الخميس، 5 أغسطس 2021

قراءة فى كتاب أحلى مكان للمتنزهين

قراءة فى كتاب أحلى مكان للمتنزهين
مؤلف الكتاب عبدالرحمن اليحي التركي وهو يدور حول الحلال والحرام فى عالم التنزه وقد شرح التركى أن الناس عندما يريدون التنزه فإنهم يقصدون شىء غير ما قصده الله فهم يقصدون تضييع الأوقات ويطلقون على هذا المتعة أو الاستمتاع وفى هذا قال فى مقدمته:
"وبعد:من رحمة الله بنا إن الإسلام لا يمنع المسلم من الخروج للنزهة والترويح عن النفس, ولكن ما أجمل الصيف والنزهة حينما تكون بالتخطيط واختيار المكان المناسب ليستغل المنتزه وقته ويستمع هو ومن معه بهذه الرحلة, فكتبت لك أخي المصطاف هذه الإرشادات وكيف يمكنك التخطيط للاستفادة من هذه العطلة, وكيف تختار أحلى مكان؛ لأنني على يقين أنه مع هبوب رياح الصيف وحلول مواسم الأجازات تهرب أسرا بأكملها إلى كثير من الديار بحثا عن المتعة دون تخطيط مسبق, ناهيك عن هدر الأموال الطائلة وما يترتب على ذلك من ديون، ولا يبالي بعضهم كون هذه الأسفار على حساب نواح أخرى صحية واجتماعية ودينية ألا يدرك البعض عاقبة الإهمال والتفريط والتراخي, إن الكثيرين يجهلون مغزى الأجازة, والمحرومين يعرضون أنفسهم للاكتئاب والمشاكل الكثيرة رغم انهم يبحثون عن السعادة"
وبين التركى أن التنزه على نوعين تنزه يقصد به طاعة الله وهو النادر الوقوع حاليا وتنزه محرم يقصد به طاعة الشيطان بارتكاب الحرام فقال:
"ومن أجل أن تستمتع برحلتك فقد كفيناك مؤنة البحث عن أحلى مكان لتنتزه فيه ومن معك حتى يجتمع لك متعة الروح والجسد في آن واحد, وقبل أن ندلك على هذا المكان تعال لنرى كيف يخرج الناس للنزهة, منهم من خرج وغرضه المتعة فقط, ومنهم من خرج بحثا عن الحرام وغرضه طلب الحرام, ومنهم من خرج للمتعة في حدود طاعة الله."
وبين التركى أن غالبية الناس غافلة عن طاعة الله وعندما تحدثهم عن الحلال والحرام فى التنزه يبتهمونه بعداوة الفرح وهو قوله:
فانظر مع من أنت واتهم نفسك, فإن من علامات النجاة أن أهل الصلاح يعملون الخيرات ويتهمون أنفسهم بالتقصير والغفلة؛ لأن من زكى نفسه سيكون من الغافلين, وأسوأ مافي الغفلة أنها تبعدك عن الله, ولذلك يقول الناظم:
انقضى العمر وفات ... يا اسير الغفلات
حضر الزاد وبادر ... مسرعا قبل الفوات
فإلى كم ذا التعالي ... عن أمور واضحات
وإلى كم وأنت غارق ... في بحار الشهوات
وقل لي بربك: كيف ينجو من كان الهوى مركبه, والشهوة قائدة, والجهل سائقه, والغفلة مركبه, فلا يستجيب لناصح أبدا, ويتبع كل شيطان مريد مع ما كثر في زماننا من وسائل كثيرة تعمى القلوب وتخرب العقول وتفسدها.
فإن قال قائل: أنتم لا تريدون أن نفرح او انتم اعداء الفرح الاتهام سهل القاءه على الاخرين لكن قد لاتتبين جدوى النصيحة الا ضحى الغدي."
ورد التركى على اتهام الناس بعداوة المسلمين للفرح فقال:
فالجواب: أن الكثيرين لا زال يجهل معنى الفرح ,بل لا يفرق بين أقسامه الثلاثة: فهناك فرح مشرع كالفرح بطاعة الله (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) والمراد به الإسلام والقرآن, وهذا الفرح لا ينقطع معك في الدنيا والآخرة,
فيعيش في الدنيا فرحا ,ويودع الدنيا فرحا, ويدخل قبره وهو فرح مسرور, يقول الله عنهم (فرحين بما ءاتهم الله من فضله) وقال (وجوه يومئذ مسفرة) ضاحكة مستبشرة)"
إذا مطلوب من المسلم أن يكون فرحا طوال حياته بفضل الله ورحمته والمقصود بطاعة وحى الله وبين أن مقصود القوم هو الفرح المذموم وهو ما يسمونه المتعة من تضييع الأوقات فى ارتكاب الآثام سواء كان بارتكاب ذنوب كالعرى والزنى وكشف العورات عند البحار أو تضييع الوقت فيما لا نفع من خلفه كالألعاب المائية والإلكترونية والآلية فى الملاهى وفى هذا قال :
"وهناك فرح مذموم والمراد به الفرح بالدنيا مع أنها ابتلاء وامتحان, فقد تعطى المال والمنصب والجاه ولكن للامتحان, يقول الله تعالى (ليبلوكم في ماءاتكم) وقال سليمان عليه السلام (ليبلونى ءأشكر أم أكفر) ولذلك ذم الله من فرح بالحياة الدنيا, والمراد به فرح الفخر والبطر والأشر, فهذا قارون قال له قومه (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) (وفرحو بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الأخرة إلا متاع) لكن لو فرح بدنياه من أجل الاستعانة بها على طاعة الله فلا بأس. أما فرح البطر والطغيان فهو مذموم وسبب الهلاك (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها)
وهناك فرح محرم وهو الفرح بالمعصية, يقول الله عنهم (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله) فقد يعصي الله وهو يضحك, وقد يغني وهو يفرح, وقد يشرب الخمر وهو يفرح, ولهذا وصف الله أهل النار بأنهم كانو يعصون الله وهم يضحكون (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) (فسوف يدعو ثبورا) (إنه كان في أهله مسرورا) بخلاف أهل الجنة فإن الله وصفهم بقوله (قالو إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) يعنى خائفين.
ولذلك من عصى الله وهو يضحك دخل النار وهو يبكي, فصاحب هذا الفرح له وعيد شديد من الله, وفي ذلك يقول الله (فسوف يعلمون) (إذاأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون) في الحميم ثم في النار يسجرون) ولكن ما هو السبب؟ يقول الله تعالى (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم يمرحون) وقد قرأت عدة مرات مقالات لأناس يطلقون على انفسهم مثقفين يسمون من يحرم المعاصي أعداء الفرح, ويسمون المعاصي من رقص واختلاط وغناء فرحا, ويصفون من يجرم هذه المعاصي بأنه من أعداء الفرح,
وأقول: يخشى على من فرح بمعصية ألا تقبل توبته, وفي هذا يقول الله (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وعلامة زيغ القلوب كراهية الصلاة وقلة الدين. ومن هنا نقول للجميع بأن أحلى مكان للمنتزهين ما اجتمع فيه هواها وطاعة ربها لأن البعض يكون غرضه من النزهة المتعة الجسدية فقط دون الاهتمام بغذاء الروح, فلا يبالي بطاعة الله, فتراه في أحلى المنتزهات وفي أجمل القصور وتجده في ضيق, فتتعجب منه وأنت تسأله كيف أنت؟ فيقول: أنا مهموم. وهذه سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل ان من عصاه ضيق عليه,يقول الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال ,وهملجت بهم البراذين, فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم, أبى الله إلا أن يذل من عصاه يقول الله تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا" وهذه الأجازة بمثابة السوق القائم ثم ينفض, ربح فيه من ربح, وخسر فيه من خسر, فيا ترى من الرابح في هذه الأجازة ومن الخاسر؟"
إذا يجب على الناس استغلال الأوقات فى الطاعات وليس فى المعاصى والسيئات وأنا أتكلم على عكس التركى الذى يبيح ما يسمونه الإجازات والعطلات فالله لم يشرع فى الرسالة ألخيرة تشريعا بوقف العمل فحتى يوم الجمعة قال أنه فيه عمل قبل الصلاة يجب تركه وهو البيع أى العمل الوظيفى وأكد ان بعد صلاة يوم الجمعة عمل يستكمل وهو العمل الوظيفى فقال سبحانه :
"يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون"
ومن ثم فمن أباحوا ما يسمونه العطلات وهم الحكام ومن معهم مخطئون لأنهم فتحوا على أنفسهم وعلى الناس أبواب جهنم فنشأت من أجل هذا الجنون الملاهى والاصطياف وانشاء الملاعب والمسارح وغير ذلك من الأمور التى تؤدى بالناس لارتكاب الذنوب
نعود لما قاله التركى ناصحا الناس فى الإجازات والعطلات فقال:
"أقول: إن الرابح فيها من أخذ بوصية رسول الله (ص)ومن خالفها فهو الخاسر, ففي الحديث الصحيح
عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص)لرجل وهو يعظه (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك, وصحتك قبل سقمك, وغناك قبل فقرك, وفراغك قبل شغلك, وحياتك قبل موتك) رواه الحاكم.
الأولى ((شبابك قبل هرمك)) فالشباب قوة بين ضعفين بين الطفولة والشيخوخة, فقد أمرك رسول الله (ص)أن تغتنم الشباب في طاعة الله قبل الهرم الذى يقعدك عن العمل, وانظر إلى كبير قد أقعده الكبر على فراشه يقلب كالصغير, يريد يصلى قائما فلا يستطيع, ويريد أن يصوم فلا يقدر, ويريد أن يصلى جماعة فلا يقدر, وقلبه يتقطع حسرات على العمل الصالح, فيا ندامة من يضيع شبابه حتى بلغ هذه المرحلة.
أما الثانية: ((صحتك قبل مرضك)) فالصحة نعمة فكم من أناس حبسهم المرض على فرشهم وهو يريدون الطاعة فلا يقدرون عليها, فالأيام فيها فيها مخيبات ومطويات لا تد ري تستمر معك صحتك أما لا, ولكن إذا حافظت على طاعة الله في الرخاء والصحة ثم قدر لك المرض كتب الله لك ما كنت تعمله صحيحا معافى, ذكر أحد الإخوة الفضلاء أنه زار رجلا فى المستشفى النقاهة وهو يبكي فطمأنه فقال له: ما على هذا أبكي, إنما أبكي لأن الطبيب منعني من الصيام فأرى الناس يصومون ولا أصوم, وأسمعهم يصلون الفرائض والتراويح ولا اصلي معهم, فأخذ يبكي على الصلاة والصيام والقيام.
أما الثالث) (غناك قبل فقرك)) نعم لا تغتر بغناك فقد تسلبه في أية لحظة, فانفق من هذا المال قبل فقده في الطاعة, فالمال إما أن تتركه أو يتركك, وقد تتساءل: لماذا نزعت البركة من أموالنا؟ لأن أحدنا يكون عنده المال الكثير فتراه يبعثر في سبيل شهواته وملذاته الفاجرة أو يكنزه ويمنع حقوقه الواجبة والمستحبة, وإذا عرض عليه أمر فيه خير فر منه فرار المذعور فكيف يبارك له فيه ففي الحديث (هم الاكثرون هم الاخسرون هم الاقلون يوم القيامة الا من قال هكذا وهكذا) يعني وانفقوا مما جعلكم مستخلقين فيه)
أما الرابعة: ((فراغك قبل شغلك)) فالفراغ نعمة فاستغلها في طاعة الله, يقول الله تعالى (فإذا فرغت فانصب) فاشرف الاشياء قلبك ووقتك فاذا ضاعك قلبك ووقتك فماذا بقي معك اما وقتك يقول الحسن (يابن ادم انما انت بضعة ايام فاذا ذهب بعضك ذهب كلك الوقت اما تنفقه انفاقا استهلاكيا او استثماريا فأما استهلاكيا تذهب حياتك كما قال الله (ذرهم ياكلوا ويتمتعوا ويلههم امل فسوف يعلمون)
واما الوقت استثماريا تستغل ايامك في طاعة الله (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)اما قلبك فتحافظ عليه ان الاسلام لا ينحصر في المحافظة على الاركان الخمسة فقط بل يتعداه كيف تتعامل مع الناس بعض الناس يعبد الله لكنه اذا خلا بمحارم الله انتهكها بل تراقب الله بمفردك وليس معك احد كل انواع الغش تدخل تحت (من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به فليس لله حاجة ان يدع شرابه وطعامه) يعني اذا صمت فلا تسيء معاملتك مع الناس انك لن تقطف الثمرة من العبادات حتى تستقيم على امر الله كاملا وأما نزع البركة من أعمارنا فلأن أحدنا مادام فارغا ومستيقظا فتراه يتحرك ولا تنقطع أقواله وأعماله ولكنها تدور غالبا بين الحرام والمكروه أو العبث الذي لا يليق ,وإن سألت عن السبب فإن الكثير يجهلون قيمة الفراغ فأخذو يغتالون أوقاتهم في اللهو والعبث والفواضي والخمول والنوم ورحلات بلا تخطيط يمشون كيفها اتفق , بل إن أسرا بأكملها قلبت حياتها إلى سهر بالليل ونوم النهار, ولا هم لديهم سوى تلبية شهواتهم وأهوائهم, ومنهم من يسهر بالليل على المحرمات وينام بالنهار عن الفرائض , مع أن الإسلام علمنا أن نستفتح يومنا بصلاة الفجر وبعده بالعمل, فتجد أهل صلاة الفجر وجوههم مشرقة, وأوقاتهم مباركة, أهل جد وعمل وسعى, وإذا عكس الناس السنن أصبحت حياتهم نكدا, وصدورهم ضيقة, وأعمالهم مضطربة."
وتحدث عما يحدث فى العطلات من معاصى فقال:
"نعم لقد جاءت الأجازة وجاء معها الإسراف والتبذير وضياع الأوقات والغفلة, وجاءت البطالة والفوضى مع أن نبينا (ص)قال لنا: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة ,والفراغ)) ولكن الناس لم يستغلوا هذه الصحة والفراغ فيما يعود عليهم بالنفع.
أما الخامسة: ((حياتك قبل موتك)) فقليل من اغتنم عمره وحياته في طاعة الله ولكن ما دام العبد في الد نيا فلا يشعر بالغبن في الطاعات إلا عند الموت والحشر, هنالك يعرف الإنسان هل هو رابح أم خاسر, فهذا فرعون قال في زمان المهلة (انا ربكمن الاعلى) فلما نزل به الموت قال (ءامنت أنه لا إله إلا الذي ءامنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) فمادام العبد في الدنيا وفي زمان المهلة والدنيا لديه محببة والأمر غيب فلا يبالي بطاعة الله, ولذلك ورد في الأثر: (الناس نيام فغذا ماتو انتبهوا) فالدنيا نوم والآخرة يقظة. واما غبن الحشر فعندما تسأل الأسئلة الأربعة عن شبابك وعمرك ومالك وعلمك, هنالك يظهر الغبن (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن) وتعظم الحسرة والخسارة.
فإذا شاهد العبد الجنة والنار, ووصل إلى الجزاء, وانتهى العمل وانقطع, هناك يعلم قيمة طاعة الله, نعم الناس ما دامو في دار العمل فلا يشعرون بقيمة العمل الصالح, فيرون أنها سهلة وهينة ولكن إذا وصلوا إلى دار الجزاء أصبحت قيمة الأعمال التى يستهينون بها عظيمة, وهنا لك يتبن لكل مفرط وكل مهمل في طاعة الله حسرة ما ضيعوا."
الحديث المنسوب للنبى(ص)لا يصح نسبته له فمثلا ليس كل الناس عندهم غنى فمنهم من يولد ويعيش ثم يموت وهو فقير ومنهم من يولد مريضا ويظل مرضا حتى يموت كما الكثير منهم يموت قبل الهرم وهو الشيخوخة كما قال تعالى "هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل"
وبين التركى وجوب تحديد الفرد لهدفه هل يريد الجنة أو النار ثم يحدد أعماله بناء على تحديد الهدف فقال :
"ومن هنا يقول العلماء: حدد هدفك, تريد الدنيا أم تريد الجنة؟ والمسألة كلها متوقفة العمل والنية, فإن اخترت الدنيا فالدنيا زائلة مائلة حائلة, فيها صحة ومرض, وغناء وفقر, وفرح وحزن, وضحك وبكاء, وشباب وهرم, واجتماع وافتراق, ونزول وارتحال, وحياة وموت, ولا بدأن نمر على كل هذه المراحل, فمن عرف حقيقة الدنيا زهد فيها, تسقيك من حلوها وتسقيك من مرها, سريعة الزوال متقلبة الأحوال , نعيمها لا يدوم , فبينما أنت في فرح وسرور لا تأمن أن ينقلب عليك بلاء وشرور, وإذا جاءك الفقر كأنه لم يمر بك نعيم قط, اذهب إلى المستشفيات ترى فيها المريض كان صحيحا مثلك, ولو سألته عن الدنيا لقال لك: تبا لها كثيرها قليل وإنا فيها لفي غرور, فبالأمس كان مغترا بها واليوم يذمها, فلذاتها زائلة, ونعيمها منغص, الصحيح فيها ينتظر المرض ولا يأمن أن يهجم عليه الفقر بعد أن ظنى أنه قادر عليها , والحي لا يأمن أن يهجم عليه الموت, ففي الحديث الصحيح عن سهل ((يا محمد عش ما شئت فإنك ميت)) عاش نوح ألف عام فقالو له: كيف وجدت الحياة؟ قال كالقصر تدخل من باب وتخرج من الباب الآخر ((قال كم لبثيم في الأرض عدد سنين) (قالو لبثنا يوما او بعض) ويا ليت الدنيا تنتهي على ما هي عليه ولكن بعدها الموت ثم الجزاء والعقاب, فإذاعلمنا حقيقة الحياة وأن بعدها الموت لكن الجنة لا يوجد فيها شىء من هذه المنغصات ((إن هذا لهو الفوز العظيم) (لمثل هذا فليعمل العالمون)) كم تساوي لذات الدنيا ومتنزهاتها أمام قوله تعالى ((ادخلوها بسلام ءامنين)) سلام من كل آفة, وأمان من كل خوف فإذا كان في الدنيا مرض فإن الجنة تنادي) إن لكم أن تصحو فلا تسقموا أبدا).وإذا كان العبد ينتظر في الدنيا الهرم فإن الجنة تنادي: (أن لكم أن تشبو فلا تهرموا أبدا) رواه مسلم.
الدنيا يأكل العبد فيها ويشرب وبعد ساعات يعصره الجوع والظمأ, أما الجنة (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى) (وأنك لا تظمؤ فيها ولا يضحى)
الدنيا فيها غم وحزن ونصب, أما الجنة (وقالو الحمد لله الذي أذهب عن االحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) والنصوب هو التعب, واللغوب هو الإعياء.
الدنيا ما تتمنى أن تصل الى شىء منها إلا وتريد أن تتحول عنه, فقد تحب بلدا أو مدينة فتسافر إليها فلا تمر عليك أيام حتى تسأم وتريد أن تتحول عنها إلى بلد آخر يقوا احدهم (كنا نشتهي الأشياء فلما وصلنا إليها فقدنا الشهية) ,أما الجنة (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا) (خالدين فيها لا يبغون عنها حولا) "
وتحدث التركى عن متع الدنيا ومتع الآخرة فقالك
