قراءة فى كتاب آداب الجوال
المؤلف هو محمد بن إبراهيم الحمد
وهو يدور حول أحكام استخدام الهاتف الذى يسمى بالجوال والمحمول وفى المقدمة
بين الرجل فوائده قائلا :
" أما، بعد:
فإن الهاتف بجميع خدماته يقوم بدور مهم، ويقدم خدمة جليلة، ويوفر جهدا كبيرا، سواء في الوقت، أو في المال، أو الذهاب، أو الإياب.
ولقد تكلم الفضلاء من أهل العلم على الهاتف وآدابه، وما يجب وما ينبغي أن يراعى في ذلك.
وعلى رأس أولئك العلامة بكر أبو زيد حيث ألف كتابه الماتع الرائع (أدب الهاتف).
وهو بسبق حائز تفضيلا
مستوجب ثنائي الجميلا
والحديث ههنا سيكون حول أدب الجوال على وجه الخصوص"
وتحدث الرجل مفرقا بين الهاتف العادى والجوال فقال :
"وما يقال في حق الهاتف العادي يقال
في حق الجوال، إلا أن الجوال ينفرد في أمور خاصة قد لا توجد في الهاتف
العادي؛ فالجوال في الأغلب يكون خاصا بشخص لا يرد عليه غيره، بخلاف الهاتف
العادي؛ حيث يكون في مكان عام، أو مكتب أو منزل، وقد يرد عليه أكثر من شخص.
ثم إن الجوال يمتاز بخدمات أخرى لا توجد في الهاتف ولاريب أن الجوال نعمة كبيرة، يقضي بها الإنسان حاجاته بأقرب طريق، وأيسر كلفة.
ولكن هناك أمور تنافي شكر هذه
النعمة، وهناك ملحوظات يحسن التنبه لها، والتنبيه عليها؛ حتى تتم الفائدة
المرجوة من هذه النعمة، ولأجل ألا تكون سببا في جلب الضرر على أصحابها"
وبعد أن بين أهمية الجهاز عاد فبين انه مضار فقال :
"فمما يحسن التنبيه عليه ومراعاته في هذا الأمر ما يلي:
أولا: الاقتصاد في المكالمات: حتى لا تحصل الخسارة المالية بدون داع، ولأجل ألا يتأذى الإنسان من جراء الإطالة.
وعلى هذا فإنه يحسن بالمتصل أن يقتصد في كلامه، وأن يتجنب التطويل في المقدمات، والسؤال عن الحال.
وينبغي له أن يحذر من كثرة الاتصالات بلا داع، وأن يحذر فضول الكلام في المهاتفة؛ فإن بعض الناس قد يمتد به الحديث ساعات وساعات.
يقول العلامة بكر أبو زيد احذر فضول
المهاتفة، حتى لا يصيبك سعار الاتصال؛ فكم من مصاب به؛ فمن حين يرفع رأسه
من نومته يدني مذكرته _نوتته_ ولا كالطفل يلتقم ثدي أمه، فيشغل نفسه وغيره
عبر الهاتف من دار إلى دار، ومن مكتب إلى آخر يروح عن نفسه، ويلقي بالأذى
على غيره.
وليس لنا مع هؤلاء حديث إلا الدعاء بالعافية، وننصحهم بمعالجة وضعهم من هذا الفضول. أدب الهاتف ص32_33.
ثانيا: الحذر من إحراج المتصل عليه:
كأن يمتحن المتصل المتصل عليه بقوله: هل تعرفني؟ فإذا قال: لا، بدأ يلومه،
ويعاتبه على نسيانه له، وعدم تخزينه لرقم هاتفه.
مع أن المتصل عليه قد يكون ذا مكانة
في العلم أو القدر أوالسن، وقد يكون ممن لا يخزن الأرقام في جواله، وقد
يكون جواله مليئا ولا يتسع للمزيد؛ فأولى للمتصل أن يخبر عن اسمه في
البداية إن كان يريد أن يعرف، وأن ينأى عن تلك الأساليب المحرجة.
جاء في الصحيحين عن جابر بن عبدالله
_رضي الله عنهما_ قال: أتيت النبي "
فدعوت، فقال النبي ": من هذا؟ فقلت: أنا، فخرج وهو يقول: أنا أنا!! البخاري
(6250)، ومسلم (2155).
ثالثا: مراعاة حال المتصل عليه،
والتماس العذر له: فقد يكون مريضا، أو في مكان لا يسمح له بالتفصيل كأن
يكون في مسجد، أو مقبرة، أو بين أناس لا يود أن يقطع حديثهم أو نحو ذلك؛
فإذا لم يرد، أو رد ردا مقتضبا، أو كانت الحفاوة أقل من المعتاد فعلى
المتصل أن يبسط له العذر، وألا يسيء به الظن.
كما يحسن بالمتصل عليه أن يخبر
المتصل فيما بعد، أو يرد عليه ردا سريعا يبين من خلاله أنه في مكان لا يسمح
له بالحديث؛ فذلك أسلم للقلوب، وأبعد لها من الوحشة والنفرة.
رابعا: إغلاق الجوال أو وضعه على الصامت عند دخول المسجد: وذلك لئلا يشوش على المصلين، ويقطع عليهم خشوعهم وإقبالهم على صلاتهم.
وإذا حصل أن نسي ولم يغلقه أو يضعه
على الصامت فليبادر إلى إغلاقه وإسكاته إذا اتصل أحد؛ لأن بعض الناس يدعه
يرن وربما كان بنغمات موسيقية مؤذية، فلا يغلقه ولا يسكته؛ خوفا من حدوث
الحركة في الصلاة.
والذي ينبغي لهذا أن يعلم أن تلك الحركة لمصلحة الصلاة، بل لمصلحة المصلين عموما.
كما ينبغي أن يبسط العذر لمن نسي
إغلاق جواله أو وضعه على الصامت، وألا يشدد في النكير عليه، والنظر شزرا
إليه، خصوصا إذا كان ممن يخشى نفوره، وغضبه، أو أن يكون فاضلا نسي؛ فلا
يحسن إحراجه وتبكيته.
ولنا في رسول الله أسوة حسنة حينما لطف بالأعرابي الذي بال في المسجد، وأمر أن يهراق سجل أو ذنوب من ماء على مكان بوله.
جاء في صحيح البخاري(2201) عن أبي
هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ":
دعوه، وأهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين،
ولم تبعثوا معسرين.
خامسا: البعد عن استعمال النغمات الموسيقية: لما في ذلك من الحرمة، وانتقاص العقلاء لمن يستعملها، ولما فيها من التشويش والأذى.
ويقبح استعمالها إذا كان في المساجد، أو المجالس العامة.
سادسا: استعمال الجوال في مجالس
العلم ومجالس الأكابر عموما: لأن استعماله يذهب بهيبة المجلس، ويقطع
الفائدة على المتعلمين، ويؤذي من يلقي الدرس أو الفائدة، ويرزي بمن يستعمل
الجوال في تلك المجالس.
بل ينبغي للإنسان ألا يتصل وألا يرد
على المتصل إذا كان في مجلس يسوده الجد، ويتكلم فيه متكلم واحد، أو أن يكون
في ذلك المجلس من يكبره في السن والقدر؛ لأن الاتصال أو الرد يقطع الحديث،
ويكدر على الحاضرين، وينافي أدب المحادثة والمجالسة، قال أبو تمام:
من لي بإنسان إذا أغضبته
وجهلت كان الحلم رد جوابه
وتراه يصغي للحديث بسمعه
وبقلبه ولعله أدرى به
وقد يغتفر الاتصال أو الرد إذا كان في الأمر ضرورة، أو حاجة يخشى فواتها ويراعى في ذلك ترك التطويل.
ويغتفر أيضا لكبير القدر أو السن أن
يتصل أو يرد، ويغتفر كذلك إذا كان الإنسان في مجلس إخوانه أو أصدقائه
الذين يطرح الكلفة بينهم، أو الذين لم يسترسل حديثهم.
ويجمل بالمرء أيضا إذا أراد الاتصال أن يستأذن ويخرج عن المجلس.
سابعا: تسجيل المكالمات، أو وضع
الجوال على مكبر الصوت بحضرة الآخرين دون علم الآخر: فقد يتصل أحد من الناس
على صاحبه، أو يتصل عليه صاحبه فيسجل المكالمة، أو يضع الجوال على مكبر
الصوت وحوله من يسمع الحديث.
وهذا العمل لا يليق بالعاقل خصوصا إذا كان الحديث خاصا أو سريا؛ فقد يكون ضربا من الخيانة، أو نوعا من النميمة.
ويقبح إذا كان المتصل عليه من أهل
العلم ثم سجل المتصل حديثه دون إذنه، ثم نشره بعد ذلك، أو وضعه في
الإنترنت، أو كتبه وزاد فيه ونقص.
قال الدكتور بكر أبو زيد لا يجوز
لمسلم يرعى الأمانة ويبغض الخيانة أن يسجل كلام المتكلم دون إذنه وعلمه
مهما يكن نوع الكلام: دينيا، أو دنيويا كفتوى، أو مباحثة علمية، أو مالية،
وما جرى مجرى ذلك أدب الهاتف ص28.
وقال فإذا سجلت مكالمته دون إذنه وعلمه فهذا مكر وخديعة، وخيانة للأمانة.
وإذا نشرت هذه المكالمة للآخرين فهي زيادة في التخون، وهتك الأمانة.
وإن فعلت فعلتك الثالثة: التصرف في
نص المكالمة بتقطيع، وتقديم، وتأخير، ونحو ذلك إدخالا أو إخراجا دبلجة
فالآن ترتدي الخيانة مضاعفة، وتسقط على أم رأسك في: أم الخبائث غير مأسوف
على خائن.
والخلاصة أن تسجيل المكالمة هاتفية
أو غير هاتفية دون علم المتكلم وإذنه فجور، وخيانة، وجرحة في العدالة، ولا
يفعلها إلا الضامرون في الدين، والخلق، والأدب، لاسيما إن تضاعفت _كما ذكر_
فاتقوا الله _عباد الله_ولا تخونوا أماناتكم، ولا تغدروا بإخوانكم. أدب
الهاتف ص 29_30.
ثامنا: إلقاء الجوال في الأماكن
العامة: كإلقائه بين الزملاء، أو الأطفال، فهذا مدعاة لوقوع الحرج، فقد
يتصل عبر جوالك بأناس لا ترتضيهم، وقد يساء إلى أحد من الناس عبر جوالك،
وقد يسرق جوالك، وقد يستعرض ما فيه من رسائل تكره أن يطلع عليها غير ك.
وقد حصل ويحصل من جراء ذلك أذى كثير، وإحراج شديد.
تاسعا: الحذر من استعمال الجوال في
التصوير: فبعض الجوالات تتوافر فيها هذه الخدمة، وقد تستعمل في تصوير
المحارم خصوصا في المناسبات العامة كالولائم وغيرها.
ولا يخفى حرمة هذا الصنيع، وتسببه في
انتهاك الحرمات، وتفريق البيوت، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، ويعظم
الأمر إذا نشرت الصورة، وأضيف إليها بعض التعديلات، بحيث يرى صاحب الصورة
في وضع عار أو نحو ذلك.
فعلى من تسول له نفسه ذلك أن يحذر مغبة صنيعه، وعلى النساء خصوصا لزوم الستر والحشمة حتى لا يقع المحذور.
عاشرا: مراعاة أدب الرسائل: فالجوال
يشتمل على هذه الخدمة، والذي يليق بالعاقل أن يراعي الأدب في الرسائل؛ فإذا
أراد أن يرسل رسالة فلتكن جميلة معبرة أو مبشرة، أو معزية، أو مسلية، أو
أن تكون مشتملة على ذكرى، أوحكمة، أوموعظة، أو مثل سائر، أو نحو ذلك.
حادي عشر: التثبت في شأن الرسالة: فإذا كانت متضمنة لمعلومة فليتثبت من صحتها.
وإذا كانت متضمنة لخبر فليكن الخبر صحيحا؛ لأنه سينقل عن المرسل.
وليستحضر المرسل أن رسالته ربما
تدوالتها الأيدي، وانتشرت في الآفاق؛ فله غنمها وعليه غرمها؛ فلينظر ماذا
يحب أن ينقل عنه، أو يتسبب فيه.
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا الشأن
ما يكون في بعض الرسائل من التواصي بأمر من الأمور، دون نظر إلى مشروعيته،
كالتواصي بصيام آخر يوم من أيام السنة؛ لأنه وافق يوم الاثنين، أو أن يخصص
ويوحد الدعاء في وقت ما لأحد أو على أحد، أو أن يحرج المرسل المرسل إليه
بأن يرسل الرسالة إلى عشرة أو أكثر أو أقل؛ فهذا مما لا ينبغي، وربما دخل
في قبيل البدع والمحدثات.
أما إذا تواصى الناس بالدعاء لأحد من
المسلمين، أو على أحد من أعداء الملة، واغتنم الوقت أو المكان فلا بأس في
ذلك دون أن يشار إلى توحيد للدعاء، أو نحو ذلك.
ثاني عشر: الحذر من الرسائل السيئة: التي تشتمل على الكلمات البذيئة، والنكات السخيفة، والرسومات القبيحة، والصور الفاضحة.
وكذلك العبارات التي تحتمل معنيين:
أحدهما سيئ وهو الذي يبدو لأول وهلة، ثم يتضح أنه معنى صحيح بعد التدقيق،
أو الكلمات المتقطعة التي تزيد كلما ضغط زر الجوال؛ ويتبين من خلال ذلك
فسوق، وسوء أدب."
ونقل الرجل من كتب السابقين آداب الحديث فقال:
"يقول الماوردي : ومما يجري مجرى فحش
القول، وهجره في وجوب اجتنابه ولزوم تنكبه _ما كان شنيع البديهة، مستنكر
الظاهر، وإن كان بعد التأمل سليما، وبعد الكشف والروية مستقيما. أدب الدنيا
والدين ص 284.
وكذلك المزاح الثقيل، واستعمال عبارات الغرام خصوصا مع النساء اللواتي يغر بعضهن الثناء، ومعسول الكلام.
وكذلك العبارات المشتملة على السب، والقذف، ونحو ذلك.
فهذا كله مما يخالف الشرع، وينافي الأدب، ولا يتلاءم مع شكر هذه النعمة."
واكمل الرجل بقية النصائح فقال :
ثالث عشر: التأكد من صحة الرقم: حتى
لا تقع الرسالة بيد من لم يقصد إرسالها إليه، فيقع الحرج، ويساء الظن
بالمرسل إن كانت رسالة لا تناسب.
رابع عشر: مراعاة الذوق، وحال المرسل
إليه: فقد تكون الرسالة ملائمة لشخص، ولكنها غير ملائمة لآخر، وقد تكون
صالحة لأن ترسل لكبير قدر أو سن، ولا تصلح أن ترسل إلى غيره، وقد يصلح أن
يرسلها شخص ولا يصلح أن يرسلها آخر، وقد تصلح لأن ترسلها لمن يعرفك ويعرف
مقاصدك، ولا يصلح أن ترسلها لشخص لا يعرف مقاصدك، أو لشخص شديد الحساسية
سيئ الظن؛ فمراعاة تلك الأحوال أمر مطلوب.
وكم حصل من جراء التفريط بذلك الأدب من إساءة ظن، وقيام لسوق العداوة.
خامس عشر: النظر في جوالات الآخرين
واستعراض الرسائل دون رضاهم: فذلك من كشف الستر، ومن التطفل المذموم، بل هو
ضرب من ضروب الخيانة، وباب من أبواب سوء الظن؛ لأن الناظر في رسائل جوال
غيره ربما رأى رسالة ففهمها على غير وجهها، أو ظن أنها أرسلت إلى امرأة
يعاكسها وقد يكون صاحب الجوال أرسلها إلى زوجته.
وقد تكون الرسالة وردت إليه وهو لم يرض بها، فيسيء الناظر الظن في صاحبه وهو براء من ذلك.
وهذا يؤكد ما مضى التنبيه عليه من
حفظ الجوال، والحذر من إلقائه بين الآخرين، ويوجب أن يستحضر العاقل أنه
ربما استعرض الجوال غير صاحبه فيرى الرسائل ويكشف الستر، وربما أساء الظن.
وينبغي للمرسل أن يحتاط لذلك، خصوصا
النساء؛ لأنه ربما استعرض الجوال زوج صاحبتها، أو أخوها، وربما كان مريض
النفس، فكان ذلك سببا فيما لا تحمد عقباه.
سادس عشر:ترك الإنكار على من أرسل
رسالة لا تليق: فهذا مما لا ينبغي، بل على المسلم إذا وصلت إليه رسالة لا
تليق أن يبادر في الإنكار على صاحبه بالرفق واللين؛ ففي هذا إقامة لشعيرة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه تواص بالحق، وتنبيه على الخطأ،
وتعليم للجاهل إذا كان المرسل لا يفقه ما أرسل.
