الأحد، 5 سبتمبر 2021

قراءة فى كتاب الابداع في تعليم القرآن الكريم

قراءة فى كتاب الابداع في تعليم القرآن الكريم
فى مقدمة المؤلف قال أنه كان يعلم القرآن فى قرية وداعة وأن سبب تأليف الكتاب هو أن إحدى جمعيات التحفيظ طلبت من المحفظين كتابة خبراتهم واقتراحاتهم فى الموضوع فكتب المؤلف هذا البحث وفى هذا قال:
"فقد تشرفت بتدريس القرآن الكريم في قرية وادعة في قلب الصحراء ، أهلها جميعا عطشى بلهفة وشوق إلى تعلم كتاب الله عز وجل وحفظه ، وقد كلفت مع زملائي المعلمين في محافظة الطائف من قبل الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم أن نكتب بحوثا نافعة في مواضيع مختلفة فهداني الله عز وجل لاختيار موضوع ( الإبداع في تعليم القرآن الكريم ) فأرجو الله أن يوفقني في كتابته على الوجه الصحيح "
واستهل المؤلف كتابه بمدح جمعيات التحفيظ فقال:
"أولا : الإبداع في تعليم القرآن الكريم
إن من يمعن النظر في أعمال الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم سواء في الطائف أم في سائر مدن المملكة يستنتج أنها من الوسائل التي سخرها الله عز وجل لتساعد على حفظ القرآن الكريم ، وأي دارس لحال القائمين على تدريس القرآن الكريم في أقطار العالم الإسلامي يستنتج أن الجمعيات المنتشرة في سائر مدن المملكة تمتاز عن غيرها في تلك الأقطار بوجود جهاز كامل متكامل يقوم على شباب يقضون الكثير من أوقاتهم على تنظيم سير حلقات تحفيظ القرآن الكريم ومتابعة المشرفين عليها ورعاية الطلاب وتشجيعهم وحل كافة المشاكل التي قد تعيق تقدم تلك الحلقات ، لذلك لا نستغرب إذا حققت هذه الحلقات النتائج الطيبة وآتت الثمار المباركة اليانعة وفعلا فقد تخرج من هذه الحلقات مئات إن لم يكن الآلاف من خيرة الحفاظ والحمد لله ، وذلك كله بفضل الله عز وجل ثم بجهود القائمين على تلك الحلقات والجمعيات فجزاهم الله عز وجل خير الجزاء وجعل أعمالهم في موازين حسناتهم بإذن الله "
وقطعا فى دولة المسلمين لا يوجد شىء اسمه جمعيات تحفيظ القرآن لأن القرآن هو المنهج وعليه تقوم العملية التعليمية والحياتية كلها حيث أن وزارات التعليم والإعلام وغير ذلك كلها تقوم على تدريس القرآن فى كل مناحى الحياة والمطلوب ليس حفظا لفظيا وإنما حفظا عمليا بطاعة أحكام القرآن ومن ضمنها حفظ بعض أو كل القرآن لأن المطلوب من المسلمين قراءته فى صلواتهم وليس حفظه لفظيا كما قال تعالى :
" فاقرءوا ما تيسر من القرآن"
وتحدث المؤلف عن الإبداع فى التحفيظ وذكر الأسباب الداعية لذلك فقال :
ثانيا : الحاجة إلى موضوع الإبداع
مما لا شك فيه أن تدريس القرآن الكريم وتعلمه وتعليمه عمل عظيم ، فالأنبياء عليهم وعلى نبينا (ص) لم يورثوا الذهب ولا الفضة ولكنهم ورثوا العلم ، وقد أخبرنا المصطفى (ص)أن ( العلماء ورثة الأنبياء ) ومن هنا فإن تعليم القرآن الكريم وتدريسه يحتاج إلى إبداع مستمر منذ التحاق صاحب الرسالة (ص)بالرفيق الأعلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وقد ثبت أن رسول الله (ص)كان يعلم أصحابه عشر آيات حتى إذا حفظوها وطبقوها علمهم غيرها ، فما أن أكمل الله دينه عم الإسلام جزيرة العرب حتى كان من بين الصحابة آلاف الحفاظ لكتاب الله الكريم ، فذلك الأسلوب النبوي مع أصحابه الكرام وهم خير من حمل القرآن وبلغ الإسلام بعد رسول الله (ص)، وقد كانت ( طريقة التلقين والتلقي ) هي الوسيلة الوحيدة لتدريس كتاب الله وحفظه ، فلم يكن القرآن مجموعا في ذلك الوقت ، ولكن نقاء نفوسهم وسلامة سليقتهم جعل منهم بإذن الله القادرين على حفظ القرآن الكريم بمجرد السماع والتلقي وصدق الله العظيم القائل : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) فقد جعل الرسالة في بيئة خصبة مناسبة لها من حيث الزمان والمكان ، فسبحانه هو العليم الخبير أما وقد تغيرت أحوال الناس وفسدت ألسنتهم وتشعبت فروع العلم فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى الإبداع في تعليم القرآن الكريم ، مع التأكيد على أن طريقة الحفظ ( بالتلقي ) من أفواه العلماء مباشرة هي الوسيلة الباقية الصحيحة لتعليم كتاب الله عز وجل ، وأسباب الحاجة إلى الإبداع كثيرة منها :
اختلاط العرب بغيرهم من الأمم والأعاجم منذ الفتوحات الإسلامية وحتى عصرنا الحاضر أفسد اللسان العربي القويم كما أفسد السليقة التي كانت تجعل من العربي يحفظ النص بمجرد سماعه .
تشعب فروع العلم واختلافها ، فبعد أن كان المسلم في صدر الإسلام وما بعده يصرف همه إلى تعلم القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو علم الأصول أو الفقه نجده اليوم يعوم في بحر متلاطم الأمواج من العلوم التي تنتشر في العالم كله بطريقة يصعب اللحاق بكل فروعها ولكن لا بد من قطف بعض ثمارها .
انتشار وسائل اللهو المختلفة في هذه الأيام يؤدي إلى صرف الكثير من شباب المسلمين عن حفظ وتعلم كتاب الله وخاصة أن تلك الوسائل تنتشر من خلال وسائل إعلام رسمية وغير رسمية وأكثرها موجهة لصرف الشباب عن الفضائل والانغماس في مجاري اللهو والفساد .
ضعف الروابط الأسرية داخل الأسرة الواحدة ، يجعل من الصعب السيطرة على الأبناء وتوجيههم نحو دراسة وحفظ كتاب الله ويعود ذلك الضعف إلى عدة عوامل أهمها :
انشغال الأب وهو رب الأسرة في وظيفته أو تجارته وبعده عن الأبناء وعدم صرف الوقت الكافي لرعاية أسرته ومتابعة أبنائه .
جهل كثير من الأمهات بالأساليب التربوية الحديثة وعدم الاهتمام بالأبناء بسبب انشغال كثير منهن في سفاسف الأمور مما يؤدي إلى صرف الأبناء عن حفظ القرآن .
ج- اختلاف نمط المعيشة اليومية ، مما أدى إلى عدم اجتماع أفراد الأسرة معا في أوقات معينة كما كان يحدث سابقا ، وكمثال على ذلك انتشار المطاعم في الأسواق والأحياء جعل الأبناء يتناولون أكثر وجباتهم خارج منازلهم .
فتلك الأسباب وغيرها جعلت الحاجة ماسة وملحة إلى ابتداع وسائل ملائمة وموائمة ومناسبة لمعطيات ومفردات هذه الأيام ."
واستعرض المؤلف معنى الإبداع فقال :
الفصل الأول :
أولا : مفهوم الإبداع في تعليم القرآن الكريم
الإبداع لغة : هو الخلق ( الايجاد ابتداء على غير مثال سابق ) انظر قوله تعالى ( بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) وانظر كذلك تفسير هذه الآية في ( التفسير الميسر ) نشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية .
أما الإبداع اصطلاحا : فهو ابتكار واستحداث طرق وأساليب جديدة في مجال معين فإبداع المعلم في الحلقات القرآنية يعني ابتكار طرق وأساليب جديدة لتعليم القرآن الكريم بحيث لا تكون مسبوقة بمثلها من الوسائل والطرق وبحيث تتمشى وتنسجم مع مستجدات الأمور ومعطيات العصر الذي يعيشه المعلم من حيث الزمان والمكان .
وحسب نظرتي المتواضعة فإنه مهما تطورت الأزمان والأساليب والأماكن فإن الحلقة هي الأساس وإن طريقة التلقي من الأفواه هي الأصل في تعليم وحفظ القرآن الكريم ، فمن تلك الحلقة قام محمد (ص)يعلم أصحابه القرآن الكريم وأمور دينهم ومنها تخرج كبار الصحابة والتابعين وفيها كان أحمد بن حنبل وسائر الأئمة الأعلام يدرسون تلاميذهم ويخرجون العلماء النابغين كأبي يوسف والأوزاعي وحفص وعاصم والترمذي والبخاري والبيهقي فكانوا بحق أعلام هدى لهذه الأمة المباركة .
إذن ، الحلقة هي الأساس ولكن لا بد من الإبداع في إطار المحافظة على هذه الحلقة ، فمثلا إذا علمنا أن حلقة ما كانت تدرس تحت ظلال الأشجار أو في الخيام في زمن مضى فلا ضير في إعطائها هذه الأيام في قاعة فسيحة مكيفة مفروشة بالفراش الوثير النظيف ، وإذا كان المدرس في سالف الأيام يستخدم عصا طويلة تمتد لتصل جميع التلاميذ في حلقته فلماذا ؟ وما الذي يمنع أن يستخدم هذه الأيام وسيلة مناسبة كقرص أو اسطوانة حاسوب أو لوحة نظيفة يكتب عليها القرآن الكريم وأحكامه فيشار إليها بمؤشر ليزر لبيان مواضع المد والإدغام وغيرها من أحكام القرآن الكريم ؟ .
ومثال آخر على الإبداع في تعليم القرآن الكريم توظيف المدرس المناسب الذي يتمتع بمزايا تليق بوظيفته فقد كان المدرس سابقا هو هو لا يتغير مهما كان عنده من السلبيات فقد لا يوجد من عنده القدرة على تدريس القرآن الكريم غيره ، وقد يكون ذلك المدرس الوحيد حريصا على عدم إيجاد مدرس آخر قادر على التدريس لأنه يرى في ذلك الآخر مزاحما له على لقمة عيشه ، أما في هذه الأيام – ولله الحمد – فالمدرسون المتقنون لفن التجويد والمتمتعون بالمزايا التي تليق بمعلم القرآن الكريم كثيرون ، ويستطيع من يقوم على تحفيظ القرآن الكريم أن يختار منهم الأصلح والأفضل .
ومن هنا فالأمثلة على الإبداع في تعليم القرآن الكريم كثيرة كثيرة تتلخص في ابتكار الوسائل والطرق الحديثة التي تلائم الوسائل التربوية والإعلامية المنتشرة في كل مكان ، واستخدام المدرس القادر على مواكبة الأساليب التربوية الحديثة بشرط أن لا تتناقض مع مقتضيات تدريس القرآن الكريم ، وسوف أبين بإذن الله تعالى في فقرة لاحقة بعض الوسائل والطرق التي تساعد على الإبداع في تدريس القرآن الكريم ."
بعد بيان معنى الإبداع وللأسف فإنه لا يوجد جديد تحت الشمس فما نظن أنه جديد هو شىء استخدمه من قبلنا والتحفيظ ليس فيه جديد ولن يكون فيه لأنه تعليمه كان وما زال كالتالى :
الطريقة الأولى الاستماع للقارىء والترديد وراءه والقارىء فى عصرنا قد يكون المعلم أو اسطوانة أو تسجيل أو مذياع... ووظيفة المعلم كانت مجرد التصحيح للقارىء عندما يخطىء فى النطق
الطريقة الثانية القراءة مباشرة من المصحف دون معلم
وقطعا هذا لم يتغير ولن يتغير فيه شىء
وحدثنا عن مجالات الإبداع فى تعليم القرآن فقال :
"ثانيا : مجالات الإبداع في تعليم القرآن الكريم
بعد أن عرفنا معنى الإبداع لغة واصطلاحا فإنه يحق لنا أن نسأل :
هل الإبداع محصور في مجال واحد أم أن هناك مجالات عديدة ؟
والواقع أن الإبداع في تعليم القرآن الكريم له عدة مجالات يمكن حصرها في ما يلي :
مع الطلاب : أ ) داخل الحلقة ، ويتمثل إبداع المعلم هنا في مظاهر مختلفة تكمن في حسن إدارتهم وضبطهم ، فلا يسمح المعلم أن تكون الحلقة مسرحا للفوضى من بعض الطلاب فإذا ما صادف وجود طالب أو أكثر يؤثر على حسن سير الحلقة فلا بد من معالجة الأمر معالجة حكيمة وبشتى الوسائل التي تعيد أولئك الطلاب إلى جادة الحق وتضعهم في مصاف الطلبة المثاليين في حضورهم وأخلاقهم ومن الأمور التي تساعد على إبداع المعلم داخل الحلقة أن تتوافر فيه صفات المعلم القدوة لطلابه في ألفاظه ومعاملته واستعداده .
ب ) خارج الحلقة ، فإذا كان المعلم متواصلا مع طلابه بشكل جيد في الشارع والمنزل والمدرسة فإن هذا التواصل ولا شك سيكون رافدا هاما من روافد الإبداع في تعليم القرآن الكريم وهناك مجال آخر لا يمكن إغفاله أو تجاهله بل قد يكون هو الأهم من مجالات الإبداع ألا وهو التواصل بين المعلم وبين أولياء الأمور حسب إمكانية التواصل معهم ، فمن الطبيعي أن أي طالب يحضر الحلقة بعلم أهله وخاصة والديه و، ومن هنا يجب أن يحاط الوالدان بما يصدر عن أبنائهم سواء من النواحي الإيجابية أو من النواحي السلبية ، وفي كلتا الحالتين سينعكس ذلك بإذن الله على مستوى أولادهم وبالتالي على مستوى الحلقة الي يزيد من فرص الإبداع في تعليم القرآن الكريم .
فكم من ملاحظة قد يبديها أولياء الأمور تؤدي إلى كثير من الخير وإلى رفع مستوى الحلقة وجني الثمار الطيبة المباركة بإذن الله وجمعية التحفيظ أيضا لها دور كبير ومجال هام في الإبداع ، فإذا ما حصلت الثقة بين المعلم من طرف والمشرفين والموظفين والرئيس من طرف آخر وحصل بينهم التعامل الحسن والنصح المتبادل والمشورة والاستشارة والاستفادة والإفادة فلا بد من حصول الفوائد العظيمة والنتائج التي تؤدي إلى الإبداع بعون الله تعالى أما إمام المسجد وجماعته فهم بعون الله تعالى أكبر مؤازر للمعلم في حلقته إذا أحسن هذا المعلم استثمارهم لصالح الحلقة وهنا أسوف تجربة خاصة حدثت في إحدى الحلقات التي أدرسها بالفيضة حيث أن الطلاب أنفسهم أسهموا بتنظيف المسجد وترتيبه ودهانه وتببيضه على نفتهم الخاصة مما كان له الأثر الطيب عند الإمام وجماعته بل عند أهل الحي جميعا مما زاد من حرص الآباء على حضور أبنائهم ومتابعتهم فكان سببا في رفع مستوى الطلاب وزيادة حرصهم على الاستغلال وقت حضورهم في ما يجلب لهم العلم والحفظ الجيد والثواب العظيم من الله تعالى والمعلم المبدع لا بد أن تكون يوميا وقفة بل وقفات مع ذاته ، فلا بد له من محاسبة نفسه أولا بأول ، ولا بد من مناقشة عطائه وطرق تدريسه في كل يوم ، ويحرص كل الحرص على تطوير ذاته وتحسين مستواه ولا يتم ذلك إلا بنهل العلم من منابعه الصافية ، والمدوامة على تلاوة ومراجعة كتاب الله عز وجل فإذا تم ذلك فإنه سوف يحصل لديه الإبداع في تعليم كتاب الله كل ذلك بإذنه عز وجل"
وكل ما تحدث عنه الرجل يدخل فى إطار القدوة أو الأسوة الحسنة أى يكون كل مسلم إمام لغيره كما قال المسلمون فى دعاءهم:
"واجعلنا للمتقين إماما "
ومن ثم لا يوجد جديد وتحدث عما سماه الإبداع فى الوسائل فقال:
"ثالثا : وسائل وطريق معينة على الإبداع