"الدنيا فيها حر وبرد, فإذا جاء الحر بحث الناس عن طيب الجو في أماكن الاصطياف, وإذا جاء البرد يفرون منها إلى المناطق الدافئة فرار من البرد, لكن في الجنة (متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) فليس فيها حر وليس فيها برد.
الدنيا فيها منتزهات ويخرج أهلها إليها من الضيق والملل والسآمة وقد تنتهي هذه النزهات إلى مشاكل وهموم, أمام الجنة (إن للمتقين مفازا) (حدائق وأعنابا) (وكواعب أترابا) (وكأسا دهاقا) (لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا) سورة النبا فحدائق الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين, وهم فيها يأكلون وينظرون وبين هذه الحدائق تجري الأنهار الدنيا انهار ماء, أما الجنة فأنهارها متعددة أنهار من عسل ومن خمر ومن لبن ومن ماء غير آسن.
الدنيا فيها أسواق والجنة فيها سوق, ففي الحديث: ((إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فيها مالا عين رأت, لا يباع فيها ولا يشترى)) سوق الدنيا قد تجد فيها الأشياء الثمينة فتعجبك لكن يحول بينك وبينها غلاء الثمن أو لا يوجد عندك ثمنها, وقد يكون عندك الثمن فلا تجد البضاعة, وهناك في أسواق الجنة مالا عين رأت, وفوق هذالا يباع فيها ولا يشترى, لكن كيف تحملها وتوصلها إلى منزلك, بالجنة تشتري ما تريد ويحملها عنك الولدان المخلدون.
أما الزوجات (كذلك وزوجناهم بحور عين) للمؤمن فيها زوجتان من الحور غير زوجاته في الدنيا, أما الشهيد فله ثنتان وسبعون حورية, أما جمالهن فقد قال الله عنه (كأنهن الياقوت والمرجان) أما الطهارة فيقول الله: (ولهم فيهاأزواج مطهرة) أي من الأقذار فهن مطهرات من البول والحيض والبصاق والمخاط, يأكلون ويشربون ويخرج رشحا أطيب من ريح المسك.
فهذه مقارنة بين داري الدنيا والجنة فهل هناك مصدق وعاقل يختار الفاني على الباقي؟ والجواب: سيختار الجنة على الدنيا لكن الجنة ليست بالتمني ولا بالدعاوي ولا بالكلام انما تاتي بالإيمان الذي وقر في القلب وصدقه العمل, ففي الحديث" كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالو: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة, ومن عصاني فقد أبى"
وفيما سبق أخطاء منها سوق الجنة يوم الجمعة فلا يوجد أسواق فى الجنة والغريب أن الرواية تناقض نفسها بإقامة السوق ولكن بدون أساسه وهو البيع والشراء ومن ثم كيف يسمى سوقا؟
كما أن الفرد ليس له72 زوجة أى حورية وإنما له زوجة من المسلمين لأن الجنة لا يدخلها أحد دون عمل كما قال سبحانه" وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون"
ووجود الحوريات غير الزوجات المسلمات هو دخول للجنة بلا عمل لا يستحققن عليه دخول الجنة ومن ثم سيتهم الكفار الله بالظلم لأنه أدخل أناس بغير عمل الجنة
وعاد التركة بتخيير الفرد بين الجنة والنار فقال:
" الله تجد الحياة الطيبة, وإذا مت وفارقت الدنيا وحملت على الأعناق كان شعارك حينما يحملونك قدموني قدموني لأنك فرحا و شوقا إلى نعيم الجنة, اما من جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه فهو يأكل ويشرب ويلهيه الأمل ويفرط في جنب الله ويأتيه الموت بغتة وحمل على الاعناق كان شعاره حينما يحملونه اين تذهبون بها لان حزين قد خسر الدنيا و الآخرة, أما الدنيا فتركها خلف ظهره وأقبل على ربه قدوم العبد الابق فكان مصيره إلى النار.
وعودا على بدء ماذا تريد؟ هل تريد الجنة الباقية أم تريد الدنيا الفانية؟ فقد وصفت لك حال الدارين والخيار لك ((عش ما شئت فإنك ميت, وأحبب من شئت فإنك مفارقه, واعمل بما شئت فإنك مجزي به)) رواه الطبراني والحاكم من حديث سهل."
وبعد هذا حاول التركى أن ينصح الناس أن يلتزموا أحكام الله عند التنزه فقال :
"ولسنا نضيق على الناس بهذا الكلام ونقول لهم لا تخرجوا للنزهة لكن الله يقول (وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الأخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) فالإسلام دين ودنيا ولكن اجعل نصب عينيك هدفك الذي حددته وهو رضى الله عنك والحصول على الجنة فإذا عرفت هذا كله فإن أحلى مكان للمنتزهين هو ما اجتمع فيه هواؤها وطاعة ربها مع حفظ وصية رسول الله (ص)لأبي ذر) (اتق الله حيثما كنت)) لأن تقوى الله لا تتقيد بمكان ولا زمان, لأن من الناس من قد يخاف الله ويتقيه بين أقاربه وقومه, لكن إذا سافر خارج وطنه تخلى عن تقوى الله, فكم من نساء حافظت على حجابها بين قومها, فلما سافرت تخلت عن حجابها ونقول لها: الحجاب الحجاب أو او النار.
وكم من أناس يحافظون على محارمهم فإذا خرجوا للنزهة تخلو عن طاعة الله بحجة أنهم في النزهة وكأن الأقلام ترفع عن العبد إذا خرج للنزهة, ألم يعلموا أن تقوى الله لا تتقيد بمكان ولا زمان وأن موضعها القلب وتظهر على الجوارح, نعم سافر وتنزه ولكن ليس على حساب دينك, ويمكنك التخطيط للاستفادة من العطلة الصيفية وغيرها بجعلها فرصة ومناسب لصلة الوالدين والأرحام, سافر لعمرة وامزح رحلتك بين طاعة الله والترويح عن النفس في حدود المباح, وإياك والاستغراق في المباحات فإنها طريق إلى الحرام ويجب على المسلم أن يحافظ على عافية الله له في جوارحه فقد يكون الشىء مباحا ولكنه يسقط المروءة والعدالة؛ لأن مجاراة الفساق والضائعين لا تليق بالصالحين ولو كانت هزلا أو مزاحا؛ لأن الطبع يسرق، فلن ترافق إلا من توافق, وهل تأمن على غيرك ان يقلدك فتصبح قدوة سوء وفتنة للناس ويحتج بك بأن فلانا صتع هذا ,فترفع عن مجاراة الفساق والضائعين. وقد رأينا أناسا مع نسائهم على أمور غير لائقة غير مبالين بنظر الناس ونساؤهم يصرخون ويزمجرون, فلما ليم أحدهم تعذر بأنه أمر مباح فقلنا له أقل أحوالها السفاهة وقلة الحياء وذهاب الغيرة وإذا ذهبت المروءة من الناس ذهب الخير الكثير, والمجتمعات التي فيها حياء وستر ومروءة تجدها مجتمعات فاضلة وكاملة, ولكن إذا فقد الإيمان فقد الحياء, وإذا ضعف الإيمان ضعف الحياء, وإذا ذهب الإيمان ذهبت الغيرة, وإذا ضعف الإيمان ضعفت الغيرة, وغالبا ما تجد الشخص المحافظ الستير يضع الله له من الهيبة والاحترام بخلاف الشخص المتهتك الجري صفيق الوجه مهانا لا ترعى له حرمة, فعلى الإنسان أن يتعاطى الكمال ويبتعد عما فيه دناءة. وليس معنى هذا أننا نضيق على الناس إنما هو رد إلى أصول الشريعة التي قررها العلماء في بابها."
وفى نهاية الجزء الول تمنى التنركة الخير للناس بطاعة الله فقال :
"وفي الختام: أتمنى لك أخي المسلم رحلة سعيدة تجمع فيها بين طاعة الله ومتعة الجسد, فقد أباح لنا الإسلام المتع في حدود الحلال وليس في إطار الإباحية التي يعيشها الكفار؛ لأن الحرية التى ينادون بها انحلال وانحطاط, وهو يحيط بهم من كل جانب, وعزاء كل مسلم في هذه الحياة أن الجنة مليئة بالحور العين وشتى المتع الجسدية (وفيها ما تشيهه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون) إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا."
وفى الجزء الثانى نصح التركى الناس بالحرص على قضاء أوقاتهم فى طاعة أحكام الله فقال :
" الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فاعلم وفقك الله أن أعز ما يملك الإنسان في هذه الحياة دينه وعمره، وسيأتي على الإنسان ساعة يبكي فيها على هذا العمل، لذا ينبغي لمن هو قادم على هذه الإجازة، وهو يميز بين الخير والشر والجنة والنار أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، وأن يضع نفسه بين الجنة والنار، فأي الدارين يريد؟! وإلى أين ينتهي به هذا الطريق الذي وضع قدمه عليه؟! فالخير والشر درجات فالخير في السلامة من المحرمات، والبعد عن الفتن والموبقات.
والشر والشقاء في الذهاب إلى الأماكن التي فيها الفتن وفيها سخط الله وغضبه وخاصة إذا أعان أهله على ذلك، قال الله تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شان يغنيه}
قال العلماء: "إن الابن يتعلق بأبيه بسبب عدم إعانته على طاعة الله"فينبغي لكل مسلم يخاف سوء الحساب أن يختار لأهله الأخير والأكمل لدينهم ودنياهم فكم من مسافر اتقى الله في سفره فكان من خيار عباد الله الصالحين، فخرج باكيا على نفسه، ورجع من سفره بذنب مغفور وبعمل صالح مبرور وكم من مسافر أضاع حقوق ربه في سفره، فكان من عباد الله الأشقياء، فخرج يوم خرج فرحا غافلا عن ربه وقلبه مشتعل من شدة شهوته، خرج إلى متعة أو شهوة ويظن أن الله لا يراه ولا يسمعه، فأشقاه الله بذلك الخروج بما أصاب من شهوته، فكم من كأس خمر تزل صاحبها على الصراط يوم تزل الأقدام، وكم من لذة أصابها صاحبها فكانت سببا في حرمانه من النعيم فكان في أصحاب الجحيم."
وبين التركى أن المسلم إذا سافر يجب أن يسافر لطاعة الله فقال :
"أخي الحبيب: إنه لا خير في الأسفار إذا لم يشتر فيها العبد رحمة الله. فسافر يا أخي إلى عمرة أو سافر إلى زيارة الآباء والأمهات والأرحام، وخذ الأبناء والبنات إلى حيث تستوجب رحمة الله وتدخل السرور على أمك وأبيك؛ فينسئ الله لك في الأثر، ويزيد في عمرك، ويبسط لك في رزقك، ففي الحديث: «من أحب منكم أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه، ويزاد له في عمره فليصل رحمه».
سافر إلى طلب العلم يرفعك الله درجات {يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} وإياك يا أخي المسلم أن تقضي الإجازة في الوقوع في الحرام، أو في انتهاك حرمات الله أو مشاهدة من عصى الله، أو الجلوس معه، فإن الله جعل العاصي والساكت في الإثم سواء فقال: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم}"
ونصح الفرد ألا يسافر لبلاد الكفار حتى لا يسهل عليه ارتكاب المعاصى التى يرتكبونها فقال :
وأنصحك بالحذر من السفر إلى بلاد الكفر والعهر، أو البلاد التي تسهل طريق المعاصي، واعلم أن كثرة رؤية الحرام تهون المعاصي في القلب، وإن كنت تأمن على نفسك الفتنة فهل تأمنها أيضا على من معك من الأبناء والبنات والزوجات؟! ألا تظن أن الله سائلك عن تلك القلوب البريئة التي تربت على العفة والطهر والمحافظة على حدود الله ثم نقلتها إلى بلاد الخلاعة والعري، وتركتها تتجول فيها بحجة إدخال الفرح والسرور عليهم، إن من طال فرحه في الدنيا طال حزنه يوم القيامة، ثم كيف يطلب العاقل السرور والمرح على حساب دينه وسخط ربه؟!"
وطالبه أن ينصح أولاده كما ينصح نفسه فى الأسفار فقال:
"يا أخي، إن كنت تأمن على نفسك فلا تأمن على ولدك، وإلزم بيتك، وابك على خطيئتك واحفظ لسانك، ومن أبى فالنار موعده إن من رحمة الله تعالى بك أن يحملك الله بين السماء والأرض وبين أطباق السماء ويحفظك برحمته، فلولا رحمته لكنت أشلاء، ولولا لطفه بك لكنت في لحظة واحدة إربا فتقطعت كأن لم تكن شيئا، بل بمجرد ما تقلع الطائرة تجد كل واحد قد أمسك على قلبه ولو كان من أشجع الناس، ولو سمعت بخلل في الطائرة لطار عقلك وكنت تنتظر رحمة الله حتى تهبط الطائرة على الأرض.
يا أخي! مع هذه النصائح كلها إلى أين أنت ذاهب؟ وإلى أين أنت خارج؟ إلى إنتهاك حدود الله أو إلى محارم تغشاها! أو إلى أعراض الناس تقع فيها! فإياك ثم إياك والأسفار المحرمة، فإنها تمحق بركة الأعمار فيخرج العبد من الدنيا صفر اليدين"
ثم عاد التركة للنصح العام فكرره تحت مسميات عدة ولكنها له معنى واحد فى النهاية وهو طاعة أحكام الله واجتناب معاصيه فقال:
"أخي الحبيب: إذا عرفت هذا كله فاعلم أنه ينبغي عليك أن تتعاطى الأسباب التي تعينك على البعد عن الوقوع في الحرام أو الشبهات والتي منها:
1 - تقوى الله، والإكاثر من الدعاء أن يرزقك الله في سفرك البر والتقوى، ومن العمل ما يرضى، فهذا نبينا محمد (ص)يودع معاذا وهو خارج إلى اليمن هاديا وداعيا فيوصيه قائلا: «إتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» وهذه هي الوصايا الثلاث من أعظم ما يحتاجه المسافر في سفره.
2 - حفظ الجوارح عن الحرام، فإن من أسباب فساد القلب إلقاء السمع إلى الحرام، وكثرة الإستماع إلى فضول الكلام، فليس من شرط فساد القلب الوقوع في الحرام فقط، بل قد يكون بفضول الكلام، فحاول ألا يدخل سمعك إلا ذكر الله، واحفظ بصرك عن الحرام وسائر جوارحك.
3 - عدم الإغترار بالمظاهر الكاذبة، فلا تغرنك لذة العسل إذا خلط بالسم، ولا يخدعنك منظر الروضة الغناء إذا كان بعدها جهنم الحمراء، نعم ندب الإسلام إلى السير في الأرض، وحبب الضرب فيها، ولكن لا للهو ولا للعب ولا للمرح، ولكن كما قال الله: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} فمن فوائد السير في الأرض أخذ العبرة من عاقبة المفسدين.
إن الحياة قد تزينت بالملاهي وبالحدائق وبالشاليهات والغانيات، ولكن القلب فيها محموم، والضمير فيها مسلوب، وسلط الله على عباد الشهوات السآمة والملل، فتارة يذهب أحدهم بالإرتماء على أمواج البحر، وتارة إلى الملاهي، وأخيرا قد ينتحر، وما زادتهم إلا حيرة ومللا. يقول أحد الكفار: أليس من العجيب أن يعيش الواحد الوحدة وسط الزحام؟ قلنا: بلى، لكن إن سألت عن السبب فهو أن الواحد إذا عبد شهوته وهواه سلط الله عليه الحيرة والملل والنكد، فهم وإن كانت مراكبهم فارهة ومظاهرهم جميلة لكن أرواحهم موحشة وغاية دنياهم أذى ووبال.
4 - لا تعرض دينك ونفسك للفتن فإنك لا تدري ماذا يحدث لك، فإن العبد قد يخرج من بيته ويخرج بأهله وولده إلى بلاد يحارب الله فيها بالمعاصي فيخسر دينه الذي هو أعز شيء عليه في هذه الحياة، هنيئا لمن مات يوم مات وقد حفظ أعز شيء عليه في هذه الدنيا ـ أعني دينه ـ فلقي الله وقد سلم له دينه، فأدى الصلاة على وجهها وسائر أركان الإسلام، ولقي الله ولا يسأله مسلم بحق ولا دين ولا مظلمة، ومن مات وعليه دينه حبست نفسه بدينه. فقد ورد أن النبي (ص)أراد أن يصلى على رجل فسأل: «هل عليه دين؟» قالوا: ديناران، فقال: «صلوا على صاحبكم»، فقال رجل: دينه علي، فصلى عليه النبي (ص). ثم إنه لقي الرجل بعد فترة فقال: «هل قضيت دينه؟»، فقال: لا بعد، ثم لقيه مرة أخرى فقال: «هل قضيت عنه؟»، قال: نعم، فقال (ص): «الآن بردت جلدته».
5 - من أخسر الناس صفقة من اشتغل بنفسه عن ربه فجلس يأكل ويشرب ويتمتع ويلهيه الأمل حتى لقي الله صفر اليدين من الخير، وكم من أناس تمتعوا بالمعاصي فجاء عليهم زمان تمنوا معه أن لم يصيبوا حدا من حدود الله"
وبين التركى أن الفجار رغم اشتغالهم زمنا طويلا بارتكاب الفواحش فهم لم يتمتعوا ويرتاحوا حيث تجدهم مصابين بالأمراض والبعض منهم ينتحر والبعض يتعاطى المخدرات... فقال :
"إن الذين جربوا الإباحية في أوروبا وأمريكا ما وجدوا فيها أمنا ولا استراحت أرواحهم، وما وجدوا فيها إلا القلق والضيق واليأس، حتى إن أكثر البلاد إنتحارا وعكوفا على المخدرات هم أهل تلك الديار، ولقد شربوا كأس الحرام فما زادهم إلا عطشا، إنه لا يروي هذا الظمأ إلا كأس الزواج فهي اللذة الآمنة والباقية، وهي التي لك وحدك وأنت لها وحدها، أما اللذة الحرام فلا تورث إلا شدة العطش والأمراض ويظل الواحد خائفا على جسده من الأمراض ويخاف أن يعرف الناس خبره ويخاف على إسمه واسم أسرته أن تنالها الألسنة فاتقوا حياة الغرب فهم اليوم يبكون، وما يبكون إلا لأنهم حرموا لذة العيش وسرور الحياة وسلبوا نعمة الأمن والطمأنينة"
وعاد للنصائح التى تتكرر بمسميات مختلفة مع أنها كما سبق القول واحدة المعنى فقال :
"أخي المسلم إن الإسلام ليس دين تزمت ولا يحارب طبيعة النفس ولا يحارب الفطرة، ولكن يمنع ما فيه ضرر.
6 - إن القلوب المؤمنة تتساءل أين طريق النجاة من الفتن في زمان عظمت فيه الفتن، زمان عظم شره وقل خيره، فقد تفنن الدعاة الذين وقفوا أنفسهم على أبواب جهنم يستدرجون الواحد حتى يقع في الذنب إن أعظم طريق للنجاة من الفتن هو البعد عنها، ومن أمن الفتن وقع فيها، والبعد عن قرناء السوء فكم تزينت بهم الليالي ولكن كانت عواقبهم وخيمة؛ جحيم وسعير وعذاب شديد، فابحث عن الأخيار إن أردت النجاة حتى لا تكون ممن قال الله فيهم: {وما أضلنا إلا المجرمون}
7 - أخيرا أخي المسافر، إجعل نصب عينيك العمل الذي يدخل معك قبرك، فكم من أناس دخلت عليهم الإجازة فكانت وبالا عليهم كتبت عليهم النظرات والخطرات والخطوات، فلا تمش في قضاء شهوتك على حساب آخرتك، وقد نصحتك فاقبل نصحي، وإن كانت الأخرى فما أنا عليك بوكيل"