كما يحسن بالإنسان أن يبادر إلى مسح الرسالة السيئة؛ حتى يسلم من الحرج إذا ضاع جواله، أو نسيه في مكان ما، أو وقع في يد غيره.
سابع عشر: استعمال الجوال للمعاكسات:
وهذا الأمر يكاد يكون أخطر ما في الجوال؛ فقد كان العقلاء في السابق
يحذرون خطر الهاتف، وينبهون على وجوب أخذ الحيطة من وضعه في أيدي السفهاء،
فجاء الجوال، فعم وطم، وصار بيد العاقل والسفيه، والرجل والمرأة، والصغير
والكبير.
فالواجب على العقلاء أن يتنبهوا لهذا
الخطر الذي سهل مهمة المعاكسات كثيرا، والواجب_أيضا_على المتلاعبين
بالأعراض أن يحذورا عاقبة أمرهم، وأن يراقبوا ربهم، وأن يستحضروا اطلاعه
عليهم.
كما يجب عليهم أن يقفوا مع أنفسهم
وقفة صادقة، وأن يدركوا أن السعادة الحقة لا تكون بهذه الأساليب المحرمة،
بل إن تلك الأساليب من أعظم أسباب اضطرابهم وقلقهم، وحيرتهم، وفساد
أحوالهم، وضياع أموالهم.
كما أنها سبب لفضيحتهم وشقائهم،
ودمارهم في الدنيا ولآخرة، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، ولذة
العفة خير من لذة الشهوة المحرمة.
ثامن عشر :كثرة العبث بالجوال في
المجالس: خصوصا في مجالس الأكابر من أهل العلم والفضل؛ فبعض الناس لا يفتأ
يقلب جواله، ويستعرض نغماته وأجراسه، ويلعب في التسالي التي يحتويها الجوال
إلى غير ذلك مما لا يليق بالعاقل، ومما يجعله عرضة للتندر، والاستهجان.
تاسع عشر: التشبع، والادعاء: كحال من
يريد لفت الأنظار، وإظهار العظمة، وبيان أنه إنسان مهم، حيث يوهم من حوله
بأن فلانا من أهل الفضل، والمكانة يبحث عنه، ويتصل به.
يقول الشيخ بكر أبو زيد في الجماعة أفراد يحملون هم العظمة، وأن يحمدوا بما لم يفعلوا.
وقد صح عن النبي " أنه قال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. رواه البخاري (5219)، ومسلم (2129) و(2130).
ومن المهاتفين العراة إجراؤهم
المهاتفة الوهمية لبعض ذوي القدرة، والمكانة، أو ذوي القدر والجاه واليسار،
أو يسر إلى بعض خواصه أن يتصل به، على أنه ذاك الذي يشار إليه، فترى
المسكين يوهم الحاضرين عنده بالاهتمام البالغ، وبعض العبارات والحركات لهذه
المقامات؛ ليبين للحضور أنه شخص مرموق رفيع المستوى، كأنه يقول: هأناذا؛
فاعرفوني.
وهو اتصال وهمي مكذوب.
وقد شاهدت وشاهد غيري من ذلك عجبا.
والمهم أن يعرف أولئك أنهم عراة، وقل أن تخفى حالهم؛ فلا تسلك أيها المسلم سبيلهم. أدب الهاتف ص35_36.
النصائح السابقة تقوم على أسس هى :
الأول العدل فى القول كما قال تعالى "وإذا قلتم فاعدلوا"
الثانى عدم الجهر بالسوء عند الظلم كما قال تعالى " إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم"
الثالث عدم نشر الأنباء الكاذبة كما قال تعالى " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة "
الرابع عدم إشاعة الفاحشة من خلال
نشر الأقوال والصور ومقاطع التسجيل التى تحض على ارتكاب الفواحش لوجود عذاب
دنيوى وأخروى كما قال تعالى :
"إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة
الخامس استعمال الجهاز فى الخير لقوله تعالى :
"وافعلوا الخير"
وبالقطع لو كانت الدولة للمسلمين فإن
الهاتف يكون هاتفا صوتيا فقط وهو الهاتف القديم وأما الهاتف الحديث الذى
يكون صوتا وصورة واتصالا بالشبكة العنكبوتية فيتم إلغاء استعماله لأنه يسبب
مخالفات كثيرة وأهمها أن الناس أصبحوا مدمنين عليه خاصة الشباب فينامون
ويقعدون ويرقدون وهو معهم حتى ضعفت الأسماع والأنظار وضعفت الصحة العامة
للكل بسبب قلة الحركة واستغناءهم عن الزيارات والمقابلات بالاتصالات
الكلامية أو المصورة
الهاتف الصوتى فقط جرائمه قليلة
وفوائده عديدة ويجب ألا يسمح للناس بإجراء أكثر من عشر مكالمات فى اليوم لا
تزيد مدتها ككل عن نصف ساعة وتكون تلك المكالمات للضرورات
قطعا دول العالم وليس المنطقة هدفها
من خلال شركات الجوالات هو جمع المال من الناس دون النظر إلى صحتهم ودون
نظر للصالح العام والخاص للفرد وكذلك هدف الأنظمة الحاكمة هو جعل الناس
مشغولين عن الفساد الذين يقومون به ومن بين ما يشغلون به الناس تلك
الهواتف وتطبيقاتها وغير هذا
ومن ثم وجب عندما تقوم دولة المسلمين تقنين استعمال تلك الجوالات بما يخدم مصالح المسلمين
الخميس، 19 أغسطس 2021
قراءة فى كتاب آداب الجوال
الأربعاء، 18 أغسطس 2021
قراءة فى كتاب العرف
قراءة فى كتاب العرف
الكتاب عبارة عن محضرة صوتية تم
تفريغها فى صورة كتاب مكتوب والمحاضر هو محمد راتب النابلسي ويدور الكتاب
حول موضوع العرف حيث استهل النابلسى كتابه بتعريفه بقوله:
"العرف ما اعتاده الناس وساروا عليه
من كل فعل شاع بينهم ، أو لفظ تعارفوا على إطلاقه على معنى خاص لا تألفه
اللغة ولا يتبادر غيره عند سماعه ، يعني مجموعة أفعال ومجموعة أقوال ألفها
الناس فيما بينهم ، تعارفوا عليها ، فعلوها جميعا "
وذكر النابلسى انقسام العرف لعرف عملى وعرف قولى فقال:
"وقد شمل هذا التعريف الذي ذكرته
قبل قليل العرف العملي والعرف القولي ، وكل منهما عرف عام وعرف خاص ، العرف
العملي : أفعال ، ما اعتاده الناس في أفعالهم العادية أو معاملاتهم
المدنية ، مثلا الناس يأكلون في العيد اللحم ، في رمضان لهم أكلات خاصة ،
بالعيد معايدة ، عند الموت تعزية ، هذه أفعال اعتادها الناس في معظم
البلاد، في الأفراح والأتراح والمناسبات والأعياد ، هناك ألبسة خاصة
بالزفاف ، ولديهم ألبسة خاصة ببعض الأحزان .
فالأفعال التي اعتادها الناس وألفوها
وتعارفوا عليها وفعلوها جميعا هذا من العرف ، المهر في الزواج معجل ومؤجل
هذا من العرف أيضا ، بيع المعاطاة خلاف الشرع ، يعني مثلا كؤوس الشراب ،
تشرب كأسا وتضع ليرة ولا تتكلم ولا كلمة فأين الإيجاب والقبول ؟ أتبيعني
هذه الكأس بليرتين ؟ يقول لك بعتك هذه الكأس بليرتين ، أين الشهود ، القضية
سريعة جدا وتافهة جدا ، فبيع الخسيس لا يحتاج إلى إيجاب وقبول وشهود ،
فبيع المعاطاة خلاف حكم الشرع ، لكن العرف أنه بالطرقات يكون بائعو العصير
فتدفع وتمشي ولا كلمة ، فهذا عرف عملي .
والعرف القولي ، اللحم يعني : لحم
الضأن ، والسمك سمك مع أن السمك لحم ، فكلنا نقول: أكلنا سمكا وأكلنا لحما ،
إذا قلنا أكلنا لحما يعني لحم ضأن وما أكلنا سمكا ، فكلمة السمك هي لحم
لكن تعني السمك فقط . وكلمة اللحم تعني لحم الخراف فقط أو لحم البقر ،
فمثلا كلمة ولد تعني الذكر يقول عندي ولدان ، أما : ووالد وما ولد ، فالولد
تعني في اللغة الذكر والأنثى ، أما في العرف الولد الذكر .
إذا : عندنا أعراف قولية ( الولد
تعني الذكر ) يقول لك عندي ولدان وبنت ، وهم كلهم أولاد، وهكذا عندنا عرف
عملي وعرف قولي ، والعرف العام ما تعارف عليه أغلبية أهل البلدان ، يعني
يوم عيد الأضحى بالعالم الإسلامي كله عطلة ، وللمسلمين زيارات فيه ، وألبسة
جديدة ، وطعام طيب وحلويات ، هذا عرف عام ، وكل بلد لها أعراف ، لها أكلات
معينة ، تقاليد معينة حركات معينة ، وأساليب في التهنئة معينة .
تذهب إلى مصر فتجد عند الولادة أشياء
مضحكة ، هنا لا نعرفها نحن ، تذهب إلى قرية فترى أعرافا غير أعراف المدينة
، فالعرف عام أو خاص ، عملي أو قولي "
وبعد أن ذكر هذا التقسيم عاد فقسمها إلى نوعين أخرين على أساس الحل والحرمة فقال:
"وبعد ، فالعرف نوعان : عرف صحيح
يؤخذ به ، وعرف فاسد لا يؤخذ به ، ما تعريف العرف الصحيح ؟ ما تعارف الناس
عليه دون أن يحرم حلالا أو يحل حراما ، مادام العرف لا يتصادم مع الشرع فهو
صحيح ، المرأة لها مهر في القرآن الكريم ولها مهر في السنة ولها مهر في
أحكام الفقه لكن نحن تعارفنا أن المهر يقسم إلى قسمين : معجل ومؤخر ، هذا
من الأعراف ، ونحن ما صادمنا نصا شرعيا ولا خالفنا فيه حكما شرعيا ، ولا
حرمنا به حلالا ولا أحللنا به حراما ، إذا العرف الصحيح هو الذي لم يصادم
أمرا محرما أو نهيا محرما .
مثلا إنسان في بيته دعامتان بينهما
فراغ ، يعني أراد أن ينشئ في هذا الفراغ مكتبة ، لو دار أقطار الدنيا لا
يجد مكتبة عرضها أربعون سنتيمترا وطولها مترين ، لكن في بيته دعامتان
بينهما فراغ فأراد أن يستغل هذا الفراغ فيجعله مكتبة ، يأتي بنجار يساومه
على صناعة مكتبة في هذا الفراغ ، العرض أربعون سنتيمترا والطول متران ، هذا
اسمه بيع الاستصناع ، هذا بيع المعدوم خلاف الشرع لكن العرف أقره لأنه ليس
هناك حل آخر ، لا بد من أن تأتي بنجار وأن يصنع لك خزانة في هذا العرض
النادر وهذا الطول الطويل ، فبيع الاستصناع عرف لكنه لا يتأذى منه أحد ،
نطالب النجار أن الخشب من نوع كذا والفورمايكا من نوع كذا والمسكات من نوع
كذا ، ونضع سعرا ونساوم ونتفق ونكتب عقدا فيصنعها ، هذا أيضا من العرف .
يعني الزوجة أحيانا لا يسمح للزوج أن
يخرج معها خارج البيت إلا بعد العرس ، مع أنها من يوم العقد أصبحت زوجته ،
زوجته بكل معاني الكلمة ولو خلا بها ، ولو ذهب بها إلى بيت فارغ ، هذه
زوجته، العقد أبرم وهناك إيجاب وقبول ومهر وشاهدان ، لكن العرف لا يسمح
للزوج أن يسافر بزوجته قبل الدخول ، هذا عرف ، كل ما يقدم للزوجة أثناء
الخطبة هذه هدايا وليست من المهر ، هذا عرف ، المهر يدفع دفعة واحدة أو
يدفع على شكل أثاث، أما إن جاءها بقطعة ذهب أو بثياب أو عطورات فهذه هدايا ،
العرف ما تعارف الناس عليه ولا يتصادم مع نصوص الشرع ."
وأقوال النابلسى هنا صحيحة وكان يحب
عليه أن بيان أ، العرف فى المهر هو مخالفة لوحى الله فالمهر يكون مدفوع مرة
واحدة قبل الدخول كما قال تعالى " ,اتوا النساء صدقاتهن نحلة" وهو معروف
القدر وهو قنطار كما قال سبحانه "وإن آتيتم إحداهن قنطارا"
وكذلك الأمر فى خروج الزوج مع زوجته
التى تسمى خطيبته فى العرف الشائع فالخروج معها والخلو معها مباح وما يحرمه
العرف هو اعتداء على شرع الله وكثيرا ما يؤدى إلى مصائب غالبها العرف
المسمى فسخ الخطبة
ثم قسم النابلسى الأعراف تقسيم أخر فقال :
"قلت قبل قليل هناك أعراف عملية ،
وأعراف قولية ، وأعراف عامة وأعراف خاصة ، وها أنا ذا أقول لكم لكل أسرة
أعراف خاصة ، هناك أكلات خاصة بالأسرة ، وللأب طريقة خاصة في تربية أبنائه ،
هذه أعراف خاصة ، لكل قرية عرف خاص ، لكل مدينة عرف خاص ، والأعراف منها
عامة ، ومنها أعراف عملية ، ومنها أعراف قولية "
وبعد هذا ذكر أعرافا عند البعض منها:
"إذا ولد للأسرة مولود فيصنعون حبوبا
، وسليقه وهذا من الأعراف، يعني كل حركة من حركات المولود كأن تظهر أسنانه
فلديهم أكله معينة وهكذا ، هذا كله من الأعراف "عندما يخترع الناس أحكام
من عند انفسهم فى مناسبات معينة فيحددون شيئا معينا طعام فى يوم فهذا
اعتداء على شرع الله لأن الله لم يقل بفرض طعام معين فى يوم معين ثم ذكر
التالى:
"لكن نحن ما علاقتنا بهذا الدرس ،
علاقة الأعراف بالضرورات ، بعد قليل تتضح الأمور ، فلقد تعارف الناس الآن
على أن التصوير من لوازم الأعراس ، تأتي بعض النساء كاسيات عاريات بأبهى
زينة ، يأتي رجل يصور هذا العرس ، وهذا صار عرفا الآن ، لكن هذا العرف يجب
أن يكون تحت أقدامنا فهو عرف فاسد ، إيداع المال في البنوك و أخذ الفوائد
هذا عرف فاسد .
يقولون إذا كان المطعم ( خمس نجوم )
لابد أن يكون فيه خمر ، من قال هذا ؟ هذه أعراف، مطعم خمس نجوم لا بد أن
يقدم فيه الخمر وإلا لا يعطى الترخيص بخمس نجوم ، يعطى بثلاث نجوم ."
ثم قال الحكم فى العادات التى ذكرها فقال :
من الأعراف مثلا التصوير في الحفلات ،
الاختلاط ، الربا ، الفوائد هذه كلها أعراف فاسدة ينبغي أن تسحق تحت
أقدامنا ، نحن إذا تحدثنا عن العرف تحدثنا عن عرف يتوافق مع الشرع لا يصادم
نصا ، أما حينما يتعارض العرف مع أحكام ديننا لا نعبأ به ولا نقيم له
وزنا، وأكثر شيء واضح موضوع الأزياء ، فالأزياء أعراف ، إذا أظهرت الأزياء
مفاتن المرأة وحجم أعضائها ، وأظهرت لون أعضائها ، أظهرت مفاتنها الخفية ،
هذه أزياء أعراف لكنها تحت أقدامنا ، فهي أعراف فاسدة .
فالمؤمن الصادق ، وها نحن دخلنا رحاب
الدرس ، أجل المؤمن الصادق لا يأخذ بالعرف إلا إذا كان وفق منهج الله ،
يعني من أعرافنا إذا تم زواج تقام حفلة فهذا جيد ، وليس فيها منكرات، رجال -
مديح رسول الله - تقدم ضيافة - تلقى كلمات ، هذا عرف على العين والرأس ولا
معصية فيه نلبي هذه الدعوة ، لا اختلاط ، ولا خمور ، ولا غناء ، بل مديح
لرسول الله وضيافة وكلمة تلقى حول عقد القران أو سنة النبي في الزواج ، هذه
أعراف لكنها مقبولة ، أما لو كان عقد قران مختلط في فندق خمس نجوم توزع
فيه الخمور ويؤتى بالراقصات فهذا عرف أيضا ، لكن هذا العرف نركله بأقدامنا .
إذا الأعراف موجودة ، وما اعتاد
الناس أن يفعلوه في كل البلاد سواء أكان عرفا عاما أو خاصا من قول أو عمل ،
فهذا العرف إن وافق منهج الله فعلى العين والرأس ، وما خالف منهج الله عز
وجل لا نعبأ به ولا نأخذ به ولا نقيم له وزنا بل نحاربه أشد المحاربة .