إن الوسائل والطرق التي تساعد على الإبداع في تعليم القرآن الكريم كثيرة حسب ما أرى ، وليس المهم بيان تلك الوسائل والطرق ، ولكن المهم هو تطبيقها و إخراجها إلى حيز الوجود إذا حصلت القناعة بها ضمن الإمكانيات المتاحة ، والتي أعتقد أنها متيسرة والحمد لله إذا وجدت النوايا الصادقة لأنها تخدم أولا وآخرا كتاب الله عز وجل ، ومن تلك الوسائل والطرق الإبداعية :
أولا : توفير المكان المناسب بحيث تتوفر فيه الشروط التي تساعد على استمرار الحلقات ، ومن الواقع العملي المشاهد أن بعض الحلقات وخاصة في القرى والبحر تعقد في المسجد في وقت شديد الحر ولا تتوفر فيه وسائل التكييف والتبريد بسبب انقطاع التيار الكهربائي الذي يزود به القرية متعهد لفترات محدودة ، فكيف سيكون حال الدارسين ومدرسهم في مثل تلك الظروف ؟ ومثل هذا الأمر يعالج في حال توفر النوايا الصادقة عن أهل الخير ، فلا يستهان بمثل تلك الثغرات المشاهدة في القرى فمن يدري فلعل الله عز وجل يخرج من تلك الحلقات خيرة الحفاظ ؟ فإذا وجدت القاعة المتواضعة ، ومولد الكهرباء المناسب ، وأجهزة تبريد الماء وتكييف الهواء فلا شك أن ذلك سينعكس إيجابا على مستوى الحلقة ونتائجها ."
المكان المناسب فى دولة المسلمين هو المدارس أو القاعات فى الكليات وأما حاليا فلا يمكن لأن الأمر فوضى فهناك أمور تابعة للحكومات وهناك أمور تابعة للأهالى وفى الإسلام الدولة هى نفسها الأهالى
وتحدث عن توفير المدرس الناجح فى مجتمعاتنا الحالية فقال :
"ثانيا : توفير وتوظيف المدرس الناجح الذي يتمتع بصفات سنوردها بعد قليل بإذن الله .
ويتم ذلك عن طريق الدقة في التحري والبحث عن سلوكيات المدرس قبل توظيفه ، فلكل شخص أقران وزملاء وجيران وهؤلاء أفضل من يعطي الصورة الصادقة عن سلوكياته ثم يأتي بعد ذلك دور لجان المقابلات الشخصية والاختبارات ، وإليكم أهم تلك الصفات الواجب توفرها في مدرس القرآن الكريم المبدع مخافة الله قبل كل شيء والإخلاص في العمل ، فالمدرس هو المسؤول المباشر عن سير الحلقة ومتابعة الطلاب حفظا ومراجعة وسلوكا إذ يصعب تواجد الموجهين في كل حلقة في أي وقت فيبقى العبء الأكبر على كاهل المدرس الذي يجب أن يعلم أن الله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور سبحانه .
المظهر اللائق من حيث ارتداء الثوب النظيف من غير ابتذال ومن حيث اتباع السنة المطهرة في إطلاق اللحية وبشاشة الوجه بما يرضي الله ورسوله .
حسن العشرة والتعامل مع جميع الناس في البيئة التي يدرس بها وخاصة إذا وجد في تلك البيئة من المشكلات التي قد تحدث بين الناس ، فهنا يتجنب الانحياز إلى أي فئة بل يجب عليه أن يعمل على بذر المحبة ونزع الشر من بينهم أي يكون واسع الأفق يتحلى بالصفات التي تليق بمعلم القرآن الكريم .
التمكن من أحكام تلاوة كتاب الله عز وجل وحفظه ، وهذا يعتبر من الأساسيات في أي مدرس إذ لا يعقل أن يتم التعاقد مع أي أحد لا يمتلك هذين الشرطين بمعنى آخر يجب أن يكون المعلم المبدع مفيدا لغيره مستفيدا من أسلافه وأقرانه .
قوة الشخصية : فهي أيضا من عناصر المعلم الناجح المبدع الذي تكون لديه القدرة على فرض النظام داخل الحلقة من غير تنفير للطلاب ، والمقدرة على تعويد الطلاب على الحضور المبكر وعدم التغيب عنها والصبر على الحضور امتثالا لقوله تعالى : ( واصبر نفسك مع الذي يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) ، فلا بد من أن يكون قوي الشخصية بعيد النظر حتى يتسنى له الإبداع في تعليم كتاب الله عز وجل .
ولعل الصفات الخمس المذكورة سالفا يمكن جمعها في قوله تعالى على لسان ابنة يعقوب : ( يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ) ."
وقطعا هذا الكلام فى الدول الحالية المتخلفة لأن التوظيف فى دولة المسلمين هو توظيف آلى حيث هناك كليات إعداد المعلمين تختص بتخريج المعلمين وكلهم بإذن الله لا يوجد بينهم فرق وكلهم معد للوظيفة أحسن إعداد فهو ليس عيال وفساد كما فى المجتمعات الحالية
وتحدث عن الحوافز فقال :
"ثالثا : نظام الحوافز والتشجيع : من المعروف أن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها والله عز وجل أعد لعباده المؤمنين جنات النعيم التي وصفها في كتابه الكريم وفي سنة المصطفى (ص)جزاء لما يعملون في الدنيا ، ومن هنا فإن طالب التحفيظ يفرح عندما تقدم له هدية تقديرا لصفة أو مجموعة من الصفات التي يتمتع بها ، ولذلك يجب اختيار الهدايا والجوائز بناء على خطة مدروسة بحيث تؤتي ثمارها وبالتالي تؤدي إلى الإبداع لدى جميع الطلاب مما يؤدي إلى نتائج أفضل وتخريج حفظة أكثر بعون الله تعالى .
والناظر إلى الجوائز المقدمة للطلاب في حلقاتهم فإنه لا يسعه إلا أن يقول بداية : جزى الله عز وجل كل الخير كل من يساهم في تقديمها ، غير أنه يجب أن ننبه إلى وجوب إمعان النظر دوما في طبيعة تلك الهدايا المقدمة وقيمتها ونفعها للطلاب فنلاحظ قلة الأشرطة المسجل عليها أجزاء من القرآن الكريم بأصوات أئمة الحرمين الشريفين على سبيل المثال ونكرر أنه لا ينبغي الانتقاص من أهمية الجوائز المقدمة حاليا ، ولكن الأمل معقود على تحسينها ومن تلك الوسائل المقترحة :
شريط مسجل عليه جزء عم وأجزاء أخرى تتناسب والمستوى الذي وصلت إليه الحلقة .
كتيبات أو كتب تعالج قضايا تمس هموم الشباب والطلاب وتعالج مشكلاتهم .
أشرطة تسجيل متنوعة لعلماء أجلاء لهم سمعتهم الطيبة داخل المملكة وخارجها بالإضافة إلى ما تقوم به الجمعية مشكورة من توزيع لمثل هذه الأشرطة .
هدايا لها خصوصيات معينة ، فهناك طلاب فقراء يعرفهم المشرف على الحلقة ، فما أجمل أن يقدم لأمثالهم هدية يستفيدون منها وذلك مثل ثوب أو عمامة أو غيرها "
وهذا كلام سببه الفساد فى مجتمعاتنا فالتعلم واجب ولا يثاب عليه بمال أو أى شىء مادى فنحن نعلمه القرآن لينتفع به فى حياته والمعلم يقبض راتبه الذى يكفيه ومن ثم لا حوافز لطالب ام معلم أو غيره لأن هذا ينتج أناس همهم المال وليس همهم طاعة الله
وتحدث عن لقاء المحفظين بأولياء الأمور فقال :
"رابعا : عقد لقاءات مع أولياء الأمور :
لا شك أن ولي الأمر هو الطرف الرئيس المهم في حلقات تحفيظ القرآن الكريم وعندما يكون القصد هو الإبداع في طرق التدريس فيجب أن لا يغفل دور ولي الأمر في هذا الموضوع ، لذلك يجب التخطيط لعقد لقاء موسع مرة على الأقل في كل شهر أو في كل شهرين ، بحيث يتم فيه مناقشة مشكلات الأبناء الطلاب مثل الغياب وقلة الحفظ ونسيان ما يحفظ وغيرها من المشكلات ولا بأس أن يصاحب ذلك اللقاء برامج ترفيهية وترويحية للطلاب يتبعها غداء يسهم به الطلاب أنفسهم وتقديم جوائز حتى لو كانت من إسهامات أولياء الأمور "
طبعا من ضمن وظيفة المدرسة أو الكلية الاتصال بأولياء الأمور لإبلاغهم أى شىء يستجد ولكن فى مجتمعاتنا المتخلفة يتم الإتصال للحصول على أموال أو ولائم من أولياء الأمور الذين أتم أبناءهم الحفظ الكلى أو الجزئى لبعض القرآن وأولياء الأمور المتخلفين يظنون أن حفظ التلميذ للقرآن شىء عظيم وما يدرون أنه مجرد زيادة مصحف ناطق فليس مهما أن يكون عدد الحفاظ كثير والمهم هو أن يعملوا بطاعة القرآن
وتحدث الرجل عن تبادل الخبرات بين المعلمين فقال :
"خامسا : الاتصال بالمبدعين من الحفاظ والمتعلمين :
لعل الاتصال بالمبدعين في علوم القرآن الكريم وخاصة في حفظه وتلاوته وكذلك بالدارسين الذين تكتشف فيهم عناصر الإبداع من أنجح الوسائل التي تنمي الإبداع عند الطلاب ، وفي هذا السياق ليته يصبح عند الحلقات عادة في التواصل فيما بينها وزيارة خاصة لمكة المكرمة والمدينة المنورة من المناطق الأخرى ، بالإضافة إلى ذلك فإن زيارة الحلقات التي يشار إليها بالبنان يؤدي إلى إحياء روح التنافس الشريف بين الدارسين للحصول على فوائد كبيرة ."
وهذا الكلام أصبح سهلا مع وسائل الاتصال على الشبكة العنكبوتية ونادى المؤلف بإبعاد الملل عن الطلاب بتجديد الطرق فقال :
"سادسا : اتباع طرق جديدة بين الحين والآخر تبعد الطلاب عن شبح الروتين ومنها :
إبقاء الطلاب في أماكنهم في الحلقة والبدء في التسميع لهم واحدا بعد الآخر .
المناداة على الطلاب من واقع كشف الحضور إلى أن ينتهي الجميع من التسميع .
استدعاء أحد الطلاب ليجلس أمام المدرس فيتلو حصته من الحفظ مع بقاء الطلاب في أماكنهم يستمعون إلى تلاوته مستفيدين من تقويم المدرس له .
تقسيم الطلاب إلى مجموعات ثنائية ( كل مجموعة من طالبين فقط متقاربين في الحفظ ) بحيث يسمع أحدهما للآخر وينادي المدرس على الطلاب ليقوم حفظهم .
تقسيم الطلاب إلى مجموعات غير ثنائية ( رباعية أو خماسية ) بحيث يكلف الطالب الأكفأ منهم بالتسميع والمراجعة لما يحفظه طلاب تلك المجموعة تحت إشراف المدرس ومراقبته "
وتحدث عن المنافسة بين الطلاب فقال :
"سابعا : بث روح المنافسة الأخوية الشريفة بين الطلاب :
وهذه بعض الاقتراحات في هذا المجال
تقديم جائزة قيمة لكل من يتم حفظ جزء من أجزاء القرآن الكريم هذا بالإضافة إلى الجائزة المقدمة من جمعية تحفيظ القرآن الكريم .
إخبار ولي الأمر تباعا بمستوى ابنه بحيث يداوم على تشجيع ابنه وتكريمه ووعده بالمزيد من الهدايا في حال مداومة ابنه على الحفظ وتميزه في الحلقة .
ج- تكريم أي طالب يتم حفظ جزء لزملائه في الحلقة ، وقد شاهدت في طلابي الفرح والسرور عندما يتم أحدهم حفظ جزء فيقدم لهم الحلوى والشراب ، ولعل ذلك يذكرنا بالاحتفال الذي كان يتم لكل من يختم جزء عم مثال حيث كان يحمل على الأكتاف ويطاف به القرية إلى أن ينتهي المطاف إلى المسجد ."
والكلام الذى يقال هنا هو من ضمن الهبل والخبل فى مجتمعاتنا فالمقصود من التعلم ليس الاحتفال وإنما طاعة الله وليس الطواف به فى القرية وتضييع الوقت والجهد فى المشى والهتاف بلا فائدة
وتحدث الرجل فى الفصل الثانى عن أنماط وأساليب جديدة للإبداع فقال:
"الفصل الثاني :
4- أنماط وأساليب جديدة للإبداع
لقد ذكرت حتى هذه الفقرة بعض ما هداني الله إليه من وسائل وطرق تسهم في الإبداع في تعليم القرآن الكريم وتدريسه ، وحيث أن كتاب الله عز وجل هو المعجزة الباقية الخالدة حتى يرث الله الأرض ومن عليها فلا بد من وسائل وأنماط وأساليب جديدة تسهم في الإبداع في تدريسه وحفظه وبحيث تتلاءم مع معطيات هذا العصر الذي نعيشه والعصور التالية .
ولا أدعي الكمال في هذا المجال فالكمال لله وحده ولكني أجتهد فيه معتمدا على الله سبحانه وتعالى وداعيا إياه أن يوفقني إلى إيضاح بعض الأنماط والأساليب الجديدة ومنها :
أولا : زيادة البرامج المتخصصة بتحفيظ القرآن الكريم وتعليم أحكام تلاوته في إذاعة القرآن الكريم أكثر مما هي عليه الآن ، وبث تلك البرامج في مواعيد مناسبة مع أوقات الطلاب بشكل عام وأوقات راحتهم وإجازاتهم بشكل خاص مع عدم إنكار الدور الكبير الذي تقوم به إذاعة القرآن الكريم ، غير أن مواعيد تلك البرامج غير معروف بالدقة لدى أكثر الطلاب بالإضافة إلى عدم شموليتها .
ثانيا : تخصيص قناة فضائية تلفازية لعلوم القرآن الكريم مع التركيز على التحفيظ وأحكام تلاوته ، وقد أصبح وجود مثل هذه القناة ضروريا أمام ما نشاهده من وفرة هذه المحطات الفضائية التي تبث الكثير من الغث والقليل القليل من السمين وتسهم في صرف شباب المسلمين عن كتاب الله عز وجل .
ومن هنا يجب تنبيه الموسرين وحثهم وكذلك المتخصصين في الإعلام على إنشاء مثل هذه المحطة القرآنية ، لا شك أنها تحتاج إلى جهود إعلامية ضخمة ونفقات مالية كبيرة ولكن كل شيء سيتيسر بإذن الله في حالة وجود النوايا الطيبة والجهود المخلصة وتظافرها .
ثالثا : فتح موقع خاص بالقرآن الكريم على شبكة المعلومات الدولية ( الإنترنت ) بحيث يختلف عن المواقع الحالية والتي لا تخلو من التحريف كما نسمع ونقرأ عنها وبحيث تتوفر فيه الشروط التالية :
أن يقوم ببث المعلومات علماء أجلاء متخصصون في علوم القرآن الكريم
أن ينال الشباب والطلاب الحظ الأوفر من تلك البرامج الموجهة .
ج- أن تكشف ما تقوم به بعض الشبكات من تحريف لكتاب الله عز وجل .
رابعا : تطوير حلقات تحفيظ القرآن لما فيه الأفضل باستمرار وسوف أركز في هذا الجزء على تلك الحلقات الموجودة في القرى والتي تفتقر إلى وسائل معينة ومن أساليب ذلك التطوير :
أ – تزويد كل حلقة بمكتبة صوتية متخصصة في تدريس القرآن الكريم تحتوي على أشرطة لكامل أجزاء القرآن الكريم وجهاز تسجيل عالي الجودة والتحمل .
ب-تزويد كل حلقة ( حسب الإمكانات ) بجهاز كمبيوتر مع أقراص وأسطوانات خاصة بتعليم القرآن الكريم .
ج- تأمين الحلقات القروية في فترة انقطاع الكهرباء بعد العصر بأجهزة تكييف هواء تعمل على الشحن أثناء انقطاع التيار .
د- تكليف المشرف على الحلقة بكتابة تقرير شهري شامل عن حلقته ومتابعة مثل تلك التقارير ."
وما قاله الرجل كثير منه موجود على الساحة ولكنه غير مفيد فى مجتمعات بعض منها يبنى الناس وبعض منها يهدم الناس ففى مقابل قنوات القرآن التى تعد بالعشرات هناك آلاف القنوات الفاسدة المفسدة وفى مقابل إذاعات القرآن التى تعد بالعشرات هناك ألوف مؤلفة منها فاسدة مفسدة
وفى مقابل حوافز القرآن القليلة توجد حوافز هائلة لمن يتعلم ويعلم الفساد من الطلاب سواء فى الرياضة أو فى التمثيل أو فى الرقص أو فى الغناء
ومن ثم فهذه المجتمعات لن تنجح يوما فى بناء دولة مسلمة لأن كل دولة المنطقة تعتمد سياستى الهدم والبناء فى نفس الوقت حتى يظل الكفر وهو الظلم مسيطرا على كل بلاد العالم

