السبت، 16 مايو 2020

حكم بيع المرابحة

حكم بيع المرابحة
هذا البحث هو لبكر بن عبد الله أبو زيد من أهل عصرنا وهو من كتابه فقه النوازل
قال الباحث فى تعريف البيع :
"بيع المرابحة عند متقدمي الفقهاء:
...فبيع المرابحة مثلاً: حقيقته بيع السلعة بثمنها المعلوم بين المتعاقدين، بربح معلوم بينهما ويسمى أيضاً (بيع السلم الحال) فيقول رب السلعة: رأس مالي فيها مائة ريال، أبيعك إياها به وربح عشرة ريالات
وهذا هو معنى ما هو جارٍ على الألسنة من قولهم: اشتريت السلعة مرابحة، أو بعتها مرابحة وركن هذا العقد: هو العلم بين المتعاقدين بمقدار الثمن ومقدار الربح، فحيث توفر العلم منها فهو بيع صحيح وإلا فباطل "
البيع صحيح وطبقا للقرآن فشروط البيع هو التراضى كما قال تعالى "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"
وألا يكون الربح وهو الربا مساوى لمقدار السلعة أى ضعفها أو أكثر من ضعفها كما قال تعالى "لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة"
وأما علم الشارى بالثمن الحقيقى فليس من شروط البيع وإنما علمه يكون بالثمن الذى يشترى به ولا يوجد تاجر فى مجتمعاتنا إلا من رحم الله يقول للناس السعر الحقيقى لما يبيعه والمتعارف حاليا بين التجار هو أن انتقال السلعة من تاجر جملة لتاجر التجزئة يعنى ربح الخمس من ثمن الشراء ولو كان العلم واجبا ما سمح الله بالربح من واحد فى المائة حتى 99 من المائة من ثمن السلعة الحقيقى وهو الأقل من الضعف فلو علم الناس بالسعر الحقيقى لحدثت مشادات كثيرة واتهامات بالطمع والله أحل التجارة وهى من الباطل شرط التراضى فلو رفض المجتمع التجارة الفردية الربحية كان من حقه أن يدير المجتمع ككل التجارة بلا ربح من خلال شركات المجتمع لأن الربح فى النهاية سيقسم على أفراد المجتمع جميعا
وبين بكر الإجماع على صحة بيع المرابحة ولكنه ذكر خلاف الفقهاء فى كراهتها ومصطلح الكراهة هو مصطلح مائع عند الفقهاء فالمكروه حلال عندهم مع أن المكروه فى القرآن حرام لكونه من السيئات كما قال تعالى "ولا تمش فى الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها"
وبين سبب التكريه فى هذا البيع فقال:

"وهذه الصورة من البيوع (بيع المرابحة) جائزة بلا خلاف بين أهل العلم، كما ذكره ابن قدامه بل حكى ابن هبيرة : الإجماع عليه، وكذا الكاساني والخلاف في الكراهة تنزيهاً، وهو رواية عن الإمام أحمد وروي عن ابن عمر، وابن عباس وعن الحسن، ومسروق وعكرمة، وعطاء بن يسار وقد عللت الكراهة تنزيهاً بأن فيه جهالة، فيما إذا قال: بعتكه برأسماله مائة ريال، وربح درهم في كل عشرة، فالجهالة أن المشتري يحتاج إلى جمع الحساب ليعلم مقدار الربح، لكن هذه الجهالة مرتفعة لأنها تعلم بالحساب، بل لا ينبغي وصفها بالجهالة، وليس فيها تغرير ولا مخاطرة وهذه العلة هي مستند ما يُحكى عن ابن راهويه من قوله بعدم الجواز وقد علمت ارتفاعها بالحساب، على أن من وراء ذلك الوقوف على صحة السند المروي فصح الاتفاق إذاً حكماً على الجواز، وطرداً لقاعدة الشريعة من أن الأصل في المعاملات الجواز والحل حتى يقوم دليل على المنع هذا هو بيع المرابحة المسطر في كتب أهل العلم تحت هذا اللقب في: أبواب البيوع، وفي مطاويه صور وفروع "
وهذا البيع والكثير من المعاملات المالية هى بيوع سببها ظلم الحكام وعدم تعاملهم بأحكام الله ومن ثم تم اختراع الكثير من البيوع حفاظا على حياة الناس من الموت جوعا حتى يقدروا على العيش بالفتات الذى يلقيه الحكام لهم
وقد ذكر الباحث صور ذلك البيع فقال:
"صور بيع المواعدة:
وفيه: الصورة الجارية في المصارف الإسلامية (بيع المرابحة للآمر بالشراء) بالتتبع يمكن أن تكون صور بيع المواعدة، أو يقال صور بيع المرابحة للآمر بالشراء) كما يلي:
الصورة الأولى: وتنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين مع عدم ذكر مسبق لمقدار الربح وهي: أن يرغب العميل شراء سلعة بعينها فيذهب إلى المصرف ويقول: اشتروا هذه البضاعة لأنفسكم ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل بربح، أو سأربحكم فيها