ثم أذكركم أن الأخ الكريم الذي يسمح
لزوجته أن تذهب إلى عرس فيه تصوير فهذا الأخ يرتكب أكبر معصية ، لأن هذه
الزوجة لا بد من أن ترتدي أجمل ثيابها ولا بد من أن تدعى في هذا العرس لأن
تخلع ثيابها الخارجية ، ويأتي المصور فيصور ، وقد يطبع من هذا الفيلم
المئات وكل رجل في البيت يرى هذا الفيلم ويقول من هذه ؟ هي في الطريق محجبة
لكنها انعتقت من الحجاب في العرس وظهرت في الفيلم ! أعوذ بالله ، هذه
الأعراف تحت أقدامنا ، لذلك في العرس تجد شابا مؤمنا مسلما طاهرا مستقيما
تربية المسجد فينصمد إلى جانب العروس مع المدعوات جميعا ، وأمامه مائتا
امرأة كاسيات عاريات ينظر إليهن ، وكل واحدة شكل وزي ، وهو شاب مؤمن طاهر
حافظ لكتاب الله ، أيصح هذا الحال ؟ لا . ثم لا ."
ثم بين النابلسى أن المقياس فى كل عرف هو الشرع فقال:
"فنحن مقياسنا الشرع ، كل من ترك
ميزان الشريعة لحظة هلك ، أما إن كان العرس نسائيا واجتمعت النساء وذكرن
مولد رسول الله ووزعت الحلوى وألقيت كلمة فهذا عرس إسلامي راق جدا ولا حرج
عليهن ، الإسلام ليس ضد الحفلات ولكن ضد المعاصي والآثام .
العلماء قالوا العرف الذي يمكن أن
يؤخذ به في الشرع له شروط ، الشرط الأول ألا يعارض نصا شرعيا في القرآن أو
في السنة ، والشرط الثاني أن يكون مضطردا غالبا مستمرا العمل فيه في كل
الحوادث أو يجري العمل فيه في أغلب الوقائع ، ولذلك فالعرف شيء والإجماع
شيء آخر ، إن الإجماع أن يجتمع علماء الأمة ويجمعوا على أمر ، أما العرف
فهو عمل عفوي مشترك من دون اجتماع ، الإجماع غير العرف ، الإجماع أقوى
بكثير ، الإجماع مجتهدو الأمة اجتمعوا وقرروا ، أما العرف مجموعة من الناس
فعلوا شيئا مشتركا فصار عرفا لهم ."
ثم حدثنا عن العرف فى بعض دول الكفر
مبينا أنهم يحلون زنى الرجال مع بعضهم وزنى النساء مع بعضهن فى بريطانيا
وأنهم يجلون المخدران فى هولنده فقال :
أيها الإخوة :
طبعا الأعراف في بعض التشريعات
الوضعية لها قيمة كبيرة وهنا الخطأ الكبير ، يعني إذا شاع الشذوذ في
بريطانيا فهذا عرف سيئ يصدر قانون بإباحته ، وإذا شاعت المخدرات في هولندا
تأتي الدولة وتوزع المخدرات على المدمنين ، هذه مشكلة كبيرة جدا ، مشكلة
خطيرة أن التشريع تابع للواقع ، ما تعارف الناس عليه ولو أنه خطير ولو أنه
انحراف شديد يأتي التشريع الوضعي فيقره ، معنى ذلك أن التشريع الوضعي تابع
للواقع المنحرف ، الإسلام ليس كذلك ، إذا اتفق الناس على شيء وفق منهج الله
لا شيء عليهم ، لكنهم إذا اتفقوا على شيء خلاف منهج الله فهذا شيء مرفوض "
وتحدث النابلسى مبينا ما ظنه قيمة العرف فقال :
"فعظمة هذا الدين أن ليس العرف دليلا
شرعيا مستقلا ، هو دليل شرعي إذا اتكأ على دليل فقهي نقبله ، إذا وافق
حكما فقهيا أو أمرا شرعيا نقبله ، أما إذا خالف نرفضه وانتهى الأمر .
سيدنا ابن مسعود يقول : ما رآه
المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ ،
أخذ هذا من الأثر : لا تجتمع أمتي على ضلالة.
يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام
معصوم بمفرده بينما أمته معصومة بمجموعها ، لأن أمة محمد صلى الله عليه
وسلم لا تجتمع على ضلالة لذلك ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما
رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ ، لكني أقف عند كلمة ( ما رآه
المسلمون الملتزمون الصادقون ) "
وما قاله هنا خطأ فبين النبى(ص) ليس
معصوما من الخطأ وهو عمل الذنوب لقوله تعالى"واستغفر لذنبك" وقوله " إنا
فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"
النصوص ظاهرة وتمنع العصمة المزعومة فى الذنوب والعصمة هى من أذى الناس كما قال تعالى " والله يعصمك من الناس"
والأمة ليست معصومة من الضلالة فالنبى (ص)والمسلمون معه دافعوا عن المجرم واتهموا البرىء حتى نزل وحى الله ناهيا لهم عن ذلك فقال :
"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم
بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان
غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان
خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما
لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ها أنتم جادلتم عنهم فى
الحياة الدنيا فمن يجادل عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ومن يعمل
سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ومن يكسب إثما
فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم
به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ومن يكسب خطيئة أو إثما ولولا فضل
الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم"
وبين أن نظرات الناس تختلف فقال:
"لكن بين المسلمين حاليا من يرون أن
ارتياد الفنادق في أعياد الميلاد شيء مقبول ، يرونه حسنا ، المقصود المسلم
الصادق الملتزم نظرته سليمة ، أما المسلم المتفلت فرؤيته معكوسة ونظره سقيم
."
وحدثنا عن قولة مجنونة هى الثابت بالعرف كالثابت بالنص فقال :
العلماء قالوا الثابت بالعرف كالثابت
بالنص ، يعني حاليا تجد عرفا بالحقل التجاري خلاصته أن إنسانا عنده موظف
يريد أن ينهي عمله فهناك عرف أن يعطيه عن كل سنة راتب شهر تعويضا ، هذا عرف
جيد لا شيء فيه ، وهناك من يعترض على هذا العرف أحيانا ، لكن الحق أنه عرف
جيد لأن ذاك العامل يحتاج إلى فترة من الزمن حتى يجد عملا فلا بد له من
مبلغ يعيش به وهذا المبلغ هو التعويض .
الثابت بالعرف كالثابت بالنص ،
والعادة محكمة أي معمول بها ، لكن واحدا قرأ العادة محكمة والصواب العادة
محكمة أي تحكم في التشريع الوضعي وهي العادة التي تتوافق مع الشرع .
وبعد ، عندنا مشكلة وهي أنك قد تقرأ
عن حكم شرعي قبل مائتي عام ولم تقبله الآن لأن الأعراف تغيرت ، فأحيانا
تبنى الأحكام الشرعية على الأعراف التي لا تخالف التشريعات الإلهية ،
فحينما تتبدل هذه الأعراف تتبدل معها الأحكام ، يعني كان قديما العم والد ،
والشرع الحكيم لم يعط الأولاد نصيب أبيهم المتوفى في حياة أبيه ، لكن
حينما أخذ العم نصيب أخيه فهو ملزم بتربية أولاد أخيه ما امتد به العمر حتى
يكبروا ، أما حينما تقاطع الناس وتدابروا وقلت العاطفة بين الأعمام وبين
أولاد الأخ جاء التشريع الوضعي فألزم الناس بالوصية الواجبة وهي إذا مات
الأب في حياة أبيه يأخذ أولاده حصته من الإرث كما لو كان حيا ،فمن الأعراف
أن أولاد الأخ كالأخ تماما ، يعني يربي أولاد أخيه إذا مات كأنهم أولاده
تماما ، لكن هناك أعمام يملكون مئات الملايين وأولاد أخيهم لا يملكون ثمن
الطعام ولا يلتفت الأعمام إليهم ، فاختلت معايير الأعراف ."
قطعا العرف ليس ثابتا لأن الثابت هو نص الوحى ولا توجد مسألة ليس فيها نص كما قال تعالى " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء"
ومن ثم لا يمكن أن يقول فقيه أن الثابت بالعرف كالثابت بالنص لأنه ينفى وينسف الشرهع بكلمة كهذه
وتحدث النابلسى عن بعد ألأعراف فقال :
"الآن أضع بين أيديكم بعض الأحكام
الشرعية التي لها علاقة بالأعراف ، الفواكه والخضراوات تنضج تباعا ، واحد
مثلا ضمن حقلا من البطيخ ، البطيخ ينضج خلال تسعين يوما ، وكل يوم يستطيع
الإنسان أن يجني ما يملأ سيارة ، فكيف يبيع هذا البطيخ ، النبي اشترط ألا
تبيع الثمر إلا إذا بدا صلاحه ، هناك ثمار يتلاحق نضجها، وبعض الخضراوات
يتلاحق نضجها ، العرف يقتضي أن تباع دفعة واحدة فتضمن ، إذا هذا استثناء من
القاعدة ، العرف يقتضي ذلك ، وقد علمنا أن الفواكه والخضراوات تنضج تباعا ،
فإذا حكمنا النص الشرعي أنه لا يجوز أن تبيع شيئا حتى يبدو صلاحه فممنوع
أن تبيع هذا الحقل ، حقل البندورة مثلا لأنه ينضج تباعا ، هذه حالة .
النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أن تباع ثمرة حتى تنضج ، طيب ،"
بداية فى المجتمع المسلم الحقيقى لا
توجد مثل هذه البيوع لأن الأرض بكل ما فيها وما عليها تدار من قبل المجتمع
ككل والكل يقتسم أرباح العمل فيها بالعدل ولكن فى المجتمعات التى يعاش
فيها بدون حكم الله ألزم المسلمين أن يكتبوا التجارة غير الحاضرة ويشهدوا
عليها الشهود وهى تجارة الشىء الغائب فى عقد ملزم فقال تعالى :
" إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم "
ومن ثم لا يمكن أن ينهى عن النبى(ص) عن كل التجارة الغائبة ثم قال :
"عقود الاستصناع عقود على أشياء
معدومة ، عقود الإيجار .. الإيجار تملكت منفعته لكنك ما تملكت رقبة ، أعطيت
الأجرة سلفا مقابل أي شيء ، المعاطاة عقد بيع من دون إيجاب وقبول ، بيع
السلم تشتري شيئا ما ظهر بعد ، تشتري قمحا لم ينبت ، تشتري صوفا لم ينبت
على ظهر الماشية، فبيع المسلم وعقد الإيجار وعقد الاستصناع وبيع المعاطاة ،
مثلا إنسان دخل الحمام دفع الأجرة خمسين ليرة يا ترى كم له أن يبقى في
الحمام ؟ ما في شرط ، كم له أن يستهلك من الماء ؟ ما في شرط ، هنا تجد
جهالة في الشروط ، قد يجلس الإنسان في مكان يا ترى أيجلس ساعة أو أقل أو
أكثر ؟ ليس هناك تحديد ، هذا كله خلاف قواعد الشرع الصارمة ، هذا أيضا من
العرف .
أحيانا تستأجر إنسانا بطعامه ، طيب
الطعام فيه جهالة ، ماذا سوف تطعمه ؟ يعني هذا عرف الطعام وله وجبة لا تقل
عن حد معين ولا تزيد ، وأوضح مثل بيع المعاطاة كما قلت قبل قليل ليس فيه
إيجاب وقبول وليس هناك شاهدان ، ليس فيه بعتك وبعتني ، تدفع المبلغ وتأخذ
الحاجة وتأكلها وتمشي ، تدفع المبلغ وتشرب الكأس وتمشي .
قد تشتري حاجة ويقال لك معها كفالة
سنة ، النبي يقول لا بيع وشرط ، يشترط في بيع هذه الحالة أن تضمن الشركة
المقدمة أن تقدم كفالة سنة ، فمثلا بالسيارات يعطون كفالة سنة أو خمسين ألف
كيلومتر ، دون خمسين ألف كيلو متر مضمون تصليحها على حساب الشركة أو سنتين
، هذا صار بيع وشرط ، لكن صار في منافسة في البيع ، فهذه الشركة تقدم
ضمانة للمشتري أن أي عطب يصيب المركبة دون الخمسين ألف كيلومتر أو قبل
سنتين فالتصليح على حساب الشركة ، هذا عرف جرى العمل به وهو مقبول .
أحيانا تشتري قماشا ليخيطه لك الخياط
، صار بيع وشرط ، تشتري قمحا ليطحنه لك الطحان، تشتري طحينا ليخبزه لك
الخباز ، فإذا اشتريت شيئا وشرط خبزه أو خياطته هذا صار بيعا وشرطا ، فهذه
الأعراف تجيز مخالفة الأحكام الفقهية .
نحن عندنا قاعدة أساسية في الفقه :
لا يجوز أن تأخذ أجرا على طاعة ولا على واجب ، فأنت حينما تقرأ القرآن أو
تعلم القرآن فهذا واجب لقول النبي عليه الصلاة والسلام :
خيركم من تعلم القرآن وعلمه .…………(صحيح البخاري 4639)"
القاعدة التى قال النابلسى بوجودها خارجة على وحى الله فكل عمل واجب أو اختيارى بين عدة واجبات عليه أجر لقوله تعالى :
" من جاء بالحسنة فله عشر أمثألها " وفى الرواية أن واجب جماع الأزواج عليه أجر لأنه لو جامع فى الحرام كان عليه وزر
وتحدث النابلسى عن التعليم الحالى فقال:
"أما عمليا نحن عندنا مليون ونصف
طالب في القطر في التعليم الإعدادي والثانوي أو مليونا طالب ، فإذا كان كل
خمسين طالبا يحتاجون إلى أستاذ فإذا تحتاج إلى خمسمائة أستاذ ديانة ،
أفمعقول أن نلزم خمسمائة إنسان أن يعملوا في الأسبوع ستة أيام وكل يوم ست
ساعات لوجه الله تعالى ؟ هذا غير معقول ، فكل منهم يحتاج إلى أن يأكل ،
يحتاج إلى أن يتزوج وأن يسكن في بيت ، لذلك ينصرف عن التعليم إلى صنعة ،
ويبقى الطلاب بلا دين وبلا قرآن وبلا فقه، لذلك فالعرف حاليا يقتضي أن تعطي
راتبا لكل من يعلم القرآن ، نحن عندنا شيء اسمه مدرس مادة تربية إسلامية
يحمل شهادة في الشريعة ويتعين ويتقاضى راتبا طوال حياته ، أما بحسب الأحكام
الفقهية فلا يجوز أن تتقاضى أجرا على أداء عمل أمرك به الشرع ، قد أمرك
الله أن تعلم القرآن .
وكذلك المؤذن ؛ فرغنا إنسانا خمسة
أوقات ليؤذن ، لو قلت له لا يجوز أن تأخذ على الأذان أجرا يقول لك من أين
آكل ؟ إذا يجوز أن نعطي الإمام والمؤذن وكل من يعمل في الحقل الدعوي راتبا
يكفي مؤونة التفرغ .
كذلك تجهيز الميت ودفنه عمل تطوعي
يفعله المسلمون وهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، ممكن الآن أن
تكفل إنسانا ينتقل من بيت إلى بيت ، وعندنا في الشام ثمانون جنازة كل يوم
يتنقل من بيت إلى بيت يغسل ويجهز ويكفن ويدفن لوجه الله ، ليست مقبولة
حاليا ، لا بد من موظف في دفن الموتى ، موظف يغسل ، وموظف يؤذن ، وهكذا .
بيع العربون منهي عنه ، لكن أحيانا
يكون في ضرر ثابت فأنت يمكن أن تحصل الضرر من هذا العربون ، أما أن تأخذه
بلا ضرر فلا يجوز ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :
لا ضرر ولا ضرار . (سنن ابن ماجة 2331)"
قطعا الأمثلة المضروبة تدل على خلل
فى فهم الإنسان فلا يوجد عمل دون مقابل أى معاش فالرسول (ص) نفسه لم يكن
عمل عملا وظيفيا يجلب المال ولذا قرر الله ما يكفى احتياجاته هو وأسرته من
الفىء والغنيمة وغيرهم لأنه لو عمل عملا وظيفيا كنجار أو حداد أو تاجر سوف
ينشغل عن وظيفة الدعوة من تعليم ودعوة لأنه لن يجد وقتا للتعليم والدعوة
وسيجهد بدنيا بسبب ذلك ومن ثم فرواتب وهى أجور المعلمين والآعلاميين وغيرهم
من الممارسين لعمل خدمى أجورهم المالية واجبة فى الشرع
ثم قال:
يمكن أن يحصل خلاف في أسعار المحاصيل
الكبيرة ، يحددون يوما في هذا اليوم على أي سعر استقر هذا المحصول يكون
أساس الحساب ، أيضا هذا وفق العرف ، أنا آتيكم بأمثلة كثيرة كيف أن مصلحة
المسلمين استقرت على هذه الأعراف ، مادامت المصلحة استقرت والناس يفعلونه
حلا لمشكلة قائمة إذا يمكن أن تستنبط الأحكام الشرعية الاستثنائية من
الأعراف.