السبت، 4 سبتمبر 2021

قراءة فى كتاب انتهاء الأجل هو السبب الوحيد للموت

قراءة فى كتاب انتهاء الأجل هو السبب الوحيد للموت
الكتاب بلا مؤلف فى مكتبة الإكسير الشاملة وهو متواجد فى العديد من المنتديات على الشبكة العنكبوتية بأسماء متعددة والمؤلف يستهل الكتاب بأن ما يقوله الناس ومنهم الأطباء عن ان سبب موت فلان أو علان كذا أو كذا من الأمراض أو توقف المخ أو هبوط فى القلب وهو كلام خاطىء وفى هذا قال:
"يظن كثير من الناس أن الموت وإن كان واحدا ولكن أسباب الموت متعددة، ويقولون تنوعت الأسباب والموت واحد ويرون أن الموت قد يكون من مرض مميت كالطاعون مثلا، وقد يكون من طعن سكين أو ضرب رصاص أو حرق بالنار أو قطع رأس أو غير ذلك، فهذه كلها عندهم أسباب مباشرة تؤدي إلى الموت، أي يحصل الموت بسببها ومن أجل ذلك يعلنون أن هذه الأشياء سبب الموت، وبناء على هذا يحصل الموت إذا حصلت هذه الأشياء، ولا يحصل إذا لم تحصل فيكون الموت عندهم قد حصل بوجود هذه الأسباب لا بانتهاء الأجل، وإن قالوا بألسنتهم يموت الإنسان بأجله، ويكون المميت هو هذه الأسباب، وليس الله تعالى وإن قالوا بألسنتهم إن المحيي والمميت هو الله تعالى"
وبين المؤلف أن هناك سبب واحد للموت وهو انتهاء الأجل أى العمر المحدد وفى هذا قال :
"والحقيقة هي أن الموت واحد وأن سببه واحد أيضا وهو انتهاء الأجل، وأن المميت هو الله تعالى وحده، وأن المباشر لإيجاد الموت هو الله سبحانه وتعالى وذلك أن الشيء حتى يصح أن يكون سببا لا بد أن ينتج المسبب حتما وأن المسبب لا يمكن أن ينتج إلا عن سببه وحده وهذا بخلاف الحالة فإنها ظرف خاص بملابسات خاصة يحصل فيها الشيء عادة، ولكنه قد يتخلف ولا يحصل فمثلا، الحياة سبب للحركة في الحيوان، فإذا وجدت الحياة فيه، وجدت الحركة منه، وإذا عدمت الحياة فيه عدمت الحركة منه، ومثلا الطاقة سبب لتحرك الموتور، فإذا وجدت الطاقة تحرك الموتور، وإذا لم توجد الطاقة لا توجد الحركة وهذا بخلاف المطر بالنسبة لإنبات الزرع، فإنه حالة من الحالات التي ينبت بها الزرع وليس سببا وذلك أن المطر ينبت الزرع، ولكن قد ينزل المطر ولا ينبت الزرع، وقد ينبت الزرع من رطوبة الأرض وحدها كالزرع الصيفي ينبت بدون نزول المطر وكذلك مرض الطاعون وضرب الرصاص وغير ذلك قد توجد ولا يحصل الموت، وقد يحصل الموت من غير أن يوجد أي شيء من هذه الأشياء التي يحصل فيها الموت عادة والمتتبع لكثير من الأشياء التي يحصل فيها الموت، والمتتبع للموت نفسه يتأكد من ذلك واقعيا، فيجد أنه قد تحصل هذه الأشياء التي يحصل منها الموت عادة ولا يحصل الموت، وقد يحصل الموت بدون حصول هذه الأشياء فمثلا قد يضرب شخص سكينا ضربة قاتلة ويجمع الأطباء عن أنها قاتلة، ثم لا يموت فيها المضروب، بل يشفى ويعافى منها وقد يحصل الموت دون سبب ظاهر، كأن يقف قلب إنسان فجأة فيموت في الحال دون أن يتبين نوع الحالة التي يحصل فيها وقوف القلب لجميع الأطباء بعد الفحص الدقيق والحوادث على ذلك كثيرة يعرفها الأطباء، وقد شهدت منها المستشفيات في العالم آلاف الحوادث فقد يحصل شيء يؤدي إلى الموت عادة جزما ثم لا يموت الشخص، وقد يحصل موت فجأة دون أن يظهر أي سبب أدى إليه ومن أجل ذلك يقول الأطباء جميعا إن فلانا المريض لا فائدة منه حسب تعاليم الطب، ولكن قد يعافى وهذا فوق علمنا ويقولون إن فلانا لا خطر عليه وهو معافى وتجاوز دور الخطر، ثم ينتكس فجأة فيموت وهذا كله واقع مشاهد محسوس من الناس ومن الأطباء وهو يدل دلالة واضحة على أن هذه الأشياء التي حصل منها الموت ليست أسبابا له إذ لو كانت أسبابا له لما تخلف ولما حصل بغيرها، أي لما حصل بغير سبب محسوس فمجرد تخلفها ولو مرة واحدة، ومجرد حصول الموت بدونها ولو مرة واحدة، يدل قطعا على نها ليست أسبابا للموت بل حالات يحصل فيها الموت، وسبب الموت الحقيقي الذي ينتج المسبب هو غيرها وليست هي"
الكلام هنا صحيح فانتهاء الأجل يعنى الموت كما قال تعالى :
"لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون"
وقال:
"ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون"
ويناقش الكاتب حكاية الموت المسبب فقال:
"قد يقال: نعم إن هذه الأشياء التي تحصل ويحصل منها الموت عادة هي حالات وليست أسبابا لأنها قد تتخلف ولكن هنالك أسبابا مشاهدة محسوسة يحصل منها الموت قطعا ولا يتخلف فتكون هي سبب الموت فمثلا قطع الرقبة وإزالة الرأس عنها يحصل منها الموت قطعا ولا يتخلف، ووقف القلب يحصل منه الموت قطعا ولا يتخلف فهذه وأمثالها من أعضاء جسم الإنسان مما يحصل منه الموت قطعا هو سبب الموت نعم إن ضربة الرقبة بالسيف حالة من حالات الموت وليست سببا للموت، وإن طعنة القلب بالسكين حالة من حالات الموت وليست سببا للموت وهكذا، ولكن قطع الرقبة ووقف القلب سبب الموت فلم لا نقول إن هذا سبب الموت؟ والجواب على ذلك: أن قطع الرقبة وإزالة الرأس عن الجسم لا يحصل من نفسه فلا يحصل من الرقبة نفسها، ولا من الرأس فلا يحصل إلا بمؤثر خارجي عنها فلا يصلح حينئذ أن يكون قطع الرقبة سببا، بل الذي فعل القطع هو مظنة السبب وليس نفس القطع، لأنه لا يحصل من ذاته بل بمؤثر خارجي وكذلك وقف القلب لا يحصل من نفسه بل لا بد من مؤثر خارجي عنه فلا يصلح حينئذ أن يكون وقف القلب سببا بل الذي سبب توقيف القلب هو مظنة أن يكون سبب الموت، وليس نفس وقف القلب، لأنه لا يحصل من ذاته بل بمؤثر خارجي وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون نفس قطع الرقبة أو ذات وقف القلب مظنة أن يكون سببا للموت مطلقا فلم يبق مظنة السبب للموت إلا المؤثر الخارجي
وعلاوة على ذلك فإن الله خلق للأشياء خاصيات، فإذا عدمت الخاصية زال أثرها، ولا توجد الخاصية إلا بوجود العين التي هي من خواصها، فمثلا خلق الله في العين الرؤية وخلق في الأذن السمع وخلق في الأعصاب الحس وخلق في النار الإحراق وخلق في الليمون الحموضة وهكذا وهذه الخاصية للشيء نتيجة طبيعية لوجوده، فهي بمثابة صفة من صفاته، فمثلا الماء من صفاته الطبيعية الميوعة، ومن خاصياته الإرواء، والموتور من صفاته الطبيعية الحركة، ومن خاصياته الحرارة، والقلب من صفاته الطبيعية النبض ومن خاصياته الحياة، فكان الإرواء والحرارة والحياة صفة من صفات الشيء الطبيعية مع كونها خاصية من خواصه، فلا يكون وجود الخاصية في الشيء هو سبب العمل الذي هو أثر لها، فلا يكون حينئذ إنعدام الخاصية سببا لانعدام العمل الذي هو أثر لها وذلك أنه ليس وجود خاصية الإحراق في النار كافيا لإيجاد الإحراق فلا يصلح أن يكون سببا للإحراق وإذا كان وجود خاصية الإحراق في النار ليس سببا لإيجاد الإحراق، فيكون حينئذ انعدام خاصية الإحراق من النار ليس سببا لعدم الإحراق، وكذلك ليس وجود خاصية الحياة في القلب كافيا لإيجاد الحياة، فلا يصلح أن يكون سببا للحياة وإذا كان وجود خاصية الحياة ليس سببا لإيجاد الحياة، فيكون حينئذ انعدام خاصية الحياة من القلب ليس سببا لانعدام الحياة
وعلى ذلك لا يقال إن ذهاب الشيء سبب لذهاب خاصياته، بل الذي يكون سببا لذهاب خاصية الشيء هو أمر خارج عن الشيء نفسه، يذهب خاصيته ويبقى الشيء ذاته دون خاصيته، أو يذهب الشيء نفسه فيذهب معه خاصيته فيكون الشيء الذي أذهب الخاصية، أو أذهب الشيء وأذهب معه خاصيته هو سبب ذهاب الخاصية وليس الشيء نفسه سببا لذهاب خاصيته وعليه فإنه من هذه الجهة أيضا، أي من جهة كون الحياة خاصية من خواص وجود الرأس على الجسم، وخاصية من خواص نبض القلب، لا يقال إن إزالة الرأس عن الرقبة سبب الموت، ووقف القلب سبب الموت، بل مظنة السبب هو الذي أزال الخاصية من الرقبة بإزالتها، ومن القلب بوقفه، وليس هو قطع الرقبة ووقف القلب وعلى ذلك لا يكون سبب الموت الحقيقي هو إتلاف العضو أي قطع الرقبة ووقف القلب، لأنه يستحيل أن يحصل أي إتلاف للعضو إلا بمؤثر خارجي، ولأن الحياة خاصية من خواصه -أي العضو- فذهابه لا يكون منه وإنما بمؤثر خارجي أزالها - أي الخاصية - أو أزاله وأزالها معه وكذلك لا يكون سبب الموت هو المؤثر الخارجي لأنه ثبت عقلا وواقعا أنه قد يحصل المؤثر الخارجي ولا يحصل الموت، وقد يحصل الموت دون أن يحصل هذا المؤثر الخارجي والسبب لا بد أن ينتج المسبب حتما، فلم يبق إلا أن سبب الموت الحقيقي الذي ينتج المسبب حتما وهو الموت، هو غير هذه الأشياء "
والكلام هنا صحيح ويستشهد الكاتب على ما قاله بآيات الوحى فيقول:
"وهذا السبب الحقيقي لم يستطع العقل أن يهتدي إليه لأنه لم يقع تحت الحس فلا بد أن يخبرنا به الله تعالى، وأن يثبت هذه الأخبار عن السبب الحقيقي للموت بدليل قطعي الدلالة قطعي الثبوت حتى نؤمن به، لأن ذلك من العقائد وهي لا تثبت إلا بالدليل القطعي وقد أخبرنا الله تعالى في آيات متعددة بأن سبب الموت هو انتهاء الأجل، وإن الله هو الذي يميت فالموت يحصل حتما بالأجل ولا يتخلف مطلقا فكان الأجل سببا للموت، والذي يميت هو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يباشر فعل الموت وقد ورد ذلك في آيات متعددة، قال تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} أي كتب الموت كتابا مؤجلا مؤقتا إلى أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر وقال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} أي هو الذي يميت الأنفس حين تموت، فهو الذي يسلب ما هي به حية وقال تعالى: {ربي الذي يحي ويميت} أي هو الذي يباشر خلق الحياة وإيجادها وهو الذي يباشر فعل الموت وإيقاعه وقال تعالى: {والله يحي ويميت} وقد قال الله ذلك ردا لقول الذين كفروا فالآية هي {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحي ويميت والله بما تعملون بصير} أي الأمر بيد الله قد يحيي المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد كما يشاء وقال تعالى: {أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} أي في أي مكان تكونون، فإن الموت يدرككم ولو كنتم في حصون حصينة وقال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} وهذا جواب للكفار فالله يقول إنهم راجعون إلى ربهم فسوف يميتهم، إذ يرسل لهم ملك الموت ليتوفاهم، والآية هي: {وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} أي يستوفي أنفسكم، فالتوفي استيفاء الروح وقال تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} أي إن الموت الذي تفرون منه وتهربون ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا محالة وقال تعالى: {إذا جاء أجلهم فلا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون} أي إذا حل الأجل الذي قدره لهم، لا يتأخرون عنه أقل وقت ولا يتقدمون أقل وقت وإنما قال ساعة كناية عن أقل الوقت
وقال تعالى: {نحن قدرنا بينكم الموت} أي نحن قدرنا بينكم الموت تقديرا وقسمناه عليكم قسمة الرزق علىختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا، فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط فهذه الآيات وغيرها مما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة تدل دلالة لا تحتمل غير معنى واحد هو أن الله هو الذي يحيي ويميت بالفعل دون وجود أسباب ومسببات، وأن الإنسان لا يموت إلا بانتهاء أجله، وليس من الحالة التي حصلت، وظن أنها سبب الموت فيكون سبب الموت هو انتهاء الأجل فحسب وليس الحالة التي حصل فيها الموت "
وبعد كل هذا الكلام الصحيح أدخلنا الرجل فى متاهة من حلال تفسير قةله تعالى " وما رميت إذ رميت ولكن الله رم؟ فقال :
"ولا يقال إن إسناد الموت إلى الله باعتبار الخلق، أما المباشرة فهي من الإنسان أو من الأسباب التي نتج عنها الموت، كقوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} وكقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وقوله تعالى: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء}
لا يقال ذلك، لأن هناك قرائن تصرف مباشرة الفعل عن الله إلى الإنسان، وتجعل المعنى أن الله خلق الرمي وخلق شرح الصدر وخلق ضيق الصدر وخلق الضلال وخلق الهداية، ولكن الذي يباشر ذلك فعلا ليس الله، وإنما هو الإنسان وهذه القرائن عقلية وشرعية، لأن قوله {رميت} معناه حصل الرمي من الرسول، ولأن معاقبته على الضلال وإثابته على الإسلام يدل على وجود الاختيار من الإنسان، يختار الإسلام أو يختار الكفر مما يدل على أن المباشر للفعل الإنسان ولو كان المباشر هو الله لما أثابه ولا عذبه وأيضا فإن الأمر المحسوس المعقول أن الرسول هو الذي كان يرمي، وأن الإنسان هو الذي يهتدي باستعمال عقله استعمالا صحيحا، ويضل بعدم استعمال عقله أو باستعماله استعمالا غير مستقيم، وهذا بخلاف الموت، فإنه لم ترد أي قرينة تدل على أن مباشرة الموت من غير الله، وأنه حصل بغير انتهاء الأجل فإنه ثبت أنه لا يوجد سبب محسوس للموت، ولا يوجد نص يصرف معنى الآيات عن معناها الصريح، ولا قرينة تدل على أن المباشر للموت غير الله، فتبقى الآيات على المعنى الذي وردت به صراحة حسب مدلول اللغة والشرع، وهو أن المباشر للموت هو الله تعالى"
تفسير الجملة هو والذى قذفت حين قذفت أى الله قذف ففعل المخلوق يحدث فى نفس وقت خلق الله له وهو ما فسره الله تعالى بقوله :
" وما تشاءون إلا أن يشاء الله"
فالفعل يحدث من المخلوق فى وقت خلق الله له ولذا قال إبراهيم (ص) :
" والله خلقكم وما تعملون"
ثم وصل المؤلف إلى النتيجة التالية:
"ومن ذلك كله يتبين أن الدليل العقلي، يدل على أن الأشياء التي يحصل فيها الموت عادة هي حالات وليست أسبابا وأن السبب الحقيقي هو غيرها، مما لا يقع تحت الحس وثبت بالدليل الشرعي أن هذه الأشياء التي يحصل منها الموت ليست هي التي توجد الموت ولا هي أسبابا للموت ودلت الآيات القطعية على أن سبب الموت هو أنتهاء الأجل، وأن المميت هو الله سبحانه وتعالى"
وهو ما يعنى أن السبب الوحيد للموت هو انتهاء الأجل وأما ما نسميه الأسباب فهذا هو تفسير بشرى وهو ليس تفسير صحيح
وقد غفل المؤلف عن نقطة هامة وهى :
ان الله أوكل الموت إلى ملك من الملائكة سماه ملك الموت فقال :
"قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون"
ومن ثم فالفعل وهو الموت يحدث من الله خلقا للموت ويحدث فى نفس الوقت من الملك بالطريقة التى علمه الله بها قبض النفوس

