهب إليه من وجود المزعومين أهل الحل والعقد والذين هو صورة أخرى من الملآ وهو كبار القوم وهى الصورة التى جعلت الأقوام كلها فى جهنم
والحديث لا يصح فلم يكن هناك سبى للإسلام مع قوله تعالى :
"فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها"
فهنا ألأسرى يطلق سراحهم بمقابل وهو الفدية أو بالمن وهو إطلاق سراجهم بدون مقابل بينما السبى يعنى عدم إطلاق سراح الأسيرات نهائيا بل واغتصابهن بدعوى كونهم من ملك اليمين ومن اخترعوا الحكم السبى لم يفكروا أن الكفار سيفعلوا فى بناتهم وزوجاتهم وأمهاتهم وغيرهن من المسلمات أفعال الاغتصاب المحرمة
ثم حدثنا فى أى الأمور تكون الشورى فقال:
"فيم تكون الشورى
هذا وكما تكون الشورى في أمور السياسة ويستشار فيها أهل الحل والعقد، والتجربة والخبرة، كذلك تكون في أمور العلم والدين، وفي الأمور المتعلقة بالأسرة وغيرها"
وهذا الكلام بوجودها فى أمور الأسرة يتعارض مع نظرية أهل الحل والعقد والتى تتنافى مع العدالة والمساواة فهى نظرية تقوم على غير العدل والمساواة وهى الأسس التالية التى تكلم فيها
وتحدث عن العدل كأساس وقد سبق القول أن العدل هو الإسلام نفسه ومن ثم لا يمكن أن يكون الشىء جزء منه وفيه قال :
"الأساس الثاني العدل
العدل شعار الدين
إذا كان لكل دين شعار خاص به، وسمة تميزه عن غيره، فإن شعار ديننا الإسلامي الذي يميزه ويعين حقيقته: العدل، وهو الدعامة الوطيدة والمزية الحقيقية للشريعة الإسلامية، ومن القيم الأصيلة الراسخة في المجتمع الإسلامي، وهو ميزان الاجتماع في الإسلام، يقوم به أبناء الجماعة، وإنه لعدل فذ فريد في تاريخ الأمم والشعوب، شهد بذلك كل من سمع به من سيرة الحكام والقضاء المسلمين، أو اطلع على النصوص القاطعة التي أمرت به أمرا لا مجال للترخيص أو الاجتهاد فيه {إن الله يامركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}
وهو عدل مجرد دقيق خالص، لا يميل ميزانه بالود والشنآن، ولا يؤثر في نصاعته ميل إلى قرابة، أو نسب {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا}
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} "
وما سبق هو كلام عن كن حكم الله هو العدل الذى لا يحيد عنه المسلم بتطبيقه ثم ذكر الرجل أمثلة على العدل فقال :
"أمثلة من العدل في عهد الرسول (ص)
ولقد ضرب رسول الله (ص)أروع الأمثلة في العدل حينما جاءه أسامة بن زيد يستشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، وعزم رسول الله (ص)على قطع يدها فقال له: «أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»
فالعدل في الإسلام عدل مطلق، يطبق على الكبير والصغير، والشريف والوضيع، والأمير والسوقة، والمسلم وغير المسلم، ولا يفلت من قبضته أحد، وهذا مفرق الطريق بين العدل في المجتمع الإسلامي عن غيره من المجتمعات
وكما أن من مقاصد الإسلام رفع الحرج ودفع المشقة ورعاية مصالح الناس وأحوالهم، فإن من أهم مقاصده أيضا تحقيق العدالة، ومنع الظلم بين الأفراد، والتزام العدل، والتوسط في الأمور كلها، وبحسب العادات: قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}
قال القرطبي «المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم، والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير، كان محمودا: أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم»
...ومن يستعرض آيات القرآن التي تحض على العدل، وتأمر به، وتنفر من الظلم والحيف، وتحذر منه، يجد أن فيها – كلها – مطالبة واضحة بالتزام العدل في كل شيء، ومن كل شخص، ..."