إن محور الدرس وأساس الدرس أن كل شيء
يؤخذ من العرف يجب أن يكون موافقا للشرع، يعني إذا لم يكن موافقا فعلى
الأقل ألا يصدم نصا ، يعني هناك أشياء الشرع ما ذكرها لا إيجابا ولا سلبا ،
فالأصل في الأشياء الإباحة ، أو الأصل في الأقوال والأفعال الإباحة ،
الناس أحيانا يجتمعون وكل إنسان يدفع ألف ليرة في الشهر ، وهم عشرة ، فعشرة
آلاف ليرة يعطونها لواحد ، كل شهر يأخذها واحد بالقرعة ، الشرع ما ذكر هذا
لا إيجابا ولا سلبا لكن لا شيء فيها مخالف للشرع فهذا عرف ما أحد دفع شيئا
زيادة ولا خسر ، ليس فيها يانصيب ، دفع ألفا كل شهر وأخذها دفعة واحدة .
لذلك الأصل في الأشياء الإباحة ،
ونضيف على الأشياء الأفعال ، فأفعال كثيرة الأصل فيها الإباحة ، لا يحرم
شيء إلا بنص ، عندنا البيع والشراء وقطف الثمار ، عندنا عرف بتضمين الثمار ،
عندنا حالات كثيرة والأعراف هي في الحقيقة حل لكل مشكلة ، حل جماعي مقبول ،
مادام لا يصادم نصا ولا يعارض أمرا ولا يحل حراما ولا يحرم حلالا إذا
فالعرف مقبول ، فصار العرف نوع من الضرورات التي تبيح المحظورات ، يعني
ضرورة جماعية والمجتمع حلها على نحو لا يخالف الشرع ، إذا تؤخذ هذه حجة في
مخالفة المحظورات .
أحيانا الإنسان يبيع سيارة ويتفق على
الثمن ، ويقبض ثمن السيارة ويشترط أن تبقى معه شهرا في الصيف إلى أن ينتهي
شهر الصيف فهذا ممكن ، فهو لا بيع ولا شرط لكن تقتضي المصالح ذلك ، هذا
إنسان يريد أن يسافر بعد شهر ويريد أن يبيع سيارته ، فإنسان أعجبته السيارة
واشتراها بثمن معقول قال له بشرط أن تبقى معي حتى أسافر، ليس من مانع ،
أشياء كثيرة يفعلها الناس بحكم العادة والعرف ، وهذه الأشياء لا تصادم نصا
ولا تحل حراما ولا تحرم حلالا ، تعد هذه في حكم الضرورات التي تبيح
المحظورات ، والعادة محكمة ، والمسلمون عند شروطهم ، والعرف : إذا رأى
الناس شيئا حسنا أقرهم الله عليه ، وفي القرآن آيات كثيرة تؤكد العمل
بالعرف ، بالمعروف يعني بما تعارف الناس عليه ، يقول لك يا ترى هل على
الحلي زكاة ؟ الجواب: الحلي المعدة للاستعمال وما تعارف الناس على قدره لا
زكاة فيه عند بعض المذاهب ، يعني امرأة يكون عندها أسوارة وقرط وعقد مثلا
فهذا معروف ، أما أن يكون عندها عشرون أسوارة فهذه ليس حليا ، هذا صار مالا
، فالحلي التي تعارف الناس ما كان بحجم معتدل يصلح للاستعمال فهذا معفى من
الزكاة عند بعض المذاهب .
والإنسان أحيانا يضعف أمام قوة
المجتمع ، وأمام ضغط الأعراف و التقاليد ، فالمؤمن عنده ميزان ، فأي عرف أو
أي تقليد خالف منهج الله عز وجل يرفضه ولا يعبأ به ، والنبي دعي إلى حلف
الفضول وأثنى عليه ثناء كبيرا ، وهو اتفاق ينص على أن ينصر المظلوم وأن
يعطى كل ذي حق حقه وهذا كان في الجاهلية ، قال عليه الصلاة والسلام لو دعيت
إلى مثله في الإسلام لأجبت .
يعني أنت لا تكن بعيدا عن المجتمع ،
إذا كان هناك اتفاق تعاون سكني ليس فيه ربا وليس هناك مانع شرعي ، وإذا كان
اتفاق لحل مشكلة والناس اجتمعوا وقرروا فلا عليك ، وكل شيء لا يعارض نصا
شرعيا ولا يحل حراما ولا يحرم حلالا فليس فيه مانع فلا بأس ، فدائما مقياسك
الشرع ، كل من ترك ميزان الشرع من يده لحظة هلك، اجعل الشرع ميزانا ، سواء
كان في الزواج ، أو في الولادة فالأعراف كثيرة لازم كأن يقدم الناس كراوية
عند الولادة ليس هناك مانع وهذه لا تحل حراما ، مادة مسموحة والضيافة
واردة ، وإطعام الطعام وارد، إذا الأعراف في الولادة وفي الزواج والطلاق
والحياة والموت ، والسفر ، هذه الأعراف مقياسها الشرع ، فلا نخالف الشرع
ولا نحل حراما ولا نحرم حراما وليس هناك مانع ، أما إن كانت تصادم الشرع
فيجب أن نقف موقفا شديدا إزاءها .
أساس الأعراف حل لمشكلة حلا جماعيا ، فالشرع عد العرف مصدرا تشريعيا ، العادة محكمة والمسلمون إذا استحسنوا شيئا فالشرع حسنه "
قطعا الأعراف ناتجة من الحياة فى
مجتمعات لا تحكم بحكم الله لأن كما سبق القول كل أمر فى الحياة له نص فيه
كما قال تعالى "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء"
ومن ثم فالحل والحرمة فى الأعراف
راجع إلى أن مجتمعاتنا التى نعيش فيها هى التى اضطرت الناس فى الغالب للعمل
بتلك الأعراف فلو حكم الحكام بشرع الله ما لجأ الناس لاختراع التشريعات
التى سموها الأعراف التى هى تحايل على الشرع فى الغالب وتجايل على الحكام
للوصول للحصول على ما يكفى الناس من مال للحياة فكما قيل الظلم يولد الظلم
ومن ثم لا تنتهى عجلة الظلم إلا بإقامة الشرع كاملا فعند ذلك تتوقف الأعراف
عن الخروج للوجود
الثلاثاء، 17 أغسطس 2021
نقد كتاب الصحابة وعدالتهم
نقد كتاب الصحابة وعدالتهم
مؤلف الكتاب عدنان ابراهيم وهو ليس
بكتاب وإنما هى محاضرات وخطب تم تفريغ أشرطتها فى صورة كتاب وعدنان إبراهيم
يبدو وكأنه يتهرب من تأليف الكتب ومن ثم يلجأ لنظام المحاضرات والخطب
اساس الكتاب هو :
ان عدنان حاول أن يتخذ طريقا وسطا
بين السنة الذى يجلون الصحابة جميعا وبين الشيعة الذى يخرجون الكثير منهم
من الإسلام ويعتبرونهم كفارا والطريق الوسط الذى اختاره فى الكتاب كان هو:
محاكمة الصحابة على أساس الوحى فمن كان عاصيا مخالفا وجب إخراجه من جماعة المؤمنين
وقد بين الرجل فى مقدمة الكتاب تفرق الناس فقال كلاما كثيرا منه:
"وها نحن مفترقون اليوم إلى سنة وشيعة0 شيعة إمامية شيعة زيدية شيعة إباضية ,إلى غير هذا"ص6
وقطعا الإباضية ليست فريقا شيعيا كما قال وإنما هى فرقة وحدها وإن كان أهلها يحاولون الانتساب للسنة وليس للشيعة
وحاول عدنان أن يطرح سؤالا على مائدة البحث هو :
ما الذى يمنعنا من البحث فى شجار ومعارك الصحابة ؟
وانتهى إلى النتيجة التالية :
"فمن أين لنا اننا لا يسوغ لنا أن
نبحث فى قضايا التاريخ ومسائل التاريخ من اجل أنها تتعلق بالصحابة فيحرم ان
نتحدث عما شجر بينهم عجيب "ص7
الرجل إذا يريد النبش فى الماضى
لمحاكمة كل صحابى على عمله لاثبات كونه مسلم أو كافر وهو كلام غير مفيد فى
حالة كتب التاريخ الكاذب التى تروى تاريخ الصحابة فضلا عن أن الله نهى
المسلمين عن الحديث فى أمور السابقين لأنهم لا يقدرون على إصدار الحكم
لأنهم لا يعلمون ما حدث بالفعل وفى هذا قال تعالى :
"تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون"
عدنان بهذا الكلام يريد تجديد الصراع الذى أساسا لم يهدأ وهو مشتعل حتى
الآن رغم أن مذاهب الفرق خارجة عن الإسلام فالسنة لم يكونوا على أيام
الرسول(ص) ولا الشيعة كانوا على أيامه وليس لهم ذكر فى الوحى الإلهى
حاول عدنان فى الكتاب أن يبحث عن
مصطلح الصحابة وهو مصطلح لا أساس له فى الإسلام فالموجود هم الذين آمنوا
بمحمد (ص) والذين كفروا به وهم المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان
وقد صال وجال فى الكتب ورفض معظم ما جاء فى الكتب عن تعريفهم وكان التعريف
الذى قبله هو :
" الصحابة هم المهاجرون والأنصار من
ليس مهاجريا وليس أنصاريا لم يبق إلا ان يكون تابعيا ستقول لى تابعى مع أنه
رآى الرسول نعم ...وأقول لكم بالدليل بكتاب الله هذا هو المذهب هو القوى
والأقوى القرآن يسمى هؤلاء تابعين لا يسميهم صحابة الصحابة حسب القرآن
الكريم هم المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان"ص26
وأصر الرجل على ذلك فى أقوال عدة نقتصر منها على التالى:
"على كل حال فالحسين له شرف أعظم بكثير من شرف الصحبة أنه ابن رسول الله أنه سبطه ذريته لحمه ودمه "ص27
"فالله اختص بتوبته من ذكر قال أنا تبت على المهاجرين والأنصار والثلاثة الذين خلفوا"ص32
"على كل حال إذا الذين أسلموا بعد فتح مكة وليسوا مهاجرين وليسوا أنصارا إنما هم تابعون"ص36
وعدنان هنا يقول كتاب الله ما لم
يقله فليس فيه كلمة الصحابة ولا تعريفهم فهو يتحدث عن المؤمنين والكفار
والمنافقين ومن ثم فهو يدخل كتاب الله فى موضوع يتحدث الله عنه بصيغة أخرى
وبمفهوم مغاير فلم يسم الله المؤمنين صحابة لأنه ليس من المعقول أن يكون
النبى (ص) قد صاحب المسلمين فى عصره جميعا حتى المهاجرين والأنصار جميعا
والذين بلغ عددهم قبل فتح مكة أكثر من عشرة آلاف حسب التاريخ ونحن نتحدث عن
عدد المقاتلين فقط وليس عن العدد الكلى الذي يشمل أولى الضرر والقاعدين
بسبب المرض والشيخوخة والقاعدين لحراسة البلاد
فالمصاحبة اقتصرت على فريق معين هم
المحيطين به بحكم الجيرة والتواجد فى قلب المدينة حيث المسجد فهو كان يلتقى
بهؤلاء إما فى المسجد وإما فى المدرسة حيث كان يفقه الناس فى الدين وإما
فى السوق وإما فى تدريب المجاهدين وإما فى مجلس القضاء ومن ثم ليس كل من
آمن برسالة محمد(ص) كان صحابيا رغم أنهم كانوا يعيشون فى مدينة واحدة ولكن
بسبب تقسيم العمل فيما بينهم وتباعد المساكن وأماكن العمل لم تكن المصاحبة
إلا على فريق معين بحكم الجيرة وطول المكوث معه
وكما قلت سابقا الروايات سواء عند
السنة أو الشيعة اتحدت على دخول بعض الصحابة النار وقطعا الذين آمنوا لا
يمكن دخولهم النار والتاريخ المروى كله كذب ولم يحدث منه شىء كما يروى فلا
توجد سقيفة ولا مبايعة لأبى بكر من عمر ولا تولية عمر على المسلمين بوصية
أبو بكر ولم يقتل عمر ولا عثمان ولا على ولا توجد صفين ولا الجمل ولا
النهروان ولا التحكيم ولا وجود لمعاوية ولا للحسن والحسين وغير ذلك فكل هذا
تاريخ مزور اخترعه الكفار وكتبوه فى الكتب وأقاموا على أساسه جماعتين أو
أكثر لاشعال النار بين الناس وظلوا يؤلفون الكتب دفاعا عن هذا أو ذاك
لو راجعنا معظم الأحاديث عن النبى(ص) فى تلك الفتن مثلما رواه عدنان :
"كحديث ويحه ابن سميه او عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النارص8
وقال:
"ولعله متواتر عشرات الأحاديث فى
الصحيحيين عن الخوارج ومذمتهم والأمر والتهييج والبعث على قتلهم " اقتلوهم
فإن فى قتلهم أجرا لمن قتلتهم لئن ادركتهم لآقتلنهم قتل عاد تقتلهم أولى
الطائفتين بالحق ص9
"وقد صح عن رسول الله انه قال "قاتل عمار وسالبه فى النار"ص10
فى مرة اخرى أو فى رواية اخرى قالت أشهد ان رسول الله لعن اباك يا مروان وانت فى صلبه معلون معناه ابن ملعون والعياذ بالله"ص11
وقال:
يا أبا بكر لا أدرى ماذا تحدثون بعدى أو ما تحدثون بعدى ص40
أما عثمان فقد آتاه اليقين من ربه قال الذى نعرفه أنه مات فوالله لا أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى ص43
وقال:
ما شاء الله عليهم من أحسن ما يكون
بضعة آلاف صالحين الذى غير وبدل قلة قليلة بغضهم النبى شهد عليه بالنار
وأخبر عنه حتى إن كان من اهل بيعة الرضوان مثلا رأس الخوارج النبى قال عنه
غيره مثل عبد الله بن ابى سلول ألم يكن من اهل بيعة الرضوان كان معهم من
الخمسمائة هل ستنفعه هل سيدخل فى قول الرسول لن يدخل النار احد ممن بايع
تحت الشجرة ص43
وقال:
أما تذكر يا زبير يوم قال لك رسول الله ونظرت إليه أتحبه فقلت نع من فقال لتقاتلنه وأنت له ظالم ص50
ألم يلاحظ عدنان إبراهيم هو وكل الفرق أن تلك الروايات تتحدث عن الغيب عن شىء نفى الله عن الرسول(ص) العلم به فقال على لسانه:
"ولا أعلم الغيب"
وقال:
" لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء"
وقال:
" وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم"
الرجل لا يعرف ما يحدث له فكيف عرف بما سيحدث للآخرين وهو قد نفاه بقوله" ولا بكم"
ألم يسمع ويقرأ الكل فى كل الفرق أن
تحول الدولة المسلمة لدولة كافرة لا يمكن حدوثه فى عهد المؤمنين برسالة أى
نبى وإنما يحدث فى عهد الخلف كما قال سبحانه:
"أولئك الذين أنعم الله عليهم من
النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن
هدينا واجتبينا إذ تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فخلف من بعدهم
خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا"
فالخلف حتى لو اعتبرناهم الأولاد
المباشرين فهذا معناه أن الدولة استمرت على الأقل حتى سنة ستين أو سبعين مع
أن التاريخ المزور يقول أن أخر الصحابة موتا كان بعد المائة أو بعد
التسعين سنة من الهجرة بينما التاريخ المزور يقول أنها انتهت سنة40 بمقتل
على الذى لم يقتل هو وعمر وعثمان لأن الروايات اتفقت على أنهم قتلوا فى
صلاة الفجر والظلام دامس وصلاة الفجر صلاة النهار حيث لابد أن تصلى فى
النور نور النهار كما قال تعالى " حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود
من الفجر"
ألم يقرئوا فى كتاب الله أنه واجب على الله نصر المؤمنين بأى رسول فقال:
" ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين"؟
ألم يلاحظوا أن هذا التاريخ المزور
مكذب لكتاب الله مخالف له فى أن الكفار انتصروا وأزالوا دولة المسلمين
ومعظم المؤمنين الذين يسمونهم الصحابة على قيد الحياة؟
وكشف عدنان إبراهيم فى بحثه تناقضات
منهجية فى علم الحديث السنى وهو ان المحدثين اعتبروا أسانيد أحاديث
الصحابة والتابعين الشيعة باطلة والتهمة التشيع لعلى رغم أنها ليست تهمة فى
رأى عدنان وإنما هى اتباع لحديث موالاة على فى حين قبلوا أحاديث النواصب
وغيرهم رغم أعمالهم الشنيعة فى التاريخ فمثلا قال :
"عبد الرحمن بن عديس البولى لأنه من
الخارجين على عثمان الخروج على عثمان لا يحتمل الخروج على على عادى ما فى
مشكلة حتى تدركوا أساس المسألة أساس المسألة دغل وموقف عجيب غريب لست أفهمه
فى الحقيقة ص11
وقد ذكر أن ابن حجر تحدث عن هذا الخطأ فقال :
"نعود إلى الحافظ بن حجر فابن حجر قال هذا لأن الذى فهمه فى الحديث أن بغض على ليس بمجرده يعد علامة على النفاق"ص57