الأربعاء، 4 أغسطس 2021

قراءة فى كتاب اقتراح لإحياء القروض الحسنة

قراءة فى كتاب اقتراح لإحياء القروض الحسنة
مؤلف الكتاب هو كمال توفيق حطاب وقد أحب الرجل أن يساهم فى الخير بهذا الاقتراح وقبل الدخول فى الاقتراح يجب قول الحقيقة وهى :
أن حكومات بلادنا كافة هى حكومات لصوص فأى مشروع أو اقتراح قد يجلب أموال عن طريق ما يسمى التيار الإسلامى يتم إباحته لفترة ما حيث يتم تجميع الأموال بغزارة نتيجة إيمان الناس بالفكرة الداعية للخير المفيدة للغير وفجأة تجد الحكومات تستولى على تلك المشاريع بحجة أن القائمين عليه إما لصوص وإما ينتمون لجماعات محظورة وإما يمولون الإرهاب المزعوم
والمثال الأشهر فى بلاد المنطقة هو الحكومات المصرية التى سمحت بوجود شركات توظيف الأموال لعدة سنوات وعندما تجمعت فى تلك الشركات مليارات كثيرة استولت الحكومة على أموال وأصول الشركات بحجة أنها نصبت على الناس وحتى ألان ما زالت المحاكم تماطل فى إصدار الأحكام فى تلك القضية حيث سرقت الحكومة أموال الناس ولم تعدها لهم وفى العقد الأخير استولت الحكومة المصرية على كل الجمعيات والمؤسسات الخيرية الأهلية كالمدارس والمشافى وغيرها بحجة انتماء القائمين عليها للجماعة المحظورة
ومن ثم فالحديث عن المصارف الإسلامية هو حديث مماثل لما سبق حيث تحولت تلك المصارف إلى غايات بعيدة عما تم إنشائها له وأصبحت تشارك فى نشاطات كانت الفتاوى تصدر بحرمتها كالمضاربة فى البورصة بعد أن تغيرت فتاوى مشايخ الحكومات وأخلت الكثير من المحرمات
والمتعاملون مع المصارف التى تسمى إسلامية عددهم قليل جدا والكثير من الناس لا يعلمون عنها أى شىء فتلك المصارف لا تعلن عن نفسها على الإطلاق وكانها شىء خفى حتى مع عصر الشبكة العنكبوتية لم يجرأ مصرف منها على نشر إعلان عن نشاطه والشىء الوحيد الذى كان يوجد من نصف قرن هو أنها تعلن فقط الحساب الختامى لها فى الصحف بحسب القانون وقد انقطعت صلتى بالصحف الورقية من أكثر من عقدين
ومن ثم أى اقتراح سيكون مصيره مصير ما سبق فالحكومات لا تريد أن تتقدم دولها ولا أن تكون شعوبها فى حالة اقتصادية حسنة ومن ثم يحاربون أى فكرة تقلص من مكاسبهم المحرمة
بالقطع فى دولة المسلمين دولة العدل لا تتواجد تلك المصارف بأى صورة من الصور لعدم الحاجة لأن المفروض هو أن المجتمع يوفر لكل أفراده الضروريات وقد جعل القروض مسألة فردية أى يقترض الأفراد من بعضهم
وقد استهل حطاب كلامه بالقول أن المصارف الإسلامية قامت في الأصل على منطق القروض الحسنة فقال:
"رغم أن فكرة البنوك الإسلامية قامت في الأصل على منطق القروض الحسنة الخالية من الفوائد الربوية؛ فإن هذا الوعاء التمويلي توارى مع تطور هذه البنوك التي أضحت تركز على تجميع المدخرات واستثمارها وفق قواعد الشرعية الإسلامية، بما يحقق أفضل العوائد لمالكي هذه المصارف، وكذلك للمساهمين والمستثمرين.
وتبدو أهمية هذا الوعاء التمويلي في أنه يلعب دورا اجتماعيا مهما، خاصة على صعيد مواجهة الفقر المنتشر في المجتمعات العربية والإسلامية؛ فحينما أسس أحمد النجار في عام 1963 أول بنك إسلامي -بنك الادخار الذي لا يتعامل بالفائدة- استهدف القيام بالإقراض الحسن لأهالي مدينة ميت غمر في الدقهلية (شمال القاهرة) لمساعدتهم على مكافحة الفقر"
هذا المصرف بقدرة قادر هو الحكومة أصبح مصرفا حكوميا وانتهى دوره الذى أتشأ من أجله وتحول لمصرف ربوى وقد شرح حطاب معنى القرض الحسن فقال :
"والقرض الحسن هو أن يعطي شخص لآخر مالا لينتفع به على أن يرده في وقت آخر دون زيادة، وذلك على عكس القرض الربوي الذي يتضمن زيادة محددة تسمى الربا. وقد سمي هذا النوع من القروض بالحسن؛ لأنه يدخل في باب الرفق بالناس؛ فالمقرض يقدم منفعة ماله مدة من الزمن لغيره، ويضحي بهذه المنفعة من أجل نيل الثواب من الله."
وشرح حطاب كيفية اشتقاق المصارف للأموال والمراد توليد أموال من الأموال المدخرة فيها سواء فى مصارف الربا أو المصارف غيرها وبين أن الكل يقوم بعمل محرم وهو تشغيل النقود سواء كان بالحرام كالقروض الربوية أو تشغيلها فى صورة مشروعات تجارية أو صناعية أو زراعية تدر عوائد على المصرف الذى يسمى إسلامى ولكن تلك ألأرباح لا توضع فى حسابات المدخرين لأنهم لا يأخذون الربا والمفروض كان هو إعطاءهم ربح المشاريع لأنه هذا عمل بغير إذن صاحب المال وهو مأخوذ من ناتج أرباح ماله وفى هذا قال :
"الاستفادة من الودائع المشتقة
ويأتي تواري تقديم البنوك الإسلامية لقروض حسنة بالرغم من أن هذه المصارف تشترك مع المصارف التقليدية في الاستفادة من الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية لدى البنوك) في توليد الودائع المشتقة، وتحقيق الأرباح الطائلة نتيجة لذلك، دون أن تدفع عوائد عن هذه الودائع، مع أن الودائع تحت الطلب تعتبر من أكثر أشكال الودائع المصرفية أهمية بالنسبة للمصارف.
والودائع المشتقة يتم خلقها أو توليدها من خلال وسائل عدة، منها إعادة الإقراض؛ فمن يودعون النقود لدى البنوك التقليدية لا يسحبون في آن واحد ما أودعوا. بل يسحبون جزءا يسيرا منه في أي يوم معين، وهنا يكفي البنوك للوفاء بطلبات السحب أن تحتفظ باحتياطي صغير (مثلا 10%) من مجموع ما أودع لديها، وما زاد (وهو 90% من الودائع في مثالنا) تقرضه، وتنتفع بفوائده التي تتراكم ليصبح لدى البنك مال مشتق أو تم توليده من المال الأصلي.
وتختلف الودائع المشتقة في البنوك الإسلامية؛ حيث يتم اشتقاق الأموال استنادا للقواعد الشرعية، من خلال أدوات التمويل الإسلامية، مثل: المرابحة والمضاربة وغيرها (للمزيد حول أدوات التمويل الإسلامي: ألف باء تمويل إسلامي).
وقبل أكثر من عشرين عاما اقترح محمد عمر شابرا الخبير في الاقتصاد الإسلامي أن تكون الودائع المشتقة من اختصاص الجماعة، وأن يستغل الدخل الصافي من توليد النقود في تحقيق المصالح العامة، وبالأخص في تحسين أوضاع الفقراء.
ويستشهد شابرا لصحة رأيه بما قاله أنس الزرقا الأستاذ في الاقتصاد الإسلامي من أن الودائع المشتقة تشبه الفيء من حيث إنها تحصلت لجماعة المسلمين دون أن يتحمل أحد مشقة توليدها، ويجب أن توزع منافعها توزيع الفيء المبين في [سورة الحشر الآية 7] {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}"
وقطعا تلك الأموال ليس تشبه أموال فىء فأموال الفىء هى أموال كفار تركوها وتركوا مكان وجودها دون عودة بينما المال المدخر مال مسلمين وهم موجودين
وحدثنا حطاب عن غياب آليات التطبيق فقال:
"غياب آليات التطبيق
غير أن هذه الاقتراحات لم يكن من الممكن تنفيذها بسبب غياب آليات واضحة للتطبيق، وكذلك عدم وجود جهات يمكن أن تتبنى مثل هذه الاقتراحات.
ومن جهة أخرى فقد رأى العديد من المتخصصين أن المصارف الإسلامية ينبغي أن توجه جميع طاقاتها نحو زيادة كفاءتها وخبرتها الفنية؛ بحيث تستطيع استثمار أموال المودعين بأفضل الأساليب المشروعة، وهذا يقتضي أن تستفيد من كل الموارد المتاحة لديها -بما فيها الودائع المشتقة- بما يمكنها من النجاح والاستمرار والتفوق على المصارف التقليدية الربوية، وبما يمكنها في النهاية من كسب المصارف التقليدية إلى جانبها، وتحويلها إلى مصارف إسلامية.
وبناء على ذلك فإن العديد من المتخصصين في المصارف الإسلامية يرفضون إقحام المصارف الإسلامية في العمل الخيري التطوعي، ويقولون بأنه ينبغي عدم توريط المصارف الإسلامية في العمل الخيري، خاصة أنها مؤتمنة على أموال المودعين والمستثمرين، ولا تستطيع استخدام هذه الأموال لأغراض خيرية دون موافقة أصحاب هذه الأموال"
وما قيل سابقا ينفى كون تلك المصارف ملتزمة بأحكام الله فهى تقوم على أحكام محرمة وبين حطاب اقتراح الزرقا لصندوق مفاتيح الخير فقال:
"اقتراح جديد
وللخروج من هذا المأزق اقترح د.الزرقا في أحد مؤتمرات الاقتصاد الإسلامي في عام 2004 أن تقوم جمعية خيرية بإنشاء صندوق للقروض الحسنة داخل المصارف الإسلامية يسمى "صندوق مفاتيح الخير". ويقوم هذا الصندوق بتقديم القروض الحسنة للمحتاجين وخاصة ذوي المشروعات الصغيرة، وبدون ضمانات مالية (لصغار المستفيدين)، حرصا على كفالة الحد الأدنى لكل إنسان في المجتمع.
ويعتمد الاقتراح على توفر أربعة عناصر هم: "مشاركون بقرض حسن تحت الطلب، كفلاء بقروض متوسطة الأجل (سنة فأكثر)، كفلاء بالتبرع، إدارة للصندوق. ولا تستخدم قروض كفلاء الصندوق لتقديم التمويل؛ بل تستخدم حصرا لضمان السيولة الفورية للمشاركين، وهذا ما يشجع كثيرا من الناس على المشاركة، كما يمكن أن يقوم كفلاء بالتبرع بمبالغ محدودة كلما وقع الصندوق في خسارة.
وتكون طريقة عمل هذا الصندوق كما يلي:
- يصمم البنك الإسلامي بالتعاون مع الجمعية الخيرية نظاما خاصا للصندوق، ويعرضه على المودعين لينضم إليه من شاء منهم.
- يصدر المشاركون أوامر صريحة إلى البنك الإسلامي الذي لهم فيه حسابات تحت الطلب أو حسابات استثمارية، بتحويل مبلغ معين للصندوق بصفة قرض تحت الطلب، يسترد تلقائيا إذا انكشف حسابهم أو عندما يطلبون ذلك متى شاءوا.
- يمكن أن يكون التحويل بواسطة أمر مشروط "كلما زاد حسابي عن مبلغ كذا أفوضكم أن تقرضوا الصندوق مبلغ أو نسبة كذا".
- ما يتجمع في الصندوق من هذه القروض الحسنة يشكل موارد الصندوق التي ستوجه لتقديم القروض الحسنة للمحتاجين.
- يقوم المصرف الإسلامي بتقديم القروض الحسنة للمتمولين من هذا الصندوق، ويمكن أن يطلب من طالبي التمويل لأغراض إنتاجية فتح حساب لدى المصرف الإسلامي.
- إذا احتاج الصندوق لتغطية طلبات سحب من المشاركين تتجاوز ما لديه من موارد؛ فإنه يطلب هذه القروض من الكفلاء.
أسئلة وإجابات
غير أن هذا الاقتراح ستوجه إليه العديد من الأسئلة والاستفسارات التي يمكن توقعها، ويمكن أن نجيب عليها مثل:
* لماذا لا يقوم المصرف الإسلامي بنفسه بتقديم القروض الحسنة، وبالتالي لا داعي لهذا الصندوق؟
- لأن المصرف الإسلامي مؤسسة استثمارية تمتلك الخبرة الفنية والاستثمارية لإدارة واستثمار الأموال، وتحقيق العوائد بأفضل الطرق والأساليب المشروعة والنافعة للمجتمع. وهو يعمل كوكيل عن العملاء الذين قد لا يحسنون استثمار أموالهم، أو لا يمتلكون الخبرة الفنية لذلك، أو قد لا يكون لديهم الوقت الكافي أو الدراية الكافية بأحوال السوق وطرق الاستثمار.. ومن هنا فإن المصرف الإسلامي هو المؤسسة الاستثمارية المعنية بجذب وتجميع المدخرات وإعادة استثمارها في مشروعات نافعة، أما أن يتحول المصرف الإسلامي إلى جمعية خيرية أو مؤسسة لجمع الزكاة فهذا ليس هو اختصاصه؛ بل إن هناك مؤسسات أخرى يمكن أن تقوم بهذه الوظائف.
إن المشكلة التي علقت بأذهان كثير من المسلمين، والتي تحتم أن يقوم المصرف الإسلامي بتوزيع الصدقات والزكوات والقروض الحسنة.. مشكلة ذهنية تخرج المصرف الإسلامي عن أداء دوره الاستثماري الحقيقي، وتتطلب أن يتحول المصرف الإسلامي إلى جمعية خيرية، ويترك ساحة العمل المصرفي للمصارف الربوية.
إن السعي نحو أسلمة القطاع المصرفي بأكمله تتطلب أن تتخصص المصارف الإسلامية في الأعمال المصرفية، وتتفوق في أساليب الاستثمار المصرفي الإسلامي؛ بحيث تكون أكثر كفاءة وربحية والتزاما بمعايير الجودة العالمية إضافة إلى المعايير المحاسبية والشرعية.
* ما هي المصلحة التي سيحققها المصرف الإسلامي نتيجة تطبيق هذا الاقتراح؟ وكيف يمكن إقناع المصرف الإسلامي بقبول هذا الاقتراح؟
- من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية تحقيق العدالة والتخفيف من حدة التفاوت، وتحقيق التكافل الاجتماعي، وإن تبني المصارف الإسلامية لمثل هذا الاقتراح سيزيد ثقة الناس بها، ويعمل على تفعيل الدور الاجتماعي المنوط بها، خاصة بعد أن انحرفت بعض المصارف الإسلامية عن مسارها الأصلي.
ويمكن أن تتبنى المصارف الإسلامية هذا الاقتراح إذا ما تم تبنيه من قبل المجلس العام للبنوك الإسلامية، ويمكن أن تكون نسبة القروض الحسنة في البنوك الإسلامية من المعايير الشرعية التي ينبغي أن تطالب بها مستقبلا.
* ما هي مواصفات ومعايير الجمعية المطلوبة؟ وهل يلزم أن تكون متخصصة لهذا الغرض أم تكون جمعية اجتماعية بشكل عام؟
- يكون دور الجمعية هو التنسيق والتشاور بين إدارة المصرف الإسلامي وممثلي المودعين والمشاركين، ويفترض أن يكون البدء من خلال أعضاء الجمعية أنفسهم، وينبغي أن تكون الجمعية هي الأكثر مصداقية وشفافية والتزاما بمعايير الجودة والنوعية والكفاءة في العمل الاجتماعي الإسلامي.
* كيف سيطمئن الناس إلى أن أموالهم يتم تقديمها كقروض حسنة للمستحقين؟
- تخضع إدارة الصندوق لنظام يتم الاتفاق عليه بين الجمعية والمصرف الإسلامي، ويخضع تطبيق هذا النظام لرقابة المصرف والجمعية والهيئة الشرعية في المصرف الإسلامي.
* هل يمكن أن تتدخل الجهات الحكومية ممثلة في وزارة التنمية الاجتماعية أو الأوقاف أو البنك المركزي للرقابة على إدارة أموال الصندوق؟
- ربما يكون من المناسب تكوين لجنة من هذه الجهات الحكومية للتنسيق والتشاور، وتنظيم آلية توزيع القروض الحسنة؛ بحيث يتم توحيد الجهود في توزيع القروض الحسنة والمعونات للحيلولة دون تكرار المساعدة للبعض وحرمان الآخرين.
* هل يمكن أن تتدخل جهات حكومية لتوفير الدعم لهذا الصندوق من خلال تقديم نسبة من أموالها كقروض حسنة أو تقديم الكفالة؟
- ربما يكون من عوامل نجاح هذا الصندوق أن توجد أجهزة حكومية تدعمه بالمال والكفالة، شريطة عدم تدخلها للاستفادة من موارد الصندوق.
* هل يسمح بتقديم قروض لمؤسسات خيرية أخرى أو أجهزة حكومية؟
- لا يصح أن يسمح النظام بتقديم قروض حسنة لغير الأفراد المحتاجين؛ لأن التوسع في الإقراض لغير الجهات المعنية يخرج الصندوق عن الغاية الأساسية لوجوده.
* هل يمكن لمن أعطى أوامر للمصرف الإسلامي بتحويل 50% من وديعته في الحساب الجاري إلى قرض تحت الطلب للصندوق أن يسحب 100% من وديعته في أي وقت؟
- طبعا يمكنه ذلك، وعندها يكون قد استرد أمواله المقرضة للصندوق، وهذا لا يعرقل مسيرة الصندوق؛ لأن الفكرة تعتمد على أن معظم الناس لا يسحبون أموالهم مرة واحدة، وإذا سحبوا أموالهم فإنهم سرعان ما يعيدونها.
* هل يمكن لأصحاب الودائع الاستثمارية أن يقرضوا الصندوق؟
- يمكن لأصحاب الودائع الاستثمارية تخصيص نسبة منها لإقراض الصندوق، وعندها تتحول هذه النسبة إلى قرض تحت الطلب لدى إدارة الصندوق، يستطيع العميل أن يسحبها متى شاء، ولو أن أصحاب الودائع الاستثمارية يخصصون نسبة صغيرة من ودائعهم كقروض للصندوق؛ فإن هذا سيكفل للصندوق الاستمرار والنجاح لسنوات طويلة.
إن الأسئلة المتقدمة والأجوبة المرافقة لها ليست سوى عينة من المسائل التي يمكن أن تثور حول هذا الاقتراح، وهي تتطلب من الباحثين والمتخصصين في مجال المصارف الإسلامية المزيد من المناقشة؛ بغية تفعيل هذا الاقتراح وتطبيقه بما يحقق النفع للمسلمين، وبما يصحح المسيرة التي قامت عليها المصارف الإسلامية من خلال زيادة الدور الاجتماعي والإنساني الذي يمكن أن تقوم به"
الاقتراح كاقتراح هو خير يقدمه الرجل لخير الناس ولكن السؤال :
ماذا يحدث للصندوق أو الجمعية بعد فترة ؟
بالقطع الحكومات ستستولى على الصندوق أو الجمعية عندما تجد أن الناس تركوا المصارف التابعة لها بنفس الحجج المعروفة تمويل الإرهاب القائمون على الجمعية ينتمون لجماعات محظورة أو القائون لصوص
حصيلة مصارف حكوماتنا الربوية تكون قد انخفضت وكل حكومات المنطقة للأسف تقوم باقتراض الكثير من ديونها مما يسمى بعوائد المصارف ومن ثم ستقوم بالعمل على قفل المشروع تماما من خلال إدارتها به بأسلوبها الربوى
ومن ثم الأفضل أن يقوم الأهالى الأغنياء الملتزمين باقراض المحتاجين فى كل حى أو قرية لأن الحكومة لن تستطيع أن تفعل شىء لهم بسبب ذلك وإن كان فى استطاعتها لو عملت بوجود عمل مثل هذا أن تقوم بإلقاء القبض على الأغنياء الملتزمين بحجج تعكير أمن المجتمع والاشتباه وما شاكل هذا