الجمعة، 3 سبتمبر 2021

قراءة فى كتاب اجتمع الشيخ بأهل الحل للخروج من النازلة

قراءة فى كتاب اجتمع الشيخ بأهل الحل للخروج من النازلة
المؤلف ابن القرية الفلاح المعتصم وموضوع الكتاب هو وضع حل لما فيه الأمة من مصائب وهزائم متتالية وقد بدأ الفلاح الكتاب بمقدمة سجعية قال فيها :
"أيها القارئ الكريم كان الحرص بمقام أمين على إخراج هذا الموضوع في حلة وضحاء لتبدد براثن الحيرة، وتهدم أنياب النازلة الكاشرة الشريرة، وتمحو شحوب الشكوك القائمة المستورة الخطيرة، وتقطع نياط المجادلات الرابضة السعيرة، وذلك بآيات الله المشتهرة، وسنة نبيه المنتصرة، والسنن الكونية القاهرة على صفحة صبحاء نيرة، فلذلك أرجو أن لا يبلغ بك الهوان منازل الأحزان بحرمانك الوقوف على حق اليقين، ونور الله المبين"
وكان أول شىء فى الكتاب هو الإجابة على سؤال هل مرت الأمة يوضع كالذى نحن فيه حاليا وكانت الإجابة منه بقوله:
"هل مرت الأمة بنازلة كنازلتنا؟:
إن الجواب على هذا السؤال يلزم منه تصوير الحاضر بكل دقائقه، وجرائره، وقوالبه، ومشاربه، لتنقل صورة جلية لمحركات البحث التاريخية بوسيلة سبر التاريخ الثخين للحصول على نسخة حية ماضية نسجت سنة الله منها حاضر الحال، وللجواب على هذا السؤال أقول: نعم مرت على الأمة نوازل كنازلتنا لذلك يقول ابن الأثير : (فإنه لا يحدث أمر إلا قد تقدم هو أو نظيره، فيزداد بذلك عقلا، ويصبح لأن يفتدى به أهلا)
وأكد هذا الأمر شيخ الإسلام ابن تيمية بكلام نفيس، بل يكاد أن يكون عديم النظير فيما أعلم بقوله: (وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم لتكون عبرة لنا فنشبه حالنا بحالهم ونقيس أواخر الأمم بأوائلها فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين كما قال تعالى لما قص قصة يوسف مفصلة وأجمل قصص الأنبياء)
ثم قال: ({لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى} أي هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص )
إلى أن قال: (فأمرنا أن نعتبر بأحوال المتقدمين علينا من هذه الأمة وممن قبلها من الأمم وذكر في غير موضع: أن سنته في ذلك سنة مطردة وعادته مستمرة فقال تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا}، {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا}، {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا})
فمن هنا يتبين أن سنة الله تقتضي أن يكون لنازلتنا أخت، أو قريبة، ولكن في أي سطر من سطور التاريخ هي؟"
الحديث عن الحال حاليا هو الحديث عن نفس الحال من قرون طويلة فالأمة كما هى مقيمة منذ انهيار دولة العدل دولة المسلمين الأخيرة من ألف أو من آلاف السنوات وهذه الحال تكررت مرار وتكرارا عبر التاريخ فالتاريخ دوما ما يكرر نفسه
ويحدثنا الرجل عن تاريخ كاذب حكته كتب التاريخ على لسان أحد فقهاء الأمة وهو حديث مكذوب عليه فالوضع والحل الذى خطه قلم التاريخ وليس قلم ابن تيمية لم يغير وضع الأمة قيد أنملة وهو :
"ما هي الثمرة لمعرفة نازلة كنازلتنا؟
لا شك الجميع يبحث عن مخرج من ذل أرسى مراكبه على عواتقنا، وعن ظلم فصلت ثيابه لأرواحنا، وعن قهر خلق ليستوطن قلوبنا، وعن فقد مجد أصبح رثاءه لحنا لدى صغارنا وكبارنا، هنا أقول لك أخي القارئ الكريم دع ما في يديك لتعلم كيف خلص القوم من نازلتهم، وكيف تعامل معها العامة والخاصة، والأمير والمأمور، وعالم الملة ومنافق الأمة، لتكون لنا عبرة ولأجيالنا وعظة
أسباب نازلة من قبلنا:
لقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية نازلة كنازلتنا عاشر أسبابها، وأهوالها، وداءها، ودواءها، ورجالها، ومنافقيها فخط لنا صورتها بقلمه، وسأذكر لكم أوجه الشبه بيننا وبينها
فقال عن أسبابها: (وكانت هزيمة المسلمين في العام الماضي بذنوب ظاهرة، وخطايا واضحة من فساد النيات، والفخر والخيلاء، والظلم والفواحش، والإعراض عن حكم الكتاب والسنة، وعن المحافظة على فرائض الله، والبغي على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة والروم، وكان عدوهم في أول الأمر راضيا منهم بالموادعة والمسالمة، شارعا في الدخول في الإسلام؛ وكان مبتدئا في الإيمان والأمان، وكانوا هم قد أعرضوا عن كثير من أحكام الإيمان) "
وذكر الفلاح أن ابن تيمية عدد اسباب النازلة فقال :
"أسباب نازلتنا:
أنتجتها ذنوب العباد، حكاما ومحكومين، من اتساع رقعة الشرك، وتقديس البدعة، وطلب الربا، وانتشار الزنا، ورفع المأبونين نجوم بهم يهتدى، والمأفونين سادة سننهم تحتذى، والمنافقين رجال التنظير قولهم نور به يقتدى، فاحشة في الأرض، وأخرى في السماء، فطغى المسلم حتى هانت عليه المعصية، يقارفها في فلك البحر أو أفلاك الفضاء، لا يخلو للمسلمين مأوى إلا ودخله التغريب، ولا مراح إلا وداهمه التخريب، تنصير ينتشر، وإسلام يعتصر، وقيم تحتضر، كلما خط الإصلاح سبيله بالمداد قذفه الحال في مستنقعات الفساد، حتى أعلن على نفسه الحداد، للفضائيات حظ يفوق حظوظ القرآن، وفاق متابعة الـ mbc والـ lbc سنة النبي، فتعددت مشارب الفساد، بصورة لم يشهد لها التاريخ نظير، حتى جعلت من وجه العالم عبوسا قمطرير، ولك أن تستثني إلا ما رحم ربي مع إيراد صور الفساد، ودعايات الجرم عبر فواتير الكهرباء، ولوحات الشوارع، ومناظر الأسواق، وأغلفة السلع، ونغمات وأفلام وصور الهواتف النقالة، فسممت الأجواء، وأفسد الجيل، إلا قليل من قليل من قليل"
إذا السبب هو كفر الأمة التى لا تستحق اسم أمة المسلمين حكامها كانوا كفارا وحملوا الناس على اتباع كفرهم قهرا أو ترغيبا لأنهم لم يكونا مسلمين وإنما هم نتاج دول الكفرة التى زرعتهم فى بلادنا أو أرسلتهم لحكمنا بعد أن سمتهم وهم وآبائهم بأسماء مسلمين وهو نفس وضعنا الحالى فكل أصول العائلات الحاكمة وكل القيادات العليا فى الجيوش ليسوا مسلمين سوى بالأسماء
وتحدث الفلاح عن حرب كل الأمم للأمة بقوله
"تداعي الأمم عليهم:
قال : (فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده، وداب الأمم وعاداتهم، لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التي طبق الخافقين خبرها، واستطار في جميع ديار الإسلام شررها، وأطلع فيها النفاق ناصية راسه، وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيه عمود الكتاب أن يجتث ويخترم، وحبل الإيمان أن ينقطع ويصطلم، وعقر دار المؤمنين أن يحل بها البوار، وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار، وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أن ما وعدهم الله ورسوله إلا غرورا، وأن لن ينقلب حزب الله ورسوله إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبهم وظنوا ظن السوء وكانوا قوما بورا، ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحي منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، حتى بقي للرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان، وميز الله فيها أهل البصائر والإيقان، من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق وضعف إيمان، ورفع بها أقواما إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقواما إلى المنازل الهاوية، وكفر بها عن آخرين أعمالهم الخاطئة، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها قيامة مختصرة من القيامة الكبرى)
تداعي الأمم علينا:
أقبلت أمم الكفر والإلحاد بعددها وعدتها، وألبت البشر عربها وعجمها، وطوعت سبل الدنيا أرضها وسماءها، وبرها وبحرها، وسهولها وجبالها، بقوة لم يسجل التاريخ مثلها، ولم تشهد العصور نظيرها، قنابل ذكية، وصواريخ فتية، وطائرات ظاهرة وخفية، ومجنزرات شرسة قوية، وأقمار صناعية، تقذف الأرض نارا، والسماء شرارا، والبحر يخلق دمارا، فقنابلهم الذكية تقتل الأطفال، وصواريخهم الفتية تفعل في النساء الأهوال، وطائراتهم الخفية تصنع في المباني سيئ الأحوال، بدأو ببورما فقتلوا من نسائها مئة ألف وألقوهم في نهراها قهرا، ومروا بالبوسنة فانتهكوا ما يربو عن ثلاثين ألف امرأة جورا، وشووا بقذائفهم كبد أكثر من عشرين ألف طفل ظلما وعدوانا، ومالوا نحو كوسوفا ففي يوم واحد أكثر من عشرين ألف من رجالهم ونسائهم وأطفالهم قضوا عليهم بغيا وعلوا، ومروا بالأفغان فلم يوقروا فيهم كبير، أو رحموا صغير، ولم يأزهم ضمير، وهاهم اليوم في أرض الخلافة فعلوا ما لم يوصف، أو يسمع به فيعلم ويعرف، دماء منهمرة، وأشلاء منتشرة مبعثرة، ونساء منهكات منتهكات أسيرات معتصرات مقهرة، حجب الماء، ومنع الكلا، وفقد الدواء، وتقاطع الأقرباء، وقطعت الكهرباء، وفرق بين الأب وبنيه، والأخ وأخيه، والمحب ومحبيه، وعز على الناس قضاء حوائجهم، ونيل مآربهم، خوف مطبق، ودمار محرق، وجوع معزق، فلا يحفظ دين، ولا عرض، ولا عقل، ولا نفس، ولا مال، فيا لهول البلية، ويا عظيم الرزية"
وقال أيضا:
"حال الأمة في نازلتهم:
أخي القارئ الكريم يجب أن تعرف حالهم ليستبين لك من الظلمات الطريق، وتستوضح سبيل معاملة المؤمن والكافر والزنديق
قال : (وكر العدو كرة فلم يلو عن وخذل الناصرون فلم يلووا على وتحير السائرون فلم يدروا من ولا إلى وانقطعت الأسباب الظاهرة وأهطعت الأحزاب القاهرة)
حال الأمة في نازلتنا:
وكأنه يتحدث عن حالنا، ويجلي صورتنا، لقد خذل الناصرون إخوانهم، وقعدوا عن مظالم أمتهم، ورضوا من الدنيا بتزيين مساكنهم، وتلوين مشاربهم ومطاعمهم، وتحير بغاة الخير بسبب الإرجاف والتعويق، وقلة العلم بالله، والركون إلى الدنيا، واستظهر المنظرون اليوم أن الأسباب الجالبة للنصر مقطوعة، والطريق إليها ممنوعة، فلا فرق بيننا وبينهم"
وكان الحل وهو ليس حلا هو الجهاد بلا تأسيس للأمة فقال الفلاح :
"حال المجاهدين في نازلتهم:
قال : (وانصرفت الفئة الناصرة، وتخاذلت القلوب المتناصرة، وثبتت الفئة الناصرة، وأيقنت بالنصر القلوب الطاهرة، واستنجزت من الله وعده العصابة المنصورة الظاهرة، ففتح الله أبواب سماواته لجنوده القاهرة، وأظهر على الحق آياته الباهرة، وأقام عمود الكتاب بعد ميله، وثبت لواء الدين بقوته وحوله، وأرغم معاطس أهل الكفر والنفاق، وجعل ذلك آية للمؤمنين إلى يوم التلاق)
حال المجاهدين في نازلتنا:
قام سادات الإسلام وبلا منازع، وأعلام الرجولة آية لكل ناظر وسامع، لنصر دين ربهم العليم السامع، متجاوزين كل الفجائع، ومتجاهلين لكل مخذل ومرجف ومخادع، ليدكوا كل المواقع، ويضربوا كل المجامع، مطالبهم الجنان، وغايتهم رضا الرحمان، حياة على الإسلام أو اللحاق بخير الأنام، فقهر الله بهم الأعداء، وخيب أماني المرجفين البلهاء، وأحرق بأيديهم أفئدة العملاء، أفلح والله من لحق بهم، ونجح من كان معهم، بعيش الكرماء، أو بجوار رب الأرض والسماء، وخاب من خذل ونزل، وظل من جافاهم وزل
حال المنافقين والمعوقين من الجهاد وأهله في نازلتهم:
قال : (أما المنافقون فلهم شأن آخر، ولهم موقف لا يختلف كثيرا عن مواقف أسلافهم في غزوة الأحزاب، حين ابتلي المؤمنون، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنونا، وكانوا شيعا؛ فمنهم من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم فينبغي الدخول في دولة التتار وقال بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن؛ بل ننتقل عنها إما إلى الحجاز واليمن وإما إلى مصر وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قد استسلم لهم أهل العراق والدخول تحت حكمهم )
إلى أن قال: (تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم؛ فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم وتارة يقولون - أنتم مع قلتكم وضعفكم - تريدون أن تكسروا العدو وقد غركم دينكم، كما قال تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} وتارة يقولون: أنتم مجانين لاعقل لكم تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم، وتارة يقولون: أنواعا من الكلام المؤذي الشديد) "