الصورة الثانية: وتنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، مع ذكر مقدار ما سيبذله من ربح وهي: أن يرغب العميل شراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها،فيذهب إلى المصرف ويقول: اشتروا هذه السلعة لأنفسكم، ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل، وسأربحكم زيادة عن رأس المال: ألف ريال مثلاً
الصورة الثالثة: وتنبني على المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين،مع ذكر مقدار الربح وهي: أن يرغب العميل شراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها المنضبطة عينها بالوصف، فيذهب إلى المصرف ويتفقان على أن يقوم المصرف ملتزماً بشراء البضاعة من عقار أو آلات أو نحو ذلك، ويلتزم العميل بشرائها من المصرف بعد ذلك، ويلتزم المصرف ببيعها للعميل بثمن اتفقا عليه مقداراً أو أجلاً أو ربحاً "
كما قلنا اختراع المصارف لتلك البيوع لا يجوز فى الإسلام لأن المال مال الناس جميعا ومن ثم فإذا اشترى المصرف لفرد واحد وجب أن يشترى لكل المسلمين مثله فلا يجوز التصرف فى مال المسلمين لمصلحة طائفة منهم سواء كانت فرد أو أكثر
وهذا البيع على ما أعلم يقوم به الكثير من تجار السلع بالتقسيط فيقصدون المصارف لشراء ما يريد زبائنهم والربح الذى يأخذه المصرف إذا كان عشرة فى المائة فإنهم يجعلون الربح من الزبائن فى الغالب أضعافا أو اقل من الضعف بقليل ومن ثم فالمصارف بهذا البيع تزيد التجار غنى وتزيد الفقراء فقرا ومن ثم فهذه القروض محرمة لأنها كما قلنا لا تحقق العدالة بين المسلمين ولأنها عندما تقرض التاجر مع الربح فإنها تمارس القرض بفائدة ولكنها فى صورة سلع وليس فى صورة مال نقدى
وقد بين بكر أن المصارف التى تسمى إسلامية زورا اخترعت بيع المرابحة فقال :
"رفضاً لذلك الربا الصريح (القرض بفائدة) ، صار إيجاد المصارف الإسلامية لهذه المعاملة التي أطلق عليها اسم: بيع المرابحة، أو بيع المرابحة للآمر بالشراء، والذي يناسب أن يطلق عليها اسم: (بيع المواعدة) لأن فيه وعداً من الطرفين: وعداً من العميل بالشراء من البنك،ووعداً من البنك بشراء السلعة وبيعها عليه والمواعدة في هذا البيع ملزمة أو غير ملزمة هي أساس الاختلاف فيه حِلاًّ وحرمة فصارت تسميته (بيع مواعدة) أولى، والأسماء قوالب للمعاني "
وقد أجاب بكر عن كونها حلالا أو حراما فذكر نقولا من كتب المذاهب فقال:
"والحال أن هذا الفرع الفقهي بصوره مدوَّن عند الفقهاء المتقدمين في مباحث الحيل، والبيوع، فهو عند: محمد بن الحسن الشيباني في كتاب(الحيل) ص / 79، ص / 127، ومالك في (الموطأ) ومعه (المنتقى للباجي)ص / 38 - 39، والشافعي في (الأم) 3 / 39، وابن القيم في (أعلام الموقعين) 4 / 39 وغيرها كثير
وهذه بعض نصوصهم فيها:
1- الحنفية:
ففي كتاب (الحيل) لمحمد بن الحسن الشيباني قال: (قلت: أرأيت رجلاً أمر رجلاً أن يشتري داراً بألف درهم، وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم، فأراد المأمور شراء الدار، ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها فتبقى في يد المأمور، كيف الحيلة في ذلك ؟ قال: يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ويقبضها، ويجيء الآمر ويبدأ فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألف ومائة درهم فيقول المأمور: هي لك بذلك، فيكون ذلك للآمر لازماً، ويكون استيجاباً من المأمور للمشتري أي ولا يقل المأمور مبتدئاً: بعتك إياها بألف ومائة،لأن خياره يسقط بذلك فيفقد حقه في إعادة البيت إلى بائعه، وإن لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار، يدفع عنه الضرر بذلك) اهـ
وفي الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى في: باب بيعتين في بيعة: " أنه بلغه أن رجلاً قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل فسأل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه " اهـ
