الأحد، 7 مارس 2021

نقد كتاب حبس الطيور في الأقفاص

نقد كتاب حبس الطيور في الأقفاص
الكتاب من تأليف عبد الكريم الجميد وهو من أهل العصر وهو يدور حول حكم حبس الطيور في الأقفاص وفى المقدمة قال:
"أما بعد فقد علمت أنه كثر في وقتنا اقتناء بعض أصناف الطيور ، خاصة ذوات الألوان الزاهية والأصوات الحسنة حتى إنه صار لها مواضع خاصة يتاجر بها ، وأنها تستجلب من بلدان بعيدة لغرض إمتاع النظر والسمع ، فتحبس في أقفاص في البيوت ومحلات البيع ، وكأنها جمادات لا إحساس لها ولا شعور "
وفد استهل الكتاب بأن الناس فى عصرنا يستفتون وهم يريدون إباحة كل شىء حتى لو كان حراما ومن يفتونهم يساعدونهم على تحليل الحرام وفى هذا قال :
"وكعادة بعض أهل وقتنا إذا أرادوا فعل شيء مما أحدث ولم يكن له مثيل سابق فإنهم يستفتون ، وليس الشأن أن يستفتوا فيفتوا لأن هذا كثر جدا وكثر أهله لإضفاء الشرعية على كل شيء ، وإنما الشأن هل هذه الفتوى حق أم لا فالذين يفتون ويسوغون حبس الطيور ونحوها يستدلون بأدلة يغصبونها لمجارات ما أحدث في وقتنا مثل استدلالهم بحديث المرأة التي حبست هرة ، وأن العلة أن المرأة لم تطعم الهرة ولم تسقها ، وهو والله مخيف وكاف في الردع والزجر عن ظلم هذه المخلوقات والذي في هذا الحديث الشريف خبر من النبي (ص)بحادثة حاصلة ، وفي ضمنه التحذير أن يفعل أحد مثل هذا الفعل وإنه لتحذير هائل عظيم ! ، فهذه المرأة - التي حبست الهرة - مسلمة ، وإنما صار سبب دخولها النار هذا الأمر ، ومن ذا يطيق عذاب النار والعجب أن يستدل بذلك على تسويغ وتهوين حبس الطيور في الأقفاص الذي كثر وانتشر وأكثر ما يفعله المترفون الذين لم يذكرهم الله - عز وجل - في كتابه الكريم إلا بالذم ويحذر الناس أن يسلكوا مسالكهم
وليس في هذا الحديث مستمسك لهؤلاء ، ولكنه خبر خرج مخرج التحذير من التعرض للظلم ولما يوصل إلى العذاب الأليم
ومعناه أن المرأة أساءت إلى هرة وظلمتها بحبسها ، وزادت في شرها وعدوانها أنها لم تطعمها وتسقها ، فاستدلالهم باعتبار أنها لو أطعمتها وسقتها فليس في ذلك شيء ؛ وهذا غلط ظاهر ، فالمنهي عنه هو الظلم حتى لهذه المخلوقات المحتقرة ، وهذا خلاف الصائل فإنه يقتل سواء القطط أو غيرها ولا يعذب ، وعند أهل العلم قاعدة شرعية تبين ذلك وهي ( ما آذى طبعا قتل شرعا ) ، وليس هذا هو موضوعنا "

وفى الفقرة السابقة تناول رواية الهرة وأنها لا تصلح لتحليل حبس الطيور فى الأقفاص وزاد فقال:
"فقصة الحديث لا تصلح إطلاقا كدليل يسوغ ظلم المخلوقات الحية ، بل قصته أعظم رادع وزاجر ومحذر من الظلم ؛ ومن ظلم المخلوقات ما يفعله البعض من حبس الطيور في الأقفاص وإذا كانت العلة على رأي المسوغين حبس الطيور أن المرأة لم تطعم الهرة ولم تسقها ، فهل إذا حبس إنسان ظلما وأطعم وسقي يكون ذلك غير ظلم له ؟! ، بل هو ظلم ؛ وإنما منعه الطعام والشراب زيادة في الظلم والعدوان فإن قيل ( هذا صحيح بالنسبة للإنسان ، ولكن هذه الطيور ونحوها ليست كالإنسان ) ، فيقال حبسها ظلم لها لأنها لم تخلق ليضيق عليها ، ولا ريب أنها تتألم بذلك الحبس ، وغاية ما هناك أننا لا نفقه لغاتها ، ولاشتراك الناس في العلم أن حبس الطائر في القفص عذاب له فهم يقولون " المؤمن عند الذكر والموعظة كالسمك في الماء ، والفاسق كالطائر في القفص "
وما يدري حابسها أن أصواتها التي يتلذذ بسماعها حنين وبث شكوى لخالقها ، ولقد وسع الله لها الفضاء وأعطاها أجنحة تطير بها فيه كما أعطاك قدمين تسير بهما على الأرض وأنت من أجل هواك تضيق عليها وتظن أنها تغني لكي تطربك ! ؛ فالقياس إذن على حديث المرأة والهرة فاسد من الأصل ، ولكن كثيرون في وقتنا زادوا على ما قاله الإمام أحمد ( أكثر ما يخطيء الناس من جهة التأويل والقياس ) ، فيؤولون ويقيسون دون تحقيق ! ، فهم يلتمسون من الشريعة على ما أحدثوا ما لا يطاوعهم إلا قسرا وغصبا وبالعكس فالحديث زاجر ورادع لمن يعقل أن يقترب من مثل هذا الفعل فلو قال ( أنا أحبس الطيور وأطعمها وأسقيها ) فقد تبين أن العلة ليست فقط في عدم ذلك ، وإنما هي في الظلم أيضا ، وإذا كان هذا الوعيد المتحقق في شأن هرة فكيف بمن يظلم الناس ؟!
ويقال أيضا لهذا أنت تنشغل وتنسى ويعرض لك ما يعرض مما يشغلك عن تعاهدها ، ولا مصلحة بجانب هذه المفسدة وقد حصل من موت الطيور ونحوها لهذه الأسباب الكثير ، ومن شاء فليسأل أربابها
فالمفسدة كبيرة بالحبس وحده مقابل لا مصلحة لأنه إذا كان التسلي بإيلام هذه المخلوقات مصلحة فهذه لاشك أمزجة منحرفة "

مما سبق فند الرجل المسألة بالقياس على رواية الهرة وأنها لا تصلح فى الطيور ثم بين أن المطلوب هو رحمة الحيوان أيان وأن حبسه ليس من ضمن تلك الرحمة فقال:
" والمؤمن مطالب بالرحمة والإحسان ومنهي عن التجبر والظلم ، وعلى العاقل أن يفكر في شأن حابسة الهرة وساقية الكلب وقد أخرج البخاري في « صحيحه » برقم ( 2234 ) ومسلم برقم ( 2244 ) عن أبي هريرة أن رسول الله (ص)قال ( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج ، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل " لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني " ، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب ، فشكر الله له فغفر له ) ، قالوا يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجرا ؟! ؛ فقال (ص) ( في كل كبد رطبة أجر ) فالبغي غفر لها بسقي كلب ، وصاحبة الهرة دخلت النار بحبسها وظلمها ! وبعض الناس قد يكون غافلا عن ذلك فالحكمة ضالة المؤمن ويستدل بعض من يهون حبس هذه الطيور بما ورد في شأن الزينة مثل قوله تعالى { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } الآية
والآية مناسبة نزولها كما روى ابن عباس { حيث قال ( كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول من تعيرني تطوافا ؟ ، فتجعله على فرجها وتقول
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
فنزلت { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } ) ؛ وفي رواية أخرى ( فنزلت { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق }
وقد رأيت من تحميل المتأخرين لهذه الآية عجبا حيث يستدلون بها على ما فتح عليهم من التشبه بالكفار وغيره ولا يريدون أن يعترض طريقهم أحد ! ، وانظر كيف يستدلون الآن بالآية على عذاب مخلوقات الله"

قطعا آية الزينة لم تنزل فى طواف المرأة عارية فى الكعبة فهذا امر محال حدوثه لأن الله ينزل العذاب الأليم على من يقرر أى يرد فقط ارتكاب ذنب وليس من يفعله فى الكعبة لأنه يهلك قبل الفعل كما قال تعالى " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم"
وإنما الزينة هنا متاع الدنيا الحلال من الطعام والشراب وهو ما فسره الله به وهو الطيبات من الرزق
والزينة فى الآية الثانية لا تعنى الجسم ولا اللباس وإنما تعنى طاعة الله فى كل أمر فهذه زينة المسلم
ثم حدثنا عن استدلال المحللين للحبس بآية الركوبات فقال:
"كذلك يستدلون في شأن الزينة بقول الله تعالى { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون } الآية ، وهذا تحميل لهذه الآية ما لا تحتمل ، والزينة إذا كان فيها ضرر لمخلوق فهي ظلم ، وقد تبين الضرر بحبس الطيور في الأقفاص ، وأما هذه الزينة التي ذكر الله - عز وجل - فليست على حساب التضييق على هذه المخلوقات ، وزينة الطيور بألوانها وأصواتها ليست لتعذب بها بالحبس "
الاية لا علاقة لها بموضوع الحبس فهذه المخلوقات خلقت لزينة أى منفعة أخرى غير ركوب الناس وهى حمل أثقال الناي للبلاد الأخرى فالزينة المرادة عند الناس وهى الجمال والاستمتاع بالمنظر لا علاقة لها بهذا الموضوع فالجمال عند الله هو المنقعة وليس المنظر كما قال تعالى " ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون" فالمنفعة من الركويات متحققة عند الراحة وهى عدم السفر بالركوب عليها داخل البلدةلقضاء مناقع فى الزرع والحرث والحمل وعند السروح وهو السفر بها إما ركوبا أو حملا
وبين الجميد حب الإنسان للجمال فقال:
"كذلك كون الإنسان يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ، فهذه لا مفسدة فيها ، ولذلك يقول النبي (ص) ( إن الله جميل يحب الجمال ) ، فالجمال الذي يحبه الله ما ليس فيه إسراف ولا مخيلة ولا ضرر فيه على مخلوق وزينة الحياة الدنيا مذمومة ، ولذلك يقول سبحانه { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب } ، وفاعل التزيين في قوله تعالى { زين للناس } محذوف وهو الشيطان ، وما زين لهم تلك الشهوات إلا ليغتروا بها ويستدرجوا بزينتها ؛ وتأمل آخر الآية { والله عنده حسن المآب } وقوله سبحانه بعد ذلك { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد } "
والخطأ فى الفقرة هو أن زينة الدنيا مذمومة والمذموم هو فهل الإنسان الممثل فى ارتكاب الذنوب وأما المتاع فهو حلال أو حرام كما بين الله طرق التعامل فيه
وبين الجميد أن الاستدلال بالزينة على حبس الطيور أمر فاسد فقال:
"فالاستدلال بما ورد من شأن الزينة على جواز حبس الطيور استدلال باطل لأن الضابط لذلك عدم الإضرار بالغير ، وليس عدم الإضرار فقط محصور في منع الأكل والشرب ، بل نفس الحبس إضرار ؛ وقد تبين ومن العجب أن يأتي من يسوغ حبس الطيور في الأقفاص بقصد الزينة مستدلا بما رواه مكحول عن عائشة يريدهم وفي الدار ركوة فيها ماء فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته فقلت يا رسول الله وأنت تفعل هذا ، قال ( إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليهيء من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال ) انتهى ، فأي مضرة في هذا ؟! ، وهل فيه ما يجيز حبس الطيور للزينة وقد تبين أنه مضر بها وظلم لها ؟!ط