وكما قلت تاريخنا مزور طبقا للقرآن نجد عدنان يكرر اسطورة وهى أن على اخو النبى(ص) ومع هذا زوجه ابنته وهو قوله:
"اخو رسول الله فى الجنة وفى الدنيا وقتلوه وزوج ابنته وذريته "ص14
ألم يلاحظ عدنان وغيره من الفرق أن الكلام لا يستقيم لأن بنات الأخ محرمات ؟
كيف يكون اخوه ويزوجه ابنته ضاربا عرض الحائط بكلام الله ؟
الاثنين، 16 أغسطس 2021
قراءة فى كتاب كيف نشأت مسألة القضاء والقدر؟
قراءة فى كتاب كيف نشأت مسألة القضاء والقدر؟
الكتاب بلا مؤلف فى مكتبة الإكسير
الشاملة وهو يبحث فى مسألة القضاء والقدر خاصة عند المعتزلة ويستهل المؤلف
الكتاب بذكر كيفية سمى المعتزلة بهذا الاسم فيقول:
"إذا استثنينا مسألة مرتكب الكبيرة
التي اعتزل بها واصل بن عطاء أما قصة مرتكب الكبيرة التي أجاب واصل عليها
واعتزل بها حلقة الحسن البصري، فهي كما رواها الشهرستاني في الملل والنحل: ج
1 ص48: (أنه دخل رجل على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في
زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة،
وهم وعيدية الخوارج وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع
الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ولا يضر مع الإيمان معصية
كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك
اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول
إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا، ولا كافر مطلقا، بل هو في منزلة بين
المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد
يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن فقال الحسن: اعتزل عنا واصل
فسمي هو وأصحابه معتزلة)"
وتحدث عن أن مسائل علم الكلام سبق وأن تناولها فلاسفة اليونان تحت نفس الأسماء أو تحت أسماء أخرى وفى هذا قال:
"رأس المعتزلة حلقة الحسن البصري،
فإننا لا نكاد نجد مسألة من مسائل علم الكلام إلا كانت ناشئة عن مسألة سبق
للفلاسفة اليونان أن بحثوها ومسألة (القضاء والقدر) بهذا الاسم وبالمسمى
الذي بحثوه قد بحثها الفلاسفة اليونان واختلفوا فيها فإن هذه المسألة تسمى
(القضاء والقدر) وتسمى (الجبر والاختيار) وتسمى (حرية الإرادة) وكلها تعني
مسمى واحدا وهو: أن ما يحدث من الإنسان من أفعال هل الإنسان حر في إحداثها
وعدم إحداثها أو مجبور؟ وهذا المعنى لم يخطر ببال المسلمين - قبل ترجمة
الفلسفة اليونانية- أن يبحثوه وإنما بحثه الفلاسفة اليونان واختلفوا فيه
فالأبيقوريون يرون أن الإرادة حرة في الاختيار، والإنسان يفعل جميع الأفعال
بإرادته واختياره دون أي إكراه أما الرواقيون فإنهم يرون أن الإرادة مجبرة
على السير في طريق لا يمكنها أن تتعداها، والإنسان لا يفعل شيئا بإرادته
وإنما هو مجبور على فعل أي شيء ولا يملك أن يفعل ولا يفعله فلما جاء
الإسلام وتسربت الأفكار الفلسفية كانت من أهم المسائل مسألة صفة العدل
بالنسبة إلى الله فالله عادل ويترتب على هذا العدل مسألة الثواب والعقاب،
وترتب على ذلك مسألة قيام العبد بأفعاله جريا على منهج البحث الذي ساروا
عليه من بحث المسألة وما يتفرع عنها والتأثر بأبحاث الفلاسفة، أي بما درسوه
من أفكار فلسفية تتعلق في موضوعاتهم التي يردون عليها"
وبالقطع علم الكلام عند اليونان
يعتمد على أقوال الفلاسفة بينما كلام أهل الكلام يعتمد على القرآن وعلى
الروايات فى أحيان قليلة ومن ثم هناك اختلاف بين بين كلام اليونان وكلام
المتكلمين المنسوبين للإسلام لأن هؤلاء يؤسسون على كلامهم ,أديانهم الوثنية
وغيرها بينما الآخرين يؤسسون كلامهم على كلام الله
وتحدث المؤلف مبينا أن مسألة القضاء والقدر أول من تحدث فيها المعتزلة وكل الفرق ردت عليهم بعد ذلك فقال :
"وأظهر ما في هذا الموضوع هو بحث
المعتزلة، فإنه هو الأصل في هذه المسألة وأبحاث باقي المتكلمين إنما جاءت
للرد على المعتزلة، ولذلك يعتبر المعتزلة هم الأصل في بحث مسألة القضاء
والقدر، بل في جميع أبحاث علم الكلام وقد كانت نظرة المعتزلة إلى عدل الله
نظرة تنزيه له عن الظلم ووقفوا أمام مسألة المثوبة والعقوبة الموقف الذي
يتفق مع تنزيه الله ومع عدل الله فرأوا أن عدل الله لا يكون له معنى إلا
بتقرير حرية الإرادة في الإنسان، وأنه يخلق أعمال نفسه، وأن في إمكانه أن
يفعل الشيء أو لا يفعل فإذا فعل بإرادته وترك بإرادته، كانت مثوبته أو
عقوبته معقولة وعادلة أما إن كان الله يخلق الإنسان ويضطره إلى العمل على
نحو خاص، فيضطر المطيع إلى الطاعة، والعاصي إلى العصيان، ثم يعاقب هذا
ويثيب ذلك فليس من العدالة في شيء فهم قاسوا الغائب على الشاهد، قاسوا الله
تعالى على الإنسان، وأخضعوا الله تعالى لقوانين هذا العالم تماما كما فعل
فريق من فلاسفة اليونان فقد ألزموا الله بالعدل كما يتصوره الإنسان، فأصل
البحث هو الثواب والعقاب من الله على فعل العبد، وهذا هو موضوع البحث الذي
أطلق عليه اسم (القضاء والقدر) أو (الجبر والاختيار) أو (حرية الإرادة) وقد
اتجهوا في بحثهم اتجاه الفلاسفة اليونان فبحثوا في الإرادة وفي خلق
الأفعال فقالوا في مسألة الإرادة: إنا نرى أن مريد الخير خير ومريد الشر
شرير، ومريد العدل عادل، ومريد الظلم ظالم فلو كانت إرادة الله تتعلق بكل
ما في العالم من خير وشر، لكان الخير والشر مرادين لله تعالى، فيكون المريد
موصوفا بالخيرية والشرية والعدل والظلم وذلك محال في حق الله تعالى
ويقولون: بأن الله لو كان مريدا لكفر
الكافر، ومعاصي العاصي، ما نهاه عن الكفر والعصيان، وكيف يتصور أن يريد
الله من أبي لهب أن يكفر ثم يأمره بالإيمان، وينهاه عن الكفر؟ ولو فعل هذا
أحد من الخلق لكان سفيها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولو كان كفر الكافر
وعصيان العاصي مرادا من الله تعالى ما استحقا عقوبة، ولكان عملهما طاعة
لإرادته
وهكذا يمضون في الدليل في قضايا
منطقية، ثم يعقبون ذلك بأدلة نقلية من القرآن الكريم فيستدلون بقوله تعالى:
{وما الله يريد ظلما للعباد} وبقوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء
الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم}
وبقوله تعالى {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} وقوله: {يريد
الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله: {ولا يرضى لعباده الكفر}
وأولوا ما ورد من آيات تخالف رأيهم هذا مثل قوله تعالى: {إن الذين كفروا
سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ومثل قوله تعالى: {ختم الله
على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى بصارهم غشاوة} وقوله: {بل طبع الله عليها
بكفرهم} وخلصوا من ذلك إلى الرأي الذي اعتنقوه ودعوا له، وهو رأيهم
المعروف من أن الإنسان له حرية الإرادة في أن يفعل الفعل أو يتركه فإذا فعل
فبإرادته وإذا ترك فبإرادته وأما مسألة خلق الأفعال، فقد قال المعتزلة إن
أفعال العباد مخلوقة لهم ومن عملهم هم لا من عمل الله، ففي قدرتهم أن
يفعلوها وأن يتركوها من غير دخل لقدرة الله ودليل ذلك ما يشعر به الإنسان
من التفرقة بين الحركة الاختيارية والاضطرارية، كحركة من أراد أن يحرك يده
وكحركة المرتعش، وكالفرق بين الصاعد إلى منارة والساقط منها، فالحركة
الاختيارية مقدورة للإنسان فهو الذي يخلقها، والحركة الاضطرارية لا دخل له
فيها وأيضا لو لم يكن الإنسان خالق أفعاله لبطل التكليف إذ لو لم يكن قادرا
على أن يفعل وألا يفعل ما صح عقلا أن يقال له إفعل ولا تفعل، ولما كان هذا
محل المدح والذم والثواب والعقاب وهكذا يمضون في الدليل في قضايا منطقية
على رأيهم ثم يعقبون ذلك بأدلة نقلية، فيستدلون على رأيهم هذا بآيات كثيرة
كقوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند
الله} وقوله: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وقوله {من
يعمل سوءا يجز به} وقوله: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} وقوله: {قال رب
ارجعوني لعلي أعمل صالحا} وأولوا ما ورد من آيات تخالف رأيهم هذا مثل قوله
تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} وقوله تعالى: {الله خالق كل شيء}وخلصوا
من ذلك كله إلى الرأي الذي اعتنقوه في مسألة خلق الأفعال، وهو أن الإنسان
يخلق أفعال نفسه وأنه قادر على أن يفعل الشيء وقادر على أن لا يفعله"
والملاحظ فى الفقرة السابقة هو تسلسل
الكلام أى ترتيب بعضه على بعض وتحدث المؤلف مبينا أن المسألة تولد عنها
مسائل أخرى كالتولد فقال :
"وجريا وراء منهج المتكلمين في
البحث؛ في بحث المسألة وما يتفرع عنها، تفرع لديهم عن مسألة خلق الأفعال
مسألة التولد فإن المعتزلة لما قرروا أن أفعال الإنسان مخلوقة له تفرع عن
ذلك سؤال وهو: ما الرأي في الأعمال التي تتولد عن عمله؟ أهي كذلك من خلقه؟
أم من خلق الله؟ وذلك كالألم الذي يحسه المضروب والطعم الذي يحصل للشيء من
فعل الإنسان، والقطع الذي يحصل من السكين، واللذة والصحة والشهوة،
والحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، والجبن، والشجاعة، والجوع،
والشبع، وغير ذلك، فإنهم قالوا إنها كلها من فعل الإنسان لأن الإنسان هو
الذي أحدثها حين فعل الفعل، فهي متولدة من فعل الإنسان، فهي مخلوقة له"
وما سبق ذكره فى البحث هو كلام المعتزلة فى المسألة كما قال المؤلف فى الفقرة التالية:
"هذه هي مسألة (القضاء والقدر) وهذا
هو رأي المعتزلة فيها وفحواها أنها مسألة إرادة فعل العبد وما يحدث في
الأشياء من خاصيات نتيجة فعل الإنسان وفحوى رأيهم أن العبد حر الإرادة في
أفعاله كلها، وأنه هو الذي يخلق أفعاله ويخلق الخواص التي تحدث في الأشياء
من أفعاله"
وبين المؤلف أن الحركة المضادة لرأى المعتزلة يميت الجبرية وكان رد فعل على حرية الإرادة التى قال بها المعتزلة وفى هذا قال :
"وهذا الرأي من المعتزلة أثار ثائرة
المسلمين، وكان رأيا جديدا عليهم ورأيا جريئا في الأساس الأول في الدين وهو
العقيدة ولذلك انبروا يردون عليه فقام جماعة يطلق عليهم (الجبرية) ومن
أشهرهم جهم بن صفوان، فقال هؤلاء الجبريون: إن الإنسان مجبور وليست له
إرادة حرة، ولا قدرة على خلق أفعاله، وهو كالريشة في مهب الريح أو كالخشبة
بين يدي الأمواج، وإنما يخلق الله الأعمال على يديه وقالوا: إذا قلنا إن
العبد خالق أعماله ترتب عليه تحديد قدرة الله وإنها لم تشمل كل شيء وإن
العبد شريك لله تعالى في إيجاد ما في هذا العالم والشيء الواحد لا يمكن أن
تتعاون عليه قدرتان فإن كانت قدرة الله هي التي خلقته فلا شأن للإنسان فيه،
وإن كانت قدرة الإنسان هي التي خلقته فلا شأن فيه لقدرة الله ولا يمكن أن
يكون بعضه بقدرة الله وبعضه بقدرة العبد فالله هو خالق فعل العبد وبإرادته
وحده فعل العبد الفعل ويرون أن أفعال العباد واقعة بقدرة الله وحدها وليس
لقدرة العبد تأثير فيها، وليس الإنسان إلا محلا لما يجريه الله على يديه،
فهو مجبر جبرا مطلقا، وهو والجماد سواء لا يختلفون إلا في المظهر وهكذا
يمضون في البرهان على رأيهم ويستدلون عليه كذلك بآيات من القرآن الكريم مثل
قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} وقوله: {وما رميت إذ رميت ولكن
الله رمى} وقوله: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} وقوله:
{والله خلقكم وما تعملون} وقوله: {الله خالق كل شيء} ويؤولون الآيات
الدالة على إرادة العبد وخلقه للأفعال، وتبعا لذلك يقولون إن ما تولد من
فعل العبد من خواص الأشياء كاللذة، والجوع، والشجاعة، والقطع، والإحراق،
وغير ذلك هو من الله تعالى"
وبعد أن رد الجبرية ردا خاطئا على رأى المعتزلة الخاطىء كان رد أهل السنة كالتالى :
"وقام أهل السنة والجماعة أيضا يردون
على المعتزلة فقال أهل السنة إن أفعال العباد كلها بإرادة الله ومشيئته،
والإرادة والمشيئة بمعنى واحد وهي صفة أزلية في الحي توجب تخصيص أحد
المقدورين في أحد الأوقات بالوقوع مع استواء نسبة القدرة إلى الكل وأفعال
العباد بحكمه، إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وقضيته أي قضاؤه وهو
عبارة عن الفعل مع زيادة أحكام قال تعالى: {فقضاهن سبع سموات} {وقضى ربك}
والمراد بالقضاء المقضي، لا صفة من صفات الله وفعل العبد بتقدير الله وهو
تحديد كل مخلوق بحده الذي يوجد من حسن وقبح ونفع وضر وما يحويه من زمان
ومكان وما يترتب عليه من ثواب وعقاب والمقصود تعميم إرادة الله وقدرته لأن
الكل بخلق الله وهو يستدعي القدرة والإرادة لعدم الإكراه والإجبار وقالوا:
إن قيل: فإن على قولكم يكون الكافر مجبورا في كفره والفاسق في فسقه فلا يصح
تكليفهما بالإيمان والطاعة، قلنا - أي أجابوا- إن الله تعالى أراد منهما
الكفر والفسق باختيارهما فلا جبر، كما أنه تعالى علم منهما الكفر والفسق
بالاختيار ولم يلزم تكليف المحال وقالوا عن أفعال العباد في الرد على
المعتزلة والجبرية: للعباد أفعال اختيارية يثابون بها إن كانت طاعة،
ويعاقبون عليها إن كانت معصية وبينوا وجه كونها اختيارية مع أنهم يقولون إن
الله مستقل بخلق الأفعال وأيجادها فقالوا: إن الخالق لفعل العبد هو الله
تعالى
وإن لقدرة العبد وإرادته مدخلا في
بعض الأفعال كحركة البطش، دون البعض كحركة الارتعاش وإن الله تعالى خالق كل
شيء، والعبد كاسب ثم وضحوا ذلك فقالوا: إن صرف العبد قدرته وإرادته إلى
الفعل كسب، وإيجاد الله الفعل عقيب ذلك خلق والمقدور الواحد داخل تحت
القدرتين لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور لله تعالى بجهة الإيجاد ومقدور