والمسألة مبسوطة لدى المالكية كما في المنتقى للباجي 5 / 38 -39، والكافي لابن عبد البر والمقدمات لابن رشد 2 / 537، وخليل في المختصر، وشرَّاحه كافة وهذا نص ابن رشد في (المقدمات): (فصل: والعينة على ثلاثة أوجُه: جائزة ومكروهة ومحظورة، فالجائزة أن يمر بالرجل من أهل العينة فيقول له: هل عندك سلعة أبتاعها منك فيقول له: لا، فيخبره أنه قد اشترى السلعة التي سأل عنها فيبيعها بما شاء من نقد أو نسيئة والمكروهة: أن يقول له اشتر سلعة كذا وكذا فأنا أربحك فيها وأشتريها منك من غير أن يراوضه على الربح والمحظورة: الأولى: أن يراوضه على الربح فيقول له اشتر سلعة كذا وكذا بعشرة دراهم نقداً وأنا أبتاعها منك باثني عشر نقداً والثانية: أن يقول له اشترها لي بعشرة نقداً وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل والثالثة: عكسها وهي أن يقول له اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا أشتريها منك بعشرة نقداً والرابعة: أن يقول له اشترها لنفسك بعشرة نقداً وأنا أشتريها منك باثني عشر نقداً والخامسة: أن يقول له اشترها لنفسك بعشرة نقداً وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل والسادسة: عكسها وهي أن يقول له اشترها لنفسك أو اشتر ولا يزيد على ذلك باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقداً فأما الأول وهو أن يقول اشترها لي بعشرة نقداً وأنا أشتريها منك باثني عشر نقداً فالمأمور أجير على شراء السلعة للآمر بدينارين، لأنه إنما اشتراها له وقوله: (وأنا أشتريها منك) لغو لا معنى له، لأن العقدة له بأمره فإن كان النقد من عند الآمر أو من عند المأمور بغير شرط فذلك جائز وإن كان النقد من عند المأمور بشرط فهي إجارة فاسدة، لأنه إنما أعطاه الدينارين أن يبتاع له السلعة بالنقد من عنده الثمن عنه فهي إجارة وسلف ويكون للمأمور إجارة مثله إلا أن تكون أجرة مثله أكثر من الدينارين فلا يزاد عليهما على مذهب ابن القاسم في البيع والسلف إذا كان السلف من غير البائع، وفاتت السلعة أن للبائع أقل من القيمة بالغة ما بلغت يلزم أن يكون للمأمور هاهنا أجرة مثله بالغة ما بلغت وإن كانت أكثر من الدينارين، والأصح أن لا تكون له أجرة، لأنا إن جعلنا الأجرة كانت للسلف فكان تتميماً للربى الذي عقدا فيه وهو قول سعيد بن المسيب:
فهي ثلاثة أقوال
فيما يكون له من الأجرة إذا نقد المأمور الثمن بشرط وهذا إذا عثر على الأمر يحدثانه ورد السلف إلى المأمور قبل أن ينتفع به الآمر وأما إن لم
يعثر على الأمر حتى انتفع الآمر بالسلف قدوماً يرى أنهما كانا قصداً فلا
يكون في المسألة إلا قولان:
أحدهما: أن للمأمور أجرته بالغة ما بلغت
الثاني: أنه لا شيء له ولو عثر على الأمر قبل الابتياع وقبل أن ينقد المأمور الثمن لكان النقد من عند الآمر ولكان فيما يكون للأجير قولان:
أحدهما: أن له إجارة مثله بالغة ما بلغت
الثاني: أن له الأقل من إجارة مثله أو الدينارين، وابن حبيب يرى أن المأمور إذا نقد فقد تقدم الحرام بينهما فتدبر ذلك
وأما الثانية وهو أن يقول اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقداً وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل فذلك حرام لا يحل ولا يجوز لأنه رجل ازداد في سلفه فإن وقع ذلك لزمت السلعة للآمر لأن الشراء كان له وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ به منه أكثر منه إلى أجل، فيعطيه العشرة معجلة ويطرح عنه ما أربى، ويكون له جعل مثله بالغاً ما بلغ، في قول، والأقل من جُعْلِ مثلها أو الدينارين اللذين أربى بهما في قول، وفي قول سعيد بن
المسيب لا أجرة له بحال لأن ذلك تتميم للربا كالمسألة المتقدمة قال في سماع سحنون: وإن لم تفت السلعة فسخ البيع وهو بعيد فقيل: معنى ذلك إذا علم البائع الأول بعلمهما وأما الثالثة: هي أن يقول له اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقداً فذلك أيضاً حرام لا يجوز، ومكروهه أنه استأجر المأمور على أن يبتاع له السلعة بسلف عشرة دنانير تدفع إليه ينتفع بها إلى الأجل يردها إليه فيلزم الآمر السلعة باثني عشر إلى أجل ولا يتعجل المأمور منه العشرة النقد وإن كان قد دفعها إليه صرفها عليه ولم تترك عنده إلى الأجل وكان له جعْلُ مثله بالغاً ما بلغ في هذا الوجه باتفاق