قطعا الجهاد الذى يحكيه التاريخ عن ابن تيمية ومن معه فى تلك الفترة يقول أن القوم انتصروا فى عدة معارك ثم عادت الأمة للانهزام والخذلان لأن المجاهدين لم يكن لهم ظهير وهو الأمة المؤسسة على الحق فعاد الحكام الكفرة الذى كل منهم كون دولة على رقعة صغيرة من ألأرض وقطعا هذا يتعارض مع قوله تعالى :
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "
فما أسهل أن نكون مجموعة مسلحة من عدة ألاف نحارب هنا وهناك ولكن دون وجود أمة خلفها تمدها بمحاربين جدد وبمسلمين يقفون فى ظهورهم بكل أنواع القوة لابد ان نكون مجتمعا مسلما قبل أن نحارب كما فعل الرسول(ص) فى المدينة مجتمع تربى على الإسلام وحكم بالإسلام وطرد أو قتل كل حكامه السابقين
وتحدث الفلاح عن كون ابن تيمية كأنه يتحدث عن عصرنا فقال :
"حال المنافقين والمعوقين من الجهاد وأهله في نازلتنا:
وأنا أقسم بالله العظيم، الذي هو ربي وبيده ملاك أمري وأمر العالمين أجمعين؛ أن هذا الرجل كأنه يصف حالنا، فلقد رأينا من قال لا يمكن أن تطبق الشريعة في عصرنا، أو تقوم قائمة الإسلام في جل شأننا، وينبغي لنا الرضا بالديمقراطية الأمريكية فهي غيث عصرنا، وقال بعض الخاصة يجب الهجرة لمن لم يستطع إقامة دينه، وهو لم يبذل في دفع العدو واجبه وقدرته، وقال من العلماء الواجب الاستسلام وتسليم السلاح، والخضوع مع ترك الكفاح، ومن قام بواجب الجهاد وما أمر الله به فأصابه قرح قالوا هذا من شؤمكم، وما وقعت الأمة في هذه البلية إلا بفعالكم، فأنتم رأس البلاء، وأصل الفساد، وقادة الإرهاب، وكذبوا، وخابوا، وخسروا؛ ويقولون أنتم ضعفاء لا تقوى قوتكم لمجابهة طائرات أمريكا، فأسلموا أمركم إلى مرادها، ومرادها التنصير، فحسبنا الله اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ويرمون أهل الجهاد بالغرور، والتسرع، والحمق، وعدم الفهم، والبعد عن تقدير المصالح، وتارة يقولون الجهاد تهلكة، فسبحان من لا تجد لسنته في خلقه تبديلا، ولا تحويلا وصدق الرسول الكريم (ص)إذ قال: (ليأتين على الناس زمان قلوبهم قلوب العجم قلت وما قلوب العجم قال، حب الدنيا، سنتهم سنة الأعراب، ما أتاهم من رزق جعلوه في الحيوان يرون الجهاد ضررا، والزكاة مغرما)
مع العلم أن أهل الثغور هم المهديون، الموفقون من ربهم سبحانه
قال شيخ الإسلام: (ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم كما دل عليه قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم؛ لأن الله يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا})
أين وجد النفاق في نازلتهم؟:
قال : (ويوجدون في المتصوفة، والمتفقهة، وفي المقاتلة، والأمراء، وفي العامة أيضا، ولكن يوجدون كثيرا في نحل أهل البدع؛ لا سيما الرافضة)
أين وجد النفاق في نازلتنا؟:
لا حظ أخي القارئ الكريم أن من ذكرهم منهم من ينتسب لحماية وحفظ الدين إن لم يكن كلهم، وأخص بالذكر "المتفقهة"، ولقد رأينا في زماننا من هذا الكثير والكثير من أضراب من ذكرهم، وهذا لا يحتاج لزيادة بيان، وكبير برهان، والله المستعان، وعليه التكلان
كيف خرجوا من نازلتهم؟:
وندع الكلام لشيخ الإسلام حيث قال: (وكان مبدأ رحيل قازان فيمن معه من أرض الشام وأراضي حلب؛ يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى يوم دخلت مصر عقيب العسكر، واجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين، وألقى الله في قلوبهم من الاهتمام بالجهاد ما ألقاه، فلما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو جزاء منه، وبيانا أن النية الخالصة، والهمة الصادقة ينصر الله بها وإن لم يقع الفعل، وإن تباعدت الديار 0 انتهى كلامه ولكن أخي القارئ تعال لقد جمعت لك من التاريخ ما فعله ابن تيمية بصدد التربية والتصفية العملية، فقال ابن كثير: وفي بكرة يوم الجمعة المذكور دار الشيخ تقي الدين بن تيمية وأصحابه على الخمارات، والحانات فكسروا آنية الخمور، وشققوا الظروف، وأراقوا الخمور، وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش)
وأما في شأن جهاده يقول: (وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يدور كل ليلة على الأسوار يحرض الناس على الصبر والقتال، ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط)
وقال: (وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية بسبب فساد نيتهم، وعقائدهم، وكفرهم وضلالهم، وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتر وهربوا حين اجتازوا ببلادهم وثبوا عليهم ونهبوهم واخذوا أسلحتهم، وخيولهم، وقتلوا كثيرا منهم، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستتابهم، وبين للكثير منهم الصواب)
وذكر نازلة في عام سبعمائة وما موقف ابن تيمية منها، فقال: (وجلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية في ثاني صفر بمجلسه في الجامع وحرض الناس على القتال، وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في إنفاق الأموال في الذب عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا انفق في سبيل الله كانخيرا، وأوجب جهاد التتر حتما في هذه الكرة، وتابع المجالس في ذلك، ونودي في البلاد لا يسافر أحد إلا بمرسوم وورقة)
وانظر كيف تعامل ابن تيمية والفقهاء مع نازلة "موقعة شقحب"، قال ابن كثير: (وجلس القضاة بالجامع، وحلفوا جماعة من الفقهاء والعامة على القتال، وتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيعة، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو فأجابوا إلى ذلك، وحلفوا معهم، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء قل إن شاء الله، فيقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا)
وقال عمر البزار عنه: (وأخبر غير واحد أن الشيخ كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتهم، وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضهم هلعا أو رقة أو جبانة شجعه، وثبته، وبشره، ووعده بالنصر والظفر والغنيمة، وبين له فضل الجهاد والمجاهدين، وإنزال الله عليهم السكينة، وكان إذا ركب الخيل يتحنك ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيرا أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت)
وقال: (رأوا منه في فتح عكة أمورا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله، ومشورته وحسن نظره) "
قطعا ما يحكيه التاريخ هنا هو كلام يبين أن ابن تيمية هو رجل قاصر الفكر فالرجل لم يؤسس مجتمعا مسلما واعتمد على الكفار سبب الهزائم وهم الأمراء وعلى العامة الذين كلمة تحركهم وعصا تخيفهم كل ما فعله هو ما يسمى بحالة التهييج وهى حالة غضب نؤدى إلى انتصارات محدودة لأنها لا تعتمد على أساس فلابد من وجود مجتمع مسلم فعلا
الدليل هو أن حياة ابن تيمية انتهت على أيدى الأمراء فى السجن حيث سجنوه
من يتذكر ثورات شعوب المنطقة يجد أن حالة الهياج التى تسمى الثورة تكررت فى تاريخ المنطقة كثيرا فالكافر الذى يسمى محمد على الذى لا يعلم له أصل مسلم والذى يسمونه مؤسس مصر الحديثة فعل بعمر مكرم ورفاقه الذين ولوه الحكم ما فعله الأمراء بابن تيمية حيث نفاهم وشردهم وفتك بالقوى الأخرى وهى المماليك الكفار أمثاله الذين لا يعلم لهم أصل مسلم وهم فى بلاد المنطقة هم من يتولى أحفادهم حاليا قيادات الجيوش والمناصب العليا
وتساءل الرجل عن كيفية الخروج من حالنا وأجاب فقال :
"كيف الخروج من نازلتنا؟:
لا شك أن الخروج لا يكون إلا بمراجعة الدين، وكان من أساسيات استحقاق العذاب هو ترك الجهاد، وانتشار الفساد، وعموم الظلم قال صلى الله عليه وسلم: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب) ، وقال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر , ورضيتم بالزرع , وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)
أقول تأمل أخي القارئ الكريم - وفقني الله وإياك للسداد - في دور شيخ الإسلام ، وهو دور العالم العامل، لا دور المنظر القاعد، فانظر كيف كان يصفي الأمة من مستنقعات الفساد بنفسه، وكيف يحرض أهل الإيمان بنفسه، وكيف كان يدور في كل ليلة على الأسوار بنفسه، وكيف كان يقوى عزائم الولاة بنفسه، وكيف كان يقود المعارك بنفسه، وكيف كان يعد الناس بالنصر ويقسم على ذلك بنفسه، وكيف كان يحلف على عدم الفرار، ويحلف الناس على ذلك
فالله أكبر أين هذه القدوة اليوم لشباب الإسلام؟! ولكن لا شك أن الخير في الأمة قائم؛ إذا لا يمكن الخروج مما نحن فيه إلا إذا فعلنا كما فعلوا، وسلكنا سبيل ما سلكوا، دون الالتفات إلى المرجفين، والسماع للمعوقين، والتأمل في كلام من في قلوبهم مرض، ومن كان له في الدنيا عرض، حيث وأن الأموال قد سلبت، وأن الأعراض قد انتهكت، والمساجد هدمت، والنفوس قتلت، والديانة أرخصت، والنصرانية طمت، والصهيونية عمت، فلا سبيل إلا الجهاد تربية، وفعلا، بيانا وسنانا، حتى يكشف الله الغمة، ويرفع الذلة، وتشرق الأرض بنور ربها، وسنة نبيها؛ فإن لم يكن هذا فوالله لا نزداد إلا خذلانا، ولا نحصد إلا ذلا"
الفلاح يتحدث عن تكرار نفس الحل وهو الجهاد على غير أساس ؟
كما يقال فى التعبير الشهير سرق النصر هذا هو حال ثورات الشعوب سواء فى بلادنا أو فى بلاد الكفار فقادة الجيوش ومنهم قادة خفيين هم من يعملون فيما يسمى أجهزة المخابرات والأمن يوجهون الثورات توجيها خفيا يؤدى بهم إلى العودة إلى نفس النظام نظام سادة وعبيد أو صفوة وعامة بينما نظام الإسلام كله واحد لا يوجد سادة ولا عبيد " وامرهم شورى بينهم" تتغير الأشخاص فى المناصب العليا ويعود الوضع لما كان عليه لأن قوى الغنى وهى قوى العسكر غالبا لا يهمها من يكون الحاكم أن يتولى المناصب العليا فالمهم هو ان تبقى امتيازاتهم
الجهاد ليس حلا طالما لا يوجد أمة مسلمة يخرج منها المجاهدون وتتآزر مع بعضها وتكون خلف المجاهدين بقضها وقضيضها ممثلا فى طاعتها لأحكام الله
لابد أولا من تأسيس المجتمع المسلم قبل الجهاد كما حدث فى المدينة فلم يحارب المسلمون إلا بعد تأسيس المجتمع المسلم
وفى الخاتمة نقل الفرج آيات من الوحى وروايات للتدليل على الجهاد كحل فقال :
"خاتمة:
كلام الله جل وعز:
قال الله: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير)
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والأنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)
كلام رسول الله (ص):
(أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، يضحك إليهم ربك، فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه)
(ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم، ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة، قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه )
(ثلاثة يحبهم الله، و ثلاثة يشنؤهم الله: الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه )
(مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاة ستين عاما خاليا؛ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله؛ من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة)
( وإن الله عز وجل ليدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها، وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وقوتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي، ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير حساب؛ وتأتي الملائكة فيسجدون، فيقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}) (أقول: إن الأحداث جامعات تربية , ومحنها منح علمية ربانية، يتخرج منها رجال تساس بهم عظام المدلهمات ليستحققوا وبجدارة عروش خوافق الممتلكات، وبالمقابل يمنح فئام من الناس أردى المقامات"
ومن ثم وجب أن نكون مسلمين أولا وبألفاظ أخرى وجب أن يوجد مجتمع محكوم كليا بالإسلام قبل الشروع فى الجهاد