وبعد هذا المثال لا يوجد مثال أخر ذكره الرجل الذى كرر الكلام فى الفقرة التالية:
العدل من صميم التطبيق لأحكام الشريعة الإسلامية
فالعدل في الإسلام من صميم التطبيق لأحكام الشريعة، وليس مبدأ مستقلا عنها؛ لأن مصدره الوحي الإلهي من قرآن أو سنة نبوية أو اجتهاد المجتهدين الذين يستنبطون الأحكام من المصدرين السابقين بالقياس؛ بخلاف القانون الوضعي الذي يعتبر فكرة العدالة مصدرا مستقلا خارجا عنه، يلجأ إليه القاضي أخيرا ليستوحي القاعدة القانونية؛ ثم إن الشريعة مقاصدها تتصف بقوة الإلزام الذي تستمده من الشارع الحكيم بخلاف القانون الوضعي الذي يستمد مقاصده من سمو المباديء التي تحتوي عليها والتي تختلف بسبب الزمان والمكان هذا وإذا كان العدل من السمات الأخلاقية المتميزة للدولة الإسلامية وشريعتها، فإنه لا يقتصر على أفراد الدولة فقط – أعني المسلمين فحسب – بل إن عدالة الإسلام للإنسان بإطلاق أيا كان أصله العرقي أو اللغوي أو طبقته أو عقيدته دون تمييز أو محاباة أو تحامل أو استعلاء"
وحدثنا عن أمثلة العدل فى الإسلام والمفروض أن يقول عدل المسلمين أو العدل فى دولة المسلمين فقال:
"صور وضيئة للعدل في الإسلام
وليس أدل على ذلك مما وعاه التاريخ وبقي صورة وضيئة للعدل عبر القرون من وقفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بجانب خصمه النصراني الذي سرق درعه أمام شريح الذي لم يمنعه إكباره وإجلاله لأمير المؤمنين أن يطلب منه البينة على سرقة النصراني درعه، ولما لم يجد أمير المؤمنين البينة حكم القاضي للنصراني على أمير المؤمنين الخ
والتاريخ الإسلامي حافل بأمثال هذه الأخبار الدالة على سيادة الحق والعدل في المجتمع الإسلامي، وحرية القضاء واستقلاله في المحكمة الإسلامية، ورسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء التي حددت معالم الحق والعدل في الخصومات لا تزال كنزا من كنوز دساتير القضاء حتى اليوم يقول عمر «آس بين الناس في خلقك وعدلك، ووجهك ومجلسك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك إلخ» ..."
ثم حدثنا عن وجوب عدل الأمة فقال :
"الأمة مكلفة بتحقيق العدل وبناء أصول حياتها عليه
نعم: إن الأمة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدل في الأرض، وهذا التكليف يوجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم والبغي حيث كان، ويزيلوا أسبابه؛ لا ليملكوا الأرض ويستولوا على المرافق، ويستذلوا الأنفس؛ بل لتحقيق كلمة الله في الأرض خالصة من كل غرض، مبرأة من كل هوى ومكلفة أيضا بأن تبني حياتها كلها على أصول العدل حتى تستطيع أن تحيا حياة حرة كريمة، يحظى كل فرد في ظلها بحريتها، وينال جزاء سعيه، ويحصل على فائدة عمله وكده"
وبعد ذلك تحدث عن المساواة وهى مبدأ مخالف للإسلام إلا أن يكون معناه العدل فلا توجد مثلا فى الإسلام حقوق واحدة للذكر والأنثى فى الإسلام ولا توجد حقوق واحدة للصحيح والمريض ولا توجد حقوق واحدة للطفل غير المكلف والرجل المكلف أو المرأة المكلفة .... ومن ثم فأخذ لفظ العدل والمساوة من كلام الكفار هو ضرب من مخالفة الإسلام وتحدث عنها فقال :
"الأساس الثالث المساواة
المساواة هي الأساس للتفاضل بين البشر
إن المساواة بين الناس تعد نتيجة حتمية لسيادة العدل بينهم، وهي ليست وليدة اجتهاد فردي، أو نتاج تفكير فلسفي، وإنما هي مبدأ أصيل، قرره الذي برأ الخلق والكون والحياة؛ قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وهي قيمة وحيدة يرجح بها وزن الناس، أو يخف، وهي قيمة سماوية بحتة، يستمد منها الناس في الأرض قيمهم وموازينهم، ويضربون صفحا عن القيم الأخرى من نسب وقوة وجاه ومال وغير ذلك من القيم التي يتعاملون بها، ويتفاوتون فيما بينهم في الأرض بسببها
هذا هو الأساس الذي ولد قبل أربعة عشر قرنا على يد الإسلام في بلاد العرب التي كانت تعد أشد الأمم تباهيا بالأنساب "