الثلاثاء، 3 أغسطس 2021

نقد كتاب مسألة في شرح خبر (إن حديثنا صعب مستصعب)

نقد كتاب مسألة في شرح خبر (إن حديثنا صعب مستصعب).
المؤلف هو كاظم ابن قاسم الرشتي وهو عبارة عن سؤال عن جزء من حديث سأل عنه السائل وأجاب عليه المؤلف الذى قال :
"إن الأخ الأمجد الأنجد الجواد الشيخ الجواد بدكة سلمه الله وأبقاه وحرسه ووقاه قد أتى الحديث صعب مستصعب من قولهم ( إن حديثنا صعب مستصعب أجرد كريم ذو كنوان مقنع لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ) وأراد رفع حجابه وكشف نقابه وحل مشكلته وفتح مقفله وتحقيق معاينته وشرح دقائق مبانيه وقد ظن السراب شرابا والتراب كتابا والزجاج جوهرا والأجاج عذبا قرانا والسحاب سماء وما أنا والولوج في هذا البحر المتعاظم والتيار المتلاطم إلا أنه سلمه الله تعالى حيث ظن في خيرا أرجوا منه سبحانه أن يمدني للصواب ويمدني بفصل الخاطب فإن من أحسن الظن ولو بحجرا لقى الله الخير به إليه كما ورد عنهم."
قال سيدنا وعمادنا ومولانا ما معنى قول أمير المؤمنين وقد سأل هل رأيت رجلا في الدنيا فقال : رأيت رجلا وأنا إلى الآن أسأل عنه فقلت له من أنت قال أنا الطين فقلت من أين فقال من الطين قلت إلى أين فقال إلى الطين فقلت من أنا فقال أنت أبو تراب فقلت أنا أنت فقال حاشاك حاشاك هذا من الدين في الدين أنا أنا وأنا أنا أنا ذات الذوات والذات في الذوات للذات فقال عرفت فقلت نعم فقال أمسك "
وبدلا من أن يقول المؤلف أن الرواية لا تصح لتناقضها مع كلام الله فحديث الهداة لا يمكن أن يكون صعب مستصعب لأن كلام الله سهل يسير كما قال تعالى " ولقد يسرنا القرآن للذكر "
الثانى التصديق برواية من أحسن الظن ولو بحجرا لقى الله الخير به إليه وهى رواية كفرية معناها أن من صدق أن الصنم وهو حجر أو خشب أو معدن ينفع بنفع وهو كلام لا يمكن ان يصدر من مسلم
وفى الإجابة قال الرشتى الكثير من عقائد الصوفية مختلطة بالفلسفة التى سنتعرض لها فى الفقرات التالية:
أقول : اعلم أن هذا الحديث الشريف رواه الشيخ رجب البرسي في كتابه مشارق الأنوار وهو من غرائب الأخبار ومفصلاتها قد تاهت في حله طامحات العقول والأحلام وخرت عن إدراكه الأكابر من الحكماء والعلماء الأعلام وقد أجبت إن كلف لشرح هذا الحديث الشريف في حال اجتماع القلب والحواس لأزيل عنه لواضح البيان كل شبة واشكال وإلتباس زإن لي في هذه الحال مع كمال تبلبل البال واخلال الأحوال وعروض الأعراض المانعة من استقامة الحال شرح حقيقة الحال والبسط في المقال واستخراج غوامض الأسرار ولكن الميسور لا يسقط بالمعسورفأقول : وبالله التوفيق إن السائل في جميع الأحوال والأطوار لم يزل مستمدا من العالي وسائلا منه المدد في التكوين والتشريع وفي العلم والتصوير والوجود ولما كان مولانا وسيدنا أمير المؤمنين هو العلي العالي الأعلى وهو المستعلى المشار إليه في الدعاء في الصحيفة السجادية بعد الفراغ من صلاة الليل (و استعلى ملكك علوا سقطت الأشياء دون بلوغ أمده و لا يبلغ أدنى ما استأثرت به من ذلك نعوت أقصى نعت الناعتين ، شرح نهج البلاغة 6/182 ) الدعاء ، ولما كان هو العالي وليس أعلى منه ومن أخيه وسيده رسول الله (ص) وهما حقيقة واحدة ولكنه في مقام التفصيل ومظهر أحكام الرسول كان مسؤول كل سائل ومطلوب كل طالب والسؤال إنما يسأل عنه والجواب إنما يراد منه فهو مجيب كل سائل وحلال كل مشكل بنفسه الشريفة أو بإبداله الأئمة الهداة أو بألسنته ونوابه وخلفائه وحملة علومه ومعارفه وسنته وآدابه لأنه الحكم الذي جعله الله للناس عند التشاجر والتنازع والاختلاف وقال عز وجل من قائل ((فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما )) ،"
الخبل هنا هو أن الرشتى جعل على العلي العالي الأعلى بقوله"ولما كان مولانا وسيدنا أمير المؤمنين هو العلي العالي الأعلى وهو المستعلى المشار إليه في الدعاء في الصحيفة السجادية بعد الفراغ من صلاة الليل (و استعلى ملكك علوا سقطت الأشياء "
وأقل الناس فهما سيعرف أن على هنا هو الله تعالى عن ذلك لأنه الأعلى والعجيب أنه ناقض نفسه فبعد أن جعل على وحده هو الأعلى عاد فجعله هو ومحمد(ص) فى نفس المرتبة فقال "وليس أعلى منه ومن أخيه وسيده رسول الله (ص) وهما حقيقة واحدة"
والجنون أن على ومحمد (ص)شىء واحد وهو بمثابة قول النصارى أن الثلاثة واحد فالاثنين هنا واحد
والغريب أيضا أن الرشتى جعل على " مجيب كل سائل" وهو ما يعنى أنه الله تعالى عن ذلك وهو بذلك يشبهه بالله فى قوله " أمن يجيب المضطر إذا دعاه"
والغريب أنه ناقض نفسه فجعل على ميتا وله أبدال هم الأئمة ولا ندى كيف يكون مجيب السائلين وهو ميت ثم قال:
"ولما جعله حاكما وبالحق ناطقا وللأمة هاديا و إلى الصراط دليلا مرشدا وللرشد بينا قال عز وجل من قاتل يوم نصبه وإظهاره علما و إلى الحق سلما ((اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم و اخشون اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا ،))
ولما كان الجهل بالحقائق والأسرار ليس من إكمال الدين ولا من إتمام النعمة بل هو نقص بالدين ونفي للنعمة ونقص لعرض الحكيم فإنه خلق الخلق من معرفة وجعل عليها دليلا من إرشاده بقوله ((هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة)وإذا ثبت أن أمير المؤمنين هو الحكم العادل والعلم الفاصل للخطاب توجه إليه السائل هل رأيت رجلا وهذا السائل على ما يظهر لي هو رجل من الكروبيين وهو رجل من الشيعة خلف العرش لو قسم نور واحدا منهم على أهل الأرض لكفاهم وهم الذين يصلحون لهاذ السؤال بلسان المقال والحال وفطرة والكينونة وأما ما عداهم فسائلهم محيض للسان المقالي دون الحالي و الإستعدادي وتقدير السؤال أنك يا أمير المؤمنين عليك وعلى الإسلام آلك السلام هل رأيت رجلا يعني إنسانا كاملا جامعا لجميع الكمالات ومهيمنا على معاني كل الصفات ومظهرا لجميع الظهورات بحيث يكون الكائنات كلها والموجودات بأسرها لديه كالرحى الدائرة على القطب وكالخاتم في الإصبع وذلك لكمال خضوعه لله وتسليمه لأمر الله وانقياده لحكم الله وطاعته لله والإذعان لأمره ونهيه ومراده بذلك يعرف الولي المطلق والمهمين القائم بالحق ليكمل إيمانه ويعظم إيقانه وينال بالإنقياد له في طاعة الله سبحانه من منتهى المرام من السكنى بالجنة دار السلام وهذا هو المارد بقوله هل رأيت رجلا إذ لو كان مطلق الرجل كان سآله سؤالا عن البديهيات وطلبا للضروريات وذلك من قبحه في نفسه لا يناسب هذا البيان الغامض لوجود التطابق بين السؤال والجواب فكيف يكون السؤال من البديهي "
ونجد الرشتى فى الفقرى يناقض نفسه فمرة يجعل السائل من الكروبيين وهو تعبير نصرانى يدل على حملة العرش من الملائكة ومرة يجعله رجل من الشيعة بقوله"وهذا السائل على ما يظهر لي هو رجل من الكروبيين وهو رجل من الشيعة خلف العرش "وحتى لو أراد أن الملائكة شيعة فهو أمر يتناقض مع كون الملائكة خلقت قبل البشر كما قال تعالى " وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشر من طين"ومن ثم من المحال أن يكونوا شيعة قبل وجود على وغيره
ونجد الرشتى يصف على بأوصاف الله وهى العلى الحكيم فيقول:
"ويجيب أمير المؤمنين وهو العلي الحكيم عن نظري الذي لا يصل إلى أدنى معاينة إلا واحد العصر وفريد الدهر وعلامة الكون فصح ما ذكرناه من أن مقصود السائل هو الرجل الكامل البالغ الحامل المهيمن في الظاهر والباطن والصورة والحقيقة على الوجه الأكمل والكمال الأبلغ الذي ليس دونه كمال ولا فوقه جلال ولا جمال في الرتبة الإمكانية الخلقية ولما كان الجواب يجب أن يكون على مقدار معرفة السائل وإدراكه وإلا فكان الجواب عبثا والمجيب لا يكون حكيما "
ويناقض الرشتى نفسه فيقول عن على هو الله بقوله" ويجيب أمير المؤمنين وهو العلي الحكيم " ثم يصفع بأوصاق الخلق المخلوقين فيقول:"الرجل الكامل البالغ الحامل المهيمن في الظاهر والباطن والصورة والحقيقة على الوجه الأكمل والكمال الأبلغ الذي ليس دونه كمال ولا فوقه جلال ولا جمال في الرتبة الإمكانية الخلقية"
ويبين الرشتى خبلا أخر هو أننا مخلوقين من شعاع نور المحمدية فقال:
"ولما كان الخلق كما ثبت بالأدلة القطعية من العقلية والنقلية قد خلقوا من شعاع نور المحمدية وأنت تعلم أن الشعاع والنور إنما يكون إشراقه وتحققه بعد تحقيق جميع مراتب المنير وتماميتها إلى كمال ظهوره في عالم الشهادة بإتمام جسمه وجسده فإذا تمت كينونة المنير ظهر وبرز منه الشعاع والنور فالنور مستمد في تذوته وتجوهره وتحققه إلى عالم الشهادة من المنير أي مقام جسمه كما ترى من استنار نور الشمس والسراج فإنهما مستندان إلى شهادة الشمس والسراج وظاهر جسمهما لا إلا غيبهما وحقيقتهما كما هو الظاهر المعلوم"
وقطعا نحن مخلوقين من آدم (ص) كما قال تعالى " اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء"
ومحمد(ص) لا يمكن أن يكون قبل آدم (ص) بأى شكل من الأشكال لأن له شجرة نسب معروفة عند القوم فلو كان قبله ما نسبل لأجيال من أولاد آدم(ص) ثم قال :
" فحيث كان الأمر كذلك كانت الموجودات من حجاب الكروبيين إلى مالا نهاية له مستنده إلى جسم الحقيقة المحمدية بعد تمام مراتبها من مقامات الأرواح والعقول والنفوس وتنزلها إلى عالم الأجسام والأجساد الجوهرية أراد أن يبين للسائل إن ذلك الرجل الكامل الذي هو الذات وذات الذوات في كل الذوات هو بشريتهم الظاهرة في مقام الشهادة الجسمانية ثم أراد أن يبينه إن عالم شهادتهم ليس هو ذاتهم وحقيقتهم وإنما هو سبيل ظاهريتهم ومقام انتهى إلى أشباحه وشؤونه كلما سويهم وإنهم في ذاتهم وحقيقتهم غيب لا يحاط به علما ولا ينال حدا ولا رسما ومع ذلك (( عباد مكرمون لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا )) وبشرح هذه الأحوال يكمل ويصف ذلك الرجل المفصال وغيره الحق عن حادثات الذوات والصفات والأفعال والأحوال فأشار إلى القسم الأول بقوله ، فقال رأيت رجلا وإلى الآن أسئل عنه ، وهذه الرؤية رؤية إحاطة عيان ولا إخبار يورث اليقين المعبر عنه بعلم اليقين المكنى عنه بالرؤية وهذا الرجل هو بشريتهم الظاهرة ، فإن شئت قلت بشريته أو بشرية باقي الأئمة فإنهم كلهم سواء في هذا المعنى ، فنحن نفرد الضمير ونشير فيما بعد إلى أمير المؤمنين لأنه في هذه الأحوال فخرهم وسيدهم وولي الأمر ويميرهم العلم أي يكمل ويقدر لهم من قوله تعالى { و نمير أهلنا } ولذا كان أمير المؤمنين دون غيره ، ومرادنا بالبشرية ليست هي الظاهرة في الخلق من قوله تعالى { و للبسنا عليهم ما يلبسون } وإنما المراد بها رتبة الجسم لأن الحدود على الوجه الأكمل إنما ظهرت في عالم الأجسام دون غيرها ، وظهور الشعاع والنور هو ذوات الموجودات وحقائقها ، وكينوناتها إنما تذوتت وتحققت وتأملت وتشيئت بعد تمام عالم الشهادة الذي هو عالم الجسم بالنسبة إليه فذوات الحقائق كلها إليه منتهى "
ونجد الرجل يخرف ففى الفقرة فيقول بجسمية الحقيقة المحمدية ومع هذا يقول أن لها مقامات الأرواح والعقول حيث قال فى الفقرة" مستنده إلى جسم الحقيقة المحمدية بعد تمام مراتبها من مقامات الأرواح والعقول والنفوس وتنزلها إلى عالم الأجسام والأجساد الجوهرية"
وقال الرشتى:
وقوله ( وإلى الآن أسأل عنه ) وهذا السؤل ليس عن جهل حاشا وكلا وإنما هو من قبل قوله تعالى { و ما تلك بيمينك يا موسى } وأمثالها ، وأنا أراد بهذا السؤال هو الكشف عن لسان كينونته وذاته وهو في مقام ذاته وحقيقته يفيض في مقام جسمه وهو أي دائما ينطق ويتكلم بنحو ما أخبر عنه ولما كان مقام الجسم مقام الانجماد والكثافة والغلظة ولا يكون ذلك إلا بغلبة اليبوسة والبرودة فإن الحرارة ترفق وتلطف وتذيب ، قال ( فقلت له من أنت فقال أنا الطين بعيني ) قلت للجسم الغليظ الذي كل الموجودات الكثيفة الغليظة واللطيفة الرقيقة تنتهي إليه ( من أنت وما حقيقتك وذاتك ) ليعلم الناس مقامك ومنزلتك مع ما أنت عليه من سمو المنزلة وعلو الدرجة فأجاب وقال ( أنا الطين أي أنا حقيقتي التراب ) أدنى المقامات وأسفل الدرجات لا درجة ولا مقام ولا مرتبة أسفل وأدنى من مرتبة ومنزلة ، فإن التراب له مقام يكون كل شيء من الموجودات بساطتها ومركباتها أعلى منها وإنما قال الطين ولم يقل التراب لأن الطين فيه إنجماد وانعقاد بخلاف التراب فإنه اعم من ذلك فمراده إن مقامي مقام الإنعقاد والكثافة بالنسبة إلى العوالم والمقامات التي فوقي فإنه مقام الذوبان ومقام ظهور الأسماء والصفات وأنحاء التجليات وأطوار الربوبيات بخلاف مقامي فإنه طين منعقد وتراب منجمد ، وأشار أيضا إلى كمال مقام العبودية والخشوع والخضوع والمسكنة والتذلل والامكان والفقر والفاقة وقلة الحيلة وظهور تمام الضعف وانفعاله المنطلق وانكتاره العام وعدم الارتفاع وكمال الانخفاض وأمثالها من المراتب المناسبة لمقام الطين والتراب ، فإن الجسم الشهودي بالنسبة إلى المقام الغيبي كما ذكر من لسانه المقالي والغالي ، فلو كان مقام أدنى وأقل وأضعف من التراب لعبر عنه بدو لكنه أدنى وأقل وأسفل من التراب ليس في الوجود شيء ، ولذا عبر عنه به ثم سئل تعليما له وثبتها للخلق حتى يقع السؤال ويذكر الجواب عن مبدئه ومادة وجوده وأصل نشوه وحقيقة ذاته"