وأما الرابعة: وهي أن يقول له اشتر سلعة كذا بعشرة نقداً وأنا أشتريها منك باثني عشر نقداً فاختلف في ذلك قول مالك فمرة أجازه إذا كانت البيعتان جميعاً بالنقد وانتقد، ومرة كرهه للمراوضة التي وقعت بينهما في السلعة قبل أن تصير في ملك المأمور
وأما الخامسة: وهي أن يقول اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقداً وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل فهذا لا يجوز، إلا أنه يختلف فيه إذا وقع، فروى سحنون عن ابن القاسم وحكاه عن مالك أن الآمر يكره الشراء باثني عشر إلى أجل لأن المشتري كان ضامناً لها لو تلفت في يده قبل أن يشتريها منه الآمر، ولو أراد أن لا يأخذها بعد اشتراء المأمور كان ذلك له، واستحب للمأمور أن يتورع فلا يأخذ من الآمر إلا ما نقد في ثمنها
وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني إن كانت السلعة قائمة وترد إلى المأمور فإن فاتت ردت إلى قيمتها معجلة يتم قبضها الآمر كما يصنع بالبيع الحرام لأنه كان على مواطأة بيعها قبل وجوبها للمأمور فدخله بيع ما ليس وأما السادسة: وهي أن يقول له اشترها لنفسك باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقداً فروى سحنون عن ابن القاسم أيضاً أن البيع لا يرد إذا فات ولا يكون على الآمر إلا العشرة، وأحب إليه أن لو أردفه الخمسة الباقية لأن العقدة الأولى كانت للمأمور ولو شاء المشتري لم يشتر، وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني على كل حال كما يصنع بالبيع الحرام للمواطأة التي كانت للبيع قبل وجوبها للمأمور فإن فاتت ردت إلى قيمتها يوم قبضها الثاني، وهو ظاهر رواية سحنون أن البيع يفسخ ما لم تفت السلعة وبالله سبحانه وتعالى التوفيق وهو الهادي إلي أقوم طريق
وقال الدردير (في الشرح الصغير 3 / 129) قالوا (1) :
" العينة: وهي بيع من طلبت منه سلعة للشراء وليست عنده، لطالبها بعد شرائها - جائز، إلا أن يقول الطالب: اشترها بعشرة نقداً، وأنا آخذها منك باثني عشر إلى أجل فيمنع فيه من تهمة (سلف جر نفعاً) ، لأنه كأنه
سلفه ثمن السلعة يأخذ عنها بعد الأجل اثني عشر " اهـ
وفي (الأم) للإمام الشافعي - رحمه الله تعالى:
(إذا أرى الرجل الرجل: السلعة، فقال: اشترها وأربحك فيها كذا فاشتراها الرجل فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعاً وإن شاء تركه وهكذا إن قال: اشتر لي متاعاً ووصفه له، أو متاعاً أي متاع شئت وأنا أربحك فيه فكل هذا سواء "
مما سبق يتبين أن صور تلك البيع هى شراء بالإنابة لصالح من أمر أو طلب الشراء ولكنه بيع غير ملزم أو ملزم فغير الملزم محرم لأن الشارى قد يكون ليس معه مال ويستلف المال للشراء ومن ثم يجعل الآمر أو الطالب المأمور قد استدان ولا يقدر على السداد إذا لم يبع ما طولب به فهى عملية خداع فى تلك الساعة وأما الملزم فيكون بيعا صحيحا بالإنابة ويكون ما يسمى الربح أجرة على الإنابة
وكما قلنا هذه الصور من المعاملات لا تكون فى المجتمعات المسلمة لأن سبب وجودها هو عدم توزيع الحكام مال الله وهو مال الناس عليهم بالعدل وهو التساوى كما قال تعالى " وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين"
وقد ذكر الباحث ضوابط لإحلال بيع المرابحة فقال:
"الضوابط الكلية التي تجعل (بيع المواعدة) أي (المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية) في دائرة الجواز هي على ما يلي:
1- خلوها من الالتزام بإتمام البيع كتابة أو مشافهة قبل الحصول على العين بالتملك والقبض
2- خلوها من الالتزام بضمان هلاك (السلعة) أو تضررها من أحد الطرفين: العميل أو المصرف، بل هي على الأصل من ضمان المصرف
3- أن لا يقع العقد المبيع بينهما إلا بعد قبض المصرف للسلعة واستقرارها في ملكه "