قطعا لا علاقة لموضوع الحبس بموضوع الرواية
كما بين الجميد أنهم يستدلون على إباحة الحبس بفعل الطقل مع العصفور فقال :
" كذلك يستدل المجيزون لحبس الطيور بقول النبي (ص)لأخ أنس بن مالك ( يا أبا عمير ما فعل النغير ؟! ) ، وهذا ليس فيه ما يسوغ حبس هذه المخلوقات والحديث ورد لبيان كمال حسن خلقه (ص)، ويوضحه قول أنس ( كان رسول الله (ص)أحسن الناس خلقا ) ، فهو (ص)يخاطب الطفل على قدر فهمه ، ولأن الصبيان تتعلق قلوبهم بلعبهم فمن هنا يلاطفه (ص)وليس في ذلك إضرار بالنغير لاسيما وأنه لم يحبس في قفص ومثل هذا الأمر جار في زماننا وقبله ، فكون صبي معه طائر يلهو به ويلعب قليلا بيده أو حتى في قفص ساعة أو بعض يوم ثم يذبح ليؤكل أو يطلق أو حتى يموت من غير حبس أو منع أكل أو شرب ، فهذا غير داخل في موضوعنا "
ورواية أبو عمير تخالف المعروف من الرحمة بأى طائر فالرواية تقول أنه كان يربطه بخيط والربط إنما هو حبس والرسول(ص) لا يمكن أن يقر طفل على شىء خطأ ومن ثم فالرواية لم تحدث واستدلال الجميد بكون الطفل غير مكلف وانه ينبغى التدرج به فى تعريفه بحرمة الأمر لا ينفع خاصة أن سكوته على هذا يجعل الكفار يعتبرون ذلك مباحا وهو غير مباح ومن ثم لم تقع الحادثة
ثم حدثنا عن استيراد الطيور من الخارج وحبسها فقال:
"وليس في ذلك ما يفتح الأبواب للناس حتى يكون ذلك تجارة في كل بلد ، ومن أجل ذلك تستورد الطيور من بلدان بعيدة قد لا يناسبها جو البلاد التي جلبت إليها فيزيدها ذلك ألما أما أن يهون بعض الناس حبس هذه المخلوقات بشروط وهي ( ألا يراد بذلك الخيلاء والتفاخر ، وألا يلهي التمتع بها عن واجب ، وألا تهمل رعايتها في الغذاء والشراب ) فإنه يقال من السهل أن يقول الإنسان " كل هذا لن يكون " ، فعلى تقدير ذلك وهو محال ، فيقال قد تبين أن مجرد حبسها يضرها ، ولماذا يغفل عن الأصل ويصير الكلام في الفروع ؟! لقد خلق الله لهذه الطيور ذوات الأجنحة فضاء واسعا فحرمتها إياه بحبسك لها في أقفاص وكيف لا ترحم هذه الطيور الضعيفة التي أعطاها الله أجنحة وفضاء واسعا هو مجال طيرانها مع أن الإنسان لو حبس قليلا في غرفة واسعة مغلق عليه بابها لتضجر ، فما بال هذا الطائر الأسير الضعيف عديم الحول والقوة يحبس ؟! ، هل لأنه لا يخاصم عن نفسه ولا يمتنع بقوته ؟! ، أم لأننا لا نفقه لغته فنسمع أنينه وحنينه وشكواه ؟! ، وكم من طائر محبوس هو خير من حابسه وأكثر ذكر لله منه !
وتأمل قول الله تعالى { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } ، قال قتادة على هذه الآية ( الطير أمة ، والإنس أمة ، والجن أمة ) ، وقال ابن عباس { في قوله سبحانه { إلا أمم أمثالكم } ( يريد يعرفونني ، ويوحدونني ، ويسبحونني ، ويحمدونني ) انتهى ؛ وقال الرازي بعد أن أورد قول ابن عباس { ( وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا " إن هذه الحيوانات تعرف الله ، وتحمده ، وتوحده ، وتسبحه " ، واحتجوا عليه بقوله تعالى { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا } وبقوله في صفة الحيوانات { ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون } ، وبما أنه تعالى ذكر خطاب النمل وخطاب الهدهد ؛ وقد استقصينا في تقرير هذا القول وتحقيقه في هذه الآيات ) ولذلك ذكر الله عن سليمان (ص)أنه قال { علمنا منطق الطير } ، فقد علم الله نبيه سليمان منطقها ، فهو يتكلم معها بحيث تفقه كلامه ويفقه كلامها ، وهذا الهدهد قص الله علينا قصته مع نبيه سليمان(ص)في كتابه العزيز مما يبين معاني الآيات السابقة ومعرفة هذه المخلوقات لخالقها وتوحيدها إياه - عز وجل - وتعظيمها له سبحانه وقد قال ابن القيم في قصة « الهدهد » ( وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه غيره ؛ ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أن قال لنبي الله سليمان وقد فقده وتوعده فلما جاءه بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة ، وخاطبه خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال { أحطت بما لم تحط به } وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم له شأن فلذلك قال { وجئتك من سبأ بنبأ يقين } والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس متطلعة إلى معرفته ، ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب ؛ فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر ، وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه ومعرفته ؛ وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج ، ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد فقال { إني وجدت امرأة تملكهم } ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ، ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها الذي تجلس عليه وأنه عرش عظيم ، ثم أخبره بما يدعوه إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال ( وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ) وذكر ابن القيم كلاما ثم قال ( ثم أخبر - أي الهدهد - عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك ، وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم ، وهو السجود لله وحده ، ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له ) "وقال النسفي ( ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وحرمة السجود للشمس إلهاما من الله له كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها ) فهذا الهدهد طائر من الطيور المحتقرة الغير مرغوب فيها عند الناس ، وهذه معرفته لتوحيد خالقه سبحانه حتى بلغ شأنه أن ذكر الله حكايته في كتابه الكريم وإنكاره للشرك وتعجبه من أن يعبد الإنسان غير معبوده الحق سبحانه ! ، وبلغ من شأنه هذا المقام مع نبي الله ، وقد قال القرطبي في قول الهدهد { فصدهم عن السبيل } ( أي عن طريق التوحيد وبين بهذا أن ما ليس بسبيل التوحيد فليس بسبيل ينتفع به على التحقيق ) ، ولهذا قال بعض أهل هذه الدعوة المباركة - دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( يا ليت كثيرا من الناس يعرف من التوحيد ما عرف الهدهد ) "
والاستدلال بقصة الهدهد مع سليمان(ص) نافع فى حرمة الحبس وأنه ينبغى اطلاق الطيور فى الأرض
ثم قال عن آية أخرى:
"وقال تعالى { قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى }
قال ابن القيم عن هذه الآية ( الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه ، طيره ودوابه ، فصيحه وأعجمه ) يريد ابن القيم الهداية العامة ، وهذه الآية مثل قوله تعالى { والذي قدر فهدى } وقد ذكر في كتابه النفيس « شفاء العليل » من عجائب ما ألهم الله الحيوان والطير والنحل والنمل لمعايشها ما يبين قدرة القدير وعلمه ولطفه وحكمته وقد تقدم ما ذكر الله - عز وجل - من قول نبيه سليمان (ص) أنه قال { علمنا منطق الطير } ، فهو منطق معبر لكن لا نفقهه !
قال ابن القيم ( ومن علم العصفورة إذا سقط فرخها أن تستغيث فلا يبقى عصفور بجوارها حتى يجيء فيطيرون حول الفرخ ويحركونه بأفعالهم ويحدثون له قوة وهمة وحركة حتى يطير ) وقد تقدم بيان أن الطيور أمة من الأمم كما في قوله تعالى { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } ، فأنت يا من تحبس طائرا في قفص تتمتع بزعمك بصوته وشكله الحسن ، وربما أنه يشكوك إلى ربه وخالقه الذي أعطاه جناحين يطير بهما في فضاء وأنت عطلت جناحيه بحبسك إياه واستمتاعك بصوته الحسن وشكله الجميل ، فهو مثل المعوق الذي لا تحمله أقدامه ، بل يزيد عليه بحبسه ؛ وتأمل إن كنت تخاف الحساب يوم القيامة قوله تعالى { ثم إلى ربهم يحشرون } وقد جاء عن أبي الدرداء أنه قال ( تجيء العصافير يوم القيامة تتعلق بالعبد الذي كان يحبسها في القفص عن طلب أرزاقها وتقول " يا رب هذا عذبني في الدنيا " "

الاستدلال بالآبة السابقة كلام فى غير محله فهى لا تتحدث عن حبس الطيور أو غيرها وإنما تتحدث عن قدره الله ومن ثم فلا صلة لها بالموضوع وأما الرواية المنسوبة لأبى الدرداء فلا تصح لأن كل فرد يأتى وخيدا يوم القيامة ليس معه شىء أى متعلق به شىء كما قال تعالى " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم"
ثم نقل مقولا فى حرمة حبس الطيور من بطون الكتب قال:
"ولذلك منع ابن عقيل حبس الطير في القفص وجعله سفها وتعذيبا حيث قال حينما سئل عن حبسها لطيب نغمتها ( سفه وبطر ، يكفينا أن نقدم على ذبحها للأكل فحسب ، لأن الهواتف من الحمام ربما هتفت نياحة على الطيران وذكر فراخها، أفيحسن بعاقل أن يعذب حيا ليترنم فيلتذ بنياحته فقد منع من هذا أصحابنا وسموه سفها )
وقال - أيضا - ( نحن نكره حبسه للتربية لما فيه من السفه , لأنه يطرب بصوت حيوان صوته حنين إلى الطيران وتأسف على التخلي في الفضاء ) وقال ابن مفلح ( فأما حبس المترنمات من الأطيار كالقماري والبلابل لترنمها في الأقفاص فقد كرهه أصحابنا لأنه ليس من الحاجات إليه ، لكنه من البطر والأشر ورقيق العيش ، وحبسها تعذيب ) وفي كلام ابن عقيل وابن مفلح وغيرهم مما ذكرناه هنا رد على من أجاز حبس الطيور في الأقفاص إذا كان حابسها يقوم بتوفير أكلها وشربها ؛ وقد تبين مرارا أن العلة في عدم جواز حبس الطيور في الأقفاص ليست فقط بمنعها المأكل والمشرب وإنما الحبس لأنه ظلم وعذاب وعليه فتأمل رحمة النبي (ص)بمثل هذه الطيور ، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه قال كنا مع رسول الله (ص)في سفر فانطلق لحاجته ، فرأينا " حمرة " معها فرخان ، فأخذنا فرخيها ، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش ، فجاء النبي (ص)فقال ( من فجع هذه بولدها ؟! ، ردوا ولدها إليها ) تأمل قوله (ص) ( فجع ) تعلم أن هذه الطيور تتألم حتى وصف (ص)هذه الحمرة بأنها ( مفجوعة ) ! ، وإذا كان الأمر كذلك فألا تفجع بحبسها ؟! ، وما مصلحة فاجعها ؟! ، إنه التسلي بحزنها ونواحها ! ؛ فلعل من كان غافلا أن يتنبه وقال الحافظ المحدث أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني - وهو صاحب المعاجم الحديثية الثلاثة المعروفة - ، حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا عارم أبو النعمان قال أتبت « أبا منصور » أعوده فقال لي بات سفيان الثوري في هذا البيت وكان ههنا بلبل لابني ؛ فقال ( ما بال هذا الطير محبوس ، لو خلي عنه ؟! ) فقلت هو لابني وهو يهبه لك قال فقال ( لا ولكني أعطيه دينارا ) قال فأخذه فخلى عنه فكان يذهب فيرعى فيجيء بالعشى فيكون في ناحية البيت فلما مات سفيان تبع جنازته فكان يضطرب على قبره ، ثم اختلف بعد ذلك ليالي إلى قبره فكان ربما بات عليه وربما رجع إلى البيت ، ثم وجدوه ميتا عند قبره فدفن معه في القبر أو إلى جنبه فتأمل قول سفيان ( ما بال هذا الطير محبوس ، لو خلي عنه ؟! ) ، فلم يذكر الرزق وإنما ذكر الحبس فقط لأنه عذاب ، ثم إنه اشتراه وأطلقه ، ثم حصل هذا الأمر العجيب الذي فعله هذا الطائر !

وما أحسن كلام السفاريني في ذلك حيث قال ( لا يخفى على عاقل أن كثرة ترنم الطيور على تذكرها إلفها من الأماكن الشاسعة ، والأغذية الناصعة ، والقرين المصافي ، والماء العذب الصافي ، والإطلاق الرحيب ، ومخالطة الحبيب ، مع الوكر المشتهى لديها ، والأغصان والعكوف عليها ويعجبني من ذلك أن أعرابيا حبس في قلعة " جلق " المحروسة فضاق به الخناق ، وبلغت منه الروح التراق ، فدخلت عليه عند المحابيس - وكان في الحبس اثنان من « الديرة » - فقال لي الأعرابي " يا سيدي أنا أقول قاتل الله حابس الطير في الأقفاص ، فإنه لشجوه وغرمه يترنم والحابس له بشجوه وعذابه وبلباله يتنعم ، ولو عرف ما في جوفه من اللهيب الناشئ عن فراق الإلف الحبيب والمكان الرحيب لكان إلى البكا والوصب أقرب منه إلى التنعم والطرب ، ولكن هان على الخلي ما يلقى الملي " فقلت له ومن أين عرفت أنت هذا ؟! ؛ فقال " قسته على نفسي ، وشبهت حبسه بحبسي ، بجامع أن كلا منا نشأ في الفلاة الواسعة ، والأقطار الشاسعة "
فانظر حال هذا الأعرابي مع جفائه وغباوته ، وعدم مخالطته لذوي العلوم وقلة درايته ، كيف أدرك هذا المدرك ، تجده قد أصاب في قياسه وأدرك ؛ والله تعالى أعلم )
ومما سبق انتهى الرجل لحرمة حبس الطيور فى الأقفاص ومما ينبغى قوله التالى :
الأول هناك فارق بين طيور التربية للأكل وما يسمونها طيور الزينة فحبس طيور الزينة حرام وأما اسكان طيور التربية فى أماكن التربية والتى هى أماكن واسعة وبها ملاعب للطيور أى برك مياه أو عبارة عن مكان للمبيت وفى الصباح تطلق فى مساحة كبيرة للكل والشرب والحركة فهذا ليس من ضمن المحرم زد على هذا أن طيور التربية كالدواجن والبط والإوز لا تطير فى جو السماء وأما ما يسمونه طيور الزينة فتطير فى جو السماء
ومن ثم أباح الله امساك الله طيور التربية فى أماكن وحرم حبس الطيور التى تطير فى جو السماء وهو ما جاء فى قوله تعالى "ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السماء ما يمسكهن إلا الله"
فوجود الطير فى الجو دليل على عدم الحبس
الثانى حرمة استيراد الطيور من بلاد أخرى لأن الله خلق كل شىء لوظائف فى المنطقة التى يتواجد بها فإن نقل منها أو قضى عليه فسدت البيئة
الثالث حرمة بيع الطيور التى لا تؤكل لعدم وجود فائدة ظاهرة منها للإنسان وكما قلت إن الله خلقها لفائدة تقوم بها فى منطقة تواجدها والمنطقة تفقد هذه الفائدة بسبب هذا الصيد والبيع ومن ثم تفسد لأن التوازن يختل بها لأن الإنسان أفقدها المقدار الإلهى الذى قال فيه " وكل شىء عنده بمقدار"
الرابع ظهور ظاهرة حبس الطير فى الأقفاص هو من ضمن الترف الذى يوجب نزول العذاب على المترفين وهو عذاب متنوع قد لا يعرفون به ولكنه يأتى فى صور متعددة قد يعلمون بها او لا يعلمون