ونجده يخرف مناقضا نفسه فيقول أن التراب أدنى المقامات وأسفل الدرجات بقوله"وقال ( أنا الطين أي أنا حقيقتي التراب ) أدنى المقامات وأسفل الدرجات " ويناقض نفسه بأنه لا يوجد له درجة ولا مقام فى قوله خلفها مباشرة"لا درجة ولا مقام ولا مرتبة أسفل وأدنى من مرتبة ومنزلة" ثم قال :
"فقال و فقلت له من أين فقال من الطين ، فلما كانت الأشياء لا تتعدى مبدئه وإنما ينتهي إلى ما خلقت منه ولما كان عالم الأجسام إنما خلقت من التراب بمعنى أنه من الجزء الغالب لأنه ليس فيها عنصر إلا التراب وإنما المراد إن الغالب فيه هذا العنصر والشيء إنما ينسب إلى الغالب كما يقال فلان صفراوي أو دموي أو بلغمي أو سوداوي مع أنه فيه غيرها ولكنه نسب إلى الغالب فلذا قال هذا الرجل العظيم الكريم مبدئي من الطين كما قال تعالى للملائكة { إني خالق بشرا من طين فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } وقال تعالى { و من آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } وقال تعالى { خلق الإنسان من صلصال كالفخار }"
ويعود الرشتى لمناقضة نفسه فمرة يقول أن الإنسان ليس له عنصرى إلا التراب فقط بقوله" لأنه ليس فيها عنصر إلا التراب" ويعود فيبين تعدد العناصر مع التراب فيقول " وإنما المراد إن الغالب فيه هذا العنصر والشيء إنما ينسب إلى الغالب كما يقال فلان صفراوي أو دموي أو بلغمي أو سوداوي مع أنه فيه غيرها" ثم قال :
" وقال تعالى { منها خلقناكم } ولا ريب أن آدم أبو البشر أبو الأجسام والأجساد دون الأرواح والأشباح ، فثبت أن الجسم إنما خلق من الطين وهو الغالب ولذا صح الانعقاد والانجماد وسكنوا الأرض واستقر في التراب كل ذلك رعته المناسبة الفطرية والمشابهة الكينونية ولما كان المقام مقام الجسم أنى بالجواب الصواب ، وقال ( أتيت من مقام الطين والتراب ) خلقت منه عبره لألي الألباب ثم سئل بلسان إمداده وإفاضته من الرجل الجسماني عوده ومنتهى سين
وقال فقلت له ( إلى أين ) فقال بلسان مقاله واستمداده واسترفاده وكينونته ( إلى الطين ) لما كانت الأشياء تعود إلى ما بدأ منه وهذا الرجل الكامل إنما كان بدأ إيجاده وحقيقة انوجاده من الطين كما نص عليه سبحانه واعترف هو تباعا لله سبحانه فيكون عوده إليه وهو قوله تعالى { كما بدأكم تعودون } وقوله سبحانه إشارة إلى هذا الرجل وأنوار أشباح نوره بالتبعية { منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى } فهذا الرجل هو الرجل خلق من الذليل ويعود إلى الذليل وذلك بالنسبة إلى خالقه ومبدئه والمراتب المتقدمة علية من نحو قولة علية السلام في الزيارة الجامعة (و ذل كل شيء لكم ، من لايحضره الفقيه 2/615 ) لأن مبدأ الأشياء وعلة وجودها إذا ذلت الشيء فالأشياء بالطريق الأولى لأن المعلول ذليل علته عند والشعاع ذليل عند منيرة والفروع ذليلة عند أصولها فإذا كان المنير والأصل ذليلا لشيء فهو بالتذلل أولا ولما كان الإمام أمير المؤمنين قد ظهر للعالم في مقام جسميته وليس للخلق طريق إلى مقام ما وراء هذا المقام حتى يعرفوا بما عندهم من العلة لأن حقائق الموجودات كلها منقطعة عند هذه الظاهرية التي تنتهي إلى مقام جسمه الذي هو أسفل مراتبه وآخر مقاماته ولا ترى الأشياء فوق هذه الرتبة رتبة ولا وراء هذه المرتبة مرتبة وترى أن تلك الحقيقة الإلهية منحصرة في هذه الرتبة الجسمية أراد كشف هذه الحقيقة وذكر هذه الدقيقة وبيان إن الذاتي هو منير ومبدأ لما سواه من الذوات والصفات أولا وأكمل بل هو المتعين إذ العالي يعرف مقامة للسافل الذي تنتهي إليه نسبته ولذا سأله مبينا للمقال وتوضيحا لشرح حقيقة الحال كما قال تعالى لعيسى ((يا عيسى ابن مريم أ أنت قلت للناس اتخذوني و أمي إلهين من دون الله)) حتى يقول ((سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق)).
فمن هذه الجهة سؤل أمير المؤمنين هذا الرجل الكامل الترابي دفعا لشبهته ما تخيل الناس من جهلهم بحقيقة الواقع أو يلبس عليهم أهل التلبيس "
والرشتى يقول هنا ان مقام على هو الجسمية بقوله" ولما كان الإمام أمير المؤمنين قد ظهر للعالم في مقام جسميته وليس للخلق طريق إلى مقام ما وراء هذا المقام "وهو ما يخالف كونه من النور لأنه الحقيقة والذات بقوله"وظهور الشعاع والنور هو ذوات الموجودات وحقائقها"
ثم قال الرشتى مكررا كون على من النور :
"فقال: فقلت من أنا فقال أنت أبو تراب فقلت أنا أنت فقال حاشاك حاشاك هذا من الدين فسئل أولا عن رتبة مقامه ومرتبة ذاته وحقيقته .
فأجاب الرجل بالرسم والأثر فقال أنت أبو تراب يعني ليس لي حظ من معرفة ذلك وحقيقتك إلا إني فرع من فروعك وشعبة من شعب نورك وحيث كنت أنا التراب وقد انشعبت عنك وتفرعت منك وتقومت بك وتحققت لك وأنا بيت ظهوراتك ومأوى تفاصيل حدودك فأنت أبو تراب والمراد بل أب هو الأصل الذي تفرع عنه الفروع والأصول وتقومت به وحيث إني خلقت من التراب وعودتي إلى التراب وأنا إنما تقومت بك وتحققت بك فأن أبو تراب فلاحظ لي بمعرفتك أكثر من ذلك وإليه يشير الشاعر بقوله :
منتهى الحظ ما تزود منه اللحظ
والمدركون ذاك قليل"
والمقصود قوله"يعني ليس لي حظ من معرفة ذلك وحقيقتك إلا إني فرع من فروعك وشعبة من شعب نورك "
وقال خالطا الأمور ببعضها :
"فليس لي بحقيقتك وذاتك ولا بالأطوار مراتبك ولا بأسرار حقيقتك ما أعرفك إلا أنه أصلي وبك تحققي أنك البشري الذي خلق من الماء في قوله تعالى (( و هو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا ))
ولا ريب أن هذا البشر ليس غيرك وحيث إنك خلقت من الماء وأنا من التراب والماء أصل وبك تحققي لأنك وأب للتراب فأنت إذا أبو تراب فلما كشف عن حقيقة المقال وصرح بحقيقة الحال وبين أنه عاجز عن إدراك ذاته وحقيقته فضلا عن الوصول إلى درجة ومرتبة أراد زيادة التوضيح وزيادة البيان وشرح حقيقة الحال بالتصريح فقال فقلت أنا أنت وأنت أنا يعني معك متحد الحقيقة ومتحد الذات كما يتراء للخلق فأجاب بكله وسره ولبة وقال حاشاك حاشاك أنت أنت أجل من أن تنسب إلي بتحاد الحقيقة وأنت وأنت أعلى من أن يقال أنا أنت أنت السر ألا ريب وأنت الغيب الذي لا يدرك أنت في نقام ألا تعين أنت أول قصبة الياقوت أنت حجاب الله في اللاهوت وأنا شخص ناسوتي ووجه شهودي وأصل ترابي وأين التراب ورب الأرباب أين الثرى من الثريا أين السافل من العالي أين المادي من المجرد المحض أين المستمد من المدد أين الفرع من الأصل أين النهاية من لا نهاية أنت الأصل وأنا الفرع أنت لا تعين وأنا آخر مراتب التعيين أنت الغير المحدود وأنا المحدود في أدنى مقامات الحد أنت الغير المتناهي وأنا المتناهي أنت في حجاب الواحدية وأنا في الرسوم الجسمية أنت سر اللاهوت أنا أصل الناسوت أنت البحر التيار المتلاطم أنا القطرة المنعقدة المنجمدة ببرودة الإنية أنت شمس الأزل أنا كوكب عالم المثال أنت سر المثال وأنا فرع المثال ولكن بين المثال أنا فرع له والمثال الذي أنت سر له مراتب لا تتناهى ولا تتكيف بل لا نسبه ولا إرتباط أنت أنت سر الاسم الأعظم الأعظم الأعظم وأنا اللفظ الأدنى الأدنى أنت سماء الكرامة وأنا أرض المذلة وأنت ماء الحياة وأنا تراب الممات أنت معدن العلم أنا مظهر الجهل أنت سر الرفعة وأنا منتهى الضعة وبالجملة فأين الثريا من يد المتناول وأين أنا منك حتى يقال أنا أنت ثم لما استبعد وتحاشى عن هذه النسبة كما تحاشى واستبعد عيسى ونزه ربه وقال (( سبحانك )) كذلك هذا الرجل الكامل والإنسان الواصل عرف مقامه مع مبادئه العالية وجواهر أوائل العلل وخضع واستكان واعترف وأبان ثم أراد أن يبين إن هذا الذي ذكرت وهذا الجواب الذي فصلت هذا من الدين الذي يجب علينا أن نعتقده ونقر به ونعترفه وإلا فما أنا والوصول إلى رتبه مقامك لأني ما أقول إلا ما هو في مقامي وما درك إلا ما يناسب رتبتي كما قلت سيدي (إنما تحد الأدوات أنفسها و تشير الآلة إلى نظائرها ، بحارالأنوار 4 / 229)"
وفى الفقرة السابق يخلط الرشتى الفلسفة بالنصرانية من خلال الحديث عن اللاهوت والناسوت والعالى والسافل ....وهو كلام لا يصدر من المسلمين لأنه كلام يتعلق عندهم بما يسمونه طبيعة المسيح (ص) الإلهية تعالى الله عن ذلك وطبيعته الإنسانية المخلوقة وهو كلام اتهام لله تعالى عن ذلك واتهام لأمه مريم(ص) ثم قال :
"ولكن الذي أدين به والطريق الذي أسلكه دعاني هذا الإقرار و الاعتراف فقولي هذا من الدين الإلهي وفي الدين نعني لدين كما يقال الحب في الله أي لله فاعترافي هذا للدين أدين به الله وأعتقده فإنه يجب على من الله أن أسلم لأهل الفضل فضله وانقاد واخضع للذي فضله الله على وعلاه إلى مقامه وهذا شرح حالي وحقيقة ذاتي أما ذاتك فلا أعرفها سوى أنك أبو تراب وأما ذاتي فهي التي عرضتها عليك وأنت أعلم به مني بأني الطين ومن الطين وإلى الطين وما أنت أنا فحاشاك حاشاك أين التراب ورب الأرباب وأين الثريا من يد المتناول فلما شرح هذا الرجل مقام خضوعه وخشوعه وتسليمه وانقياده لباب مدده أراد أن يبين مقامه بالنسبة إلى غيره من سائر المخلوقات والموجودات والذوات والصفات والحقائق والمجازات والجواهر الأعراض والأصول والفروع وسائر مراتب الموجودات فقال أنا أنا وأما أنا اعلم إن أنا إنما يقال عند التعين والتشخص وحمله بأنا أيضا للدلالة على الاستقلال والتذوت والتحقق كما في قولهم أنت أنت فأنت المحمول ليس من باب حمل الشيء على نفسه وإنما يراد به الاستقلال والتذوت والكمال فقوله أنا أنا يعني إني المتفرد المستقل الكامل وأليه الإشارة بقوله في عمران الصابي في معنى الاختراع أنه (خلق ساكن لا يدرك بالسكون ، بحارالأنوار 10 316)يعني خلق مستقل بالنسبة إلى ما عداه بالله سبحانه لكن لا يدرك بالسكون الذي هو ضد الحركة إذ ليس هو المراد من هذه العبادة وإنما يراد به الاستغلال والتذوت الإضافيان وإنه وإن كان مستقلا لكن حين تذوته وإظهار أفعاله لا يلحظ ولا يدرك ولا ينظر إلى استقلاله وإنما الاستقلال لله سبحانه وتعالى ، فحين لا يلاحظ استقلاله مستقل متذوت وإن لوحظ استقلاله فإنه مضمحل فاستقلاله في اضمحلاله محدد له في استقلاله وهو قول أمير المؤمنين في صفة النفس الملكوتية الإلهية (نعيم في شقاء و عز في ذل بحارالأنوار 58/85) الحديث ، وإلى هذا المعنى أشار قول الشاعر :
اقتلوني يا قطاتي إن في قتلي حياتي
وحياتي في مماتي ومماتي في حياتي"
ثم زعم الرشتى خلق الموجودات ومنهم الشيعة من الحقيقة المحمدية فقال:
فإذا عرفت المراد من قوله حكاية عن الرجل الترابي ( أنا أنا ) فاعلم أن الموجودات ما سوى الحقيقة المحمدية إنما خلقت من فاضل شعاع نورها والروايات به متظافرة متواردة وهو قوله ( إنما سميت الشيعة شيعة لأنهم خلقوا من شعاع أنوارنا )( اللهم إن شيعتنا خلقت من شعاع أنوارنا ، بحارالأنوار 53/302) ولا ريب أن الأثر والشعاع إنما يكون بعد تمام المنير في جميع مراتبهم الذاتية في تنزلاته إذ الشيء قبل أن يتم كينونته لا يمكن أن يكون مصدورا ممتنا للشيء الآخر بالضرورة ولما كانت مراتب التنزلات كما برهنا عليه في سائر مصفاتنا وأجوبتنا للمسائل انتهت غلى عالم الجسم وهو الرتبة السادسة التي بها تمام الشيء فيكون النور المتشعشع المشرق على جميع قوابل جميع الكائنات وذرات الموجودات من فاضل نوره أس نور الجسم وهو الرجل الترابي فلجسمه الشريف هيمنة واستقلال بالنسبة غلى جميع ما سواهم وهذا الاستقلال عين الاضمحلال كما فسرنا لك وفسر لك الرجل بأنه من الطين وإلى الطين وإنه هو الطين "
وهو كلام إما أن الرجل جاهل به وإما إنه يريد إضلال الناس فمعنى خلق الموجودات من الحقيقة المحمدية وهى النور والشعاع أنه لا يوجد كفرة ولا يوجد أعداء للشيعة لأن الكل خلق من نفس النور
ثم قال :
"وأي خضوع أعظم من ذلك ولكنه مع هذا الاستقلال له هيمنة واستقلال واستعلاء على كافة الموجودات من الكروبيين والأنبياء والمرسلين وجميع المخلوقين فهو وإن قال أنا من الطين و إلى الطين بالنسبة إلى أبي تراب ولكنه بالنسبة إلى غيره قال ويقول أنا أنا يعني المتفرد المستقل وكلما سواه جعلني الله سببا لإمدادهم وإفاضتهم فأنا بالنسبة إلى الغير أنا "
وهنا يعتبر الرشتى على أفضل من الملائكة والرسل حتى محمد (ص) لهيمنتهخ عليهم ولا ندرى أين الهيمنة والعلو عليهم وهو ما يتناقض مع ما ذكره الرشتى فى أول الكتاب من كون محمد(ص) وعلى أخوين لا يعلو أحد منه على الأخر ثم قال:

"وبالنسبة إلى أمير المؤمنين وحقيقة طين وتراب فافهم الفرق واعرف الصدق وتفهم المقال وعلى من يفهم الكلام السلام وإنما قال انا أنا مرتين لأن الموجودات لا تخلوا من مقامين مقام التبوع ومقام الأصول ومقام الفروع ومقام المبدأ ومقام المشتق ومقام الإجمال ومقام التفصيل ومقام الغيب ومقام الشهادة ومقام العلة ومقام المعلول ومقام المنير ومقام النور ومقام الكلمة ومقام الدلالة ومقام الظاهر ومقام الظاهر ومقام التعيين ومقام اللاتعيين ومقام المقدمات ومقام النتيجة ومقام الوحدة ومقام الكثرة ومقام العالي ومقام السافل ومقام اللفظ ومقام المعنى ومقام الألف ومقام الحروف ومقام الحركة ومقام الآثار وبالجملة فجميع الموجودات لا تخلوا من هذين القسمين وهذا الرجل الترابي أبو البشر الجسماني الجسداني هو المستقل المتفرد في هذه المراتب كلها فهو الذي يقول أنا أنا في مقام المتبوع ويقول أنا أنا في مقام التابع ويقول أنا أنا في مقام الأصول ويقول أنا أنا في مقام المبدأ ويقول أنا أنا في مقام المشتق ويقول أنا أنا في مقام المنير ويقول أنا أنا في مقام النور وهكذا سائر المقامات التي لا تخلوا من المقامين والكل إليه مستند وبه معتد وعنه يستند فهو عاد العدل ومنتهى المدد فهو لا غيره وهو الذي ورد أنه دابة الأرض و الذي ورد أنه أمير المؤمنين فالمراد أنه إياها من حيث ظهوره في عالم الأجسام وتلبسه لباس النقش والأرسام وإلا فهو في رتبة ذاته برأ المعاني عن صفات الجواهر يحل عن الأعراض والأين و المتى ويكبر عن تشبيهه بالعناصر فاستناد الكائنات وحقائق الذوات إلى مقام جسمه وشخص رسمه وجسمه بنوره جعله الله تعالى سببا للإفاضة والإمداد والاستمداد وقوله في زيارة آل ياسين هذا شيء منا ألا وأنتم له السبب يراد بهذه المسبب في مقام الجسم لا حقيقة ولكنه ليس ذلك هو الجسم الظاهر بمدلول قوله تعالى ((و للبسنا عليهم ما يلبسون)) وقوله تعالى ((أنا بشر مثلكم يوحى إلي)) وقوله تعالى (لقد جاءكم رسول من أنفسكم))"
والغريب أن الرشتى يقول إن للموجودات مقامين فقط بقوله " لأن الموجودات لا تخلوا من مقامين" ةيعود فيذكر أكثر من عشرات مقامات فى الفقرة السابقة
ونلاحظ الجنون وهو وصف على بوصف الله فيقول فى الفقرة السابقة" وإلا فهو في رتبة ذاته برأ المعاني عن صفات الجواهر يحل عن الأعراض والأين و المتى ويكبر عن تشبيهه بالعناصر" ومع كونه الله فى الكلام السابق وهو ليس الله قطعا يعود الرشتى لوصفه بالجسمى وأنه يستمد كل قواه من الله فيقول فى الفقرة السابقة" فاستناد الكائنات وحقائق الذوات إلى مقام جسمه وشخص رسمه وجسمه بنوره جعله الله تعالى سببا للإفاضة والإمداد والاستمداد"
ويعود فى نفس الفقرة لنفى الجسمية عن على بقوله" ولكنه ليس ذلك هو الجسم الظاهر والأغرب فى الفقرة التالية أنه يعتبر على والأئمة مخلوقين ولكن بصورة أخرى فيقول:
"بل المراد به هو الجسم الذي أشار إليه مولانا السجاد بقوله (( ولو ظهرنا للناس بالصورة التي خلقنا الله عليها ما رآنا أحد إلا وقد مات ))"
ويقول:
" كيف لا وقد روي عن الصادق على ما في الصافي وكز دقائق وبصائر الدرجات وغيرها من الكسب المعترة إن الذي تجلى لموسى على نبينا و فخر موسى صعقا واندك الجبل وهلك بنوا إسرائيل رجل من الكروبيين أمره الله سبحانه أن يتجلى لموسى إظهار الكمال قدرته سبحانه بمقدار سم الإبرة من نور ذلك الرجل وهو ملك من الكروبيين والملائكة خدامهم فما ظنك بهم لو ظهروا بصورتهم الأصلية إذن والله هلكوا وقد ورد أن الحورية لو علقت شعرة فيها بين السماء والأرض لماتت أهل السماوات والأرض من حسنها وطيبها وورد أن المؤمن جالس على سريره في الجنة فإذا بنور عظيم قد اشرق عليه فمن أعظم ذلك النور ظن أن الجبار قد تجلى له فرفع رأسه ونظر فإذا الحورية أشرقت على بصره وسريره فلما نظرت إليه تبسمت وهذا النور هو المشرق من ثناياها فإذا كانت ثنايا الحور هذا صفة نوره فما ظنك بسائر جسده والجنة بحورها وقصورها كافة خلقت من نور الحسين فما ظنك بنوره لو ظهر فتبن لك مما بينا أن الذي ظهر حجاب قد احتجبوا الرعية حتى يتمكنوا من رأيتهم وينظرون إليهم من وراء الحجاب وأما جسمهم الحقيقي الذي مقام ترابهم فهو الذي بإشراق نوره تذوتت الموجودات وتحققت الكائنات وبذلك النور الظاهر من هيكل ذلك الرجل فتح الله الوجود وبه يختم فافهم .المراد وكن من أهل السداد لتهدى إلى سبيل الرشاد فذلك الرجل الترابي هو الذي يقول أنا أنا وأنا أنا وأنا أنا وأنا أنا وهكذا إلى ما لا نهاية له بتعبير استقلاله وتجوهره بالنسبة إلى الكائنات وحقائق الموجودات وما يلحقها من الأعراض والشرعيات فما أبان الرجل الطيني والهيكل الترابي بما جعله الله له من الحيثية والاستقلال والاستغلاء على سائر الذرات"
والرشتى هنا يقول أن من تجلى للجبل هو ملك من حملة العرش وهو ما يناقض قوله " فلنا تجلى ربه للجبل" والتجلى أساسا ليسوا ظهور الله وإنما أمر صدر من الله لأنه خارج الكون وهو المكان
ونلاحظ نور الحوريات المزعوم المستمد من مخلوق هو الحسين وهو رجل ميت لا يقدر على شىء هو وعلى وغيرهم من الموتى ولو كانوا يقدرون على شىء لمنعوا العذاب والقتل عن أنفسهم ولنصروا شيعتهم دون حاجة لسلاح أو حرب ولكنها النفوس التى ضلت وأضلن
ثم قال الرشتى:
"وعبر عن ذلك بالضمير المفصل أراد إيضاح الأمر وتبينه مع مزيد فائدته قد مرت وأشار إليها في مطاوي جوابه حيث كان الجواب لبيان الغير وتعلمه كما سئل أمير المؤمنين رسول الله (ص)عن أحوال الملائكة وفضل الأنبياء عليهم وهكذا سائر سؤولات الأئمة ولأنهم أعلم من السؤول من أنفسهم بتلك المسألة ولو كان السؤال لهم كان قبيحا ولولا للمصلحة لظهور الجواب في هذا المقام من نفس الرجل حسب ما أشار إليه أجاب بل وقف وجهد وسكن وأعرف بالفجر كما فعل سلمان لما قال أمير المؤمنين إلى أن قال يا محنة أيوب فلما سأله أمير المؤمنين قال أو تدري ما محنة أيوب قال لا أدري وهذا الرجل أفضل من سلمان بل من جميع الأنبياء وأعرف وأعلم منهم فكيف يتصدى بالجواب لكن لما كانت المصلحة في جوابه بلسانه خاصة لمصلحة تقمت الإشارة إليه الباب ثم أراد الإيضاح في الأمر والشف عن قوله أنا وأنا أنا وأنا فقال أنا ذات الذوات والذات في الذوات للذات يعني الذوات والحقائق وإن تأصلت وتحققت والجواهر إن تجوهرت إلا أن تحققها تجوهرها بي فأنا الذات التي قالت تلك الذوات والجواهري فأنا ذات لها فهي بالنسبة إلى العراض وإن كانت ذواتا وجواهر وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله في مدحه :
يا جوهرا أقام الوجود به والناس بعدك كلهم عرض
وهذا العرض القائم ليس قيامه عروضيا كالألوان للأجسام بل القيام صدوري كقيام الأشعة بالمنير والأنوار بالشمس والصور بالمرايا بالشاخص الخارجي فلما بين الرجل أنه الذات لتلك الحقائق وإنها قائمة بها أراد أن بين أن هذا القيام أي قيام الأشياء به وتقويمه إياها ليس باستقلال من نفسه ولا مشاركة مع ربه ولا تفويض يوجب الاعتزال بل هو ملك وعبد للذات الحق سبحانه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وهو سبحاه القائم على كل نفس بما كسبت ولكن هذه الذات جعلها الله سبحانه سببا لقيام الأشياء وتحققها وفي الزيارة (فما شي ء منا إلا و أنتم له السبب بحارالأنوار 99/92 ) كما أن الماء والتراب سبب الزرع والله سبحانه هو الزارع فنفا عن نفسه الاستقلال وأثبت أنها ملك للغير وحقيقتها الطين ومرجعها الطين ومع ذلك مصدر هذه الأفعال العجيبة والآثار الغريبة وأول جواهر العلل فلا يتوهمن متوهم أنه مستقل في إظهار هذه الأفعال والآثار أوله شراكه مع الله تعالى أو أن الله سبحانه فوض إليه الأمر بل هو السبب الأعظم بالإفاضة والإمداد والإعطاء والله سبحانه هو الذي يجري فعله بالأسباب حتى اشتهر عند جميع الناس من العوام والخواص ((أن الله أبى أن يجري الأشياء إلا بأسبابها )) وذلك الشيء معلوم قال قال عرفت فقلت نعم قال فامسك وهذا القول من الرجل لأمير المؤمنين مع كماله ومعرفته وعلمه بأنه أعلم بنفسه من نفسه فضلا عما يتعلق بغيره كان من باب إياك أعني واسمعي يا جارة فالمقصود الرعية الغير المطلعين كما أن الله سبحانه بعد أن رفض بالقرآن قصة نوح وسائر الأنبياء قال ((كلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك)) وهو (ص)كان ثابت الفؤاد قبل أن يخلق آدم لأنه ق كان نبيا وآدم بين الماء والطين وذلك أيضا يراد به قومه فإن خاطبه بنفسه ق وكذلك قوله تعالى ((ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر))
وأي ذنب كان لرسول الله وبالجملة فقد قال الصادق القرآن من باب إياك أعني واسمعي يا جارة (نزل القرآن بإياك أعني و اسمعي يا جارة الكافي 2/630) وكذلك قول الرجل لأمير المؤمنين عرفت فإنه يريد به قومه وشيعته وذلك ظاهر معلوم ثم إن أجاب عن شيعته قال نعم كما أجاب رسول الله ق غرامته لما عرض عليه التكليف وأجاب (ص) قال تعالى ((آمن الرسول بما أنزل إليه )) ثم إنه ق أجاب غرامته كما أخبر الله عنه وقال ((و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه)) ، وكذلك في المقام أجاب أمير المؤمنين غرامته فقال نعم ثم أومى أمته ورعيته وشيعته بالامساك وحفظ السر وعدم إذاعته مادامت الدولة للفاسقين فقال أمسك من باب إياك أعني واسمعي يا جارة فافهم الكلام ولو أردنا شرح جميع ما أعرف من المعاينة لاقتضى مجلدا كبيرا وأنا في شغل عن ذلك"
ونجد الرشتى هنا ينفى عن على كل ما قاله سابقا من أوصافا الألوهية وأنه المفوض عن الله بقوله " أراد أن بين أن هذا القيام أي قيام الأشياء به وتقويمه إياها ليس باستقلال من نفسه ولا مشاركة مع ربه ولا تفويض يوجب الاعتزال بل هو ملك وعبد للذات الحق سبحانه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا"