العبد بجهة الكسب، وبعبارة أخرى إن الله تعالى أجرى العادة بخلق الفعل عند
قدرة العبد وإرادته لا بقدرة العبد وإرادته، فهذا الاقتران هو الكسب
واستدلوا على قولهم بالآيات التي أستدل بها الجبرية على خلق الله للأفعال
وإرادته لها، واستدلوا على الكسب من العبد بقوله تعالى: {جزاء بما كانوا
يعملون} وقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وقوله: {لها ما
كسبت وعليها ما اكتسبت} "
وبين المؤلف أن أهل السنة رأيهم هو نفسه رأى الجبرية ومن ثم فهم فشلوا فى الرد على المعتزلة وهو قوله:
" واعتبروا أنفسهم أنهم ردوا على
المعتزلة والجبرية والحقيقة هو أن رأيهم ورأي الجبرية واحد فهم جبريون وقد
أخفقوا كل الإخفاق في مسألة الكسب، فلا هي جارية على طريق العقل، إذ ليس
عليها أي برهان عقلي، ولا على طريق النقل، إذ ليس عليها أي دليل من النصوص
الشرعية، وإنما هي محاولة مخفقة للتوفيق بين رأي المعتزلة ورأي الجبرية"
وتحدث المؤلف مبينا خطأ الكل فى دراسة المسألة فقال :
"والخلاصة أن مسألة القضاء والقدر
أخذت دورا هاما لدى المتكلمين، وكانوا جميعا يجعلون موضع البحث هو فعل
العبد وما تولد من هذا الفعل من خاصيات، أي الخاصيات التي يحدثها العبد من
فعله في الأشياء، ويجعلون أساس البحث هو هل فعل العبد والخاصيات التي
يحدثها العبد من فعله قد خلقه الله وخلقها أم أن ذلك من خلق العبد؟ وهل ذلك
حصل بإرادة الله أم بإرادة العبد؟ وسبب وجود هذا البحث هو أخذ المعتزلة
لهذه المسألة عن الفلسفة اليونانية كما هي باسمها ومسماها (القضاء والقدر)
أو (حرية الإرادة) أو (الجبر والإختيار) وبحثهم لها من وجهة نظر رأوها تتفق
مع ما يجب لله تعالى من صفة العدل، فأدى هذا إلى قيام الجبرية وأهل السنة
يردون على المعتزلة آراءهم على نفس الصعيد وعلى ذات الأساس، وبحثوها جميعا
من ناحية صفات الله لا من ناحية موضوعها وحده، فسلطوا إرادة الله وقدرته
على فعل العبد وعلى الخاصيات التي يحدثها العبد في الأشياء وصاروا يبحثون:
هل هي بقدرة الله وإرادته أم هي بقدرة العبد وإرادته؟ فالقضاء والقدر إذن
هو أفعال العباد وخاصيات الأشياء التي يحدثها الإنسان من فعله في الأشياء
فالقضاء هو أفعال العباد والقدر هو خاصيات الأشياء أما كون القضاء هو أفعال
العباد فظاهر من بحثهم له وخلافهم فيه، أي من قولهم إن العبد يقوم بالفعل
بقدرته وإرادته، وقول من رد عليهم أن فعل العبد يوجد بقدرة الله وإرادته لا
بقدرة العبد وإرادته، وقول من رد على الاثنين أن فعل العبد يوجد بخلق الله
للفعل عند قدرة الفعل وإرادته لا بقدرة العبد وإرادته
فهذا يدل على أن معنى القضاء هو
أفعال العباد، وأما كون القدر هو الخاصيات التي يحدثها العبد في الأشياء
فظاهر من بحثهم له وخلافهم فيه فإنهم حين بحثوا ما تولد من أفعال العبد
بحثوا في الخاصيات التي يحدثها فقد قالوا: (إذا أضفنا نشا وسكرا وأنضجناها
تولد من ذلك الفالوذج فهل طعم الفالوذج ولونه من خلقنا أم من خلق الله؟ هل
خروج الروح عند الذبح وذهاب الحجر عند الدفعة، والإبصار إذا فتحنا أبصارنا،
وكسر الرجل عند السقوط وصحتها إذا جبرت، ونحو ذلك، هل هو من خلقنا أم من
خلق الله؟)
فهذا البحث هو بحث في الخواص، ويدل
على ذلك اختلافهم في حكم هذه المتولدات فقد قال بشر بن المعتمر رئيس معتزلة
بغداد: كل ما تولد من فعلنا مخلوق لنا فإذا فتحت أنا عين الإنسان فأبصر
الشيء، فإن إبصاره للشيء هو فعلي أنا، لأنه متولد من فعلي، وكذلك لون ما
نصنع من المأكولات، وطعومها، ورائحتها، هو فعلنا وكذلك الألم واللذة والصحة
والشهوة الخ كل ذلك من فعل الإنسان وقال أبو الهذيل العلاف أحد شيوخ
المعتزلة: هنالك فرق بين المتولدات فكل ما تولد من أفعال الإنسان مما يعلم
كيفيته هو من فعله وما لا فلا فالألم الحاصل من الضرب، وذهاب الحجر صعدا
إذا رماه إلى أعلى، وسفلا إذا رماه إلى أسفل ونحو ذلك، هو من فعل الإنسان
أما الألوان والطعوم والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والجبن والشجاعة
والجوع والشبع، فكلها من فعل الله
وقال النظام إن الإنسان لا يفعل إلا
الحركة فما ليس بحركة فليس من صنعه، ولا يفعل الإنسان الحركة إلا في نفسه،
فأما في غيره فلا، فإذا حرك إنسان يده فذلك فعله، وأما إذا رمى حجرا فتحرك
الحجر إلى فوق أو إلى تحت، فتحرك الحجر ليس من فعل الإنسان، وإنما هو من
فعل الله، بمعنى أنه طبع الحجر أن يتحرك إذا دفعه دافع وهكذا، فتكون
الألوان والطعوم والرائحة والألم واللذة ليست من فعل الإنسان لأنها ليست
حركات فهذا الاختلاف في النظر إلى التولد واقعه يبين أنه اختلاف في خاصيات
الأشياء: هل هي من فعل الإنسان أم من الله؟ فالبحث إذن والخلاف في هذا
البحث إنما هو في الخاصيات التي يحدثها الإنسان في الأشياء وهكذا سار البحث
في موضوع واحد وعلى صعيد واحد عند جميع المتكلمين ونظرا لأن البحث في
متولدات الأفعال أي في الخاصيات التي يحدثها الإنسان في الأشياء كان فرعيا
لأنه مترتب على بحث فعل العبد، فقد كان بحثا ثانويا في الخلاف بين المعتزلة
وأهل السنة والجبرية فكان بحث فعل العبد هو البحث الطاغي بين المتكلمين،
والجدل والنقاش كان مسلطا عليه أكثر مما كان مسلطا على الخاصيات ولما كان
(القضاء والقدر) إسما واحدا لمسمى، ولو كان مركبا من كلمتين فهما مندمجتان
مع بعضهما ومندرجة أحداهما تحت الأخرى، فقد غلب ظهور بحث القضاء والقدر
فيما بعد على بحث فعل العبد أكثر منه على بحث الخاصيات التي يحدثها الإنسان
واستمر النقاش في (القضاء والقدر) وصار كل يفهمه على وجه يخالف الوجه
الآخر"
وبين المؤلف أن تاريخيا انتصر أهل السنة بسبب اختفاء المعتزلة من الوجود إلا نادرا فقال:
وقد جاء بعد شيوخ المعتزلة وشيوخ أهل
السنة تلامذتهم وأتباعهم واستمر النقاش بينهم وتجدد في كل عصر، ونظرا
لضمور المعتزلة وغلبة أهل السنة صار النقاش يميل إلى جانب رأي أهل السنة،
وصار المتناقشون يختلفون في القضاء والقدر وصاروا يضعون لها معاني جديدة
يتخيلونها من عند أنفسهم ويحاولون تطبيق ألفاظ اللغة أو ألفاظ شرعية عليه
فصار بعضهم يقول (القضاء والقدر) سر من أسرار الله لا يعرفه أحد وصار بعضهم
يقول لا يجوز البحث في القضاء والقدر مطلقا لأن الرسول ? نهى عن ذلك
ويستدل بحديث [إذا ذكر القدر فأمسكوا] وصار بعضهم يفرق بين القضاء والقدر
فيقول إن القضاء هو الحكم الكلي في الكليات فقط، والقدر هو الحكم الجزئي في
الجزئيات وتفاصيله وبعضهم يقول: إن القدر هو التصميم، والقضاء هو الإنجاز،
وعلى هذا الرأي أن الله يصمم العمل، أي يرسمه ويضع تصميمه، فيكون قد قدر
العمل فهو القدر، وأنه تعالى ينفذ العمل وينجزه فيكون قد قضى العمل فهو
القضاء ومنهم من قال إن المراد بالقدر التقدير وبالقضاء الخلق وبعضهم يجعل
الكلمتين متلازمتين فيقول إن القضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما
عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر والآخر بمنزلة البناء وهو
القضاء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه ومنهم من فرق
بينهما فجعل القضاء شيئا والقدر شيئا آخر"
وبين المؤلف أن المسألة انتهت إلى أن القضاء والقدر أصبح له معنى واحد فقال :
"وهكذا ظل النقاش يدور في موضوع
(القضاء والقدر) كمسمى معين سواء عند الذين فرقوا بينهما أو جعلوهما
متلازمين إلا أنه كان له مدلول واحد عند الجميع؛ وعلى أي تفسير من التفاسير
هو فعل العبد من حيث إيجاده هل أوجده الله أم أوجده العبد أم خلقه الله
عندما قام به العبد؟ وتبلور البحث وتركز على هذا المدلول وظل النقاش يدور
على نفس الصعيد وصار بعد وجود هذا البحث توضع مسألة (القضاء والقدر) في بحث
العقيدة وجعلت أمرا سادسا من أمور العقيدة لأنها صارت تدل على أمر يتعلق
بالله من أنه هو الذي يخلق الفعل ويخلق خاصيات الأشياء سواء أكان هذا الفعل
وهذه الخاصيات خيرا أم شرا
ومن ذلك يتبين أن (القضاء والقدر)
باعتبارهما إسما واحدا لمسمى واحد أو على حد تعبيرهم باعتبارهما أمرين
متلازمين، لم توجد في أبحاث المسلمين إلا بعد وجود المتكلمين وأنه ليس في
مسألتها أي (القضاء والقدر) إلا رأيان اثنان أحدهما حرية الاختيار وهو رأي
المعتزلة والثاني الإجبار وهو رأي الجبرية وأهل السنة مع اختلاف بينهما
بالتعابير والاحتيال على الألفاظ واستقر المسلمون على هذين الرأيين وحولوا
عن رأي القرآن ورأي الحديث وما كان يفهمه الصحابة منهما إلى المناقشة في
اسم جديد هو (القضاء والقدر) أو (الجبر والاختيار) أو (حرية الإرادة) "
بالقطع دون الدخول فى متاهات الحقيقة هى:
المسألة موجودة فى كتاب الله تحت
مسميات مختلفة منها المشيئة ومنها المصيبة ومنها القضاء ومنها القدر ومن ثم
لا علاقة لها باليونان إلا أن يكون الله أو وحيه يونانيا أى مسروق بلفظ
أوضح من عندهم والعياذ بالله
حقائق المسألة :
1-قال تعالى "الله خالق كل شىء " ومن ثم كل ما يحدث فى الكون من أحداث من المخلوقين هو خلق الله بمعنى :
أن الله يشاء العمل فى نفس الوقت الذى يشاءه المخلوق كما قال تعالى :
" وما تشاءون إلا أن يشاء الله"
ولذا وصف إبراهيم عمل المخلوق بأنه مخلوق هو وصاحبه فقال :
" والله خلقكم وما تعملون"
وبناء على هذا خلق الهداية والضلال والصلاح والفساد ....وغير هذا
2- الله يخلق ما نسميه شر أى فساد أى كفر وهو لا يرضى عنه والمراد لم يشرع عمله أى لم يبحه وإنما جعله باطل وفى هذا قال تعالى :
"إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم"
3- أعمال الإنسان على نوعين :
الأول العمل الإرادى وهو الذى يختاره بمشيئته من خير أو شر كما قال تعالى :
"فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها"
الثانى العمل الإجبارى وهو العمل المرتبط بأجهزة الجسم الداخلية كهضم المعدة للطعام والتنفس وهذا لا يتحكم فيه الإنسان
الأحد، 15 أغسطس 2021
قراءة فى كتاب الديمقراطية .. تلك الزفة الكاذبة
قراءة فى كتاب الديمقراطية .. تلك الزفة الكاذبة
المؤلف هو على فريد والكتاب يدور حول
أن الديمقراطية ما هى إلا خازوق من خوازيق الكفار للتمكن من حكم بلاد
المسلمين بغير حكم الله ويبدأ المؤلف بمقدمة جميلة وهى أنه لا يعرف حقيقة
الأمر إلا من رآه وعاشه فيقول:
"الذي بعثوه بورقهم إلى المدينة لينظر أيها أزكى طعاما؛ اكتشف الفاجعة!!
والذي قال لهما:"يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك" اكتشف- وهو العزيز- أن زوجته ليست عزيزة!!
والذين دلتهم على موته دابة الأرض تأكل منسأته؛ عرفوا حقيقتهم بعدما لبثوا في العذاب المهين!!
أبشع ما يمكن أن يحدث لك أن تطول مدة
وهمك .. وأبشع الوهم الوهم المقدس؛ طوله عنا، وقصره ضنى، وأنت بين العنا
والضنى كالسائر في أرض شوك موحلة؛ إن اتقى الشوك لم يسلم من الطين، وإن
اتقى الطين لم يسلم من الشوك.
الوهم متاهة الشيطان .. دركات بعضها
فوق بعض، في كل دركة عالم من الرغبة والرهبة، تسلمك الدركة لأختها؛ ترى
خيرا فيه بعض الشر، ثم ترى شرا فيه بعض الخير، ثم شرا محضا لا خير فيه؛
يستزلك له الشيطان ببعض ما كسبت يداك؛ فإن دلفت بوابته فلن تلبث أن تصل
قعره!!"
والمستفاد أن الفرد طالما هو بعيد عن
الأمر فهو لا يعرف حقيقته ومن ثم يكون فى الغالب واهم يعتقد أوهام لا يفيق
منها إلا حين تداهمه الحقيقة وهى المصيبة الفاجعة فى حالتنا
ويقرر على فريد أن الديمقراطية تبغض الإسلام فهو ليس جزء منها والإسلام يبغض الديمقراطية بمعنى أنها ليست جزء منه فيقول:
"لا وجود للإسلام في الديمقراطية ..
ولا وجود للديمقراطية في الإسلام ..
من قال لكم غير هذا فلا تصدقوه ..
إن كان عالما فهو كاذب، وإن كان جاهلا فحسبكم جهله!!
الديمقراطية- عند التحقيق- كفر محض لا فرق بينها وبين السجود للات والعزى وهبل؛ إلا كالفرق بين الإلحاد والعلمنة؛ كلاهما يسلم للآخر:
الإلحاد ينفي الموجد عن الوجود ..
والعلمانية تقصي الموجد عن حكم الموجود ..
والديمقراطية ترهن إرادة الموجد بإرادة الموجود ..
ومن أثبت الله وأقصى حكمه كان كمن نفى الله وأنكر وجوده؛ فإن ربا لا يحكم ولا يتصرف هو والعدم سواء!!
ومن رهن إرادة الله بإرادة خلقه سلبه
ألوهيته وأضفى على خلقه ما سلبه منه؛ فصار الله- بذلك- خيارا ضمن خيارات؛
لا أمره أمر ولا نهيه نهي، وللناس "الخيرة من أمرهم"؛ إن قبلوا حكمه فعلوه،
وإن رفضوا حكمه عطلوه .. فأي إله هذا الذي الإلحاد ينفيه، والعلمانية
تقصيه، والديمقراطية تجعله خيارا لعبيده
ومواليه؟!
الديمقراطية بنت العلمانية، والعلمانية بنت الإلحاد، ويوشك من خطب هذه أن يتزوج تلك؛ فيجمع بين أختين من شر أب!!"
بناء على ما سبق فالديمقراطية هى كفر
مماثل لعبادة الأوثان لعبادة عدة أرباب ..ففيها الله ودينه خارج المعادلة
لأنها تعنى حق التشريع للناس فكما اخترع المشركون والكفار أحكام أديانهم
فأهل الديمقراطية يخترعون دينهم بالتشريع
ويضرب على فريد أمثلة على استبعاد شرع الله وتحكيم البشر فيه بدلا من أن يكون هو حاكمهم فيقول:
"حين تدعى إلى المشاركة في التصويت
على مساواة المرأة بالرجل في الميراث، أو التصويت على ما يزعمونها حقوقا
للوطيين؛ فهذه صورة ديمقراطية خالصة لا إشكال فيها .. إن ذهبت فشاركت- رفضا
أو قبولا-؛ فقد كفرت بالإسلام وآمنت بالديمقراطية، وإن رفضت المبدأ من
أساسه- لعلمك أن هذا معلوم من الدين بالضرورة لا يجوز مجرد المشاركة في
الاستفتاء عليه-؛ فقد كفرت بالديمقراطية وآمنت بالإسلام!!