والأول كما قلنا يجيز مخالفة الوعد وهو ما لا يليق بمسلم لأنه لو فعل فقد كفر كما قال تعالى " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون"
والثانى يحمل طرف واحد فقط هلاك السلعة رغم كون طالب الشراء هو من طلب الشراء
والثالث اشتراط كون السلعة فى ملك المصرف مع أن طالب الشراء لا يملك ثمن السلعة فور امتلاك الأخر لها وهناك بيوع تتم رغم عدم وجود السلعة وهى حلال طالما كون السلعة المطلوبة معروف عددها وثمنها ومواصفاتها وطالما كان هناك أمان بين المسلمين

الجمعة، 15 مايو 2020

قراءة فى كتاب رسالة الخط والقلم

قراءة فى كتاب رسالة الخط والقلم
الكتاب من تأليف أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ)
والمفترض فى الرسالة ان تكون عن الكتابة حروفا وأدواتا وكيفية الكتابة ولكنها رسالة لغوية تشرح فقط المعنى اللغوى لكلمات متعلقة بالكتابة وأحيانا لا تشرح المعنى بل تذكر ألفاظ ومشتقات وأول الكلمات القلم حيث قال أبو محمد المذكور:
" القلم:
يسمى القلم الذي يكتب به قلما لأنه قلم وقطع ومنه قلمت أظفاري ومنه قيل قلامة الظفر لما يقطع منه وقال غيره: يقال للشيء الذي يقلم به مقلم
قال ابن قتيبة: وقد تسمى القداح أقلاما وإنما سميت بذلك لأنها تبرى قال الله عز وجل: (إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) قال: كانوا تشاحوا في كفالتها فضربوا عليها بالقداح فخرج قدح زكريا فكفلها وقال عبد الله بن عبد العزيز: كل قصبة قطعت منها قطعة فالقطعة قلم وكل عود نجر وعلم رأسه بعلامة فهو قلم وقال في قوله عز وجل: (إذ يلقون أقلامهم) : جاء في التفسير أنها كانت عيدانا مكتوب على رؤوسها أسماؤهم وجمع القلم: أقلام وقلام مثل جبل وجبال "
وما قيل هنا هو بناء على القلم الخشبى والقلم يطلق على أداة الكتابة التى قد تقطع وتبرى بالقاطع أى المبراة وقد تطلق على ما لا يبرى مثل الريشة التى تسمى ريشة الكتابة وقد تطلق على أصناف من الأدوات لا علاقة بالقطع مثل الأقلام ذات الحبر الجاف والحبر الطرى المسمى أقلام الحبر
وأما كون الأقداح بمعنى الأقلام فأمر مستبعد خاصة أن المقترعين على كفالة مريم(ص) كانوا علماء أى أحبار أى كتبة
والمفترض أن يتناول الكاتب ما جاء فى الوحى عن القلم مثل كونه أداة التعليم كما قال تعالى " الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم"
ومثل كونه يحتاج إلى مداد أى مادة للكتابة يزود لها كما قال تعالى : "ولو أنما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم"
لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مدد
ثم تناول برى القلم فقال:
"البري ووجوهه:
قال أبو عبيدة: لا يقال للقلم (قلم) حتى يبرى وإلا فهو قصبة ولا يقال للرمح (رمح) إلا وعليه سنان وإلا فهو قناة ولا يقال للمائدة (مائدة) إلا وعليها طعام وإلا فهي خوان ولا يقال للكأس (كأس) إلا وفيها شراب وإلا فهي زجاجة ولا يقال للسرير (أريكة) إلا وعليها حجلة وإلا فهي سرير ويقال من البري: بريت القلم أبريه بريا وبراية وقلم مبري غير مهموز فأنا بار للقلم ويقال لما يسقط منه عند البري (براية) على وزن فعالة والفعالة اسم لكل فضلة تفضل من شيء قليل أو كثير كالقمامة والكساحة والجرامة: وهو اسم لما بقى من كرب النخل فإذا أمرت من البري قلت: إبر قلمك بريا جيدا وبراية جيدة قال الشاعر:
يا باري القوس بريا ليس يحكمه لا تفسد القوس، أعط القوس باريها
وأصل البري الترقيق الإرهاف ومنه قيل: برت العلة جسم فلان إذا أنحلته لأن باري القلم يرق موضع سنه عن سائره
وتقول: قططت القلم أقطه قطا إذا قطعت سنه والأصل في القط القطع ومنه يقال ضربه على مقط شعره وهو حيث يقطع شعر الرأس من القفا ويقال للعود الذي يقط عليه القلم: مقط وجمعه مقاط وأنشد:
رابي المجس جيد المخط
كأنما قط على مقط