قطعا ما استدل به الرجل على المساواة لا يوجد فى آيته لفظ على ما ذهب إليه لأن الآية تتحدث عن أصل الخلق وتفرق الناس وعن كون التقوى هى أساس تفاضل الناس والتفاضل لا يدل على المساواة
وحدثنا عن العنصرية والنعرات فقال :
"الإسلام انتشل الناس من وحل التفرقة العنصرية، والنعرات الجنسية فإذا نظرنا إلى ما شرعه الإسلام من المساواة، فسنجد أنه لم يصل أي تشريع سماوي – فضلا عن وضعي – في مبدأ الحرص على المساواة – إلى ما وصل إليه الإسلام؛ فالأمم قبل الإسلام وبعده إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، كانت تضع فروقا عظيمة بين طبقات الأمة يقول صاحب كتاب «روح الدين الإسلامي» جاء في موسوعة لاروس في سنة (1798م): كان يوجد عدم مساواة في توزيع المناصب العمومية وعدم رقابة عليها، فبذل وزراء لويس السادس عشر جهدهم لإجراء الإصلاحات التي تتطلبها الأمة، فلم ينجحوا ضد المقاومة العنيفة لرجال الدين والنبلاء، فرأت الأمة أنه لا يجدي في هذا الأمر غير ثورة تضع مكان جماعة قائمة على اعتبار الامتيازات، جماعة أخرى يسودها قانون المساواة بين الجميع، وبعض الأديان تقر نظام الطبقية كالديانة البراهمية التي تقسم الأمة إلى طوائف أربع، ويجعل على هذه الطبقات البراهمية أو الكهنة، وأدناها السفلة، والبراهمي يجب احترامه بسبب نسبه وحده، وأحكامه هي وحدها الحجة، وله يد حين الحاجة أن يمتلك مال الواحد من السفلة؛ لأن العبد وما ملكت يده لسيده، وكان محرما على هذه الطبقة المنكودة أن يتصل أحدهم بشيء من الدين أو العلم، وإلا حل به عذاب غليظ، مثل صب الرصاص المصهور في أذنيه، وشق لسانه، وتقطيع جسمه، واليهود الذين يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه دون غيرهم – ساء ما يفترون – فرقوا في تشريعاتهم بين اليهود وغيرهم، فحرموا الربا بشدة بينهم، وجعلوه تجارتهم الرابحة الحلال بالنسبة لمن لم يكن منهم، والأمم الديمقراطية التي تدعي – كذبا – أن العالم الإنساني مدين لها بمباديء المساواة، لا تزال في قوانينها وسياستها تأتي بما يخالف هذا المبدأ كما في بعض الولايات الأمريكية، وجنوب أفريقيا، وكثير من المناطق الخاضعة للاستعمار الأوروبي، توجد الفوارق بين الطبقات والتفرقة العنصرية بينهم، ويجرد السود هناك من أبسط الحقوق الإنسانية
بيد أن الإسلام بمثله العليا لا يقيم لهذه القيم الهزيلة وزنا، ولا يهتم بهذه النعرات السخيفة والاعتبارات الصغيرة، الواهية، إنه يجعل مقياس التفاضل وميزان العدل الذي توزن به جميع الأعمال والقيم {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} بغض النظر عن جميع الملابسات والاعتبارات والقيم الأخرى؛ فالأكرم عند الله هو الذي يستحق الرعاية والاهتمام، ولو تجرد من كل المقومات والاعتبارات الأخرى التي يتعارف عليها الناس من النسب والجاه والقوة والمال إلخ، وسائر القيم الأخرى لا وزن لها حين تتعرى عن الإيمان والتقوى، والحالة الوحيدة التي يصح لها فيها وزن واعتبار هي حالة ما إذا انقضت لحساب الإيمان والتقوى "
وهذا الحديث عن التساوى هو حديث عن بعض العدل وما عند الأمم هو الذى اختص به اهل الحل والعقد أنفسهم دون سائر الناس وقد جاء الإسلام لهدم سيطرة الكبار أهل الحل والعقد فى كل أمة من خلال اختراعاهم الأديان المختلفة سواء سميت أديان أو مذاهب أو داساتير أو عقد اجتماعى لتكريس السيطرة
وحدثنا عن كون التقوى مقياس التفاضل في الإسلام فقال :
التقوى مقياس التفاضل في الإسلام
نعم: لقد قرر الإسلام – باعتباره التقوى مقياسا للتفاضل بين البشر – أبرع صورة للمساواة بينهم، وأمتن دعامة للإخاء والمودة،وهذا كله يدل دلالة قاطعة على مزيد شرف النوع الإنساني وإظهار فضيلة اصطفائه لخلافة الله في الأرض؛ فالإنسان – كل الإنسان – مطالب أولا بأن يفرد الله بالعبادة، ...."