ليس هناك صورة أظهر سوادا ولا بياضا
من هذه الصورة، ومهما حاول الإسلاموقراطيون تلوين مساحات الكفر السوداء في
هذه الصورة بألوان الإجراءات والآليات الخضراء؛ فلن يستطيعوا طمس معالم
الكفر الأسود فيها.
إذا رأيت إسلامقراطيا يصر على سحب
أوهام نفسه عن الإسلام إلى الديمقراطية، أو سحبها عن الديمقراطية إلى
الإسلام؛ فاعلم أن هذا الطيب إنما أتي من أمرين لا ثالث لهما: ضغط الواقع،
وقصور قدراته العقلية ..
ضغط الواقع يدفع للترقيع، وقصور
القدرات العقلية يمنع من إدراك أصل المسألة .. وكلا الأمرين يصح أن يكون
نتيجة وسببا لا يدرى- أحيانا- أيهما السبب وأيهما النتيجة .. تماما
كالجدلية المربكة عن أولية البيضة أو الدجاجة!!
في محاولته لجعل الديمقراطية شورى
والشورى ديمقراطية؛ يغفل هذا الطيب أو يتغافل عن اختلاف المركز في
المنهجين؛ فالمركز في الشورى هو الله، أما في الديمقراطية فهو الشعب- وليته
كان- وبحسب المركز تكون الأطراف، وبحسب المنطلقات تكون النتائج!!"
وفى الفقرة السابقة على من اعتبروا
الشورى هى الديمقراطية وهى أمور مختلفة فالشورى هى حق أعطاه الله للناس فى
بعض المسائل التى يكون فيها خيارات عديدة مثل زواج البنت حيث يتشاور
الأبوين معها فيمن يختارون كزوج لها من بين عدة أفراد ومثل أن يجتمع أهل
التعليم للنظر فى مسألة تعليمية ومثل أن يجتمع المجاهدون لرسم خطة الدفاع
او الهجوم ومثل أن يتشاور الوالد مع ابنته التى طلقت ولم يدخل بها للنظر فى
اعادة النصف الثانى من المهر للمطلق أم لا بينما الديمقراطية تقول أن
الشعب أعطى كله أو بعضه حق احتيار القرارات دون رجوع لأى أسس سوى الأغلبية
التصويتية
ويحدثنا فريد عن الخبث الذى يسمى خداع الديمقراطية فيقول:
"أخبث ما في الديمقراطية أن خبثها
شديد الخفاء شديد الوضوح؛ (كالنظارة)؛- لطول ملازمتها وجهك- تصبح كأنها عضو
فيه؛ فتبحث عنها- أحيانا- وهي فوق أنفك!!
تسحرك الديمقراطية بآلياتها
وإجراءاتها وانتخاباتها وصناديقها وحريتها ومساواتها؛ فتظن أن تلك الأشياء
هي الديمقراطية؛ فإذا سمعت من يصفها بالكفر؛ انتفضت كالملدوغ مستنكرا أن
تكون الحرية والمساواة والاختيار والاستفتاء وحكم الشعب لنفسه كفرا؟!
وليس غالب هذا كفرا؛ ولكنهم سحروا عينيك بروضة غناء نبتت في مستنقع، وسقوك ماء المستنقع مقطرا؛ فنسيت أصله الخبيث بطعمه المستحدث!!
كفر الديمقراطية في فلسفتها
الأيدلوجية وليس في (غالب) إجراءاتها العامة التي يمكن أن توجد فيها وفي
سواها .. وفلسفتها تقول لك: الديمقراطية هي: حكم الشعب للشعب بما يختاره
الشعب؛ فما أقره الشعب وجب إقراره حتى لو حرمه الله، وما رفضه الشعب وجب
رفضه حتى لو فرضه الله؛ فصار الشعب بذلك
إلها يشرع لخلق لم يخلقهم، وصار الله
بذلك- وحاشاه جل وعلا- مجرد خيار لخلقه الذين خلقهم .. والله جل وعلا لم
يقل: وربهم شورى بينهم؛ بل قال:" وأمرهم شورى بينهم"، ولم يقل: وشاورهم في
الله، بل قال: "وشاورهم في الأمر". ولم يقل: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا
قضى الشعب ودستوره أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، بل قال:" وما كان
لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم"."
إذا الديمقراطية تجعل الناس أربابا
سواء كان الكل يشرع أو النخبة المختارة التى تشرع وهى لا يهمها فى التشريع
موافقة ما أراد الله أم لا بينما الإسلام أن تختار ما اختار الله بمجرد أن
تقول أنا مسلم فليس لك حرية بعدها وفى هذا قال فريد:
"لك- كإنسان- أن تختار أي دين تريد،
"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، فإذا اخترت الإسلام دينا فليس
لك بعده- كمسلم- أن تختار غير شريعته حكما ونظاما؛ فإذا زعمت- وأنت مسلم
تحققت فيك الشروط وانتفت عنك الموانع- أنك حر في اختيار شريعة غير شريعة
الإسلام؛ فقد صدقت بعض الصدق في كونك حرا وكذبت كل الكذب في كونك مسلما ..
كيف تعطي لنفسك حرية الخروج عن شريعة الإسلام ثم تمنع الإسلام من حرية
تسمية هذا الخروج كفرا؟! من أنت لتفرض على الإسلام أهواءك ثم تجبره على أن
يبقيك ضمن دائرته؟!"
ويحدثنا فريد عن كون الديمقراطية فى
النهاية هى لعبة النخبة والمراد حكم الأغنياء فى النهاية فهم من يحركون
افراد الشعب كقطع الشطرنج فهم يوهمون الكل أنهم متساوون ولكن التشريعات
التى تصدرها النخبة دوما ما تكون فى صالحها وليس فى صالح الشعب وفى هذا قال
:
"لقد أوهموك أن الديمقراطية هي
إجراءاتها وآلياتها فرحت تلوك مصطلحاتها الضخمة عن الحرية والمساواة وحكم
الشعب لنفسه .. وليتهم- حين خدعوك بهذا الكفر المأسلم- جعلوا الشعب حاكما
على الحقيقة، أو أفهموك ماهية هذا الشعب الذي تقضى الأمور باسمه وليس له
فيها ناقة ولا جمل .. إنما هي النخب العسكرية والاقتصادية والإعلامية التي
تتلاعب بعقول الشعب فتجعل الحق باطلا والباطل حقا ثم توجه العامة والغوغاء
وأنصاف المتعلمين إلى اختيار بعينه- يختار لهم- ويظنون أنهم أحرار في
اختيارهم!!
الإنسان كائن عقائدي لا يمكن أن
يعيش- غالبا- بغير دين حتى لو كان دينا كاذبا، ولو فتشت وراء غالب هذه
الأفكار التي تموج بالبشر ويموج بها البشر في شتى مناحي الحياة؛ لوجدت دينا
ما، أو فلسفة ما، أو عقيدة ما!!
لن تستطيع- واقعا- نزع أي مذهب من
أصله الفلسفي لتكتفي بآلياته وإجراءاته، كما لا يمكن للآليات والإجراءات أن
تخلو تماما من انعكاسات الأصل الفلسفي عليها .. قد تتفق بعض آليات
الشيوعية مع بعض آليات الديمقراطية؛ لكنك ستلمس بوضوح بصمات المنهجين في
آليات هذه وتلك .. بل إن ظهور المذهب بثوب مختلف في فرع غير أصله الفلسفي
سيشير بالضرورة إلى الأصل الفلسفي؛ تماما كما تشير الفكرة الحداثية الأدبية
الحمقاء عن (موت المؤلف) إلى الفكرة الفلسفية الأيدلوجية الكافرة عن (موت
الإله)؛ هذه من تلك وإن تمظهرت في الأدب بغير مظهرها في الفلسفة!!
الآليات اجتهاد بشري خاضع للزمان
والمكان والظروف والسياقات، ولكن من المحال عقلا وواقعا أن يختفي الأصل
العقدي تماما من آلياته؛ وإلا كان الأصل ناقصا غير مكتمل .. الإسلام دين
قانونه الشريعة (الحكم لله، والسيادة للشريعة، والسلطة للأمة)؛ وحين يطبق
هذا القانون بإجراءاته وآلياته الخاضعة للاجتهاد البشري لن يطبق إلا من
خلال اتكائه على الأصل العقدي له، وكل إجراء يتعدى الاجتهاد فيه دائرة أصله
لا يعول عليه؛ لأنه يسقط الأصل أو يشوهه .. وأغلب الظن أن الإيغال في تتبع
الآليات والإجراءات بغير تحرز وضبط شديدين؛ سيصل بنا إلى الحوم حول حمى
المباديء الكفرية ذاتها، ومن حام حول حمى يوشك أن يرتع فيه؛ تماما كما رتع
قسطنطين بالنصرانية في الوثنية فأخرج للناس دينا (وثنصرانيا) ليس فيه من
النصرانية سوى الأسماء!!"
وتحدث المؤلف عن خداع الفرق المختلفة فى بلادنا لما يسمى التيار الإسلامى فى موضوع الديمقراطية فقال:
"كان العلمانيون والليبراليون يشغبون
على الإسلاميين فيذكرونهم أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط؛ بل
أصولا فلسفية خاصة وقواعد مبادئية عامة لا بد من التوافق عليها قبل الوصول
لمرحلة الاقتراع .. وما رأيت أحدا منهم بدأ بخدعة الآليات الإجرائية إلا
انتهى إلى الفلسفة دون أن يدري، حتى صرت أشك أن المؤمن بالآليات دون
الفلسفة كائن خرافي لا وجود له كالغول والعنقاء والخل الوفي!!
ثم هب أن الآليات متوافقة مع الإسلام أو لا يرفضها الإسلام .. لماذا نصر على استخدام المصطلح الغربي؟!!
المصطلح هوية .. والهوية: دين ولغة
وثقافة وحضارة؛ فكأن المصطلح مرآة تعكس الهوية بأجزائها مفرودة في صور، أو
إضبارة تختزل أجزاء الهوية بكليتها مكثفة في حروف .. مصطلحات كل قوم
هويتهم، وبقدر استخدامك مصطلحا بعينه بقدر علو هوية هذا المصطلح وأهله في
نفسك وسفول نفسك وهويتك فيها؛ فإذا استخدمت مصطلح قوم فقد غلبت- دريت أو لم
تدر- دينهم على دينك، ولغتهم على لغتك، وثقافتهم على ثقافتك، وحضارتهم على
حضارتك .. وأي شيء يبلغه الغالب في المغلوب أكثر من هذا؟!"
وانتهى فريد إلى أن الشورى
والديمقراطية لا يمكن لهما الاتفاق فتظل الشورى فى إطار طاعة الله حيث
يختار الإنسان ضمن اختيارات أعطاها الله بينما الديمقراطية اختيارات
إنسانية محضة لا تعود أحكام الله أبدا وفى هذا قال :
"(الديمقراطية والشورى) مصطلحان
متضادان بالكلية ينتميان لحضارتين مختلفتين بالكلية، ويحملان في حروفيهما
حمولات وإيحاءات وظلالا تاريخية وعقدية وثقافية ولغوية وحضارية لا يمكن-
بهذه الحمولات والإيحاءات- أن يمتزجا في نفس إنسان وروحه وعقله أبدا!!
المصطلح احتلالي بطبعه، يحمل وجه
حضارته وفلسفتها .. هو شعارها ودثارها؛ تماما كورقة العملة أو أعلام
البلدان؛ رموز موحية مختزلة في ورق أو قماش أو حروف أو مخترعات .. وهو-
بحسب الأنا والآخر- أداة احتلال وتبعية واستلاب، ونقيضه أداة مقاومة وأصالة
وتحرر .. وهنا تكمن مراوغة المصطلح كما تكمن خدعة المصطلحين؛ فالذين سموا
الاحتلال استعمارا أرادوا تخفيف وقعه البغيض على النفوس، تماما كما سموا
(اللوطية) (شذوذا) ثم (مثلية)؛ ليخففوا بشاعة انتكاس الفطرة في النفوس؛
فمصطلح اللوطية يشيع في النفس إحساسا جارفا بالإثم الديني يتبعه نفور
مجتمعي، ومصطلح الشذوذ يسقط الإحساس بالإثم الديني ويثبت فقط معنى مخالفة
المجتمع عرفا وتقاليدا .. أما مصطلح المثلية؛ فهو مصطلح محايد تماما يخلو
من إيحاءات الإثم الديني والمخالفة المجتمعية معا، بل ويميل إلى دفع الناس
لقبول اللوطيين وتقبلهم .. وقس على هذه الأحابيل الخادعة ما يحدث في
مصطلحات كثيرة، مثل: حقوق الإنسان، وتحرير المرأة، والمشروبات الروحية ..
وغيرها من المصطلحات التي يرققون بها بشاعة ما يرتكبون فيها!!"
وفى الفقرة السابقة يقرر فريد أن
الكفار استبدلوا تعاريف الإسلام بتعاريفهم لتخفيف وقعها على الناس فبدلا من
الشركية تسمى الديمقراطية كما تسمى الخمر المشروبات الروحية وكما يسمى زنى
الرجال بالشذوذ والمثلية وبين أن المسلم لابد أن يتمسك بتعاريف الله فقال:
"إن استعلاءنا بمصطلحات ديننا هو
الخطوة الأولى لاستعادة هويتنا التي تمثل الدين واللغة والثقافة والحضارة،
وليس هذا رفضا للآخر أو احتقارا له؛ بل هو اكتفاء ذاتي بما نملك .. وما
نملك عظيم لو تدبرناه!!"
وتحدث فريد عن كون اجراءات الديمقراطية تؤدى بنا فى النهاية إلى اقرار الكفر بحجة الأغلبية التصويتية فقال:
"دونك هذه الإجراءات فأخبرني أين الإسلام فيها:
غضب البعض لمجرد الدعوة إلى مناقشة
مساواة المرأة بالرجل في الميراث، أو الاستفتاء على ما يزعمونها حقوقا
للوطيين .. وإنه والله لغضب حميد محمود يدل على وجود بقية عقل إن كان قد
ذهب الدين .. ولكن أليست هذه هي الديمقراطية الإجرائية التي تريد؟! أليست
هذه هي الآليات؟! إنها مجرد مناقشة!!
- ولكن شرع الله لا يناقش!!
- من تحدث الآن عن شرع الله؟! نحن نتحدث عن الديمقراطية!!
_ ولكن الديمقراطية التي أفهمها وأريدها لا تخالف شرع الله، هي مجموعة من الإجراءات تنظم حياة الناس ضمن الأطر الدينية!!
_ لا، هذه ليست الديمقراطية، أنت
تتحدث الآن عن الشورى .. الشورى: حكم المسلمين للمسلمين وغيرهم بشرع الله
.. الديمقراطية: هي حكم الشعب للشعب بما يختاره الشعب؛ فإذا اختار الشعب
نظاما معينا للحكم فلا راد لاختياره، سواء أكان هذا النظام موافقا أم
مخالفا للإسلام .. الشعب هو البدء والمنتهى!!
_ ولكن، أين الله؟!
_ في السماء!!
_ أنا لا أمزح!!
_ ولا أنا .. إذا زاد عدد المصوتين
على إعطاء اللوطي الحق في اللواط؛ فإن الديمقراطية لا تفرض عليك ذلك حسب؛
بل وتفرض عليك أيضا تقبل لوطيته بصدر رحب والكف عن تسميته لوطيا!!
- ولكن الله يقول غير ذلك!!
_ نحن نتكلم عن إرادة الشعب ورغباته فقط!!
- ولكن الله ...
- نعم، الله موجود ولكنه ليس الحكم هنا، الصندوق هو الحكم، ألم ترض بالصندوق ابتداء؟! ألم تجعله مصدر الأمر وقطب رحاه؟!
- نعم، جعلته كذلك، ولكن فيما لا يخالف شرع الله!!
- ما هذا العبث .. قلت لك هذه ليست ديمقراطية!!
- ولكن الديمقراطية فيها (مباديء فوق دستورية) لا يجوز مناقشتها أو المساس بها!!
- هذا صحيح تماما، ولكن .. حتى هذه
المباديء لا بد أن يتفق عليها الشعب أولا .. مرد عدم المساس بهذه المباديء
هو الشعب وليس الله؛ فإن وافق الشعب فبها ونعمت، وإن لم يوافق فلا يجوز فرض
مباديء معينة عليه لأن مجموعة من المتخلفين القادمين من عصر الجمل أرادت
ذلك!!
- ولكن الله والإسلام ..
- لا تكثر الكلام، الشعب هو البدء والمنتهى، هل أنت موافق؟!
- لا، لست موافقا ..
- جميل جدا، الديمقراطية أيضا فيها
معارضة، أنشيء حزبا سياسيا معارضا ضمن الإطار الديمقراطي، واعلم أننا
سنناقش في برلماننا كل شيء؛ حتى الصلاة إذا كانت ستعطل الإنتاج سنمنعها إن
رأت الأغلبية ذلك، ولتصل أنت في بيتك حين تعود إليه مساء!!
- ولكن، هذا كفر!!