وتقول: قلم مقطوط وقطيط مثل مقتول وقيل وأنا قاط والأصل: قاطط كقولك: ضربت وأنا ضارب فأدغمت إحدى الطاءين في الأخرى فإذا أمرت منه قلت: قط قلمك وإن أظهرت التخفيف قلت: اقطط قلمك وتقول: قصمت القلم أقصمه قصما وهو مقصوم وأصل القصم الكسر ومنه قولهم: انقصمت ثنيته إذا انكسرت من عرضها ويقال: ثنية قصماء ورجل أقصم وامرأة قصماء فإن انكسرت الثنية طولا فهو أنقص وقد انقاصت ثنيته ويقال لسن القلم: الجلفة وهي مؤنثة مأخوذ من سن الإنسان وإذا تركت شحمه عليه ولم تأخذه قلت: أشحمت القلم فهو مشحم وإذا أخذت شحمه قلت شحمته أشحمه شحما وهو قلم مشحوم وإن استأصلت شحمه وأخذت من بطنه قلت: قلم مبطن وقد بطنته تبطينا ويقال للشحمة التي في رأس القلم: الضرة شبهت بضرة الإبهام فإذا أخذت الشحمة قيل لموضعها: الحفرة وهو قلم محفور ويقال: قلم مذنب إذا بريت له سن غليظة غير مشقوقة تصلح بها اللقية وقد ذنبت القلم تذنيبا؛ لأنه مفعول به وليس كقولهم: بسرة مذنبة لأن التذنيب ظهر منها فنسب الفعل إليها وكذلك: جرادة مذنبة وفرس ذنوب: إذا كان طويل الذنب وقلم ذنوب: طويل الذنب "
كعادة الكثيرين من الكتاب عندما يكتبون فيستطرودون ويبتعدون نجد ابن قتيبة يقول أقوال مثل " ولا يقال للرمح (رمح) إلا وعليه سنان وإلا فهو قناة ولا يقال للمائدة (مائدة) ...وعليها حجلة وإلا فهي سرير ....والأصل في القط القطع ومنه يقال ضربه على مقط شعره وهو حيث يقطع شعر الرأس من القفا .... فأدغمت إحدى الطاءين في الأخرى ....وأصل القصم الكسر ... وقد انقاصت ثنيته"
فتلك الأقوال لا علاقة لها ببرى القلم وكان من المفترض أن يتناول البرى مثل لقاطع مفرد أو لما يسمى البراية التى هى أداة تم اختراعها لبرى القلم الخشبى
قم نحدث عن الدواة فقال :
"الدواة:
تقول العرب: دواة ودياة ودوي ودوى مقصور وهو الجمع الكثير قال الشاعر:
دع الأطلال يندبها السوي ويبك على مغانيها الولي
وترقشها السواري والسوافي كما رقشت مهارقها الدوي
وتقول: أدويت دواة أي: اتخذت دواة وأنا مدو وإذا أمرت غيرك قلت: إدو يا فلان ويقال للذي يبيع الدوي: دواء كقولك: تبان وشعار وخياط ويقال للذي يعمل الدوي: مدو كما يقال للذي يصلح القنا: مقن قال الراجز:
كما أقام درءها المقني
ويقال للذي يحمل الدواة: داو كما يقال للذي يحمل السيف: سائف، والذي يحمل الرمح: رامح، والذي يحمل الترس تارس "
كالعادة أكثر من نصف الكلام لا علاقة له بالدواة التى يغمس القلم فيها مثل وإذا أمرت غيرك قلت: إدو يا فلان ويقال للذي يبيع الدوي: دواء كقولك: تبان وشعار وخياط ويقال للذي يعمل الدوي: مدو كما يقال للذي يصلح القنا: مقن قال الراجز:
كما أقام درءها المقني"
ثم تناول الليقة وهى صوفة أو قطنه توضع فى الدواة لتمتص الحبر فى الدواة حتى إذا مالت الدواة أو وقعت لا يضيع كل الحبر على الأرض فقال:
"الليقة:
يقال للصوفة والقطنة التي تكون في الدواة: ليقة وتجمع ألياقا وإنما سميت: ليقة؛ لأنها تحبس ما جعل فيها من السواد وتمسكه، مأخوذ من قولهم: "فلان ما تليق كفه درهما" أي: ما تحبسه فتمسكه وكف ما يليق بها درهم أي: ما تحبس ولا تستمسك قال الراجز:
كفاك: كف ما تليق درهما
جوادا، وكف تعط بالسيف الدما
وروى أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قال: دخل الأصمعي على الرشيد بعد غيبة غابها فقال: كيف حالك يا أصمعي؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما ألاقتني أرض أي ما حبستني حتى خرجت عنها فأمسك الرشيد فلما تفرق أهل المجلس قال له: ما معنى ألاقتني؟ قال: حبستني فقال الرشيد: لا تكلمني في مجلس العامة بما لا أعلم وتقول: ألقت الدواة فهي ملاقة ولقتها فهي مليقة إذا جمعت مدادها في صوفها وقطنها وقولهم: "ما يليق هذا الأمر بصفري" أي: قلبي أي ما يمسكه ويجتمع فيه وأنشد العامري:
لعمرك إن الحب يا أم مالك بجسمي جزاني الله منك للائق
ويقال: لقت الدواة وهي مليقة هذا إذا أصلحتها وزدت في سوادها فأما إذا لم تكن فيها ليقة فجعلت فيها ليقة فألقتها بالألف لا غير وإذا أمرت من ألقت قلت: ألق دواتك بقطع الألف إلاقة وأنت مليق وإذا أمرت من قولك: "لقت" قلت: لق الدواة ليقا جيدا وأنت لاق وقد أمهت الليقة أميهها إماهة فأنا مميه لها إذا أكثرت ماءها وقد ماهت فهي تماه وتموه وهي مائهة إذا كثر ماؤها