الخميس، 4 مارس 2021

نقد خطبة البركة

نقد خطبة البركة
الخطيب هو عبدالمحسن القاسم وهى تدور حول البركة والبركة معناها المعروف هو النمو والزيادة وهو معنى مأخوذ من كتب اللغة وللأسف فإنه معنى مغاير لمعنى الكلكة فى الوحى وقد استهل الرجل الخطبة بالمقدمات المعروفة ثم قال :
"أمّا بعد فاتَّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التقوى، فتقوى الله نورُ البصائِر، وبها تحيى القلوبُ والضمائر.
أيّها المسلمون، يسعَى الخلائقُ في هذِه الحياةِ بألوانٍ منَ الأعمال شتّى، يضمَحلّ منها ما كان في معصية الله وسخَطه، ويزكو ما كان في مرضاتِ الله وطاعتِه، قال سبحانه" فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأرْضِ "
وكلُّ شيءٍ لا يكونُ لله فبركتُه منزوعَة، والربُّ هو الذي يُبارِك وحدَه، والبركةُ كلُّها مِنه، وهو سبحانَه تبارَك في ذاتِه، ويباركُ فيمن شاءَ من خلقِه، قال جلّ وعلا" وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَـاواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " وكلُّ ما نُسِب إليه فهو مبارَك، واسمه تعالى مباركٌ تُنال معه البركة، قال عزّ وجلّ" تَبَـارَكَ اسْمُ رَبّكَ ذِى الْجَلَـالِ وَالإِكْرَامِ"
هنا تفسير البركة بالمضاعفة والزيادة محال فالله لا يزيد ولا ينقص وإنما البركة هنا الدوام بمعنى أن البقاء للهأى الاستمرارية لله كما قال " وتوكل على الحى الذى لا يموت" ولاسمه وهو وحيه وهو باق مستمر كما قال تعالى "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"
ثم أمد القاسم على معنى الزيادة والنمو فقال:
"والله جلّ وعلا برحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعِف البركات، وليسَت سَعةُ الرّزق والعملِ بكثرته، ولا زيادةُ العمر بتعاقُب الشهور والأعوام، ولكن سعةُ الرزقِ والعمُر بالبركة فيه.
بالعمَل المبارَك يُكتسَب الذّكر الجميل في الحياة، وجزيلُ الثوابِ في الآخرة، فيه طهارةُ القلبِ وزكاةُ النفس وعليُّ الخلُق.
والبركةُ ما كانت في قليلٍ إلاَّ كثَّرته، ولا في كثير إلا نفَعَته، ولا غِنَى لأحدٍ عن بركةِ الله، حتى الأنبياء والرسل يطلبونها من خالقِهم، يقول النبيّ(ص) " بينما أيّوبُ يغتسِل عريانًا، فخرَّ عليه جرادٌ من ذهَب، فجعل أيّوب يحتسي في ثوبه، فناداه ربّه" يا أيّوب، ألم أكن أغنيتُك عمّا ترى؟! قال" بلى وعزّتِك، ولكن لا غِنى بي عن بركتك" رواه البخاري."
الرواية لم يقلها النبى(ص) فالرجل وهو أيوب(ص) كما تقول الرواية كان عريانا ومع هذا جمع فى ثوبه وهو ما يعنى انه كان لابسا ملابسه وليس عريانا وهو تناقض
والبركة فى الرواية هنا لا تعنى الزيادة وإنما تعنى الرزق فأيوبوأى مسلم لا يستغنى عن رزق الله
وقال عن كون عيسى(ص) مبارك :
"والرسُل والدعاةُ مبارَكون بأعمالهم الصّالحةِ ودعوتهم إلى الخيرِ والهدى، قال عيسَى (ص)" وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَواةِ وَالزَّكَواةِ مَا دُمْتُ حَيًّا "
كون عيسى (ص)مبارك لا يعنى أنه زائد ونامى وإنما يعنى انه طاهر أى زكى أى مسلم فى أى مكان يوجد فيه كما قال عنه جبريل (ص)"قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا"
وقال عن البركات النازلة على نوح(ص) ومن معه :
" ونوحٌ (ص)أُغدِق ببركاتٍ من الله" قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَـامٍ مّنَّا وَبَركَـاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ " ودعا نوحٌ (ص)ربَّه بالمنزلِ المبارَك" وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ " "
والبركات هنا لا تعنى الأرزاق وكثرتها وإنما البركات تعنى أنه هو ومن معه ناجون من العقاب بطهارتهم
وأما المنزل المبارك فهو البيت الآمن أى البيت المبارك فى مكة كما قال تعالى " "إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا"
ثم حدثنا عن البركة على إبراهيم(ص) واسرته فقال:
طوألقَى الله البركةَ على إبراهيمَ وآله(ص) قال تعالى" وَبَشَّرْنَـاهُ بِإِسْحَـاقَ نَبِيًّا مّنَ الصَّـالِحِينَ وَبَـارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَـاقَ " وبارَك فيه وفي أهل بيته، قال عزّ وجلّ" رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَـاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ "
ومباركة الإنسان هى تطهيره من ذنوبه بتوبته وأعماله الصالحة والبركة على اهل البيت يفسرها قوله تعالى فى النبى محمد(ص)وأسرته"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس آل البيت ويطهركم تطهيرا"
ثم نقل كلاما عن ابن القيم يفيد أن البركة بمعنى الطهارة فقال:
"قال ابن القيم " "هذا البيتُ المبارَك المطهَّر أشرفُ بيوت العالم على الإطلاق، فلم يأتِ بعدَ إبراهيمَ نبيٌّ إلاَّ من أهل بيتِه، وكلُّ من دخل الجنّةَ من أولياء الله بعدَهم فإنما دخل من طريقهم وبدعوَتهم" ودعا نبيّنا ربَّه بالبركة في العطاء في قوله (ص)" وبارِك لي فيما أعطيتَ" رواه الترمذي."
وحكاية أن كل الرسل(ص) بعد إبراهيم(ص) كانوا من ذريته خاطئة يكذبها أن لوط (ص) وهو المؤمن الوحيد به لم يكن من ذريته كما قال تعالى "فآمن له لوط"
ويكذبها أن شعيب0ص) لم يكن من ذريته ومع هذا كان بعد لوط(ص) وإبراهيم(ص) كما قال تعالى على لسان شعيب(ص) محذرا قومه "ويا قوم لا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد"
ثم قال "
"وتحيّة المسلمين بينهم عند اللّقاء طلبُ السّلام والرحمة والبركة."
ونحية المسلمين بالسلام والرحة والبركة معناها واحد فهى تطلب الخير وهو السلام وهو الرحمة وهو البركة أى الطهارة من الذنوب للمسلم حتى يدخل الجنة
ثم قال :
"أيّها المسلمون، القرآنُ العظيم كثيرُ الخيراتِ واسِع المبرّات، كتابٌ مبارَك محكَم، فصلٌ مهيمِن، أنزله الله رحمة وشفاءً وبيانًا وهُدى، قال سبحانه" وَهَـذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـاهُ " وسورةُ البقرة سورة مبارَكة، مأمورٌ بتعلّمها، قال (ص)" تعلَّموا سورةَ البقرةِ، فإنّ أخذَها بركَة، وتركَها حَسرة، ولا تستطيعها البطَلَة أي" السّحرة. رواه أحمد."
وبركة القرآن ليست نمو وزيادة لأن القرآن لا يزيد ولا ينقص لكونه محفوظ من كل تحريف والمراد أنه دائم مستمر أى محفوظ لا يمكن لأحد أن يدخل له الباطل كما قال تعالى" وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد"
ثم تحدث عن البركة فى الرزق فقال:
"وسَعة الرِّزق وبركةُ العمُر في صلةِ الرحِم، يقول المصطفى "مَن أحبَّ أن يُبسَط له في رِزقه وينسَأ له أثره فليصِل رحمه" رواه البخاري.
والصادقُ في البيع والشراءِ والمعاملات مبارَكٌ له في الكَسب، مترادفٌ عليه الخير، يقول النبي " البيِّعان بالخيار ما لم يتفرّقا، فإن صدَقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعِهما، وإن كذبا وكتَما مُحِقت بركة بيعِهما" متفق عليه."
قطعا بركة الرزق لا تعنى زيادته وإنما تعنى طهارته أى كونه حلال مباح فالبيعة لا تزيد ولا تنقص وإنما معنى المباركة فيها أنها طاهرة حلال
ثم قال :
"ولحرصِ الإسلام على الأسرةِ وحلولِ البركة فيها وعليها مِن أوّل نشأتها شُرع الدّعاء للزوجين بالبركة عند النكاح، يقول أبو هريرة كان النبيّ إذا رفّأ الإنسانَ إذا تزوّج قال له" بارَك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير" رواه الترمذي وقال" "حسن صحيح". وأوفرُ الزوجاتِ بركةً ما قلّت المؤونة في نكاحها، والزواجُ السعيد ما صاحبه اليسرُ والتسهيلُ، يقول المصطفى " أعظمُ النّساء بركةً أيسرُهنّ مؤونة" رواه أحمد. والزوجةُ المبارَكة هي المطيعةُ لله القائمة بحقوق زوجها في غير معصيةِ الله. والولدُ المبارك هو الناشئ على طاعة ربِّه، المستمسِك بسنّة نبيه (ص)، الصائنُ لنفسِه عن الذنوب والعِصيان"
مباركة العروسين تعنى الدعاء لهما بالطهارة وكونهما حلالان لبعضهما فالبركة لا تعنى أنهما يزيدان أو ينقصان ثم قال:
"وإذا دَخل ربُّ الأسرةِ دارَه شُرع إفشاءُ السلام على أهله رجاءَ البركة، يقول أنس " قال لي رسول الله " يا بنيّ، إذا دخلتَ على أهلك فسلّم، تكُن بركةً عليك وعلى أهل بيتك" رواه الترمذي وقال" "حديث حسن صحيح" والرجلُ المبارَك هو الذي ينتفَع به حيثُما حلّ، وإذا قرُب العبد من ربّه بورِك في وقته وعمِل أعمالاً كثيرةً في زمنٍ يسير أبو بكر الصديق قبل صلاة الفجر عاد مريضًا وتبِع جنازةً وأطعَم مسكينًا وأصبح صائمًا، يقول أبو هريرة " قال رسول الله(ص) " من أصبَح منكم اليومَ صائمًا؟" قال أبو بكر" أنا، قال" فمن تبِع منكم اليومَ جنازَة؟" قال أبو بكر" أنا، قال" فمَن أطعمَ منكم اليومَ مسكينًا؟" قال أبو بكر" أنا، قال" فمَن عاد مِنكم اليومَ مريضًا؟" قال أبو بكر" أنا، فقال رسول الله " ما اجتَمَعت في امرِئ إلا دخل الجنة" رواه مسلم."
بركة السلام تعنى الدعاء بالطهارة من الذنب لأهل البيت والرواية الثانية لا علاقة لها بالبركة وإنما هو استنتاج خاطىء فلم تذكر البركة فى الرواية وكذلك ما ذكره فى الفقرة التالية لا علاقة له بالبركة بمعنى الزيادة والنمو:
"وخير الصُّحبةِ صُحبةُ الصالحين، وأزكى المجالس مجالسُ الذّكر، تحضرُها الملائكة، ويُغفَر لجليسها، فتقول الملائكة لربّها" فيهم فلانٌ ليس مِنهم، وإنما جاء لحاجةٍ، قال" هم الجلساءُ لا يشقى بهم جليسهم" متفق عليه. فهذا من بركَتهم على نفوسهم وعلى جليسهم.
والمالُ المبارَك ما كثُر خيرُه وتعدّدَت منافعه وبُذِل في طُرقِ البرّ والإحسان ابتغاءَ مرضاته، ومن قنِع بربحٍ حلال قليل وتحرّى الصدقَ في معاملاته ظهرتِ البركة في ماله وفي أولاده، قال النبيّ " من أخذه بحقّه ووضعه في حقِّه فنِعمَ المعونة" رواه البخاري."
قم تحدث عن البركة فى المال فقال:
"وسرورُ الدنيا وبهجةُ زينتِها لا تتمّ إلا بكسبٍ حلال، والمالُ يكثُر عددُه بالبذلِ والعطاء في الخيرات، قال المصطفى " ما نقصَت صدقةٌ مِن مال" رواه مسلم، وقالَ (ص)" أنفِق ينفَق عليك" رواه البخاري. ومن أخذ ما أُعْطِي بتعفُّف وغِنى بنفسٍ من غَير مسألةٍ ولا استشرافٍ له بالقلب بورِك له فيه، قال " من أخذه بطيب نفسٍ منه بورِك له فيه، ومن أخذَه بإشرافِ نفسٍ له لم يبارَك له فيه" رواه ابن حبان."
ومعنى المباركة فى الرواية الأخير هو أن المال المأخوذ حلال مباح وعدم المباركة تعنةى حرمة المال ثم حدثنا عن بركة الطعام فقال :
"والبركةُ يتحرّاها العبدُ في مأكلِه في يومه وليلتِه، فالطّعام المبارَك ما أكلتَه ممّا يليك، وتجنّبتَ الأكلَ من وسط الصحفَة، وذكرتَ اسمَ الله عليه، قال (ص)" البركةُ تنزل وسطَ الطعام، فكُلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه" رواه الترمذي وقال" "حديث حسن صحيح"."
قطعا الرواية لم يقلها النبى(ص) فالبركة وهى الطهارة أى كون الطعام حلال هى لكل الطعام الحلال وليس فى جزء منه وهو الوسط والطعام يأكل كله صحيح يؤخذ من ألجناب ولكن فى النهاية الوسط العالى يسقط فى الأجناب ولا يتبقى شىء
والرواية السابقة تقول بكون البركة فى وسط الطعام والرواية التالية تناقضها حيث البركة موضعها غير معروف فى الطعام وهو قوله:
"وأمَر رسول الله بلَعقِ الأصابعِ والصحفة بعد الفراغ من الطعام رجاءَ البركة، وقال" إنّكم لا تدرون في أيِّها البركة" رواه مسلم."
ثم أخبرنا الرجل برواية أخرى عن كون بركة الطعام فى الأكل الجماعة فقال:
"وفي الاجتماعِ على الطعام بركة، وفي التفرّق نزعٌ لها، يقول وحشيّ بنُ حرب" قالوا" يا رسولَ الله، إنّا نأكل ولا نشبع، قال" فلعلّكم تفترِقون"، قالوا" نعم، قال" فاجتمِعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله، يبارَك لكم فيه" رواه أبو داود."
وهو ما يناقض أن الله أحل الأكل الفردى والأكل الجماعى فقال "ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا"ومن ثم فالبركى وهى الطهارة فى الاثنين
ثم قال :
"وسيّد المياه وأنفعُها وأبركُها ماءُ زمزم، قال (ص)" إنها مبارَكة، إنها طعامُ طُعم" رواه مسلم"
والروايسة فى بركة زمزم وحدها تخالف كون الماء كله مبارك أى طاهر كما قال تعالى " وأنزل من السماء ماء طهورا"
ثم حدثنا عن البركة فى الأزمنة والأماكن فقال :
"أيّها المسلمون، اصطَفى الله من الدهرِ أزمنةً، ومِن البقاع أمكنَة، خصّها بالتشريف والبركة، فليلةُ القدر ليلةٌ مباركة رفيعةُ القدر عظيمةُ المكانة، "إِنَّا أَنزَلْنَـاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـارَكَةٍ " وأوّلُ النهار بعد صلاةِ الفجر زمنُ الغنيمة المبارك ووقتُ نزول الأرزاق وحلول البركات، أقسَم الله به في كتابِه بقوله جلّ وعلا" وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ "والنبيّ(ص) دعا بالبركةِ في بُدُوِّ الصباح، قال (ص)" اللهمَّ بارك لأمّتي في بكورها" والنومُ بين صلاة الصبحِ وشروقِ الشمس تفويتٌ لزهرة اليوم"
والبركة فى الزمن تعنى نزول الخير أى السلام فيه كليلة القدر "سلام هى حتى مطلع الفجر"
ثم قال عن بركة المكان:
"وبيتُ الله الحرام مبارك، ليس في بيوتِ العالمَ أبرك منه ولا أكثرَ خيرًا ولا أدوم ولا أنفعَ للخلائق، قال جلّ وعلا" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لّلْعَـالَمِينَ ""
والبركة هنا تهنى أن المكان طاهر أى آمن لا يمكن حدوث أى شر فيه لأن من يفكر فى هذا الشر ويقرر ينزل عليه العذاب قبل ان يفعل الشر وفى هذا قال تعالى فى الكعبة " ومن يرد فيه بإلحاد لظلم من عذاب أليم"
ثم قال:
"ومدينةُ المصطفى مدينةٌ مباركة، الصلاةُ في مسجِد النبيّ عن ألفِ صلاةٍ فيما سواه، وصاعُها ومدُّها مبارك فيه، وتمرُ عاليتها شِفَاء، يقول النبيّ " اللهمّ بارك لنا في مدينتِنا، وبارك لنا في صاعِنا ومُدّنا" رواه مسلم، وفي لفظٍ له" اللهمّ اجعَل مع البركة بركتين"، وقال (ص)" اللهمَّ اجعَل بالمدينة ضِعفَي ما جعلتَ بمكّة من البركة" متفق عليه. قال النوويّ " "الظاهرُ أنَّ البركةَ حصلت في نفسِ المكيل، بحيث يكفي المدّ فيها من لا يكفيه في غيرها، وهذا أمرٌ محسوسٌ عند من سَكنها"."
والروايات هنا كلها لم يقلها النبى(ص) فالله هو من قرر حرمة مكة ولم يقرر حرمة المدينة والنبى(ص) لا يمكن أن يخالف ما قرره الله فيفضل ما لم يفضله الله ثم قال:
"وبارَك الله في مواطنَ من أرضه كما في قوله تعالى" سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـاتِنَا "
والبركة هنا تعنى طهارة أى أمن المكان لا غير ثم قرر أن العمل الصالح هو من يبارك فى الفرد وليس المكان فقال:
والفضيلة الدائمةُ في كلِّ زمانٍ ومكان بالإيمانِ والعمل الصّالح، وأيّ مكانٍ وعمل كان أعونَ للشّخص كان أفضلَ في حقِّه، يقول سلمان " (إنَّ الأرضَ لا تقدّس أحدًا، وإنما يقدّس الرجلَ عملُه)."
ثم قال عن كون الذنوب سبب محو البركة فقال :
"أيّها المسلمون، إذا أظهَر العبادُ ذنوبًا تتابعَت عليهم العقوبات، وكلّما قلّتِ المعاصي في الأرض ظهرَت فيها آثار البركة من الله، وانتشارُ المعاصي وفشوّها سببٌ لنزع الخيراتِ والبركات، قال جلّ وعلا" وَأَلَّوِ اسْتَقَـامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَـاهُم مَّاء غَدَقًا لّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا "
وللمعصيةِ أعظمُ تأثير في محقِ بركةِ المال والعمُر والعلم والعمَل، يقول النبيّ " وإنّ العبدَ ليُحرَم الرزقَ بالذنبِ يصيبه" رواه ابن ماجه، قال ابن القيم " "وفي الجملةِ فالمعصيةُ تمحق بركةَ الدين والدنيا ممّن عصى الله، فلا تجد بركةً في عمُره ودينه ودنياه".
ولا يُنال ما عند الله إلا بطاعتِه، والسعادةُ في القربِ من الله، وبالإكثار من الطاعات تحُلّ البركات، وبالرجوع إليه تتفتّح لك أبوابُ الأرزاق.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـاتٍ مّنَ السَّمَاء وَالأرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ"
بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو التواب الرحيم."
بالقطع ليست الطاعة والمعصية سببا فى كثرة الرزق أو قلته فالمسلمون مع طاعتهم لله ابتلاهم الله بقلة الرزق وهو نقص الأموال والنفس والثمرات فقال "ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين"
والكفار مع عصيانهم لله زادهم رزقا ليزدادوا كفرا كما قال تعالى "ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملى لهم خيرا لأنفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين"
ومن ثم البركة لا تعنى زيادة الأرزاق وإنما تعنى الطهارة أى الرزق الحلال قليلا أو كثيرا
ثم قال مؤكد على نفس المقولة:
"أمّا بعد أيّها المسلمون، محقُ البركةِ يجلِب قلّةَ التوفيقِ وفسادَ القلب، وأنفعُ الأشياءِ أبركُها، ومن بارَك الله فيه وعليه فهو المبارَك، ولا تُرتَجى البركة فيما لم يأذَن به الشرع الحكيم. وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تزكو النفس وتصلح الأحوال وتحلّ البركاتَ على المجتمعات. ومن التزم الصدقَ في البيان أُلقِيت الحكمةُ على لسانه والسدادُ في أفعاله. ومن أخذ المال بغير حقِّه بارَ نفعُه، قال النبيّ " ومن أخذه بغير حقِّه كان كالذي يأكل ولا يشبع" رواه البخاري.
والرِّبا عديمُ النفعِ ماحقٌ للمالِ مُجلِب للهمّ، يجري أكلُه خلفَ سَراب، قال سبحانه" يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوا وَيُرْبِى الصَّدَقَـاتِ ".
والحلِف منفقةٌ للسلعة ممحِقٌ للكَسب، ومنعُ الصدقة خشيةَ النفادِ تلفٌ للمال، قال " اللهمَّ أعطِ ممسكًا تلفًا" رواه البخاري.
فالزَم جانبَ العبودية والاتباع، وابتعِد عن المحرّمات والشّبهات في المال وغير المال، يبارَك لك في الأخذ والعطاء.
ثمّ اعلَموا أنّ الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيّه، فقال في محكَم التنزيل" إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا""
كما سبق القول البركة لا تعنى الزيادة فى الأرزاق أو خيرها وإنما تعنى دوام الشىء أو طهارته وهو كونه حلال مباح