الخميس، 2 سبتمبر 2021

نقد كتاب ارشاد المهتدين إلى نصرة المجتهدين

نقد كتاب ارشاد المهتدين إلى نصرة المجتهدين
الكتاب تأليف جلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي وهو يدور حول أمر لا وجود له وهو الاجتهاد فى استخراج الأحكام من قبل الفقهاء وهو شىء طبقا لقوله تعالى :
" ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء"
وقوله:
" ما فرطنا فى الكتاب من شىء "
وقوله:
" وتفصيل كل شىء"
لا وجود له لأن فى كل مسألة نص بلا استثناء لقوله كل شىء وطبقا لكلام الفقهاء :
" لا اجتهاد مع نص "
يبقى الاجتهاد لا وجود له على الإطلاق والرواية التى يعتمد القوم رواية متعارضة متناقضة مع الإسلام وهى :
" من اجتهد فأصاب له أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد"
وقاعدتا الأجر هى :
عشر حسنات لكل عمل غير مالى كما قال تعالى :
" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"
ولكل عمل مالى 700 حسنة أو الضعف1400 حسنة كما قال تعالى :
" مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء"
وقد بين السيوطى ثلاث مسائل فى الاجتهاد فى مقدمته فقال :
"وبعد،،،فقد وقع الكلام الآن في ثلاثة مسائل متعلقة بالاجتهاد:
أحدها : هل الاجتهاد موجود الآن، أو لا؟
والثانية: هل المجتهد المطلق مرادف للمجتهد المستقل، أو بينهما فرق؟
والثالثة : هل المجتهد له أن يتولى المدارس الموقوفة على الشافعية مثلا، أو لا؟
وكل من المسائل الثلاث جوابها منقول، ومنصوص للعلماء، بل ومجمع عليه، لا خلاف فيه، صادر من عالم، وإنما فيه نزاع ومكابرة من غير العلماء الموثوق بهم، وقد كنت ألفت في العام الماضي كتابا سميته (الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض)، وهو كتاب جليل حافل، فيه نفائس متعلقة بالاجتهاد، وألخص هنا منها ما يتعلق بهذه المسائل الثلاث، فنقول:
أما المسألة الأولى: فالجواب عنها من وجهين:
أحدهما: أن العلماء من جميع المذاهب متفقون على أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات، في كل عصر، وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به بعضهم، وأنه متى قصر فيه أهل عصر، بحيث خلا العصر عن مجتهد أثموا كلهم، وعصوا بأسرهم، وممن أشار إلى ما ذكرناه الإمام الشافعي رضي الله عنه، ثم صاحبه المزني ، وصنف ـ أعني المزني ـ كتابا في ذلك سماه فساد التقليد، وممن نص على ما ذكرناه من الفرضية، وتأثيم أهل العصر بأسرهم عند خلو العصر عن مجتهد نصا صريحا الماوردي / في أول كتابه الحاوي، والروباني في أول البحر، والقاضي حسين في تعليقه، والزبيري في كتاب المسكت، وابن سراقة في كتاب الاعتداد ، وإمام الحرمين في باب السير من النهاية، والشهرستاني في الملل والنحل، والبغوي في أول التهذيب، والغزالي في البسيط، والوسيط، وابن الصلاح في أدب الفتيا، والنووي في شرح المهذب، وفي شرح مسلم، والشيخ عز الدين بن عبد السلام في مختصر النهاية، وابن الرفعة في المطلب، والزركشي في كتاب القواعد والبحر، وذكر ابن الصلاح أن ظاهر كلام الأصحاب أن المجتهد المطلق هو الذي لم يتأدى به فرض الكفاية، وأما المجتهد المقيد فلا يتأدى به الفرض، فهؤلاء أئمة أصحابنا، نصوا نصا صريحا على أن الاجتهاد في كل عصر فرض كفاية، وأن أهل العصر إذا قصروا فيه أثموا كلهم.
وممن نص على ذلك من أئمة المالكية: القاضي عبد الوهاب في المقدمات، وابن القصار في كتابه في أصول الفقه، ونقله عن مذهب مالك، وجمهور العلماء والقرافي في التنقيح، وابن عبد السلام المالكي في شرح مختصر ابن الحاجب، وأبو محمد بن مناذر في المسائل المنثورة، وابن عرفة في كتابه المبسوط في الفقه، وقد سقنا عبارات هؤلاء بحروفها في كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض، فليراجعه من أراد الوقوف عليه.
الوجه الثاني: أن جمهور العلماء نصوا على أنه يستحيل عقلا خلو الزمان عن مجتهد، إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى، وأنه متى خلا الزمان عن مجتهد، تعطلت الشريعة، وزال التكليف عن العباد، وسقطت الحجة، وصار الأمر كزمن الفترة، وممن نص على ذلك نصا صريحا الأستاذ أبو إسحاق / الإسفراييني، والزبيري، وإمام الحرمين في البرهان، والغزالي في المنحول، ونقله ابن برهان في الوجيز عن طائفة من الأصوليين، ورجحه ابن دقيق العيد، وابن عبد السلام من المالكية في شرح المختصر، وجزم به القاضي عبد الوهاب في الملخص، وأشار إليه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع، وهو مذهب الحنابلة بأسرهم، نقله عنهم ابن الحاجب في مختصره، وابن الساعاتي من الحنفية في البديع، وابن السبكي في جمع الجوامع، وقال ابن عرفة المالكي في كتابه في الفقه: قد قال الفخر الرازي في المحصول ، وتبعه السراج في تحصيله، والتاج في حاصله ما نصه: ولو بقي من المجتهد ـ والعياذ بالله واحد ـ كان قوله حجة، قال: فاستعاذتهم تدل على بقاء الاجتهاد في عصرهم، قال: والفخر توفي سنة ست وستمائة، هذا كلام ابن عرفة، وقد وجدت ما هو أبلغ من ذلك، فذكر التبريزي في تنقيح المحصول ما نصه: لا يعتبر في المجمعين عدد التواتر، فلو انتهوا ـ والعياذ بالله ـ إلى ثلاثة، كان اجتماعهم حجة، ولو لم يبق منهم إلا واحد، كان قوله حجة، لأنه كل الأمة، وإن كان ينبوا عنه لفظ الإجماع، وقال الزركشي في البحر: قال الأستاذ أبو إسحاق: يجوز أن لا يبقى في الدهر إلا مجتهد واحد، ولو اتفق ذلك، فقوله حجة كالإجماع، ويجوز أن يقال للواحد أمة، كما قال تعالى: [إن إبراهيم كان أمة قانتا] ونقله الصفي الهندي عن الأكثرين، وبه جزم ابن شريح في كتاب الودائع، فقال: وحقيقة الإجماع هو القول بالحق، فإذا حصل القول بالحق من واحد فهو إجماع، وقال الكيا الهراسي: اختلف هل يتصور قلة المجتهدين، بحيث لا / يبقى في العصر إلا مجتهد واحد؟ والصحيح تصوره.
والمسألة الثانية : وهي هل المجتهد المطلق مرادف للمجتهد المستقل، أو بينهما فرق؟
والجواب أنهما ليسا مترادفين، بل بينهما فرق، وقد نص على ذلك ابن الصلاح في أدب الفتيا، والنووي في شرح المهذب، وذكر هو وغيره أنه من دهر طويل فقد المجتهد المستقل، ولم يبق إلا المجتهدون المنتسبون لى المذاهب، وقدروا أن المجتهدين أصناف: مجتهد مطلق مستقل، ومجتهد مطلق منتسب إلى إمام من الأئمة الأربعة، ومجتهد مقيد، وأن الصنف الأول فقد من القرن الرابع، ولم يبق إلا الصنفان الآخران: المطلق المنتسب، والمقيد، وممن نص على ذلك من أصحابنا أيضا ابن برهان في الوجيز، ومن المالكية ابن المنير، وقد سقت عباراتهم، وعبارات غيرهم في كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض، فلينظر منه.
وأما المسألة الثالثة: وهي هل للمجتهد أن يلي وظائف الشافعية مثلا؟
فالجواب أن المجتهد المطلق المنتسب ، والمجتهد المقيد ، كلاهما يستحقان ولايتها شرعا، بلا خلاف بين المسلمين؛ لأن هذين الصنفين من جملة الشافعية المنتسبين إلى الإمام الشافعي لم يخرجا بالاجتهاد عن الانتساب إليه، ولهذا اعتمد على تصانيفهم وفتاويهم، ونسبت إلى مذهب الشافعي، وما زالوا يولون تدريس الشافعية قديما وحديثا، كما سنبينه.
وأما المجتهد المستقل، غير المنتسب، فذاك هو الذي لا يولاها، إذا كان الوقف ليس مأخذه من بيت المال، ولهذا امتنع السبكي من دعوى الاجتهاد المستقل، مع كونه أهلا للاستقلال، فاقتصر على دعوى الاجتهاد المطلق المنتسب، ولا أعرف أحدا من أصحابنا ادعى الاجتهاد المنتسب / سوى ابن جرير خاصة، وأما بقية الأصحاب الذين ادعوا الاجتهاد فاقتصروا على دعوى الاجتهاد المطلق المنتسب، ولهذا عدوا في الأصحاب، وذكرت تراجمهم في طبقات الفقهاء الشافعية، وحذف منها ابن جرير، فلم يترجم فيها، فكل من ترجمه العلماء في طبقات الشافعية ممن ادعى الاجتهاد، فهو مطلق منتسب، لا مستقل، وهو مستحق لأوقاف الشافعية، وقد قال النووي في الروضة، والرافعي في الشرح: المنتسبون إلى مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك ثلاثة أصناف: أحدها العوام، الثاني البالغون رتبة الاجتهاد، وقد ذكرنا أن المجتهد لا يقلد مجتهدا، وإنما ينسب هؤلاء للشافعي؛ لأنهم جروا على طريقته في الاجتهاد، واستعمال الأدلة، وترتيب بعضها على بعض، ووافق اجتهادهم اجتهاده، وإذا خالف أحيانا، لم يبالوا بالمخالفة ، والصنف الثالث المتوسطون، وهم الذين لا يبلغون رتبة الاجتهاد في أصل الشرع، لكنهم وقفوا على أصول الإمام في الأبواب، وتمكنوا من قياس ما لم يجدوه منصوصا على ما نص عليه ، هذا كلام الرافعي والنووي في الروضة، فانظر كيف قسما أتباع الأئمة إلى ثلاثة أصناف، وجعلا من جملتهم من بلغ رتبة الاجتهاد، ولم يخرجاه ببلوغه الاجتهاد عن انتسابه إلى مذهب الشافعي، وقد نص على هذا أيضا إمام الحرمين، فقال في كتابه الذي ألفه في ترجيح مذهب الشافعي ما نصه: فإن قيل: فابن شريح والمزني ومن بعده كالقفال والشاشي، وغير هؤلاء كان لهم منصب الاجتهاد.