الاثنين، 2 أغسطس 2021

قراءة فى كتاب حكم تنفيذ القصاص والإعدام بالوسائل الحديثة

قراءة فى كتاب حكم تنفيذ القصاص والإعدام بالوسائل الحديثة في الفقه الإسلامي
مؤلف الكتاب حمزة عبد الكريم حماد وهو يدور حول حكم الإسلام فى طرق القتل التى يظن أنها مستحدثة وفى هذا قال حماد :
"تمهيد:
إن الإسلام جاء لإيجاد مجتمع فاضل تختفي فيه الرذائل، وتظهر فيه الفضائل، ولا يمكن أن تختفي الرذائل إلا إذا كان ثمة زواجر تحمي المجتمع وتنقي جوهره وقد عرض القرآن الكريم لجرائم مخصوصة لما لها من أثر سيئ في النظام العام؛ لذا فقد فرض لها عقوبات معينة تقلل من وقوعها وهذه الجرائم ترجع إلى الجناية على النفس والمال والعرض والنسب والعقل والدين والنظام العام،فالجناية على النفس تكون بالقتل أو إتلاف عضو منها وعلى المال تكون بالسرقة وعلى العرض تكون بالقذف وعلى النسب تكون بالزنا وعلى العقل تكون بشرب المسكر وعلى الدين تكون بالردة وعلى النظام العام تكون بقطع الطريق والإفساد في الأرض وقد وضعت الشريعة الإسلامية عقوباتها بناء على طبيعة الإنسان، ففي طبيعة الإنسان أن يخشى ويرجو، وطبيعة الإنسان تلازمه في الخير والشر، في الأعمال المباحة والمحرمة فلا يرتكب الجريمة إلا لما ينتظره منها من منفعة، ولا ينتهي عن الجريمة إلا لما يخشاه من مضارها، فكلما اشتدت العقوبة؛ كلما ابتعد الناس عن الجريمة، وكلما خفت الجريمة؛ كلما زاد إقبال الناس عليها، ومن هذه الجرائم الخطرة جريمة القتل؛ فكان العقوبة مشددة فيها؛ لأنها تمس كيان الأمة ونظامها، فالتساهل فيها يؤدي إلى أسوأ النتائج، والتشدد فيها يؤدي إلى قلة وقوعها لذا جاءت فكرة هذا البحث من دراسة مسألة من مسائل القصاص ألا وهي: وبالتحديد كيفية تنفيذ القصاص والإعدام في ظل المعطيات الحديثة"
استهل الباحث الكتاب بموقف الفقه من عملية القتل بالطرق المختلفة وبين اختلاف الفقهاء فى كيفية قتل القاتل فقال :
"المسألة الأولى:
موقف الفقه الإسلامي:
عند البحث في كتب الفقهاء، نجد أنها تناولت هذه القضية تحت عنوان: هل يكون القصاص بالسيف أم بغيره؟
سبب الاختلاف:
يعود سبب الاختلاف في هذه المسألة إلى التعارض الظاهري في الأحاديث التي استدل بها كل فريق
آراء الفقهاء:
انقسمت آراء الفقهاء في هذه المسألة إلى رأيين:
1- الرأي الأول:
لا يستوفي القصاص إلا بالسيف وذهب إلى هذا: الحنفية، ورواية عند الحنابلة
2- الرأي الثاني:
يفعل بالجاني بمثل ما فعل بالمجني عليه، إلا إذا كان الفعل محرما في نفسه ففيه أقوال وذهب إلى هذا المالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة، والظاهرية"
المسألة فى القرآن واضحة فالمطلوب هو القصاص والقصاص هو تطبيق لقوله تعالى "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به"
وتحدث الباحث عن أدلة الرأيين والعجيب أنه قال الأدلة كلها من الروايات وفى هذا قال :
"المسألة الثانية:
أدلة الرأي الأول ومناقشتها:
أدلة الرأي الأول:
استدل الفريق القائل "لا قصاص إلا بالسيف" بجملة أدلة، من أبرزها:
قوله صلى الله عليه وسلم: "لا قود إلا بالسيف"
وجه الدلالة في الحديث:
إن الحديث نص على نفي استيفاء القود – أي: القصاص- بغير السيف، وتجدر الإشارة هنا إلى كلام الإمام الطحاوي إذ يقول في شرحه لهذا الحديث:"دل الحديث أن القود لكل قتيل ما كان لا يكون إلا بالسيف"، وقال الإمام السندي :"لا يجب القصاص إذا كان قتلا إلا بالسيف"
قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته"
وجه الدلالة في الحديث:
إن النبي (ص) أمر بالإحسان في القتل، ولا يكون هذا إلا بالسيف، ولذلك كان عليه السلام يأمر من أراد ضرب عنقه أن يضرب بالسيف حتى اشتهر ذلك بين أصحابه، ثم إن الإحسان بالذبح مطلوب للحيوان، ففي حق الإنسان من باب أولى
نهى النبي (ص)عن المثلة، وذلك في قوله: "لا تمثلوا"
وجه الدلالة في الحديث:
إذا قتل المجني عليه بغير السيف، فلا يقتص من الجاني بمثل ما فعل(أي: لا يقتص من الجاني بمثل الفعل والطريقة التي قتل بها المجني عليه وذلك تطبيقا للحديث وهو النهي عن المثلة؛ ولأن في ذلك زياد تعذيب
مناقشة أدلة الرأي الأول:
بعد أن عرضت جملة من الأدلة التي استدل بها الفريق الأول، ننتقل إلى مناقشة هذه الأدلة
الحديث الأول "لا قود إلا بالسيف"، الرد: حديث ضعيف لا تقوم به قوة على الاستدلال به، حيث قال ابن حزم فيه: "حديث مرسل، ولا يحل الأخذ بالمرسل"، وقال عنه الإمام البيهقي: "لم يثبت فيه إسناد"وقد وقف الباحث على جملة من أقوال المعاصرين حول هذا الحديث ، وهم: محمد ناصر الدين الألباني إذ يحكم في كتابه ضعيف سنن ابن ماجه على رواية النعمان بن بشير لهذا الحديث بأنه-أي الحديث-: ضعيف جدا، ويحكم على رواية أبي بكرة بأنه-أي الحديث-: ضعيف، ووجد الباحث كذلك أن الألباني في كتابه إرواء الغليل يحكم على الحديث بالضعف أيضا،إضافة إلى ذلك فإن مجدي الشورى في تخريجه للسنن الدارقطني قد قال في هذا الحديث: إسناده ضعيف جدا وقد يجاب عليهم في ذلك: إن الحديث ورد من عدة طرق يقوي بعضها بعضا، لكن الباحث تتبع أقوال المحققين حول هذا الحديث ، ومنها: ما ذكره بشار معروف في تحقيقه لسنن ابن ماجه بعد أن تتبع الحديث فقال:"إسناده ضعيف"، وكذلك قال عنه محمد ضياء الرحمن الأعظمي في كتابه المنة الكبرى بعد أن جمع طرق الحديث ورواياته:"صح قول المؤلف-أي الإمام البيهقي- لم يثبت في إسناد"
حديث الإحسان رد عليه الإمام ابن حزم بـ: إن غاية الإحسان في تنفيذ القتل هو: أن يقتل الجاني بمثل ما قتل به، وهذا قمة العدل والإنصاف، لكن الباحث يرى أن ما ذكره ابن حزم أحد أنواع الإحسان فهو على سبيل التمثيل لا الحصر هذا أولا، وثانيا، يرى الباحث أن هذا الرد غير دقيق ؛ لأن مرتبة الإحسان فوق مرتبة العدل، إضافة إلى ذلك فإن الحديث-كما وضح الإمام ابن رجب- يدل بصريح نصه على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه
أما حديث النهي عن المثلة: فيرد عليه من وجهين: الأول: إن النهي في هذا الحديث محمول على من وجب قتله من غير مكافأة(أي: من غير معاقبته بمثل ما فعل) الثاني: إن المثلة لا تكون في الذي أوجبه الله تبارك وتعالى علينا، فرجم الزاني المحصن ليس بمثلة؛ ذلك لأن الله عز وجل أمر بذلك"
أثبت الباحث عدم صحة الروايات الوارد فى الرأى سندا كما أنها تتعارض مع القرآن فى المثلية فى قوله تعالى :
"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم"
وتتنافى مع تعدد طرق القتل فى حد الحرابة حيث القتل العادى ذبحا والقتل صلبا بتقطيع اليد والرجل والنفى من الأرض وهو الإغراق فى الماء وفى هذا قال تعالى :
"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم أو أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم"
وناقش الباحث أدلة الرأى الثانى فقال :
"المسألة الثالثة:
أدلة الرأي الثاني ومناقشتها:
استدل القائلون بالقول الثاني بجملة أدلة، منها:
النصوص القرآنية الدالة على وجوب المماثلة في الجزاء والعقاب، منها قوله تعالى: "إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" أصل العقاب في اللغة: المجازاة على الفعل، فالفعل ابتداء ليس عقابا،وإنما سماه الله عقابا على طريق المشاكلة فهذه الآية تدل على المماثلة في القصاص، وعلى وجوب المثل
قوله تبارك وتعالى: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"
وجه الدلالة في الآية الكريمة:
إن القصاص مأخوذ من قص الأثر، أي: اتباعه، فصار المعنى أن يتبع الجارح والقاتل فيفعل به مثل ما فعل بالمقتول، فالقصاص يستلزم المماثلة، أي: المماثلة في الجزاء والعقاب
حديث الجارية: فقد ورد أن جارية خرجت بالمدينة، فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى النبي (ص)وبها رمق، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فأعاد عليها، وقال: فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: فلان قتلك؟ فخفضت رأسها، فدعا به رسول الله (ص)فقتله بين حجرين"
وجه الدلالة في الحديث:
إن النبي (ص)قتل اليهودي قصاصا بمثل ما قتل به الجارية
قوله صلى الله عليه وسلم: "من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه"
وجه الدلالة في الحديث:
تصريح النبي (ص)أن القاتل يقتص منه بالطريقة التي قتل بها المجني عليه، حتى الإحراق والإغراق يقتص من القاتل بنفس الطريقة
الاستدلال العقلي:
قتل الجاني بمثل ما قتل به هو تحقيق لمعنى المماثلة والمساواة في القصاص
مناقشة أدلة الرأي الثاني:
إن الآية: "إن عاقبتم فعاقبوا" غير صالحة للاستدلال هنا، حيث إنها وردت في مقتل حمزة بن عبد المطلب ، حيث قال رسول الله (ص): "لئن ظفرت بهم، لأمثلن بسبعين رجلا منهم" فنزلت الآية
أما الآية: "ولكم في القصاص…"
يرد عليهم بـ:
إن المماثلة متحققة في إتلاف نفس الجاني مثل ما أتلف نفس المجني عليه، وعند ذلك نحقق معنى المماثلة
أما حديث الجارية:
فيرد عليهم بـيحتمل أن يكون مشروعا ثم نسخ
أو أن يكون اليهودي سعى في الأرض فسادا؛ فيقتل، إن رأى الإمام في قتله مصلحة ويستدرك الباحث على هذا الرد بكونه مجرد احتمال فقط لا يستند إلى دليل
حديث: "من حرق حرقناه…"
يرد عليه بـ:
لا تقوم بهذا الحديث حجة؛ لأنه حديث ضعيف، ووجه ضعفه كما بينه الإمام ابن حجر أن في إسناده بعض من يجهل
يرد على الاستدلال العقلي بـ:
لا نسلم لكم بوجود المساواة؛ لأن قتل الجاني بمثل ما قتل به لا يخلو من زيادة فامتنعت المساواة
مسألة: إذا كان القتل بفعل محرم ، فكيف يكون القصاص عند أصحاب هذا القول(القائلين بالمماثلة)؟
صورة المسألة: إذا مات إنسان من جراء فعل محرم كمن جرع خمرا من قبل رجل آخر ومات الأول، أو كمن مات من جراء السحر
حكم المسألة: اختلفت الآراء في هذه المسألة على النحو الآتي:
عند الشافعية: إذا قتله بسحر، يقتص منه بالسيف؛ لأن السحر حرام
إذا قتله بتجرع الخمر فالصحيح عندهم أنه يقتل بالسيف، ورأى عندهم أنه يسقى مائعا مباح كخل مثلا
عند المالكية: يستوفى القصاص بالسيف"
هذا الرأى هو حكم الله ولا مجال لتضعيف آيات القرآن فى حال تم تضعيف الروايات ومن ثم لا قيمة لكل تلك المناقشات التى تعتبر تكذيبا لآيات الله نفسها
والمتحدثين عن المجرم وألمه نسوا ألم الضحية والألم شىء لا يمكن قياسه ولا ضبطه ولكن المضبوط هو آلة القتل أو طريقته فالمطلوب هو المماثلة فيها فمن سم الضحية سم بنفس السم ومن قتل الضحية طعنا بعشر طعنات طعن عشر طعنات فقط ويترك حتى يموت ومن أسقط الضحية من فوق مرتفع أسقط من فوق نفس المرتفع
وأما حكاية القتل بشىء محرم فلا مانع من استخدام المحرم فى قتل القاتل لأنه هذا هو القصاص والمماثلة ومن اخترعوا القتل بالمحرم نسوا أن الخمر لا تقتل فى العادة والسحر أساسا لا يقتل لأنه قتال
وتحدث الباحث عن ضوابط استخدام آلات القصاص فقال :
"المسألة الرابعة:
الرأي الراجح وضوابط استخدام آلات القصاص:
الرأي الراجح:
بعد النظر في الأدلة يمكننا أن نجد طريقة للجمع بين الأدلة، من باب إعمال الدليلين أولى من إهمالهما فأقول:
إن أمكن تطبيق القصاص بنفس الطريقة التي ارتكبها الجاني نفعل ذلك
إن لم يمكننا ذلك، وهذه الحالة هي ما نعايشه اليوم، حيث إن الدولة هي التي تنفذ الحكم وليس الأفراد، وتنفيذ الحكم يقع من قبل الدولة
فيذهب الباحث إلى الانطلاق من تعليل الحنفية من الاقتصار على استخدام السيف كما قال الجصاص بـ: "إن المراد بالقصاص إتلاف نفسه -أي القاتل- بأيسر الوجوه وهو السيف" فالعلة هي إذا إيقاع القتل بأي أداة تزهق روح الجاني بأيسر ما يمكن من الألم والعذاب، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما فمتى وجدت العلة؛
نثبت بها الحكم، فإذا زالت العلة ؛ زال الحكم بزوالها و انتهى بانتهائها
، فأي وسيلة تحققت فيها العلة وهي كما ذكرنا إزهاق روح القاتل بأيسر الطرق جاز استخدامها لتنفيذ القصاص والإعدام ضمن ضوابط ينبغي مراعاتها وبناء عليه يجوز استخدام وسائل غير السيف في القصاص والإعدام ضمن ضوابط محددة ما دامت تحقق مقصود المشرع من إحسان القتل
رأي الباحث:
إن إحسان القتل قديما كان لا يحصل إلا بالسيف، فالأمر باستخدام السيف أصبح معروف العلة، وليس بأمر تعبدي، كما وضح ذلك الإمام الشوكاني إذ يقول:"إحسان القتل لا يحصل بغير ضرب العنق بالسيف كما يحصل به؛ لهذا كان (ص)يأمر بضرب عنق من أراد قتله حتى صار ذلك هو المعروف في أصحابه، فإذا رأوا رجلا يستحق القتل قال قائلهم: يا رسول الله دعني اضرب عنقه" وعليه، يرى الباحث أن التركيز لا أن بد ينصب على مبدأ الإحسان في القتل الذي قال به الحنفية مستندين بذلك إلى الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبحته" وقد وضح الأمام النووي أن هذا النص عام في كل قتل من الذبائح، والقتل قصاصا، وفي الحدود كذلك،ويمكن للباحث أن يوجه حديث :"لا قود إلا بالسيف" إذا سلمنا بصحته، بكونه مبني على عرف ذاك الزمان بحيث كان السيف وقتئذ هو أسرع طرق القتل وهو نص عام ينطبق على كل حالات القتل ومنها القصاص،وبناء على ذلك يرى الباحث أن الشريعة الإسلامية لم تعين آلة خاصة لاستيفاء القصاص، وإنما طلبت "إحسان القتلة" وإحسانها يكون بكل ما لا يحدث مثلة ولا مضاعفة ألم، وعلى ذلك يجب التنفيذ بكل آلة تحقق الإحسان على هذا الوجه، وكلما تقدمت الحياة في ابتكار وسائل حسان في القتلة على هذا الوجه وجب شرعا المصير إلى التنفيذ به وهذا ما ذهب إليه الشيخ محمود شلتوت
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه : لو اكتشف العلم الحديث أدوات جديدة للإعدام والقصاص فإن حكمها الشرعي يكون جواز استخدامها، ولا يرى الباحث ضرورة للوقوف عند استعمال السيف بل يباح استخدام أي أداة تحقق مقصود الشارع من القتل ألا وهو الإحسان في القتل إضافة إلى الضوابط الآتية:
أن تكون الوسيلة قادرة على إنهاء الحياة بسرعة دون بطئ؛ حتى لا تسبب عذابا وألما لمن وجب عليه القتل
أن لا تكون الوسيلة المستخدمة تؤدي إلى تشويه جسم الإنسان؛ وذلك للنهي عن المثلة، إضافة إلى أن ذلك تنافي تكريم الله للإنسان
المسألة الخامسة
آلات القصاص والإعدام الحديثة وربطها بالحكم الشرعي
آلات القصاص والإعدام الحديثة:
ظهر في الوقت الحاضر عدة آلات وأساليب للقصاص والإعدام، وأبرز هذه الآلات هي:
الكرسي الكهربائي
الحقنة القاتلة
المقصلة
الرمي بالرصاص
الشنق
1- الكرسي الكهربائي:
كان أول استخدام لهذه الطريقة في أمريكا في السادس عشر من آب سنة 1890م وأول من طبق عليه الموت بهذه الطريقة وليام كيملر في نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية
أما تعريف الصعق الكهربائي فهو:
تهيج يصيب الأنسجة الحية، بسبب مرور التيار الكهربائي خلال جسم الإنسان والذي يترافق مع التقلص التشنجي غير الإرادي للعضلات
ويتميز الصعق الكهربائي بـ:
رد فعل عصبي شديد، والذي يترافق بتعطل دوران الدم والتنفس
أما عن تأثيره على الجسم:
تظهر الإثارة والتهيج على عضلات الجسم والقلب والدورة الدموية والجهاز العصبي المركزي
يظهر تأثيره الحراري على هيئة حروق بسيطة أو شديدة تصيب أجزاء الجسم التي سرى فيها التيار الكهربائي
قد تحدث التواءات مفاجئة في أطراف الجسم أو أعضائه وتتكسر بعض عظامه نتيجة التقلص في العضلات التي يسري فيها التيار الكهربائي
2- الإعدام بالمواد الكيماوية:
وقوام هذه الطريقة التي تسمى بالإنجليزية Harbiturate sodium thiopnal حقن الشخص ثلاث جرعات في ذراع المحكوم عليه، وتبلغ الجرعة الأولى غرامان، أي: خمسة أضعاف جرعة التخدير التي تتطلبها العمليات الجراحية، وهي كفيلة بموت الإنسان، أما الجرعتان الثانية والثالثة، فالمقصد منها التأكيد من أن الموت قد وقع
وقوام الجرعة الثانية 100 ملغرام من مادة pancur onium bromide التي من شأنها أن تحدث الشلل الكامل في جسم المحكوم عليه فتضمن إيقاف التنفس تماما إذا لم يكن قد توقف إثر الجرعة الأولى
ثم تأتي الجرعة الثالثة والأخيرة وقوامها مادة Patassium chloride الكفيلة بإيقاف نبضات القلب نهائيا إذا لم تكن قد توقفت من قبل، وأول من أعدم بهذه الطريقة شارلي بروكس
3- المقصلة:
أصل القصل في اللغة العربية: القطع، قصل الشيء يقصله قصلا، أي: قطعه
وهي: آلة لتنفيذ حكم القصاص، وتسمى أرجوحة الموت، ذات شفرة حادة قاطعة تستخدم في الإعدام فتفصل الرأس عن الجسد
4- الرمي بالرصاص:
تتميز هذه الطريقة من وسائل التنفيذ بالسرعة والإنجاز
5- الشنق:
وهو الوسيلة الأغلب شيوعا في التنفيذ"
وما قاله الباحث أو نقله عن مضاعفة الأم وغير هذا هو كلام لا علاقة بالعلم وهو الحقيقة فلا أنا ولا هو ولا غيرنا قاس كمية ألم الضحية قبل موته بالقتل ومن ثم لا يمكن معرفة كمية ألم القاتل عند قتله
ومن ثم فالحديث هنا حديث تخريفى محض
وأما حكاية عدم تشويه جسم القاتل فضرب من الخبل فإذا كان القتل نفسه شوه جسم القتيل بالحرق أو بالطعن أو بتكسير عظامه أو غير هذا فالواجب هو فعل ما فعله القاتل نفسه فى القتيل بعض النظر عن التشويه أو غير هذا وهذا هو ما سماه الله عدم الإسراف فى القتل سواء بزيادة عدد المقتولين أو بزيادة شىء عن مماثلة فعل القتيل وفى هذا قال تعالى " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف فى القتل إنه كان منصورا"
وتحدث الباحث عن الربط بين الحكم الشرعي والآلات الحديثة فقال:
"الربط بين الحكم الشرعي والآلات الحديثة:
إذا طبقنا الضوابط على الآلات الحديثة نخرج بجواز التنفيذ ببعض الطرق الحديثة، ضمن الضوابط السابقة، ذلك أن الوسائل المستخدمة تؤدي إلى الموت بسرعة ويسر دون تعذيب للجاني، ولا يترتب عليه تمثيل بالقاتل ولا مضاعفة تعذيبه وهذا ما ذهب إليه عبد القادر عودة إذ يقول:"هل يجوز الاستيفاء بما هو أسرع من السيف؟ الأصل في اختيار السيف أداة للقصاص أنه أسرع في القتل، وأنه يزهق روح الجاني بأيسر ما يمكن من الألم والعذاب، فإذا وجدت أداة أخرى أسرع من السيف فلا مانع شرعا من استعمالها، فلا مانع من استيفاء القصاص بالمقصلة، والكرسي الكهربائي" أن مستندا بذلك إلى الفتوى الصادرة عن لجنة الفتوى في الأزهر الشريف التي جاء في نصها:"واللجنة ترى أنه لا مانع شرعا من استيفاء القصاص بالمقصلة والكرسي الكهربائي وغيرهما مما يفضي إلى الموت بسهولة وإسراع، ولا يتخلف الموت عنه عادة، ولا يترتب عليه تمثيل بالقاتل، ولا مضاعفة تعذيبه"كن الباحث يرفض جواز استخدام الكرسي الكهربائي في عملية القصاص والإعدام؛ مستندا بذلك إلى ما سبق بيانه من الآثار التي يتركها استخدام الكرسي الكهربائي من تشويه لجسم الإنسان،إضافة إلى كون استعماله ينافي حكمة التشريع ؛ لما فيها من تعذيب يتنافى استعمالها مع مقصود المشرع، والله تعالى أعلم"
وكلام عودى والقوم عن سرعة ازهاق نفس القاتل يتناسى الضحية فهل تكم إزهاق نفسها بسرعة أم لا ؟
العدل يتطلب أن تزهق نفس القاتل بطريقة إزهاق نفس الضحية وليس بسرعة لأن الغرض من القتل الذى سيراه طائفة من المؤمنين هو أن يأخذوا العظة والعبرة مما يحدث للقاتل وهذا لا يظهر إلا عبر تألمه وأما القضاء عليه بالسيف فى ثوانى أو برصاصة فى ثوانى فهذا لا يظهر ألما مع أنه الواجب فى حالة قتل الضحية بالسيف أو بالرصاص