الأربعاء، 3 مارس 2021

نقد خطبة الخشية وقصة الغامدية

نقد خطبة الخشية وقصة الغامدية
الخطبة تحدثنا عن حكاية لا أصل لها لو تمعن فيها من يحكونها لوجدوا أنهم يتهمون الرسول(ص) بكونه جاهل بأحكام الله ومعاذ الله أن يكون جاهلا يقول الخطيب حاكيا:
"أما بعد انظروا إليها تقطع مراحل الزمن وتطوي صفحات التاريخ لتسجل للأجيال موقفا نادرا ، يقف له التاريخ هيبة وإجلالا
امرأة ضعيفة عصفت بها لحظة من لحظات الضعف فوقعت في الفاحشة ولما كشف عنها غطاء الغفلة ، انتفض الإيمان في قلبها ، فجادت بنفسها ، وأبت إلا أن تكون هي الفداء ، لتسبق الأحياء ، وتضع رحلها في جنة عرضها الأرض والسماء
ها هي تقبل على رسول الله بخطى ثابتة, وفؤاد يرجف وجلا وخشية, رمت بكل مقاييس البشر وموازينهم, تناست العار والفضيحة, لم تخش الناس, أو عيون الناس, وماذا يقول الناس؟ أقبلت تطلب الموت, نعم تطلب الموت, فالموت يهون إن كان معه المغفرة والصفح, يهون إن كان بعده الرضا والقبول, يهون إن كان فيه إطفاء لحرقة الألم, ولسع المعصية, وتأنيب الضمير (يا رسول الله أصبت حدا فطهرني) فيشيح النبي عنها بوجهه, فتقبل عليه وتقول: يا رسول الله أصبت حدا فطهرني فيقول الرؤوف الرحيم (ص): ويحك ، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فتقول : تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك؟ والله إني حبلى من الزنا, فيقول : ((اذهبي حتى تضعيه)) فولت والفرح يملأ قلبها, والسرور يخالط نفسها أن نجت من موت محقق؟ وردها رسول الله؟ كلا, بل لم يزل هم الذنب يعترك في فؤادها ، وسياط الخوف تسيطر على تفكيرها
ويمر الشهر والشهر, والآلام تلد الآلام, فتأتي بوليدها تحمله ها أنا ذا وضعته فطهرني يا رسول الله, فيقول الرؤوف الرحيم (ص): ((اذهبي حتى ترضعيه فتفطميه))
وتعود بابنها الرضيع فلو رأيتها ، ووليدها بين يديها, والناس يرقبونها عجبا وإكبارا ترضع وليدها حولين كاملين كلما ألقمته ثديها, أو ضمته إلى صدرها زاد تعلقها به وتعلقه بها, وحبها له, كيف لا وهي أمه ولا تسل عن حنان الأم وعطفها