فالجواب أن هؤلاء كثرت تصرفاتهم في مذهب الشافعي، والذب عن طريقته ونصرته، وشمروا عن ساق الجد في تصويبه وتقريره / وتصرفوا فيه استنباطا وتخريجا، وقلت اعتباراتهم الخارجة عن مذهبه، وكانوا معترفين بأنهم من متبعي الشافعي، ومقتفي آثاره، ومقتبسي أنواره، هذا كلام إمام الحرمين، ونص على مثل ذلك أيضا ابن الصلاح، فقال في طبقاته في ترجمة محمد بن نصر ما نصه: ربما تذرع متذرع بكثرة اختياراته المخالفة لمذهب الشافعي، إلى إنكار على الجماعة العادين له في أصحابنا، وليس الأمر كذلك؛ لأنه من هذا بمنزلة ابن خزيمة والمزني وأبي ثور، وغيرهم، ولقد كثرت اختياراهم المخالفة لمذهب الشافعي، ثم لم يخرجهم أحد عن أن يكونوا في قبيل أصحاب الشافعي معدودين، وبوصف الاعتزالية موصوفين ، هذا كلام ابن الصلاح.
إن نصوص العلماء مطبقة على أن المجتهدين من أتباع الأئمة غير خارجين عن الانتساب إليهم، والعداد في جماعة أصحابهم، والاعتزاء إليهم، فيقال لهم الشافعية، والمالكية، والحنفية، ويدخلون في الوقف على هذه الطرائق، وقد استقرينا أمر المدارس منذ بنيت، فلم نجد تولاها في قديم الزمان إلا المجتهدون، فكيف يحرمها المجتهدون في آخر الزمان، ويقدم عليهم المقلدون؟
بيان ما قلناه: إن أول من بنى المدارس للشافعية، فيما نص عليه جماعة، الوزير نظام الملك، وأول مدرسة بناها النظامية التي ببغداد، بناها في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ووقفها على الشافعية، وأول من ولي تدريسها بتقرير الواقف أبو نصر بن الصباغ، صاحب الشامل، وهو موصوف بالاجتهاد المطلق، كما ذكره ابن السبكي في ترجمته في الطبقات، ثم بنى نظام الملك أيضا / مدرسة بنيسابور، تسمى النظامية، وشرطها للشافعية أيضا، وأول من وليها بتقريره إمام الحرمين، وهو موصوف بالاجتهاد المطلق، وصفه به جماعة، حتى قال ابن السبكي في ترجمته في الطبقات الكبرى: إمام الحرمين لا يتقيد بالأشعري، بل ولا بالشافعي، وإنما يتكلم على حسب ما أدى إليه نظره واجتهاده، وقال الحافظ سراج الدين القزويني في فهرسته في وصف إمام الحرمين: هو المجتهد ابن المجتهد، وقال غيره في ترجمته: بلغ الاجتهاد، وسارت مصنفاته في البلاد، وقال ابن المنير في أول تفسيره: إمام الحرمين له علو همة في مساوقة المجتهدين.
وهاتان المدرستان أول المدارس التي وقفت على الشافعية، وأول من وليها من هو موصوف بالاجتهاد، وممن ولي تدريس الشافعية من المجتهدين حجة الإسلام الغزالي، فقد ادعى هو الاجتهاد في كتابه المنقذ من الضلال، وأشار فيه إلى أنه العالم المبعوث على رأس المائة الخامسة، فيجدد لهذه الأمة أمر دينها، كما وعد به الحديث الشريف، وقد ذكر ابن السبكي في الطبقات أنه ولي تدريس النظامية التي ببغداد، ثم ولي تدريس النظامية التي بنيسابور، فولي المدرستين معا، ومنهم سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقد أشار هو إلى دعوى الاجتهاد في قواعده الكبرى، ووصفه بالاجتهاد المطلق ابن الرفعة، وابن دقيق العيد، والسبكي في فتاويه، وولده في الطبقات، والذهبي في العبر، وابن كثير في تاريخه، والأذرعي، وقال الزركشي في شرح المنهاج: لم يختلف اثنان أنه بلغ رتبة الاجتهاد، وكان من الورع / والزهد بالمحل الأعلى، ومع ذلك فقد ولي عدة مدارس شرطها للشافعية، منها بدمشق تدريس الغزالية وغيرها، والخطابة، والإمامة بالجامع الأموي، قال أبو شامة: وكان أحق الناس بذلك، ومنها بمصر تدريس الشافعية بالصالحية وغيرها، ومنهم قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، فقد ادعى هو الاجتهاد في عدة مواضع من كتبه، ونقل الصلاح الصفدي في ترجمته من تاريخه عنه أنه قال: وافق اجتهادي اجتهاد الشافع إلا في مسألتين ، وممن وصفه بالاجتهاد المطلق ابن الرفعة، وأبو حيان مع ما كان بينه وبينه من الوقفة الظاهرة، وابن رشيد في رحلته ، والسبكي في الطبقات، ولسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة، والنسخة بخط المصنف في خزانة سعيد السعداء ، والكمال الأدفوي في الطالع السعيد، والإمام ركن الدين بن القوبع المالكي في ضمن قصيدة مدحه بها، قال فيها :
الى صدر الأئمة باتفاق ... وقدوة كل حبر ألمعي
ومن بالاجتهاد غدا فريدا ... وحاز الفضل بالقدح العلي
صبا للعلم صبا في صباه ... فأعل بهمة الصب الصبي
فأتقن والشباب له لباس ... أدلة مالك والشافعي
وقد وصفه بالاجتهاد المطلق جماعة أخر، آخرهم قاضي القضاة حافظ العصر شهاب الدين ابن حجر في خطبة كتابه تعليق التعليق، وقد ولي عدة مدارس للشافعية منها المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه، والفاضلية، وغير ذلك، ومنهم الإمام كمال الدين بن الزملكاني، وصفه بالاجتهاد الذهبي في معجمه، والسبكي، والأسنوي في الطبقات، وقد ولي / عدة مدارس للشافعية بدمشق، منها: الشامية، والظاهرية، والرواجية، ومنهم الشيخ تقي الدين السبكي، والشيخ سراج الدين البلقيني، لم يختلف اثنان في أنهما بلغا رتبة الاجتهاد، وقد وليا من مدارس الشافعية ما هو معروف، وغير من سمينا ممن يطول ذكرهم، وفيمن سمينا كفاية عمن تركنا، وقد ذكر ابن قيم الجوزية في كتابه ذم التقليد ما نصه: وقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له، قال: ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم، فأتبع الناس لمالك بن وهب وطبقته ممن يحكم الحجة، وينقاد للدليل أين كان، وكذلك أبو يوسف ومحمد، أتبع لأبي حنيفة من المقلدين له، مع كثرة مخالفتهما له، وكذلك البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم، وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتبع له من المقلدين المحض المنتسبين إليه، وعلى هذا فالوقف على أتباع الأئمة، أهل الحجة والعلم أحق به من المقلدين في نفس الأمر، هذا كلامه بحروفه."
وكل هذه المسائل التى طرحها السيوطى مسائل تتعلق بالعراك على أوقاف المدارس وأن الأولى بولايتها هو المجتهد المطلق إن ,جد والمطلق المنتسب وكله كلام خارج عن دين الله فليس فى الإسلام مدارس للمذاهب وإنما مدارس لتدريس أى لتفقيه الناس فى دين الله كما قال تعالى :
"وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون"
والمدارس كما فى الآية السابقة واجب إنشائها وأكما الحديث عن كن نظام الملك هو أول من أنشأها فكذب محض فالمدرسة الأولى كانت فى المدينة مدرسة كان معلمها النبى(ص) وبعد أن انتهى من تخريج أول فوج أى دفعة قوم كل خريج بإنشاء مدرسة فى بلد قومه علمه فيها الناس ما علمه النبى(ص) إياه
وأما حكاية المجتهد المطلق والمجتهد المنتسب فى وجود لمجتهدين وإنما الموجود مؤولين للنصوص فكل من يسمى مجتهد يفسر النص على هواه أو حسب نيته السليمة
وأما حكاية انتهاء الاجتهاد فهو أمر يحدث نتيجة تراكم كل الآراء فى كل مسألة بحيث أن المجتهد الجديد يكرر قول لمن سبقه سواء علم به أو لم يعلم
وأنهى السيوطى كتابه بالنكت التالية :
"ونختم الكتاب بثلاث نكت:
النكتة الأولى: قال النقشواني: ما رأيت أعجب من رجل قال: أجمع أهل زماننا على أنه ليس في الزمان مجتهد، قال: فيقال له: يا عجيب الحال! كلامك يناقض بعضه بعضا؛ لأنه إذا لم يكن في الزمان مجتهد، فكيف ينعقد الإجماع؟ لأن الإجماع إنما هو اتفاق المجتهدين، فإذا فقد المجتهدون، فقد الإجماع لأن المجتهد هو الذي يعتبر قوله في الإجماع والخلاف.
النكتة الثانية: مثلي ومثل كثير من أهل العصر، مثل شافعي بحث مع حنفي في طهارة المني، فقال الشافعي: ما رأيت أعجب من هذا، لأني ساع في طهارة أصله، وهو ساع في نجاسة أصله، وكذلك أنا، سعيت في رفع الإثم عنهم بأسرهم، ورفعت عنهم الحرج بقيامي عنهم بهذا الواجب، وهم فريقان: فريق يمنع الاجتهاد من أصله، فهو ساع في إثمه، وإثم الناس معه، وفريق يسلمه، ويسعى في عدم استحقاقي، وما هذا جزائي منه، فإن لم أكن أستحق زيادة على الناس لما قمت به مما قصروا فيه، فلا أقل من أن أكون كواحد منهم، وهل زيادة الاجتهاد أورثتني نقصا عما كنت عليه من المعرفة بالمذهب قبل بوغه!!
النكتة الثالثة: ذكر ابن المنير في كتابه المقتفى ما نصه: إذا قيل: أي عبادة يتحقق صاحبها أنه انفرد بها ذلك في وقته دون العالم بأسره، قلنا: الطائف بالكعبة وحده، والقائم بالإمامة العظمى، فيتعذر فيها الانفراد"
إذا الاجتهاد طبقا للقرآن لا يمكن أن يكون له وجود فى الإسلام لأن الله أنزل فى كل مسألة حكم واحد لا اجتهاد فيه
وأما ما حدث ويحدث فهو أن القوم يؤولون معانى ألفاظ النصوص حسب ما فى أنفسهم من حق أو باطل 