- ربما .. ولكنها إجراءات الديمقراطية التي صدعت رؤوسنا بالمطالبة بها!!
***
هذه هي الصورة على الحقيقة .. ومهما
حاولنا تجميل قبحها أو أسلمة كفرها فلن نستطيع .. لقد قالها رفعت المحجوب
قديما- كما ذكر أبو مصعب السوري عليه من الله شآبيب الرحمة حيا ومنتقلا-
حين رفض ممثلو الإسلاميين في مجلس الشعب التصويت على قانون مخالف للشريعة،
ولما تم إقرار القانون لقلة أصواتهم؛ أخبروا المحجوب أنهم يبرؤون إلى الله
من هذا القانون المخالف للشريعة؛ فذكرهم بالقاعدة الدستورية التي تقول: إن
القانون لا يأخذ شرعيته إلا من طرحه للتصويت قبولا ورفضا .. ورفضهم للقانون
وفق معايير الديموقراطية هو سبب إقراره؛ فقد أتيحت الفرصة للاستفتاء عليه
تأييدا ومعارضة؛ فصاروا بتصويتهم بالرفض مشاركين دستوريا في إقرار قانون
محرم دينيا!!!"
إذا فى النهاية الديمقراطية تؤدى
لاقرار الكفر فى النهاية وبين فريد أن التيار الذى سمى نفسه إسلاميا عندما
دخل اللعبة انتهى به الأمر لكونه شارك فيما لا يقره وأتاح للكفار فرصة
التباهى بكونهم لهم حرية الرأى وفى هذا قال :
"يا الله .. إنه خلاط التفاصيل الذي
ضربوهم فيه .. إنه النظام العالمي الذي ظنوا- واهمين- أنهم يستطيعون خلخلة
أصوله من داخله فخلخل هو أصولهم وأسقطها .. إنه روضة المستنقع التي أعجبتهم
خضرتها فدخلوها فدوخهم عفن رائحتها فلما لم يستطيعوا الخروج منها اعتادوا
العفن!!ظنوه تدرجا فكان استدراجا .. ظنوها حديبية فكانت أحدا!!وضع الكفار
لهم أصول اللعبة، وحددوا لهم مسارات الحركة، واستدرجوهم ببعض المكاسب
التافهة؛ فصاروا يرون قطعة الجبن ولا يبصرون الفخ، وكلما حاولوا التملص
والخلاص وضعوا لهم قطعة جبن أخرى في فخ آخر .. وهكذا دواليك حتى تحولوا هم
أنفسهم إلى فخ بلا جبن يصاد به غيرهم؛ فكسب الكفار بهم ثلاثة مكاسب لم
يكونوا يحلمون بها:
استنزفوهم عقديا حتى تماهت أطروحاتهم
مع أطروحات العلمانية الكافرة، واستخدموهم سياسيا لإضفاء الشرعية على
الأنظمة الكفرية العميلة، وسوقوهم دينيا للتشويش على القوى الإسلامية
الأخرى وإحباط حركتها واتهامها بالاختراق والعمالة!!
لقد صاروا إسلامقراطيين يعبدون الشعب
والصندوق من دون الله ويتنازلون عن كل ما لا يمكن التنازل عنه من أجل
الكفر الذي اقتنعوا أنهم سيصلون به إلى الإيمان .. وحين وصلوا- وأعطاهم
الشعب أصواته ورضي بعجرهم وبجرهم-؛ لم يكونوا يملكون من القوة ما يحافظون
به على مكاسبهم التي تلبسوا بالكفر من أجلها؛ فخسروا عنب الشام وبلح اليمن،
وظهرت الديمقراطية على حقيقتها .. ظهرت أنيابها ومخالبها .. وأغلق النظام
العالمي الديمقراطي المجال العام وفتح المعتقلات والقبور .. ثم أبقى مسارات
محددة سلفا لبقية السيف وسقط المعتقلات والقبور ليستخدمهم من جديد- كما
استخدم إخوانهم من قبل- حتى ينتهي من حفر قبور جديدة وبناء معتقلات أخرى!!
الكفر الذي تلبسوا به لم يوصلهم إلى
الإيمان الذي توهموه .. ونحن- وإن عذرنا الأوائل بالجهل حين خدعتهم
الديمقراطية بالحرية والمساواة- كيف سنعذر الأواخر به وقد ظهرت الديمقراطية
على حقيقتها بالأنياب والمخالب؟!
إن كان هؤلاء الأواخر أجبروا على هذا
فمن أدخلهم المنظومة ابتداء؟! وإن كانوا لم يعرفوا الواقع قبل الدخول فها
قد عرفوه بعد الدخول، فهل يستوي الحفاظ على مكاسب متوهمة ستنزع منهم عما
قريب بالأنياب والمخالب مع شرعنة الكفر من خلالهم بالحرية والمساواة؟!
ويكأن الراعي لا يزال يسمن الأغنام للذبح، وويكأن الأغنام لا تزال ترتع وتشكر الراعي!!
الذي قال: "صدق الله وكذب بورقيبة"
انتقل إلى رحمة الله غير مبدل أو متخاذل وجاء بعده قوم لم يكتفوا بمناقشة
ما لا يناقش؛ بل صوتوا- وهم الأغلبية- على مساواة المرأة بالرجل في
الميراث، وزواج المسلمة بالكافر، وإقرار قانون تخفيضات الجمارك على الخمور
.. ثم رفعوا الجلسة لأداء صلاة المغرب!!هذا- والله- الوجع المعتق!!
يذكرني (حم) والرمح شاجر
فهلا تلا (حم) قبل التقدم؟!
عبث أنف الهالك شنودة أن يقارف مثله
حين رفض حكم المحكمة بإنفاذ الطلاق لعلة غير علة الزنا؛ وضرب بحكمها
وبالقانون وبالدولة عرض الحائط قائلا: "لن نخالف القانون الإلهي، ولا أحد
يفرض قوانينه علينا."!!ولا قارفه رئيس الوزراء الأسباني حين قال:"
الديمقراطية التي تخالف الدستور أو تتجاوزه لا نعترف بها"!!ولا قارفه
ألكسندر دوبريندت أحد أبرز شخصيات حزب الاتحاد المسيحي الألماني حين قال:"
تراثنا المسيحي ليس خاضعا للنقاش، ومن غير الوارد إضافة يوم عطلة إسلامية
في ألمانيا."!!وفي الوقت الذي تصوت فيه أنجيلا ميركل وحزبها على قانون
اللواط بـ (لا)؛ يصوت النواب المسلمون في البرلمان الألماني على القانون بـ
(نعم)؛ لأن اللوطيين يساعدون المسلمين في الحصول على مطالبهم .. هكذا إذن
.. اعبد ربنا سنة ونعبد ربك سنة!!لا زلت أذكر كلام بعض إخواننا الطيبين حين
كنت أحذرهم من هذا الفخاخ؛ فيقولون:" إنه لا يتصور في مجتمعاتنا التي يغلب
عليها الإسلام أن يوافق المسلمون على تشريع يصادم صريح القرآن وصحيح
السنة؛ بل إن هذا مستحيل أيضا من الناحية الإجرائية لأن كل الدساتير
الوضعية في الدول العربية- على ما فيها من عوج- تنص على عدم مصادمة أصول
التشريع الإسلامي."!!آه يا وجع المعرفة!!ها قد أقر الإسلاميون أنفسهم- في
المجتمعات المسلمة وغير المسلمة- بما يصادم صريح القرآن وصحيح السنة ..
فأين أساطير الدساتير عن خوابير الدياجير!!"
فى الفقرات السابقة بين أن المشاركين
فى الديمقراطية ممن يسمون بالتيار الإسلامى صاروا فى النهاية إلى المشاركة
فى الكفر بأحكام الله من خلال اقرارهم بقوانين كافرة أو من خلال جعل
الأنظمة الكافرة التى تحكمنا أنظمة شرعية تستند كما يقولون إلى الانتخابات
وتحدث فريد عن كون الديمقراطية خداع خداع لتقرير حكم كافر فى بلاد المسلمين فقال:
إنهم يخدعوننا ..
الديمقراطية لم تكن بالنسبة لنا نظام
حكم قط؛ بل كانت حصان طروادة .. إعادة تموضع لفرسان معبد في حملة صليبية
.. رشقة نيران أخيرة لتنظيف أرض المعركة .. حركة التفافية لفتح ثغرة فكرية
في روح المسلم وعقله .. وحين لوثوا العقل وشوهوا الروح هان على المسلمين
هدم حصونهم بأيديهم وأيدي المشركين في الوقت الذي يعود فيه المشركون إلى
عقائدهم وهوياتهم!!
ما يسمى الكنيست الإسرائيلي يقر
قانون القومية الذي يجعل ما يسمى إسرائيل دولة يهود فقط، ويحدد القدس عاصمة
لها، ويمنع استخدام تاريخ غير التاريخ العبري في المعاملات الرسمية، ويحول
اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة ذات وضع خاص، ويضع الديمقراطية في
المرتبة الثانية بعد يهودية الدولة!!الديمقراطية أداة حرب وليست نظام حكم
.. وقد استخدموها في كل بلد بما يوائم سياقاته للسيطرة عليه؛ بل استخدموها
هوية لهم ضد الشيوعية، وروجوها في العالم الإسلامي ليكسبوا بوهم حريتها
ومساواتها وعدالتها عقول المسلمين .. وحين فتحت للإسلاميين بعض المجال
العام ووصلوا بها إلى الحكم؛ عادوا فأطبقوا عليهم بالانقلابات العسكرية
المباشرة، أو بالتفاصيل الديمقراطية الكفرية التي تضع المسلم أمام خيارين:
عقيدته مع خسارة المكاسب، أو مكاسبه مع خسارة العقيدة .. ولعمري إن هذا
لأبشع من الانقلابات العسكرية المباشرة!!حرية التعبير لم تمنعهم من البطش
بجارودي وغيره حين شكك في المحرقة!!حرية الاستفتاء لم تمنع ألمانيا
الديمقراطية من رفضها السماح للأتراك المتواجدين فيها بإجراء عمليات تصويت
في القنصليات التركية بألمانيا على إعادة العمل بعقوبة الإعدام معللة ذلك
بمخالفته للقوانين الألمانية والقيم الأوربية .. رغم أن معاهدة فيينا 1961 م
أعطت الحصانة للمقرات الدبلوماسية والقنصلية!!"
وبين فريد أن الديمقراطية فى بلادنا
خدعة كبرى غما وصل التيار الذى يسمى الإسلامى مرة إلى سدة الحكم إلا وقاموا
بمنعه من الحكم إما بحكم تسليمه الحكم وأما بالانقلاب عليه عسكريا ومن ثم
فالوصول لحكم الله عن طريق الصناديق غير ممكن لأن الكفار سيتصدون له وفى
هذا قال :
"احترام خيار الشعوب لم يمنعهم من
تدبير الانقلابات أو دعمها في كل بلد أرادوا السيطرة عليه وعلى ثرواته: من
إيران مصدق، إلى مصر مرسي، مرورا بـ تشيلي، وغواتيمالا، والأرجنتين،
وهاييتي، وهندوراس، والبرازيل وفنزويلا، وتركيا!!
زعم المساواة لم يدفعهم للبكاء على
الآلاف المؤلفة التي يقتلونها في مشارق الأرض ومغاربها بأيديهم أو بأيدي
عملائهم، كما بكوا على قتلى شارل إيبدو!!حرية المعتقد والمرأة لم تمنعهم من
حظر النقاب أو الحجاب في بعض ديمقراطيتهم أو تشويهه والانتقاص منه في
ديمقراطيات أخرى!!الديمقراطية ليست إجراءات .. إنها فلسفة وعقيدة ودين ..
عقيدة ربها الأنا ونبيها الهوى وقبلتها المصلحة .. وهي بإطلاقاتها
العلمانية ستدمر البشرية، كما ستدمرها بتقيداتها التشريعية؛ فحين يقصى الله
عن الوجود ليصبح الإنسان رب نفسه لن يقف أمام إفساده شيء، وحين يستأثر
الإنسان بحق التشريع يفسد نظام الدنيا بأهوائه المتقلبة ومصالحه المتباينة؛
فلا يبقى مرجع يرجع إليه سوى الهوى والمصلحة .. وأي نظام يقوم على الهوى
والمصلحة؟! .. من أنف من عبودية الله استعبده الله لكل شيء!!
إني لأعلم أننا- لطول تقلبنا في حمأة
الديكتاتورية والطغيان- نشتاق العدل الذي قامت عليه السموات والأرض ..
وهذا مطلب فطري لا ينكره أحد .. بل إننا- كمسلمين- مأمورون ببذل الجهد
والجهاد لتحقيق إعمار الأرض بالعدل من خلال تحقيق العبودية لله وحده .. بيد
أننا نخطيء بشدة حين نظن أن استخدامنا لمنهج ثبت أركان الطغيان عندنا
سيحقق لنا العدل المنشود والكرامة الضائعة والحرية المؤودة .. ولئن خدعنا
مرة فلا يجوز أن نخدع أخرى."
ومن ثم اتضحت الصورة للكل وهو انه لا
يمكن الوصول لحكم بلد بحكم الله عن طريق الديمقراطية ومن ثم فلا حل سوى
الحرب نفسها بالسلاح أو التجمع بالهجرة لبلد ما والتمكن منه بقوة السلاح
وساعتها يمكن من تلك المنطقة البداية الصحيحة كما فى الهجرة للمدينة
وبين فريد أن التيار الذى سار فى
طريق الخطأ طريق الديمقراطية عليهم أن يعرفوا أن نواياهم الحسنة لا تكفى
فهم يشاركون فى تثبيت الأنظمة الكافرة فى الحكم بالمشاركة فى لعبة
الديمقراطية ومن ثم عليهم الخروج منها وفى هذا قال فريد:
"المعافرون في الطريق الخطأ قد يشكر
جهدهم وجهادهم، وتقدر تضحياتهم ونضالاتهم، ولكنهم- في النهاية- ليسوا أكثر
من "عاملة ناصبة" يزرعون البحر ويغزلون الهواء ويبنون على الرمل .. وحقيق
بمن وضحت له الطريق ألا ينكر فضل من خلصت نيته وبذل وسعه منهم؛ فلو لم يكن
لهم من فضل سوى أنهم أرشدونا بخطئهم إلى الصواب؛ لكفاهم ذلك فضلا!!
نحن كغيرنا من الأمم تجري علينا سنن
الله كما جرت عليهم، ولكننا- لضغط الواقع ومعايشة أهوال التفاصيل- نتعجل
النصر؛ فنتعلق بالأوهام ونضل عن سواء السبيل؛ فيردنا الله إلى سبيله
بالمصائب ويربينا بالمحن حتى لا يبقى في قلوبنا سواه، ولا بين أعيننا سوى
طريقه!!"
وبين الرجل فى النهاية أنه لا طريق سوى تحكيم شرع الله فقد فشلت كل الطرق ولكنه لم يوضح الطريق المفروض على ذلك التبار سلوكه فقال :
"اجتهد أوباش الترك في اعتناق
الطورانية، كما اجتهد أوشاب العرب في اعتناق العروبية .. حكم العرب الدنيا
بمحمد صلى الله عليه وسلم، وحكم الأتراك الدنيا بمحمد صلى الله عليه وسلم،
وحكم اليهود الدنيا بسليمان صلى الله عليه وسلم!!تخلى العرب عن محمد صلى
الله عليه وسلم ليحصلوا على الغساسنة، والمناذرة، وجمع لا يكاد يحصى من
آباء رغال .. وتخلى الأتراك عن محمد صلى الله عليه وسلم ليحصلوا على
الأوغوز، والكرلوك، والأويغور، وجمع لا يكاد يحصى من يهود الدونمة .. وتمسك
بقية السبي البابلي من بني إسرائيل بسليمان عليه السلام ليحصلوا على الأرض
المقدسة ويتحكموا في الغساسنة والمناذرة والكرلوك والأوغوز!!
العقائد تكسب دائما .. وإن نخر
المثقفون أولاد المثقفين!!لقد كانت الحقائق أظهر من أن تخفى؛ بيد أن غطاء
الوهم كان أكثف من قدرة العين على البصر .. ومع سريان تيار الوعي في روحك
ستتداعى أوهامك شيئا فشيئا كما بنيت شيئا فشيئا، ولن تشعر بتداعي بنيان
أوهامك حتى يساقط الحجر الأخير .. وحده الحجر الأخير يحدث دويا؛ لأنه لا
يسقط على فراغ؛ بل على أحجار أوهامك المتساقطة في القاع!!إذا حدث هذا
فمرحبا بك ..
لقد نجوت من المنظومة .. ولا بأس عليك!!
لا معرفة دون عقل، ولا عقل دون تجربة!!
الحكمة أثر سياط الدهر على ظهر إنسان!!"
الطريق هو التجمع فى مكان بالهجرة له كما هاجر النبى(ص) والمسلمون للمدينة وحكموا المكان بحكم الله وساعتها تكون هذه نقطة الانطلاقة