وتمضي السنتان فتأتي بوليدها وفي يده خبزة يأكلها يا رسول الله قد فطمته فطهرني !!
عجبا لها ولحالها! أي إيمان تحمله؟ وأي إصرار وعزم تتمثله؟ قرابة الثلاث سنين , والأيام تتعاقب, والشهور تتوالى, وفي كل لحظة لها مع الألم قصة, وفي عالم المواجع رواية ومع هذا فلا تزال ثابتة على موقفها ، خائفة من ذنبها ، منيبة إلى ربها
ثم كان أمر الله فيدفع النبي الصبي إلى رجل من المسلمين, ويؤمر بها فترجم ورجم الزاني المحصن هو شرع الله ، والله أحكم الحاكمين ، ويجب على العاقل أن لا ينظر إلى هذه العقوبة الشديدة دون أن ينظر إلى خطورة جريمة الزنا الجريمة التي تعصف بالدين والعرض والنسل والنفس "

بداية نراجع الحكاية زانية ولا يوجد زانى ؟
هل هذا يعقل ؟
حبلى من دون مجامع أهذا يعقل؟
قطعا هذا خبل ما بعده خبل خاصة أنها لو كانت عذراء لثبتت الجريمة بالحبل وأما وهى محصنة أى متزوجة فلا يمكن أن تثبت الجريمة إلا بمجىء أو احضار الزانى واعترافه أنه زنى معها وكل روايات الحديث لا يوجد فيها الزانى المزعوم
المهم أنهم صدقوها لمدة ثلاث سنوات دون أن يسألوا عن الزانى ودون أن يطلقوها بلا حقوق أى ينزع منها المهر ويعاد للزوج كما قال تعالى "فلا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "
وتطرد من بيت الزوجية كما قال تعالى "يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهم وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"
الرواية هنا لا يمكن إثبات فيها جريمة الزنى لعدم وجود الشهود الأربع كما قال تعالى ""لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون"
لا يوجد شهود أربع فالمرأة طبقا للآية كاذبة ولا يمكنها أن تثبت الجريمة إلا باقرارها وإقرار الزانى كما قال تعالى " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم" فإن اعترفا معا فقد ثبتت الجريمة وإن اعترف واحد منهما جلد لأنه يكون قد اتهم الأخر زورا ويستحق الجلد 80 جلدة كما قال تعالى :
"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا
هذا عن مخالفات الرواية لاثباتات الزنى وأما مخالفتها لأحكام الله فهى أنها تثبت حكما مناقضا لكتاب الله وهو أن عقاب الزانية والزانى المتزوجين هو الرجم مع أن الله لم يحدد نوعية الزناة فى قوله : "الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة"
والمصيبة الأخرى أن عقوبة الأمة المتزوجة هى نصف عقوبة الحرة المتزوجة كما قال تعالى :
"فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"
إذا كيف نوجد نصف موت؟
مستخيل
والمصيبة الأخرى أن عقوبة زوجة النبى0ص) لو زنت هى ضعف عقوبة الزانية العادية فلو كانت العقوبة الرجم فكيغ سنميت تلك الزوجة مرتين ؟
كلام يخالف النص والعقل وقوله فى حد زوجة النبى هو :
"يا نساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين"
ثم يحدثنا الخطيب قائلا:
"وإن من التناقض الذي يقع فيه دعاة ما يسمى بحقوق الإنسان ؛ رأفتهم بالجاني القاتل والسارق والزاني ، ونسيانهم قسوة الجريمة ، وما يصيب المجني عليه وأهله ، وما يصيب الأسرة والمجتمع
الرجم ردع وزجر عن انتشار الزنا في المجتمع ، ثم هو تطهير لمن أقيم عليه ، فلا يحتاج بعده إلى تطهير في النار ، ولعذاب الآخرة أشد ومن عذاب الدنيا
رجمت المرأة وبينما كانت ترجم ، يطيش بعض دمها على خالد بن الوليد, فيسبها على مسمع من النبي , فيقول (ص): ((والله لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت منه)) ، ثم يأمر بها فيصلى عليها ثم تدفن والحديث رواه مسلم
وفي رواية أخرى أن عمر - - قال : تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت ؟ قال (ص): (( لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى ؟‍‍‍‍!"

بقية الرواية خبل وجنون فالله لم يشرع لنا أن تكون توبة المسلم موته وإنما هذه كانت توبة خاصة بعبدة العجل كما قال تعالى "وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم"
ومع هذا لم ينفذ هذا أحد إلا القليل ومن ثم تاب عليهم بالتوبة العادية كما قال تعالى " فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم"
وهو يخبرنا أنه لو كتب ذلك فلن يفعله سوى القليل جدا من الناس وهو قوله""ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم"
ومن ثم اعتبر الله هذا الأمر منه محال ولم يكتبه على الناس وذلك بالحرف لو
ثم قال:
"الله أكبر إنه الخوف من الله, إنها خشية الله ، ترتقي بالنفوس فلا ترى لها قرارا إلا بجوار الرحمن في جنة الرضوان
نعم ، لقد أذنبت المرأة حين وقعت في حبائل الشيطان, واستجابت له في لحظة ضعف ، لكنها قامت من ذنبها بقلب يملأه الإيمان, ونفس تلهبها حرارة المعصية, ولسان حالها: كيف أعصيه وهو المنعم الخالق! كيف أعصيه وهو الواهب الرازق ؟ كيف أعصيه وقد نهاني؟ كيف أعصيه وقد كساني وآواني؟! فلم تقنع إلا بالتطهير وإن كان طريقه إزهاق النفس وذهاب الحياة مع أنها لو استغفرت وتابت إلى ربها توبة نصوحا لتاب الله عليها ، لكنها أخذت بالحزم والتطهير المضمون الذي لا رجوع بعده للذنب"

قطعا خشية الله تكون بطاعته وليس من طاعته قتل النفس كتكفير للذنب لأنه حرم قتل النفسي إلا بالحق وهو قتلها لنفس اخرى عمدا او الفساد فى الأرض وهو محاربة دين الله والمحاربة لا تعنى الزنى لأن الزنى له عقوبة بمفرده فهو ليس داخل ضمن الفساد فى الأرض وهو ترويع وإخافة الناس بجرحهم أو طردهم من بيوتهم او مساعدة الأعداء عليهم أو نهب وسلب أموالهم وانتهاك أعراضهم بالاغتصاب
ثم حكى لنا حكاية أخرى فقال:
"أيها المؤمنون ذلكم هو موقف تلك المرأة وفي موقف تاريخي آخر ، حضره الشيطان, وقلت فيه خشية الرحمن ، أجمع إخوة يوسف (ص) على رميه في غياهب البئر, وكان ما كان من أمر السيارة, وبيع يوسف وهو الحر الأبي, وراودته امرأة العزيز , حتى تجملت وقالت هيت لك, قد ملكت جمالا تغريه به, ومنصبا وجاها يحفظه من العقوبة, وكان الطلب منها بعد أن غلقت الأبواب، وهو شاب غريب ، بعيد عن أهله ، تضطرم الشهوة في نفسه
فتصور كل هذا, والمكان يعلوه السكون, لا يسمع فيه إلا نداء الإثم والفجور, هيت لك, هيت لك
فيبدد يوسف(ص) هذا السكون ، ويضج المكان بنداء الخشية والإيمان ، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ، ويفر يوسف إلى الله , ويهرب إلى الباب لما رأى برهان رب الأرباب
وتمضي الأيام ، وتهدده امرأة العزيز ، (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما أمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه نعم السجن أحب إلى المؤمن الذي يخشى الله من الفاحشة والرذيلة

وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر منهم: ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله))
عباد الله الخوف والخشية عبادة عظيمة ، غابت أو ضعفت في حياة كثير من الناس إلا من رحم الله, غابت في تعاملنا مع ربنا, في تعاملنا مع أنفسنا, في تعاملنا مع الناس ، في بيعنا وشرائنا, في تربيتنا لأبنائنا, في أدائنا لوظائفنا, في تعاملنا مع الأجراء والخدم والموفق من وفقه الله لخشيته وتقواه
إن الخشية الحقة, والخوف المحمود هو الذي يحمل على العمل, فلا يزال يدفع بصاحبه إلى الطاعة, وينفره من المعصية
الخشية الحقة هي التي تربي القلب حتى لا ينظر إلى صغر المعصية، ولكن ينظر إلى عظمة من عصى
قال الحسن: "إن الرجل ليذنب الذنب فما ينساه, وما يزال متخوفا منه حتى يدخل الجنة" رواه البخاري ومسلم
وقال ابن عون : لا تثق بكثرة العمل فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا ، ولا تأمن ذنوبك فإنك لا تدري أكفرت عنك أم لا
عباد الله وخشية الله تعالى إنما تظهر في أوقات الخلوات وساعات الوحدة والعزلة عن الخلق كثير أولئك الذين يتصدقون أمام الناس ولكنهم في السر قليل, كثير الذين يتورعون عن ظلم الناس أمام الناس وهم في السر أظلم الخلق, كثير هم أولئك الذين يقومون بالطاعات ويهجرون المعاصي في حضرة الخلق, وإذا خلوا بمحارم الله انتهكوها
إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير "

قطعا خشية الله مطلوبة وهى أساس الطاعة فمن لا يخاف العقاب الأخروى لن يطيع الله ويوسف(ص) خاف من عذاب الله فامتنع عن الزنى وكذلك حال كل من يخاف الله
ثم قال الخطيب :
"أيها الإخوة المؤمنون (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فقد كان من أخشى الناس لربه ، وأكثرهم تعظيما وإجلالا له سبحانه
روى الإمام مسلم عن عائشة قالت: فقدت رسول الله ليلة من الفراش, فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد (أي في السجود) وهما منصوبتان وهو يقول: ((اللهم أعوذ برضاك من سخطك, وبمعافاتك من عقوبتك, وأعوذ بك منك, لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك))
وهكذا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان في خوفهم من الله وخشيتهم له
قال عمر بن الخطاب : "لو نادى مناد من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلا واحدا لخفت أن أكون أنا هو"
وقرأ عمر بالطور فلما بلغ (إن عذاب ربك لواقع) بكى واشتد بكاؤه حتى مرض أياما في بيته وصلى زرارة ابن أبي أوفى بالناس الفجر ، فلما قرأ (فإذا نقر في الناقور) خر مغشيا عليه فمات رحمه الله وقام الحسن بن صالح ليلة بـ (عم يتساءلون) فغشي عليه فلم يختمها إلى الفجر وقرأ عمر بن عبد العزيز قوله تعالى (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون) فجعل يرددها إلى الصباح ويبكي وقرأ تميم الداري (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) فجعل يرددها ويبكي
وقيل للإمام أحمد : ما أكثر الداعين لك فتغرغرت عينه بالدموع وقال : أخاف أن يكون هذا استدراجا
هكذا كانت أحوالهم فليت شعري أين نحن منهم ، والواحد منا يقيم على الذنب تلو الذنب ولا يتحرك قلبه ولا تدمع عينه خوفا من الله

وقد روى الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني عن أنس أن النبي دخل على شاب وهو في الموت فقال: ((كيف تجدك؟)) قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي, فقال رسول الله : ((لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو, وأمنه مما يخاف))
وروى الترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع, ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم))
عباد الله عظموا الله في نفوسكم واخشوه واتقوه كما أمركم (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون)
وليكن سيركم إلى ربكم بين الخوف والرجاء
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الخشية أبدا متضمنة للرجاء ، ولولا ذلك لكانت قنوطا ، كما أن الرجاء يستلزم الخوف ، ولولا ذلك لكان أمنا ، فأهل الخوف لله والرجاء لله هم أهل العلم الذين مدحهم الله "(إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) "

قطعا كما قلت خشية الله مطلوبة فى كل وقت وحين ولكنها ليست مطلوبة بالصورة التى تحكيها بعض الروايات كتورم القدمين فهذا لم يفعله النبى(ص) لأنه لم يجعل فى الدين ضرر وكذلك من قام الليل كله بآية فليس فى الدين قيام الليل كله وإنما أقصاه ثلثى الليل كما قال تعالى
"إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك"
ليس من الخشية إيذاء النفس والجسد كما قال تعالى " وما جعل عليكم فى الدين من حرج"