الأربعاء، 1 سبتمبر 2021

نقد رسالة الحكم البارعة من استفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة

نقد رسالة الحكم البارعة من استفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة
الرسالة كتبها ربيع أحمد سيد وكان وقتها طالبا فى كلية الطب وقد بين فى المقدمة أن عدد السور المبدءوة بالحروف المقطعة 29 سورة فقال:
"وبعد:
فقد استفتحت تسع وعشرون سورة من سور القرآن بحروف مقطعة ننطقها و نحن نقرؤها بأسماء الحروف لا بمسمياتها، و هذه الحروف إما مفردة، وهي: ص و ن وق و إما ثنائية، وهي: طه و طس و يس وحم و إما ثلاثية وهي: المص و المر و إما خماسية و هي: كهيعص و حم عسق"
وذكر ربيع اختلاف المفسرين فيها حيث قال :
وقد اختلف المفسرون في معناها فمنهم من قال هي من أسماء السور ومنهم من قال هي من أسماء الله و منهم من قال هي من أسماء القرآن و منهم من قال هي دالة على أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالسنين و منهم من قال هي قسم أقسم الله به، و منهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه، وهذا هو القول الصحيح"
وفى الفقرة السابقة اختار ربيع القول بأن الحروف المقطعة مما استأثر الله بعلمه ورغم اختباره هذا حيث اعتبر الحروف المقطعة غيبا إلا أنه أبى أن يفسر الحكم الغيبية فقال :
"واستفتاح بعض السور بهذه الحروف فيه حكم كثير قد نعلمها وقد لا نعلمها، و هذا البحث فيه شيئا من الحكم من استتفتاح بعض السور بالحروف المقطعة فأسأل الله التوفيق والسداد"
وهذا كلام به تناقض فما دامت تلك الحروف أسرارها مخفية فكيف يمكن لأى أحد أن يعرف تلك الأسرار وهى الحكم ؟
القول الذى اختار خاطىء للتالى :
أن الله بين كل كل شىء كما تعالى :
" ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء"
وقال :
" ثم إنا علينا بيانه"
ومن ثم لا يمكن أن يكون شىء فى القرآن طبقا للآيات خفى استأثر الله بعلمه لأن بين كل المعانى
وتحدث ربيع عن اختلاف العلماء فى تفسير الحروف المقطعة فقال:
"فصل: اختلاف المفسرين في تفسير الحروف المقطعة:
استفتحت تسع وعشرون سورة من سور القرآن بالحروف المقطعة أولها سورة البقرة، وآخرها سورة القلم و هذه الحروف إما مفردة، وهي: ص و ن وق و إما ثنائية، وهي: طه و طس و يس وحم و إما ثلاثية وهي: المص و المر و إما خماسية و هي: كهيعص و حم عسق، "
وهى نفس المعلومات التى ذكرها فى المقدمة كما كرر نفس المعلومات عن اختلافهم فقال :
"و قد اختلف المفسرون في معناها فمنهم من قال هي من أسماء السور ومنهم من قال هي من أسماء الله و من المفسرين من قال هي من أسماء القران و من المفسرين من قال هي دالة على أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالسنين أي بحساب الجمل"
وقام ربيع باستعراض قيم الحروف فى حساب الجمل اليهودى كما هو مشهور فقال :
" وهو نوع من الحساب جعل فيه لكل حرف من الحروف الأبجدية عدد من الواحد للألف على ترتيب خاص فالألف واحد و الباء اثنين والجيم ثلاثة والدال أربعة و الهاء خمسة و الواو ستة و الزاي سبعة و الحاء ثمانية و الطاء تسعة و الياء عشرة و غير ذلك" وتابع كلامه الذى سبق ذكره فقال :
" ومن المفسرين من قال الحروف المقطعة قسم أقسم الله به، و من المفسرين من قال الحروف المقطعة مما استأثر الله بعلمه "
وقام ربيع بذكر ما اعتقد أنها أدلة على ما اختاره وهو استئثار علم الله بالحروف فقال :
"فصل: ترجيح القول بأن الحروف المقطعة مما استأثر الله بعلمه:
بالنظر لأقوال المفسرين في الحروف المقطعة نجد أن الصواب هو أن الحروف المقطعة مما استأثر الله بعلمه
استبعد ربيع أن تكون الحروف المقطعة من أسماء الله فقال:
" فمن قال الحروف المقطعة من أسماء الله فقوله يحتاج لدليل و لا دليل من القرآن ولا من السنة، وأيضا لا يوجد اسم من أسماء الله مبتديء بحرف الياء مع أن هذه الحروف من ضمنها حرف الياء، وأيضا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أن هذه الحروف حروف من أسماء الله بل قال ألف حرف ولام حرف وميم حرف وسكت فتقييده بأنه حرف من أسماء الله تقييد بلا مقيد، وهذا لا يجوز"
واستبعد كون الحروف المقطعة من أسماء السور فقال :
"ومن قال الحروف المقطعة من أسماء السور نقول لهم ليس كل الحروف المقطعة أسماء للسور فإن سور طسم سورتان سورة الشعراء والقصص عندما تقول قرأت سورة طسم لا يعني أنك قرأت إحدى هذه السور بعينها، وكذلك سور الم سورة البقرة وال عمران وغيرهما عندما تقول قرأت سورة الم لا يعني أنك قرأت إحدى هذه السور بعينها و كذلك سور حم سورة غافر والزخرف و غيرهما عندما تقول قرأت سورة حم لا يعني أنك قرأت إحدى هذه السور بعينها"
واستبعد كون الحروف المقطعة من أسماء القرآن فقال:
"و من قال الحروف المقطعة من أسماء القرآن فقوله يحتاج لدليل و لا دليل من القرآن ولا من السنة، وهل لو قلت قرأت طه أني قرأت القرآن كله"
واستحال كون الحروف المقطعة دالة على أعمار أمة محمد(ص) فقال :
" و من قال الحروف المقطعة دالة على أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقوله يحتاج لدليل و لا دليل من القرآن ولا من السنة بل القول بأنها دالة على أعمار أمة الإسلام بالسنيين قول فيه تأييد لما يدعيه أهل الباطل في أمور الغيبيات حسب الأعداد، وحساب الجمل يكون للأسماء، وليس للحروف، وهذه حروف، و لو كان تفسير حساب الجمل للحروف المقطعة تفسيرا صحيحا لعلم أجل الأمة المحمدية وقيام الساعة، وهذا لا يصح فالساعة لا يعلمها إلا الله، "
وأدلته فى ألأمور السابقة صحيحة وأما دليل كون حساب الجمل للأسماء دون الحروف فكلام غير صحيح لأن الحساب أساسا مبنى على اعطاء قيمة لكل حرف ومن مجموع حروف الكلمة تكون قيمتها كما أن بعض الكلمات مكونة مكونة من حرف واحد كألف الاستفهام وحروف الجر كالكاف
"واستبعد كون الحروف المقطعة قسم أقسم الله به فقال:
ومن قال أن الحروف المقطعة قسم أقسم الله به فقوله لا يصح لأن هذه الحروف تأتي مفصولة عما بعدها، ولا يصح فصل المقسم به عن المقسم عليه، و أين أداة القسم؟"
وبعد استبعاد الآراء السابقة حاول ربيع التدليل على صحة اختياره لاستئثار الله بالعلم بالحروف وهو استدلال خاطىء لأنه طالما هو أمر خفى لا يمكن الاستدلال عليه وفى هذا قال :
"فصل: بعض الحكم من استتفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة:
إن الله حكيم في كل أفعاله وأقواله فهذه معاني الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن لم نعرف معناها، و ما كان عدم معرفتنا معاني هذه الحروف إلا لحكم بالغة منها تحدي البلغاء و أهل اللغة فرغم أن القرآن تتركب حروفه من حروف اللغة العربية فلن يستطيعوا أن يأتوا بمثله فلا أحد يستطيع أن يأتي بمثل هذا القران المركب من هذه الحروف و أمثالها قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} أي: قل: لو اتفقت الإنس والجن على محاولة الإتيان بمثل هذا القرآن المعجز لا يستطيعون الإتيان به، ولو تعاونوا وتظاهروا على ذلك،.
و من حكم استتفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا:
قطع الغرور العلمي لمن يظن أنه يعرف كل شيء، وأنه قد أحاط بكل شيء فهذا حرف لا يستطيع معرفة معناه ألست تزعم أنك تعرف كل شيء فعرفنا إذا معنى قوله تعالى: {المص} أو قوله تعالى: {كهيعص} أو قوله تعالى: {حم عسق}
و من حكم استتفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا:
الإشارة إلى أن معاني القرآن لا يمكن أن تعرف كلها فليس كلام الله ككلام البشر يمكن أن يعرف جميع ما فيه.
و من حكم استتفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا: الإشارة إلى عدم إحاطة أحد بعلم الله فإذا كانت هذه الحروف في بعض كلامه لا يعرفون معناها فكيف يحيطون به علما."
وكل ما سبق من الكلام يتعارض مع كون الوحى الثانى وهو تفسير القرآن الإلهى المسمى الذكر نزل لبيان معانى القرآن كما قال تعالى :

كما يتعارض مع تكرار الله لقوله أنه يبين آيات القرآن كما قال تعالى :

ثم قال :
"و من حكم استفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا:
الإشارة إلى أن الله يعطي الناس القدر الذي يريد أن يعرفوه من العلم قال تعالى: {و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} أي ولا يطلع أحد من الخلق على شيء من علمه إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه"
كلام الله هنا عن علم الله نفسه بكل شىء "بشيء من علمه" بينما القرآن هو جزء من العلم شاء الله أن يبينه للناس كما قال:
" تبيانا لكل شىء"
ثم قال :
"و من حكم استفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا: الإشارة إلى أن كتاب الله ليس كمثله كتاب فأي كتاب يمكن معرفة المراد منه من كاتبه أو صاحبه أو أحد معلما للعلم الذي في الكتاب أما كتاب الله فلا يستطيع أحد معرفة المراد من كلامه إلا ببيان منه، و كذلك قراءة كتابه لابد فيها من السماع من أحد فكتاب الله غير أي كتاب فأي كتاب غير كتاب الله يمكن من يعرف لغة الكتاب قراءته."
الكلام هنا متناقض فالرجل يبين أن الكتب سواء فى أن المجهول منها يعرف ببيان صاحبها وكتاب الله بينه الله بقوله "كذلك يبين لكم الآيات"
وقال:
"و من حكم استفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا: الإشارة إلى أن القرآن يؤخذ بالسماع لا بالقراءة و الكتابة؛ لأن هذه الحروف تقرأ بطريقة معينة كما تسمع، ولا تقرأ كما تكتب.
و من حكم استفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا: الإشارة إلى نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فهو أمي لا يقرأ فكيف يعرف أسماء الحروف فالأمي لا يستطيع النطق بمسميات الحروف، ولا يعرف أسماءها فكيف يفرق بين آلم و ألم تر؟
و من حكم استفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا: شد انتباه المستمع و جذبه حتى ينتبه لما سوف يأتي بعد ذلك فمن البلاغة استفتاح الكلام بما لم يعهده الناس كي يثير انتباههم.
و من حكم استفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا: الإشارة إلى أن النقل مقدم على العقل فالعقل يقتضي أنه مادامت هذه الحروف كتبت متصلة تقرأ متصلة أما في النقل فرغم أن هذه الحروف تكتب متصلة إلا أنها تقرأ منفصلة.
و من حكم استفتاح بعض سور القرآن بالحروف المقطعة أيضا: الإشارة إلى أن ترتيب الآيات موحى به فلما اعتبر {حم} {عسق} آيتين و {كهيعص} "
وكل ما قاله ربيع هو كلام بلا دليل خاصة أنه يعتبر أن الحروف أمرها خفى فمن أين استقى تلك الحكم وأمرها خفى