الأحد، 1 أغسطس 2021

قراءة فى كتاب اقتراح في تدريس الفقه

قراءة فى كتاب اقتراح في تدريس الفقه
مؤلف الكتيب هو علي بن خضير الخضير وهو يدور حول موضوع نقل طريقة تدريس من علم العقيدة وهو علم الكلام إلى علم الفقه وفى هذا قال فى المدخل :
"المقدمة والمدخل :
من المعلوم أهمية التفقه في الدين وما ورد في ذلك وفي طلب العلم ،ولكن طلب العلم له أبواب للدخول إليه منها ، ويختلف إدراك الناس لهذه الأبواب بما أعطاهم الله وفاوت بينهم في ذلك وله الفضل والمنة عليهم جميعا "
وقد بين الرجل أن تدريس علم العقيدة المشهور بعلم الكلام سهل لأنه ليس فيه اختلافات إلا اختلافات قليلة جدا فقال:
"وتدريس كتب العقيدة والتوحيد من أسهل الأبواب وأقربها لأنها أبواب ثابتة معروفة ليس فيها اختلاف بل مجمع عليها ، ومن ثم فليس أمام طالب العلم إلا ضبطها وحفظها واعتقادها وما يتعلق بذلك ، فالاختلاف فيها ليس من سماتها والتنقل فيها مأمون لمن ضبط كلام السلف وليس فيها راجح ومرجوح ( إلا النزر اليسير جدا الذي لا يذكر مع أن الراجح فيه معروف مشتهر ) "
وهذا الكلام من الخضير إما أنها تعامى عن الحقيقة أو جهل بها فكتب العقيدة معظمها اختلافات إلا النذر اليسير منها والاختلافات فيها عميقة جدا
وحتى لو تحدثنا عما يسمى بعقيدة أهل السنة والجماعة عبر كلام السلف فهناك اختلافات كلامية داخل المذهب نفسه وهى ليست بالقليلة
وبناء على ما قاله الخضير نجده يصف كتب علم العقيدة بالثبات فقال :
"هذا القدر والمسلك في كتب العقيدة تجعل الإنسان ينظر هل يمكن تطبيق ذلك في كتب الفقه وفي الأحكام الفقهية ؟ ، أقصد بذلك خاصية الثبات وعدم التغير والتنقل "
بالقطع الكتابة عن كتب التدريس فى المدارس ومعاهد العلم مختلف فالكتب التدريسية لا تذكر الخلاف إلا نادرا لأن الهدف منها تعليم الطلاب إما وجهة نظر الدولة حسب مذهبها وإما حسب وجهة نظر المؤلف وفى الحالين يذكر الموضوع وأدبته عند الدولة أو عند المؤلف ولا يذكر الخلاف لأنه ليس مطلوبا أن فى تلك الحالة أن نترك الطلاب دون توجيه وهذا التوجيه فى الغالب يكون توجيه ضال لأنه يذكر أدلته دون أدلة غيره
والخضير يقترح أن يتم فعل ذلك فى كتب الفقه فقال :
"ومن خلال تدريسنا للفقه وتعاملنا معه وتدريس غيرنا لذلك فإن الجواب فيه تفصيل ، فهناك مسائل وأحكام فقهية لها صفة الاستقرار ، وهناك مسائل وأحكام فقهية ليس لها صفة الاستقرار
وإذا عرفنا هذه من هذه وأمكن تمييز هذه من هذه ، إذا وصلنا إلى هذه المرحلة أمكن أن يكون جزء من الأحكام الفقهية لها خاصية المسائل العقدية ( صفة الاستقرار) "
ونفس ما قلته فى علم العقيدة هو ما يقال فى الفقه فالخلافات كثيرة وللأسف فإن أكثرها قائم بسبب الروايات وقبولها ورفضها
وحاول الخضير فى اقتراحه أن يقيم ما لا يستقيم هو ايجاد أرضية مشتركة ليست موجودة أساسا بين كتب الفقه المختلفة والمشترك كما سبق القول هو أن كتب التدريس التى تحص مذهب أو مذاهب دولة ما أو عالم ما يتم فيها تقديم قول أهل مذهب الدولة وأدلته وكذلك مذهب العالم دون أن تقدم وجهات نظر المذاهب أو العلماء الأخرين لأن الغرض هو توجيه الطلاب نحو شىء معين لا يهم عند الدولة أو عند العالم أن يكون خاطئا أو صحيحا واقتراج الخضير يتمثل فى قوله:
ومن خلال تجربتي في التدريس في الفقه من خلال أكثر من عشر سنوات من التدريس في المساجد وحلقات العلم ولله الحمد والمنة وله الفضل في ذلك خرجت بتجربة في ذلك ، وظهرت لي طريقة لا بأس بها وهي نافعة ومفيدة إذا يسرها الله وبارك فيها :
"وهي أن تدريس الفقه والأحكام الفقهية بالطريقة الشائعة والمتداولة غير مستقرة وتحتاج إلى ضبط تفاصيل أقوال أهل العلم وحفظها والى وجود التنقل في الراجح والمرجوح إلا من رحم الله ،أو على أقل تقدير خيل لي ذلك فهمي الضعيف
ولذا فإنني اقترح طريقة في تدريس الفقه والأحكام الفقهية من أجل أن نستفيد من الخاصية التي ذكرت من قبل في المسائل العقدية
ولكن أحب أن أنبه أن هذا الاقتراح بالدرجة الأولى وضعته لنفسي ولطلابي ورأيت أنه خيار مناسب مبني على تجربة سابقة ، وأضعه بين يدي العلماء وطلبة العلم الذين لهم دروس ويهتمون بتدريس الفقه والأحكام الفقهية لعلهم يستفيدون من ذلك إن رأوا أن فيه فائدة لهم ، وإلا فإن ما هم فيه من الخير والعمل الذي هم عليه سنين فيه خير كثير وكم تخرج عليه من العلماء والفطاحل ما الله به عليم ،
وهذا الاقتراح قائم على مرحلتين :
المرحلة الأولى :
وهي مرحلة دراسة ما هو ثابت مستقر من الأحكام الفقهية ، وهذه المرحلة أيضا متشعبة إلى شعبتين ،
أ ـ الشعبة الأولى : تدريس المبتدئ لأصول الفقه ، ويقصد بذلك أصول السلف لا أصول المتكلمين أو غيرهم التي أخذوها من عقولهم أو من طرق أخرى للمفارقين لأهل الإسلام ، والهدف من ذلك حتى يبني أحكامه الفقهية على طرق صحيحة وصراط مستقيم
وهذه المرحلة يسر الله لي أن وضعت فيها كتبا ينشر إن شاء الله بعضها ، ويمكن فيه لأي عالم أو طالب علم أن يقرر فيه ما يناسب من كتب أصول الفقه التي على مذهب السلف في ذلك لا مذهب المتكلمين أو أهل الأهواء ، أو أهل الرأي المذموم ،
ب ـ الشعبة الثانية : تدريسه للأشياء الثابتة من الأحكام الفقهية ، التي ليس فيها خلاف ويبدأ معه بذلك ،والأشياء الثابتة هي المجمع عليها التي صح نقل الإجماع فيها :
ــ من الأحكام الفقهية
ــ أو وقع الإجماع على تركها من الأحكام الفقهية وهي ما يسمى بالمنسوخ من الأحكام الفقهية
ــ أو المجمع عليه من آيات الأحكام الفقهية ، هذه الأشياء الثلاثة هي التي لها صفة الاستقرار الثبات وعدم التغير والتنقل
وفائدة هذا من أجل أن يضبط طالب العلم المسائل المجمع عليها ، لأن هذه المسائل لها صفة الثبات وعدم التغير وليست مثل مسائل الخلاف التي قد يتنقل فيها طالب العلم إن تبين له رجحان القول الآخر الذي كان مرجوحا فيما سبق ، فيكون عنده قسم من الأحكام الفقهية ثابتة ودائمة معه تمثل جزاء من علمه الفقهي
وتبقى المشكلة في هذه المرحلة وهي تحرير صحة الإجماع في هذه المسائل المدعى فيها الإجماع هل تصح دعوى الإجماع أم لا ؟ وإتقان ضوابط الإجماع ؟
وهذه المرحلة لنا فيها أصول اجتهادية لمعرفة صحة الإجماع ومدى قوته وثبوته ، ويبقى الجانب العملي في هذه المرحلة أعني ماهي الكتب التي تمثل هذه المرحلة ؟ وهل هناك كتب متيسرة في ذلك وشاملة ؟ ،
ومن المعروف أن هناك كتب تعتني بالإجماع لكن مخلوط معها غيرها ، وبعضها غير شامل بل لمسائل قليلة ، لكن لو قام من رأى هذه الطريقة بتتبع الكتب المهمة والتي هي عمدة في نقل الإجماع ثم رتبها على أبواب الفقه حسب الأبواب المعروفة لكان فعلا جللا عظيما ،
وهذا العمل نسير الآن بعمله نسأل الله أن ييسر ذلك ، وهو متداول في أيدي بعض طلابنا ويحتاج إلى جهد أكبر ،
المرحلة الثانية
وهي أسهل المراحل وآخرها ، فإذا ضبط الطالب الأصول وكيف يعرف استخراج الأحكام ؟ وكيف يعرف دفع التعارض ؟ وضبط المنسوخ المجمع عليه وآيات الأحكام المجمع عليها ،
ثم إذا عرف مواطن الإجماع الصحيح أصبح عنده ملكة في معرفة الراجح والمرجوح
وهنا في هذه المرحلة يمكن إذا استعرض أقوال أهل العلم أن يعرف الراجح منها مما يوافق الأصول أو يوافق الإجماع وعرف ما يخالف الأصول أو الإجماع مما هو اجتهاد مغفور لأهله
وفي هذه المرحلة تستوي فيها الكتب الفقهية فهي واحدة ، سواء درس فقه الإمام الفلاني أو غيره أو قرأ كتب الفقه التي تهتم بجمع أقوال أهل العلم أو كتب الفقه المقارن ، لأن الطالب لديه من الأصول ما يكفي لحمايته بإذن الله من الشذوذ أو التعصب لأحد إنما تكون ترجيحاته واحدة مهما شرح أو تناول أي كتاب من كتب الفقه التي ذكرنا سابقا ،
ويصبح خلافه مع غيره هو في إطار مسائل الخلاف التي مسموح فيها اختلاف وجهات النظر والترجيح لمن له أهلية وهو من طلبة العلم العارفين لمواطن الوفاق والخلاف
وميزة هذا الاقتراح جعل هناك أصولا ثابتة ومعروفة في الجملة لاستنباط الأحكام فيؤدي إلى تقليل هوة الخلاف ويؤدي إلى التقارب بين طلبة العلم ويخفف من فرقة المذاهب الفقهية المعروفة ،
ملاحظة : هذا الاقتراح يراعى فيه الأمور التالية :
1 ـ أنه موجه لمن كان عمره من العشرين سنة فما فوق
2 ـ أنه اقتراح ليس مرتبطا بمده أو زمن معين ، إنما مرتبط بمدى إتقان المرحلة وضبطها ، بل لا يحسن ربطه بمدة معينة لأن الربط يؤدي إلى الاستعجال ونحوه ، وإنما إذا أتقن الطالب المرحلة الأولى انتقل إلى المرحلة الثانية وهكذا ، ولذا يحسن وضع اختبار مرحلي كلما تجاوز مرحلة ،
3 ـ الاهتمام بالمراجعة الدورية لكل ما أخذ بمعدل مرة كل أسبوع تقريبا
4 ـ لابد قبل البداية أو أثناء الدراسة من حفظ ولو يسيرا من القرآن وأقل ذلك جزء المفصل
والله الموفق والهادي إلى الخير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين"
والاقتراح قطعا لم ينفذه أحد وحتى وإن ألف الخضير كتبا لتطبيقه وقد لاحظت أن الكتب الفقهية وكتب الكلام لا تهتم بإجماع ولا تهتم بتوحيد الآراء ومن ثم لا يتبقى لمن يريد الحق إلا أن يؤلف كتب التدريس بإحدى طريقتين :

الأولى أن تذكر المسألة وتذكر جميع الآراء فيها مع تقديم أدلة كل رأى والقارىء أو المستمع هو من يقرر الرأى الصحيح عنده
الثانى أن تذكر المسألة ويذكر المؤلف الرأى الصحيح عنده مع أدلته وهذا يحتاج لمؤلف نادر الوجود حيث يكون متبعا لكتاب الله وحده
وتتبقى كلمة وهى :
أن كتب المذاهب والعلماء غالبها يعتمد فى قول الحكم على غير قواعد معلومة خاصة فيما يخص أدلة الروايات فمثلا تجد مذهب معين يقبل حديثا فى مسألة ما ويرفض حديثا فى مسألة أخرى مع أن الراوى الذى رفض بسببه الحديث الثانى موجود فى الحديث الأول