وكما سبق القول الحديث عن التفاضل وهو تفاضل أخروى هو خروج عن المساواة التى يريد الرجل الكتابة عنها ثم حدثنا عن عناية القرآن بمبدأ المساواة فقال :
"عناية القرآن بمبدأ المساواة
قد عنى القرآن الكريم بإبراز مبدأ المساواة بين أبناء الإنسانية عامة، على نسق يوقظ الشعور الإنساني، ويهزه هزا إلى التعاطف الأخوي الإنساني، ووشائج الترابط النسبي بين كافة أفراد الإنسان في شتى الأزمنة والأوطان قال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} وقال تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا * ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا}
وهذا يشمل كل إنسان في الوجود، لا يخص فردا دون فرد، ولا أمة دون أمة، ولا طبقة دون طبقة؛ فالناس في الواقع سواسية في حقيقة الإنسانية، ولا يقع التفاوت بينهم إلا بسبب الانحراف عن هذه الحقيقة التي تجمعهم"
والآيات التى استدل بها حسب التفسير المعروف هى ضد المساواة فالعبد يقتل إن قتل حرا ولكن الحر لا يقتل إن قتل عبدا وأما تفسيرها الصحيح فهو أن العبد هو نفسه الحر فكلنا عبيد لله كما قال" إن كل من فى السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا" وكلنا فى نفس الوقت أحرار للاختيار بين الكفر والإسلام كما قال " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"
ثم حدثنا عن التطبيق العملى للمساواة وهى تطبيق للعدل وليس للمساواة التى تختلف عن العدل فقال :
"التطبيق العملي لمبدأ المساواة الإنسانية
كان أول تطبيق عملي لحقيقة هذه الآية العليا في الوجود الإنساني، هو ما صنعه في الإسلام محمد بن عبد الله (ص)أنموذج الإنسانية الأعلى في حجة الوداع: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلغت؟» قالوا: بلغ رسول الله (ص)
وجعل (ص)نفسه الكريمة وأقرب الناس إليه مثلا أعلى لتطبيق دعامة المساواة الإنسانية تطبيقا عمليا، ليبين عن معقد الفضل بالعمل الصالح، ليتنافس فيه المتنافسون، فقد زوج مولاه زيدا بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش، ثم تزوجها (ص)بعد أن طلقها زيد؛ ليكون ذلك أساسا لتشريع المساواة في أعلى ذروتها، وأفضل صورها، وليقتلع به جذور الجاهلية من أصلها ....ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي، وتحدثوا عن العربية والفارسية، بحكم إيحاءات القوم الضيقة، ضرب رسول الله (ص)ضربته الحاسمة في هذا الأمر فقال: «سلمان منا أهل البيت» فتجاوز (ص)كل آفاق النسب الذي يعتزون به، وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها، وجعله من أهل البيت رأسا!!
وقد سار المسلمون على سيرة نبيهم، فعاشروا غيرهم من أهل الملل والنحل الأخرى بصفاء ووئام، ...ولم يمنعوا غير المسلم أن يقاضي أرفع رأس في المسلمين وينتصف منه، وعلى سبيل المثال لا الحصر: يطالعنا التاريخ الإسلامي: أن ابن عمرو بن العاص والي مصر في زمن الخليفة العادل عمر بن الخطاب لطم قبطيا؛ لأنه سابقه فسبقه، فاشتكى القبطي عند الخليفة عمر - رضي الله عنه -، فأرسل عمر إلى عمرو بن العاص وابنه؛ فلما حضرا أحضر الخليفة القبطي وقال له: أهذا الذي ضربك؟ قال: نعم، قال: اضربه فأخذ يضربه حتى اشتفى له، ثم قال له عمر: زد ابن الأكرمين!! ثم التفت إلى عمرو بن العاص وقال له: «منذ كم يا عمرو!! استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟»!!
فهذا لون من العدالة والإنسانية لا يعرفه الناس في غير الإسلام...
ثم حدثنا عن صور من المساواة في تشريعات الإسلام فقال:
"صور من المساواة في تشريعات الإسلام
نعم، إن الإسلام ساوى بين طبقات الخلق في العدل في كل شيء {إن الله يامر بالعدل والإحسان} ، وساوى بين طبقات العباد، في الحقوق والواجبات، تبعا لقدرتهم، واستطاعتهم قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ، وقال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} ، وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ، وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}
وساوى بينهم في وجوب إيتاء الحق الذي عليهم، وفي إيصال الحق إليهم، قال تعالى: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)«من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرح عليه» "
والحديث لا يصح فلا أحد يأخذ حسنات ولا سيئات أحد كما قال تعالى:
" كل نفس بما كسبت رهينة" ثم قال :
كما ساوى الإسلام بين المسلمين في إيجاب العبادات، وتحريم المحرمات، ساوى بينهم في الفضل والثواب، بحسب أعمالهم، {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}
وكما ساوى بينهم في العبادات: ساوى بينهم في المعاملات العوضية، والتبرعات والإحسان، وجعل الرضا شرطا لصحة العقود ونفوذها، وإن من أكره على شيء منها لا ينفذ له معاملة ولا يستقيم له تبرع والخلاصة أن الإسلام ساوى بين الناس في كل حق ديني أو دنيوي، ولم يجعل لأحد ميزة في شيء إلا بما قدم، وبهذا يعرف كمال حكمة الله، وشمول رحمته، وحسن أحكامه {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} "
وهذا الحديث هو حديث قاصر وهى خلاصة الكلام