الثلاثاء، 2 مارس 2021

نقد كتاب اتحاف شباب الإسلام بأحكام الغسل من الجنابة و الاحتلام

نقد كتاب اتحاف شباب الإسلام بأحكام الغسل من الجنابة و الاحتلام
الكتاب تأليف عبد الله بن جار الله آل جار الله وهويبحث فى الاغتسال من الجنابة كما قال المؤلف فى مقدمته:
"أما بعد فإن الغسل من الجنابة أمانة في عنق المسلم يجب عليه إذا حصلت له جنابة بجماع أو احتلام أن يبادر إلى الاغتسال منها ليؤدي العبادات المشروعة وهو على طهارة فما دام جنبا لا يحل له أن يصلي أو يمس المصحف أو يجلس في المسجد ولا يقبل الله صلاة بغير طهور، والغسل من الجنابة كما أنه من شروط الصلاة فهو من خصال الإيمان وله فضل عظيم وثواب جسيم "
ثم ذكر الجار الله رواية وهى:
"روي عن النبي(ص) أنه قال: «ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيين جلوسا حلقا حلقا كلما دنا إلى حلقة طرد فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي» رواه الحافظ أبو موسى المديني والطبراني وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يعظم شأنه ويقول شواهد الصحة عليه "
الرواية تخالف كتاب الله فى أن الجلوس فى الجنة لا يكون حلقات على الأرض وإنما على السرر كما قال تعالى "إخوانا على سرر متقابلين"
كما أن الرواية فيها تناقض فالحلقات هى للنبيين(ص) فلماذا دخل واحد من غيرهم وهو المغتسل من الجنابة تلك الحلق؟
ثم قال :
"وقال الشاعر:
غسل الجنابة في الرقاب أمانة فأداؤها من أكمل الإيمان
ولما كان كثير من الناس يجهلون موجبات الغسل من الجنابة وصفته وأحكامه رأيت من واجبي تأليف هذه الراسلة وسميتها تذكير شباب الإسلام بأحكام الغسل من الجنابة والاحتلام أسأل الله تعالى أن ينفع بها من كتبها أو طبعها أو قرأها أو سمعها فعمل بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ومن أسباب الفوز لديه بجنات النعيم وهو حسبنا ونعم الوكيل "

ثم ذكر أحكام الغسل فقال:
"باب الغسل وحكم الجنب :
أي الأحكام المتعلقة بمن أصابته الجنابة قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}
1 - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص)(الماء من الماء) رواه مسلم، وأصله في البخاري «قوله الماء من الماء» أي الاغتسال من الإنزال قال ابن رسلان: أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني، "
لو اعتمدنا التفسير السابق فالرواية هذه تعارض الرواية التالية لأت الماء من الماء يعنى وجوب الغسل من الإنزال وهو عكس الحديث التالى حيث الغسل واجب فى حالة عدم الإنزال وهو :
2 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله(ص) «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل» متفق عليه، وزاد مسلم (وإن لم ينزل)
«قوله: إذا جلس بين شعبها الأربع» هو كناية عن الجماع واستدل الجمهور بالحديث على نسخ مفهوم حديث «الماء من الماء» وبما رواه أحمد وغيره عن أبي بن كعب قال «إن الفتيا التي كانوا يقولون إن الماء من الماء رخصة كان رسول الله رخص بها في أول الاسلام ثم أمر بالاغتسال بعد» صححه ابن خزيمة وأما الاحتلام فلا يجب الاغتسال منه إلا بالإنزال لما روى الخمسة إلا النسائي عن عائشة قالت «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم – عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما؟ فقال يغتسل وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال لا غسل عليه، فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك عليها الغسل؟ قال: نعم إنما النساء شقائق الرجال» وللحديث الآتي "

حاول الجار الله أن يوفق بين الروايتين ولكنه لم يفلح كما لم يفلح أحد ممن سبق وتلاه فى التوفيق بين الروايات لتعارضهما
كما نلاحظ أن الروايات تتحدث عن إنزال الرجل دون المرأة مع أن كلاهما ينزل وهو ما يناقصض ما أثبتته الرواية التالية:
"3 - وعن أنس قال: «قال رسول الله في المرأة: ترى في منامها ما يرى الرجل، قال تغتسل» متفق عليه زاد مسلم: «فقالت أم سلمة: وهل يكون هذا؟ قال نعم، فمن أين يكون الشبه»
الحديث دليل على أن المرأة ترى ما يراه الرجل في منامه، والمراد إذا رأت الماء أي المني بعد الاستيقاظ "

فهنا النساء ينزلن كما ينزل الرجال ومن ثم فالروايات متعارضة ثم ذكر الرواية التالية:
"4 - وعن عائشة قالت: «كان رسول الله يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت» رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة
الحديث دليل على مشروعية الغسل في هذه الأربع فأما الجنابة فالوجوب ظاهر، وأما غسل الجمعة ففي وجوبه خلاف، والجمهور على أنه سنة مؤكدة وأما الغسل من الحجامة فهو سنة يفعل تارة كما في هذا الحديث ويترك أخرى كما في حديث أنس، وأما الغسل من غسل الميت فهو سنة، ويجزئ عنه الوضوء والله أعلم"

قطعا هذه الرواية هى الأخرى ليست صحيحة فلابد أن يكون من ضمن أسباب الاغتسال العمل الذى يوسخ جلد الإنسان وشعره
ثم قال :
"5 - وعن أبي هريرة: «في قصة ثمامة بن أثال عند ما أسلم وأمره النبي أن يغتسل» رواه عبد الرازق، وأصله متفق عليه
الحديث دليل على مشروعية الغسل بعد الاسلام، وقوله وأمره النبي أن يغتسل يدل على وجوبه وعن قيس بن عاصم قال: «أتيت رسول الله أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر» أخرجه أبو داود وغيره"
قطعا الاغتسال يكون بالماء دون غيره لأن المطهر وليس بماء وسدر
6 - وعن أبي سعيد أن رسول الله قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» أخرجه السبعة
الحديث دليل على وجوب غسل الجمعة وبه قال بعض العلماء وقال الجمهور هو سنة مؤكدة لحديث سمرة "

قطعا لا يوجد غسل اسمه يوم الجمعة وإنما الغسل يكون بسبب وهو الجنابة أو القذارة ويعارض وحوب غسل الجمعة أنه مستحب فى الرواية التالية:
"7 - وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله(ص) «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» رواه الخمسة وحسنه الترمذي
الحديث دليل على عدم وجوب الغسل يوم الجمعة، وهو قول الجمهور «قوله: فبها ونعمت» قال الأزهري: معناه فبالسنة أخذ ونعمت السنة، وقال الخطابي: ونعمت الخصلة، وقيل: ونعمت الرخصة وقيل: ونعمت الفريضة
وعن علي قال: «كان رسول الله يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا» رواه أحمد والأربعة، وهذا لفظ الترمذي، وحسنه وصححه ابن حبان
قوله وحسنه وصححه ابن حبان، أي هو وابن حبان قال الترمذي: حديث حسن صحيح والحديث يدل عل أن الجنب لا يقرأ القرآن "

ثم قال:
"9 - وعن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله (ص)إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا» رواه مسلم زاد الحاكم: «فإنه أنشط للعود» "
هنا المجامع عليه الوضوؤ قبل الجماع الثانى وهو يناقض الرواية التالية التى لا توجب وضوء على المجامع :
"10 - وللأربعة عن عائشة قالت: «كان رسول الله ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء» وهو معلول
حديث أبي سعيد يدل على مشروعية الوضوء لمن أراد معاودة الجماع لأنه أنشط له، وقد ثبت أنه طاف على نسائه بغسل واحد وثبت أنه اغتسل بعد غشيانه كل واحدة منهن وروى الطحاوي من حديث عائشة قالت «كان النبي يجامع ثم يعود ولا يتوضأ فالكل جائز» (قوله في حديث عائشة: كان رسول الله ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء) محمول على ماء الغسل لقوله «إذا توضأ أحدكم فليرقد» وقال في المنتقى وهذا يحمل على أنه كان يترك الوضوء أحيانا لبيان الجواز ويفعله غالبا لطلب الفضيلة انتهى قلت ولعل قولها «كان رسول الله ينام وهو جنب» تريد به نوم الاستراحة لا نوم عامة الليل قال ابن العربي في شرح الترمذي هذا الحديث رواه أبو إسحق مختصرا واقتطعه من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه ونص الحديث الطويل ما رواه أبو غسان قال أتيت الأسود بن يزيد وكان لي أخا وصديقا فقلت يا أبا عمر حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين عن صلاة رسول الله فقال: قالت: «كان ينام أول الليل ويحيي آخره ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء فإذا كان عند النداء الأول وثب وربما قالت قام فأفاض عليه الماء وربما قالت اغتسل وأنا أعلم ما تريد وإن نام جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة» "

ومما سبق نجد أن الروايات متناقضة فى الوضوء بعد قبل الجماع الثانى ثم ذكر روايات كيفية الاغتسال وهى مختلفة فيما يتم فعله فقال:
"11 - وعن عائشة قالت: «كان رسول الله(ص) إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه» متفق عليه، واللفظ لمسلم
12 - ولهما، من حديث ميمونة «ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض» وفي رواية: «فمسحها بالتراب» وفي آخره: «ثم أتيته بالمنديل فرده» وفيه: «وجعل ينفض الماء بيده» هذان الحديثان مشتملان على بيان كيفية الغسل من ابتدائه إلى انتهائه وفي حديث ميمونة قبل ذكر المنديل «ثم تنحى فغسل رجليه» وفيه دليل على تداخل الطهارتين الوضوء والغسل، ونقل ابن بطال الإجماع على ذلك
13 - وعن أم سلمة قالت: «قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟» وفي رواية: «والحيضة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات» رواه مسلم (قولها: أشد شعر رأسي) لفظ مسلم «أشد ضفر رأسى» وكأن المصنف رواه بالمعنى والحديث دليل على أنه لا يجب نقض الشعر للاغتسال، وأنه لا يشترط وصول الماء إلى أصوله وعن أنس مرفوعا «إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضا وغسلته بخطمى وأشنان وإن اغتسلت من جنابة صبت الماء على رأسها صبا وعصرته» أخرجه الدار قطنى في الإفراد والطبراني والخطيب في التلخيص والضياء المقدسي"

ثم ذكر الرواية التالية:
"14 - وعن عائشة قالت: قال رسول الله (ص)«إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة
الحديث دليل على أنه لا يجوز للحائض والجنب دخول المسجد، وهو قول الجمهور "

قطعا دخول المساجد محرم على النساء نهائيا وليس الجنب أو الحائض منهن لقوله تعالى " "فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له بالغدو والأصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" وقال " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين"
ثم ذكر الرواية التالية:
"15 - وعنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة» متفق عليه، وزاد ابن حبان: «وتلتقى»
فيه دليل على جواز اغتسال الرجل والمرأة من ماء واحد"

من الجائز اغتسال الرجل والمرأة معا ولكن تلامسهما يحرم صلاتهما فلابد من الوضوء بعد الاغتسال لقوله تعالى " أو لامستم النساء"ثم قال
"16 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)«إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر» رواه أبو داود والترمذي وضعفاه
17 - ولأحمد عن عائشة نحوه وفيه راو مجهول
الحديث دليل على أنه يجب غسل جميع البدن في الجنابة ولا يعفى عن شيء منه، وهو إجماع إلا المضمضة والاستنشاق ففيهما خلاف والراجح الوجوب "

قطعا كل الجسم لابد أن يمسه الماء فى الغسل
ثم بين وجوب الغسل من الجنابة وغيرها فقال:
"وجوب الغسل من الجنابة ونحوها:
يجب على المسلم إذا نودي للصلاة وعليه جنابة بوطء مباح كجماع زوجته أو أمته في الفرج أو محرم كوطئها في الدبر أو الزنى سواء نزل منه المني أو لا، وبخروج المني الدافق بالمباشرة المبادرة إلى الاغتسال من الجنابة والتوبة إلى الله سبحانه من الوطء الحرام والندم على فعل الكبيرة والعزم على أن لا يعود إليها وكذلك المرأة، وإن أحس بانتقاله ولم يخرج فلا غسل عليه فإذا نزل لزمه وإن خرج منه شيء بعد الاغتسال فليس عليه إلا الوضوء فقط وبالاحتلام ونحوه إذا خرج منه المني الدافق الغليظ وإن لم يخرج منه شيء أو خرج منه المذي المشبه للماء بلا شهوة لبرد أو مرض فليس عليه إلا الوضوء وغسل ما أصابه لنجاسته بخلاف المنى فلا؛ لطهارته، ويجب على المرأة إذا طهرت من الحيض أو النفاس الاغتسال بالماء والسدر أو الصابون وفرك رأسها بيدها مع صب الماء بلا نقض شعرها إذا وصل الماء إلى البشرة وإلا لزمها، ويستحب لها جعل طيب في قطن أو غيره في فرجها بعد الاغتسال لإزالة الرائحة، ويستحب الغسل للكافر إذا أسلم والمغمى عليه إذا أفاق "
قطعا الغسل الواجب هو بالماء وأما غيره فليس بواجب ثم وصف الجار الله أفعال الغسل فقال:
"وصفة الغسل أن ينوي بقلبه الطهارة من الجنابة ثم يسمي ويغسل يديه ثلاثا خارج الإناء ثم يغسل فرجه وما لوثه ثم يتوضأ - وضوءه للصلاة ثم يشرع في الغسل فيحثي على رأسه ثلاث حثيات من الماء يروي بها أصول شعره ويخلله بأصابعه ثم يعم بدنه بالغسل بلا عدد مبتدئا بشقه الأيمن ثم الأيسر ويدلكه ويزيل ما عليه من وسخ وغيره وإن تلوثت رجلاه بالطين ونحوه انتقل من مكانه وغسلهما بعد فراغه من الاغتسال وإن نوى بغسله الطهارة من الجنابة مع المضمضة والاستنشاق بلا وضوء أو الصلاة أو الطواف أو مس المصحف أو اجتمعت جنابة وغسل جمعة فنوى أحدهما ارتفعت جنابته وصحت طهارته، وإن اغتسل لمجرد التبرد والتنظيف ناسيا لجنابته لم يرتفع حدثه ووجب عليه الاغتسال وإن شك في نيته أثناء الغسل أعاده وإن شك في وصول الماء إلى شيء من جسده لزمه غسله ويتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويكره الإسراف فيه كالوضوء ويحرم على الجنب العالم بحدثه الصلاة والطواف ومس المصحف وقراءة القرآن آية فصاعدا واللبث في المسجد حتى يغتسل، واغتساله عريانا بين الناس ويستحب غسل فرجه والوضوء للأكل والنوم ومعاودة الوطء والغسل أفضل "
ثم ذكر الجار الله موجبات الغسل فقال:
"ما يوجب الغسل:والموجب له في حق الرجل ثلاثة أشياء: الأول: إنزال المني، وهو الماء الدافق تشتد الشهوة عند خروجه، ويفتر البدن بعده وماء الرجل أبيض ثخين، وماء المرأة أصفر رقيق، قال النبي (ص)«إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر» رواه مسلم
فيجب الغسل بخروجه في النوم واليقظة، لأن أم سليم قالت يا رسول الله: إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله (ص)«نعم إذا رأت الماء» متفق عليه فإن خرج لمرض من غير شهوة لم يوجب، لأن النبي وصف المني الموجب بأنه غليظ أبيض، ولا يخرج في المرض إلا رقيقا فإن احتلم فلم ير بللا فلا غسل عليه، لحديث أم سليم وإن رأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل، لما روت عائشة قالت: سئل رسول الله (ص)عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلاما، فقال «يغتسل» وسئل عن الرجل يرى أنه قد احتلم، ولا يجد البلل، فقال: «لا غسل عليه» رواه أبو داود فإن وجد منيا في ثوب ينام فيه هو وغيره؛ فلا غسل عليه، لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك وإن لم يكن ينام فيه غيره، وهو ممن يمكن أن يحتلم كابن اثنتي عشرة سنة فعليه الغسل، وإعادة الصلاة من أحدث نومة نامها، لأن عمر رأى في ثوبه منيا بعد أن صلى فاغتسل، وأعاد الصلاة

فصل والمذي: ماء رقيق يخرج بعد الشهوة
لا يحس بخروجه، فلا غسل فيه، ويجب منه الوضوء، لما روى سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذى شدة وعناء، فكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك للنبي (ص)وسألته عنه، فقال: «يجزئك من ذلك الوضوء» حديث صحيح، وهل يوجب غسل الذكر والأنثيين؟ على روايتين إحداهما: لا يوجب، لحديث سهل، والثانية يوجب لما روى علي قال: «كنت رجلا مذاء»، فاستحييت أن أسأل رسول الله لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد فسأله، فقالت: «يغسل ذكره وانثييه ويتوضأ» رواه أبو داود
فصل والودي: ماء أبيض يخرج عقب البول، فليس فيه إلا الوضوء لأن الشرع لم يرد فيه بزيادة عليه
والثاني (مما يوجب الغسل): التقاء الختانين، وهو تغيب الحشفة في الفرج، يوجب الغسل وإن عري عن الإنزال، لقول النبي (ص)«إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان وجب الغسل» رواه مسلم
وختان الرجل: الجلدة التي تبقى بعد الختان وختان المراة: جلدة كعرف الديك في أعلى الفرج يقطع منها في الختان، فإذا غابت الحشفة في الفرج تحاذى ختاناهما فيقال: التقيا وإن لم يتماسا
والثالث (مما يوجب الغسل): إسلام الكافر"

قطعا ما يوجب الغسل هو :
-فعل أى فعل من أفعال الجماع كالتقبيل والتحسيس والدعك والإنزال ولا يشترط افنزال لأن أى فعل يخرج من الجسم مواد توجب الغسل
- القذارة وهى وساخة الجسم بتجمع العرق والتراب أو التلوث بألوان أو مواد تصبغ الجلد أو لها رائحة نتنة وما شابه
- الاحتلام
ثم لخص الجار الله ما قاله فقال:
"خلاصة ما تقدم:
من موجبات الغسل
أولا: خروج المني يقظة أو مناما بجماع أو غيره:
والخارج من الإنسان ثلاثة أشياء غير البول والغائط والريح
1 - مني: وهو سائل أبيض غليظ للرجل، والمرأة أصفر رقيق، لقوله (ص)«ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق» رواه مسلم
ورائحته كرائحة طلع النخل، والعجين، إذا يبس تكون رائحته بياض البيض
يخرج عند اشتداد الشهوة، ويوجب غسلا بخروجه
2 - مذي: ماء رقيق أبيض لزج، ويشترك الرجل والمرأة فيه، يخرج عند المداعبة أو تذكر الجماع، وهو ناقض للوضوء فقط، ولا يوجب غسلا بخروجه
3 - ودي: يخرج بعد البول، وهو سائل غير لزج لكنه أبيض غليظ، يشبه المني في الثخانة ويخالفه في الكدرة، ولا رائحة له، وحكمه حكم البول - أي نجس
- يشترط في خروج المني يقظة أن يكون بشهوة، أما خروجه مناما، فلا يشترط الإحساس باللذة، وعليه:
- إذا استيقظ ووجد أثر المني في ثيابه، وجب عليه الغسل بكل حال، سواء ذكر احتلاما أو لم يذكر، لقوله لأم سليم وقد سألته: «هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء» متفق عليه
- إذا خرج يقظة بدون لذة لا يوجب غسلا، إنما يوجب وضوءا، لأنه خارج من السبيلين
- إذا ذكر احتلاما لكن لم ير أثر المني على الثياب -أي لم ينزل- لا يجب عليه الغسل، لقوله «الماء من الماء» رواه مسلم
- إذا استيقظ ووجد أن الماء الخارج منه (مذي) وليس منيا لا يجب عليه الغسل، إنما يغسل الذكر والأنثيين، لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي: «يغسل ذكره ويتوضأ»
- وقولنا: [بجماع أو غيره] أي متى ما خرج المني بشهوة سواء كان بجماع أو مداعبة وغير ذلك فإنه يوجب غسلا
ثانيا: من موجبات الغسل الجماع سواء أنزل أو لم ينزل:
لقوله (ص)«إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها، فقد وجب الغسل» متفق عليه، وزاد مسلم: «وإن لم ينزل»، وقوله (ص)«إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» "

وكل ما يخرج من القضيب او المهبل نتيجة الشهوة يوجب الغسل لا فرق بين مذى أو ودى أو منى
ثم كرر صقة الغسل فقال:
"صفة الغسل من الجنابة:
وهي على نوعين: كامل، ومجزئ، فالكامل يأتي فيه بتسعة أشياء: النية، وهي أن ينوي الغسل للجنابة، أو استباحة ما لا يستباح إلا بالغسل، كقراءة القرآن، واللبث في المسجد، ثم يسمي، ثم يغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما الإناء ثم يغسل ما به من أذى، ويغسل فرجه وما يليه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات يروي بهن أصول شعره، ويخلله بيده، ثم يفيض الماء على سائر بدنه، ثم يدلك بدنه بيده، وإن توضأ إلا غسل رجليه، ثم غسل قدميه آخرا، فحسن قال أحمد: الغسل من الجنابة على حديث عائشة يعني قولها: كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيده، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده وقالت ميمونة: وضع لرسول الله وضوء الجنابة، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا، ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده، فأتيته بالمنديل فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده متفق عليهما
النوع الثاني: الغسل المجزئ، وهو أن ينوي، ويعم شعره وبدنه بالغسل، والتسمية ههنا كالتسمية في الوضوء فيما ذكرنا، ويجب إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر وإن كان كثيفا، لحديث عائشة، ولا يجب نقضه إن كان مضفورا لما روت أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حيثات،ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» رواه مسلم، ولا يجب ترتيب الغسل؛ لأن الله تعالى قال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ولم يقدم بعض البدن على بعض لكن يستحب البداءة بما ذكرناه، والبداءة بغسل الشق الأيمن؛ لأن النبي (ص)كان يحب التيامن في طهوره، ولا موالاة فيه؛ لأنه طهارة لا ترتيب فيها فلم يكن فيها موالاة كغسل النجاسة "

وكل ما قاله من الطرق والشروط ليس واجبا فالواجب شىء واحد فقط أن يمس الماء كل الجلد والشعر فى الجسم
ثم قال :
"فصل:
والأفضل تقديم الوضوء على الغسل، للخبر الوارد، فإن اقتصر على الغسل ونواهما أجزأه عنهما لقول الله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ، ولم يأمر بالوضوء معه، ولأنهما عبادتان من جنس: صغرى، وكبرى، فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال دون النية، كالحج والعمرة، وعنه: لا يجزئه عن الحدث الأصغر حتى يتوضأ؛ لأنهما نوعان يجبان بسببين، فلم يدخل أحدهما في الآخر كالحدود، وإن نوى إحداهما دون الأخرى، فليس له غيرها؛ لأن النبي قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه "

وقطعا الوضوء مع الغسل إسراف لأن الغسل شامل للوضوء مغنى عنه ثم قال :
"فصل:
ويستحب للجنب إذا أراد أن ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة، لما روى ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد» متفق عليه، ويستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يعود للجماع، ويغسل فرجه "

وهذا الكلام سبق مناقشته لأن الروايات متعارضة متناقضة فى المسألة فلا وضوء على الجنب قبل نومه أو غير هذا 

الاثنين، 1 مارس 2021

قراءة فى كتاب الصاع بين المقاييس القديمة والحديثة

 قراءة فى كتاب الصاع بين المقاييس القديمة والحديثة
الكتاب تأليف عبد الله بن منصور الغفيلي وهو من أهل العصروهو يدور مكيال الصاع فى القديم والحديث وقد قال فى المقدمة:
"أما بعد:فإن الشريعة أناطت بالصاع أحكاما عديدة كأنواع من الزكوات والكفارات؛ ولذا كان من الأهمية بمكان معرفة مقدار الصاع النبوي وتحديده،لاسيما وقد حدث خلاف كثير فيه بين الفقهاء المتقدمين والمعاصرين، ثم إن ظهور المقاييس الحديثة يؤكد بحث مقداره على وفقها، وقد اجتهدت في بيان ذلك في هذه الوريقات، ملتزما بالاختصار مع التحرير ما أمكن، وقد جعلت ذلك في مطلبين: فتحديده بالمقاييس القديمة في مطلب، وتحديده بالمقاييس الحديثة في مطلب آخر، سائلا المولى أن ينفع بها المستفيد، ويحقق بها بيت القصيد، ويكللها بالإخلاص والتسديد، إنه حميد مجيد."
وقد استهل الغفيلى الكتاب ببيان مقدار الصاع القديم فقال:
"المطلب الأول:مقدار الصاع بالمقاييس القديمة:
يتعين لبيان مقدار الصاع تحديد مقدار المد النبوي،ويتوقف ذلك على معرفة زنة الرطل،الذي يتبين بتحرير وزن الدرهم ،كما سيأتي بيان وجه ذلك في المسائل الثلاث المعقودة لتفصيل تلك الأوزان، كما يلي:
المسألة الأولى : مقدار المد النبوي :
قدر جماعة من العلماء المد بأنه أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط، أو بملء كفي الإنسان المعتدل إذا مد يديه بهما .
هذا بالنظر إلى أن المد وحدة وكيل يقاس بها حجم ما يوضع فيها كما هو الحال في الصاع أيضا، وقد عمد الكثير من العلماء إلى تحديد المد والصاع بالوزن ؛ ليحفظ مقداره وينقل؛ لعدم وجود مقاييس متعارف عليها يضبط بها الحجم سابقا ، كما ذكر ذلك ابن قدامة فقال : والأصل فيه أي الصاع – الكيل وإنما قدر بالوزن ليحفظ وينقل".
ولذا فقد قدر الفقهاء المد النبوي بالأرطال ، فذهب جمهورهم إلى أن المد النبوي هو رطل وثلث مستدلين على ذلك بما جاء من الآثار الدالة أن المعتمد في الكيل مكيال المدينة كما جاء عن ابن عمر _رضي الله عنهما_ أنه قال : "المكيال مكيال أهل المدينة ، والميزان ميزان أهل مكة " ، وهو مجمع عليه عند أهل الحجاز كما قال أبو عبيد : وأما أهل الحجار فلا اختلاف بينهم فيما أعلمه أن الصاع خمسة أرطال وثلث، يعرفه عالمهم وجاهلهم ، ويباع في أسواقهم ، ويحمل علمه قرن عن قرن .
قال ابن حزم: « والاعتراض على أهل المدينة في صاعهم ومدهم كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة » ."

قطعا لا يوجد فى المسألة من الروايات وإنما روايات عن الصحابة أو التابعين ولا يوجد فى الإسلام شىء اسمه صاع أهل مكة ولا صاع أهل المدينة ولا غير ذلك وإنما الصاع أو بالأحرى المكيال والميزان هو مكاييل إلهية حتى لا يختلف الناس وقد ذكر الله من المكاييل التالى :
القنطار فقال تعالى "فإن أتيتم إحداهن قنطارا"
وقد ذكر الله أنها مقنطرة أى محسوبة حسابا دقيقا فقال " والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة"
كما ذكر مكيال لأهل مصر هو الصواع فقال " نفقد صواع الملك"
كما ذكر المكيال الأخر وهو حمل البعير فقال:
" ولمن جاء به حمل بعير"
ومن ثم فالمسألة لا علاقة لها بالناس وبلادهم وإنما هو تنظيم لعلاقة البيع والشراء وغيرها بوجود مكاييل وأوزان إلهية ويمكن استنتاج ذلك من وجود مقاييس للطول قالها مثل القوس والذراع كما فى قوله تعالى " فى سلسلة ذرعها سبعين ذراعا فاسلكوه"
ثم قال الغفيلى:
"المسألة الثانية : في مقدار الرطل :
والمقصود بالرطل المذكور في تحديد المد : هو الرطل البغدادي ، وهو قول عامة الفقهاء ، وقد اختلفوا في تحديد مقداره على أقوال متقاربة أقربها أنه يزن مئة وثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع الدرهم ، وهو الأصح عند الشافعية ، والصحيح عند الحنابلة ، وقول للمالكية ، ورجحه ابن تيمية وابن قدامة وقال : والرطل العراقي : مئة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع الدرهم، ووزنه بالمثاقيل : تسعون مثقالا ، ثم زيد في الرطل مثقال آخر وهو درهم وثلاثة أسباع درهم ، فصار إحدى وتسعين مثقالا فكملت زنته بالدراهم مئة وثلاثين درهما ، والاعتبار بالأول قبل الزيادة ."

كما قلت لا يوجد شىء محدد لأن الكفار عندما هدموا الدولة المسلمة أضاعوا كل شىء وخلقوا روايات متناقضة حتى نظل فى حيرة من امرناومن ثم قهذا الاختلاف لا يمكن أن نخرج منه بشىء صحيح
ثم قال :
"المسألة الثالثة: مقدار وزن الدرهم :
لقد اختلف المعاصرون في زنة الدرهم بالموازيين الحديثة، وسبب خلافهم ، هو اختلاف الفقهاء في زنة الدراهم بحبات الشعير ، و اختلافهم في أنواع الدراهم ، فأما اختلافهم في زنة الدراهم بحبات الشعير فعلى أقوال ، أبرزها قولان :
القول الأول: إن وزن الدرهم الشرعي خمسون وخمسا حبة شعير ، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة .

القول الثاني: إن وزن الدرهم الشرعي سبعون حبة شعير، وهو قول الحنفية ولم أقف على أدلة للفريقين ، إلا أن الأرجح هو رأي الجمهور ؛ وذلك لموافقة ذلك لما وجد من دنانير قديمة كما سيأتي بيانه .
ويمكن الجمع بين القولين بأن وزن الدرهم يتراوح ببينهما لاختلاف حبة الشعير
وأما اختلافهم في أنواع الدراهم ، فقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين ، كعلي باشا مبارك ومحمود الخطيب إلى أن الدراهم نوعان : دراهم نقد ؛ ودراهم كيل، ولا دليل بين على ذلك ، بل الأظهر أن الدرهم نوع واحد ، وهو الدرهم النقدي الشرعي ، فإذا استعمل في المكاييل كان درهم كيل ، وإذا استعمل في المعاوضات كان درهم نقد ، وقد أشار إلى ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام ، ولم ينص أحد من المتقدمين فيما وقفت عليه على خلاف ذلك .
وقد اختلف المعاصرون في زنة الدرهم بالجرام على أقوال أبرزها قولان :
القول الأول : أن الدرهم الشرعي يعادل 2.97 جرام .
القول الثاني : أن الدرهم الشرعي يعادل 3.17 جرام .
والأرجح هو القول الأول وذلك أنه أمكن الوقوف على وزن الدينار الشرعي المتسكوك في الدولة الأموية ، مع كون السبعة من الدنانير تساوي عشرة دراهم فالنسبة بينهما سبعة إلى عشرة بلا خلاف وقد قام بعض الباحثين بجمع الدنانير الإسلامية المسكوكة في عهد عبدالملك بن مروان من بعض المتاحف وذلك على النحو التالي :
المتحف الفني الإسلامي المصري ... 19 ... 79.955جم ... 4.2081 جم
المتحف العراقي ... 4 ... 17017 جم ... 4.2677جم
متحف لندن ود لجادو ... 7 ... 29.705 جم ... 4.2435 جم
كتالوجات متاحف أجنبية ... 3 ... 12.706 ... 4.2353 جم
المجموع ... 33 ... 139.437 ... 16.9549
فمتوسط الدينار من هذه المتوسطة هو 4.2386 .
وبالتقريب يكون : 4.24 جرام .
ويكون وزن الدرهم بناء على ذلك 4.24 × 0.7 = 2.968 ، وبالتقريب يكون 2.97 جرام ، وقد وافقت هذه النتيجة بعض التجارب على حبات الشعير حيث بلغ وزن اثنتين وسبعين حبة شعير ممتلئ ما يقارب 4.25 ، وهو وزن الدينار الشرعي ، وبما أن نسبة درهم النقد الشرعي إلى مثقال النقد الشرعي هي 7 :10 فيكون وزن الدرهم 2.975 جرام ، وبالتقريب 2.97 فيكون موافقاً لما تقدم تقريباً (
المطلب الثاني : مقدار الصاع بالمقاييس الحديثة
المسألة الأولى: مقدار الصاع بوحدة قياس الوزن [ جرام ]
وبناءً على ما تقدم من وزن الدراهم يتبين لنا وزن المد النبوي بالجرام وذلك، أن الرطل يساوي 7/4 128 درهماً.
والمد يساوي رطل وثلث، فنعرف وزن المد بالطريقة التالية:
2.97 × 7/4 128× 1.3 = 508.75 جرام .
ولما كان الصاع يساوي أربعة أمداد ، علمنا أن وزنه يتبين بالطريقة التالية :
508.75 × 4 = 2.035 جرام .
أي كيلوان وخمس وثلاثون جراماًَ من الحنطة الرزينة
وقد ذهب بعض المعاصرين إلى أن وزن الصاع = 2173 جرام وذلك اعتماداً على أن وزن الدرهم هو 3.17 جرام كما تقدم بيانه وردَّ (
وذهبت هيئة كبار العلماء في السعودية إلى أن الصاع = 600 جرام وذلك بناءً على أن المد ملء كفي الرجل المعتاد ، وكان تحقيق وزن المد لديهم هو650 جرام تقريباً فيكون الصاع 650 × 4 = 2600 جرام وبه صدرت الفتوى، إلا أنه يشكل على ذلك تفاوت الأيدي تفاوتاً كبيراً ، مع تفاوت المادة المكيلة أيضاً ، مما يدفع للنظر في طريقة أدق مع تحديد نوع المكيل أيضاً
ومما تقدم يتبيَّن أن الأرجح هو القول الأول الذي حدد وزن الصاع بـ 2035 جراماً أي كيلوان وخمسة وثلاثون جراماً "
كل ما سبق يدل على أنه لا يوجد شىء ثابت فالاختلاف ظاهر وهو دليل على أنه لا يوجد مكيال نبوى
ثم ناقش مسألة اخرى خى ألخرى مختلف فيها فقال:
المسألة الثانية : معرفة مقدار الصاع بوحدة قياس الحجم "المللتر" :
تقدم تقدير الصاع بالوزن بوحدة قياس الكتلة والثقل وهي (الجرام) ، مع كون الصاع يقوم على قياس الحجم ، إلا أن الفقهاء صنعوا ذلك لعدم وجود مقياس يمكن به قياس المكيل وضبطه، وقد استخدم وحدة قياس للحجم وهي (اللتر) ، مما يحقق نتائج أدق من القياس بالجرام وإن كنا سنحتاج إلى نتيجة الوزن ؛ لمعادلتها بقياس الحجم في إحدى الطرق الاستنتاجية ؛ ولذا فإنه يمكن معرفة النصاب باللتر في أحد الطرق التالية
الطريقة الأولى : تحديد حجم الصاع بالمللتر عن طريق قياس حجم وزنه بالجرام ؛ وهو (2.035 جرام) من الحنطة الجيدة المتوسطة ، وقد قام الباحث خالد السرهيد بوزن ذلك بإناء يقيس الحجم في إدارة المختبرات التابعة لهيئة المواصفات والمقاييس كانت النتيجة 2430مللتر من البر الجيد المتوسط ، أي لتران وأربعمائة وثلاثين مليلتر ،
الطريقة الثانية: قياس حفنة الرجل المعتدل الخلقة:
فقد قام بعض الباحثين في الهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس بقياس حفنة أربعين رجلا معتدل الخلقة، فكان المتوسط هو 628مليلترا ، وهو ما يعادل مدا فيكون الصاع 628 × 4 = 2512، فيكون الفارق بين هذا الطريق والذي قبله 82 مليلترا ، وهو فارق ليس كبيرا ، لا سيما مع صعوبة التحديد الدقيق لوزن الصاع وحجمه.

الطريقة الثالثة : قياس حجم الصاع بالوقوف على أصواع أو أمداد بنوية أثرية من عصور متقدمة ، فلما لم يكن ذلك ، تيسرت لي إجازة مد نبوي ، حيث عدلت حجم مدي بمد شيخي ، وعدل هو مده بمد شيخه ، وهكذا عدل كل واحد في الإسناد مده بمد شيخه حتى عدل المد بمد زيد بن ثابت ، الذي كان يؤدي به الفطر للرسول (ص) ، وبمعايرة المد الموجود لدي بالماء في إدارة مختبرات هيئة المواصفات والمقاييس تبين أن سعته هي 786مللترا ، فيكون حجم الصاع 786 × 4 = 3144مليلترا ، ويكون الفرق بينه وبين الطريق الذي قبله 632 مليلترا ، كما أن بينه وبين الطريق الأول 714 مليلتر ، وهو فارق ليس يسيرا ، ويكون النصاب بناء على النتيجة الأولى 943.200 لترا ، وقد وجدت أمداد أخرى مسندة إلا أن الفارق بينها وبين المد المذكور ليس كبيرا .
فيشكل على هذا الطريق التفاوت الكبير بينه وبين الطرق الأخرى ، لاسيما مع تطرق الخطأ في صناعة الأمداد ومعادلتها ، حيث يتكرر ذلك أكثر من عشرين مرة تقريبا ، مما ينتج عنه زيادة أو نقص في الأمداد بلا شك ، لا سيما مع عدم توفر المقاييس في العصور السابقة .
ولذا فإن الأخذ بنتيجة هذا الطريق يكون متى غلب على الظن سلامة الأمداد من التفاوت الكبير، كما لو وجد أحد الأمداد أو الأصواع يرجع إلى زمن قديم ، وتأكد لنا من إسناده ودقة رجاله ، أما والأمر كذلك فالذي يظهر لي الأخذ بالطريقين الأوليين ، وأدقهما هو الطريق الأول ، وبه يتحقق اليقين لكونه الأقل ، مع أن الأمر على التقريب لا على التحديد ، ذلك أنه لا يمكن ضبط الصاع النبوي على التحديد لعدم وجوده بعينه ، أما وزنه ثم نقله فإنه لا يسلم من التفاوت مهما دق الموزن وتماثل .

كما أن الحسابات مهما بلغت فلا بد فيها من الخلل نتيجة اختلاف المآخذ والأقيسة وهذا هو الموافق لمقاصد الشريعة القائمة على التيسير والذي يتأكد مراعاته هنا لا سيما مع قوله (ص) : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" .
فما كان من جنس تلك المسائل ، وشق ضبطه على التحديد فيكون الأمر فيه على التقريب ، ولا يعني ذلك التفريط بل يجب الاجتهاد في الوصول للحق مع عدم اطراح التقادير الأخرى ، لاسيما المقاربة والقائمة على أساس معتبر ."

ومما سبق نجد ان كل الطرق تؤدى إلى الاختلاف ومن ثم يجب التالى :
اختراع مكيال جديد عن طريق الأدوات البشرية وهى حفنة اليد الواحدة وحفنة اليدين معا مثل مقياس الذراع فى الطول
وقطعا تجرب حفنات عدد كبير من الناس المتوسطين للوصول للمتوسط كمتوسط الذراع الذى هو حوالى48 سم
ومما لا شك فيه أن الكعبة الحقيقية فيها المكاييل والموازين الحقيقية العادلة