ويقال: صفت الدواة أصوفها صوفا: إذا جعلت فيها ليقة من صوف وكرسفتها أكرسفها كرسفة وكرسافا إذا جعلت فيها ليقة كرسف وهو القطن "
وكما هى العادة استطرد فقال مأخوذ من قولهم: "فلان ما تليق كفه درهما" أي: ما تحبسه فتمسكه .... فقال الرشيد: لا تكلمني في مجلس العامة بما لا أعلم.... وقولهم: "ما يليق هذا الأمر بصفري" أي...منك للائق"
فنصف الكلام هنا تقريبا لا علاقة له بموضوع الكتاب ثم تناول المداد وهو ما نسميه الحبر فقال :
"المداد:
يقال هو المداد وهي المداد لأنه جمع مدادة وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه يذكر ويؤنث مثل غمامة وغمام وحمامة وحمام وشجرة وشجر ويقال: مددت الدواة أمدها مدا وهي دواة ممدة إذا جعلت فيها مدادا فزدت فيها مدادا آخر تقول: أمددتها إمدادا فهي ممدة وكل شيء يزيد في شيء بنفسه فإنه يقال فيه: مده يمده قال الله تعالى: (والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) فإن كان الشيء يزيد في الشيء بغيره فهو بالألف يقال: أمددته بالرجال وبالمال قال الله تعالى: (وأمددناكم بأموال وبنين) ويقال لما أمد به السراج من الزيت: مداد وكل شيء أمددت به شيئا فهو مداد ومنه أخذ اسم المداد وأنشد الأخطل:
رأت بارقات بالأكف كأنها مصابيح سرج أيدت بمداد
أي: بزيت فسماه مدادا لأن السراج يمد به فهذا دليل على ما قلناه وتقول: استمدد من الدواة إذا أمرته أن يأخذ على القلم مدادا واستمدد فلانا إذا سألته أن يجعل على قلمك مدادا فيقول: قد أمددتك إمدادا وتقول: أمدني على قلمي مدادا وأمدني من دواتك أي: أمكني من مدادها فأستمد منه فإذا قطر من رأس القلم شيء من المداد قيل: رعف القلم يرعف وهو قلم راعف فإذا أخذت مدادا فقطر قلت: أرعفت القلم إرعافا وهو قلم مرعف وتقول: استمدد ولا ترعف أي لاتكثر المداد حتى يقطر القلم
الحبر
يقال للحبر: اللون يقال: إن فلانا لناصع الحبر يراد به اللون الناصع الصافي من كل لون قال ابن أحمر:
سبته بفاحم جعد وأبيض ناصع الحبر
يريد سواد شعرها وبياض لونها
ويقال: فلان قد ذهب حبره وسبره فالحبر: الحسن والسبر: الثياب والهيئة وقال الأصمعي: إنما سمي حبرا لتأثيره يقال: على أسنانه حبر إذا كثرت صفرتها حتى تضرب إلى السواد والحبر: الأثر يبقى على الجلد من الضرب يقال: قد أحبر جلده إذا بقي به أثر بضرب وأنشد:
لقد أشمتت بي أهل فيد وغادرت بكفي حبرا بنت مصان باديا
قال أبو العباس: وأنا أحسب أنه سمي بذلك لأن الكتب تحبر به أي تحسن وقال الأموي: إنما سمي الحبر حبرا لأن البليغ إذا حبر به ألفاظه وأتم بيانه أحضر معاني الحكم آنق من حبرات اليمن ومفوفات وشي صنعاء "
وعادة الاستطراد لغير الموضوع فى الفقرة هى" يقال هو المداد وهي المداد لأنه جمع مدادة وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه يذكر ويؤنث مثل غمامة ...السراج يمد به فهذا دليل على ما قلناه"ومثل"يقال: إن فلانا لناصع الحبر يراد به اللون الناصع الصافي
....بكفي حبرا بنت مصان باديا"
وكما قلنا ما يذكره لا علاقة بموضوع الكتاب والمفترض أن يتناول هنا أنواع المداد ومواد تصنيعه وليس مجرد تعريفه لغويا
قم تكلم عن لفظ الكتاب فقال :
"الكتاب:
قال أبو عبيدة وغيره من أهل اليمن: يسمى الكتاب كتابا لتأليف حروفه وانضمام بعضها إلى بعض وكل شيء جمعته وضممت بعضه إلى بعض فقد كتبته قال الشاعر:
لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
أي: ضم شفري حيائها واجمعهما وتقول: قد كتبت الكتاب كتبا وكتابا وكتابة ومكتبة إذا جمعت بين حروفه وضممت بعضها إلى بعض وأنا كاتب والجمع: كاتبون وكتاب وكتبة وكتب
ويقال للخيل إذا جمعت وضم بعضها إلى بعض: كتيبة ويقال: كتب الرجل إذا خط وأكتب يكتب إكتابا إذا صار حاذقا بالكتاب ويقال: أتيت فلانا فأكتبته إذا وجدته كاتبا كقولهم: أبخلته: وجدته بخيلا وأسخيته: وجدته سخيا ويقال: قد استكتب فلان: إذا ادعى أن يكون كاتبا والمكتب: المعلم والمكتب: الموضع الذي يكتب فيه والمكتب: الموضع الذي يتعلم فيه الكتابة وتقول: قد كتبت الغلام أكتبه تكتيبا وأكتبته إكتابا إذا علمته الكتابة وتقول: قد كاتبت فلانا أي: خايرته فكتبته أي: غلبته في جودة الخط فكنت أكتب منه فهو مكتوب كقولك: فاخرته ففخرته أي: فكنت أفخر منه وفاطنته ففطنته أي: كنت أفطن منه ويقال للحافظ العالم: الكاتب ومنه قول الشاعر:
أوصيت بالحسناء قلبا كاتبا
وزخرفته: إذا حسنته وزينته ونمقته
وأنشد المرقش:
الدار وحش والرسوم كما رقش في ظهر الأديم قلم
وبهذا البيت سمي المرقش
وتقول العرب: زبرت الكتاب أزبره زبرا وزبورا إذا كتبته والزبر: الكتب واحدها زبور وهو فعول في موضع مفعول كما قالوا: ناقة ركوب حلوب أي: مركوبة ومحلوبة وقد يكون زبور بمعنى زابر أي: كاتب كقولك: ضارب وضروب قال امرؤ القيس:
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت كخط زبور في صحائف رهبان
أي: بخط كاتب وقال أبو ذؤيب:
عرفت الديار كرقم الدوا ة يزبره الشاعر الحميري
أي: يكتبه ومن رواه: يذبره بالذال أراد: يقرؤه وقوله: كرقم الدواة أي: بالكتابة بالدواة قال الله عز وجل: (كتاب مرقوم) وقال الشاعر:
سأرقم بالماء القراح إليكم على نأيكم إن كان للماء راقم"
نفس عادة الاستطراد مثل " وكل شيء جمعته وضممت بعضه إلى بعض فقد كتبته قال الشاعر:
لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
أي: ضم شفري حيائها واجمعهما"
والمفترض بكتاب يتناول الخط والقلم ان يتناول الكتاب ظاهريا مثل تكونه من ورقات وغلاف وعنوان و باطنيا وهى أصول الكتابة ولكنه تناول حذر كتب اللغوى ولم يفدنا بشىء
ثم تناول شىء من فنون الكتابة وهو المط فقال :
"المط:
المط في الكتاب والمد سواء تقول: مططت الحرف أي: مددته وهو حرف ممطوط وأنا ماط والأصل: ماطط على وزن فاعل أدغمت إحدى الطاءين في الأخرى فإذا أمرت قلت إذا أدغمت: مط حروفك يا فتى والطاء والتاء والدال يتعاقبن فجعل بعضهن مكان بعض لأنهن مهجورات متقاربات المخارج من الفم ومنه يقال: متتت إلى فلان بكذا وكذا أي: مددت إليه به فالتاء في موضع الدال لقربها منها "
والسطور الستة خمسة منها لا علاقة لها بالكتابة وإنما كلام لغوى ثم تناول شىء من فنون الكتابة وهو التطليس فقال:
"التطليس:
والتطليس في الكتاب مثل الترميد والاسم الطلسة وإنما أخذ من الطيلساء ممدود وهي لون الليل ومنه قيل للطيلسان الأزرق: طيلسان قال الشاعر:
ألا روائد في المحلة بينها كالطيلسان من الرماد الأزرق
ومنه قيل: ذئب أطلس وهو الذي يشبه لونه لون الرماد "
الفقرة بأكملها لا تعرفنا معنى التطليس ولا حتى الترميد الذى شبهه به ومعناه حسب المعاجم فساد الخط أو محو الكتابة مع بقاء أجزاء منها فى الصفحة دون محو
ثم تناول القرطاس فقال :
"القرطاس
تقول العرب: قرطاس وقرطاس وقرطاس ثلاث لغات وقرطس وقراطس مثل: درهم ودراهم
وتقول: قد تقرطست قرطاسا: إذا كتبت في القرطاس وأنا مقرطس بقرطاس
وتقول: قد قرطسنا فلان إذا أتى بقرطاس "
مفس الخبل السالق فلا يوجد تعريف للقرطاس وإنما هو رص كلام لغوى والقرطاس هو الصفحة أو ورقة الكتابة كما قال تعالى "ولو نزلنا عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين"
فالمكتوب وهو الكتاب يكون فى ورقة
ثم تناول السحاة فقال:
"السحاة
تقول: سحاة وسحا: قشر تقول: أسحيت الكتاب أسحيه إسحاء: إذا جعلت عليه سحاة وإذا أمرت قلت: أسح كتابك أي: اجعل عليه سحاة، وهو كتاب مسحى وإذا أمرت قلت: سح كتابك وتقول: سحوت القرطاس أسحوه سحوا وسحيته أسحاه سحيا إذا أخذت منه سحاة وهو قرطاس مسحو من قولك: سحوت ومسحي من قولك: سحيت وأصل السحو: القشر ومنه يقال: سحوت الطين عن رأس الدن: إذا قشرته ومنه سميت المسحاة مسحاة لأنها تقشر الأرض وجمع السحاة: سحاءات وسحاء وجمع السحاية: سحايات وسحايا "
كلام لغوى يحتاج لمن يشرحه وكان يكفيه أن يقول السحاة الممحاة أى الأداة التى تمحو الكتابة من الورقة وقد وجدت فى المعاجم شىء واحد وهو أن السحاية هى القرطاس نفسه
ثم تناول التراب فقال:
"التراب
تقول: أتربت الكتاب أتربه إترابا وتربته تتريبا إذا ألقيت عليه التراب وإذا أمرت قلت: أترب كتابك إترابا جيدا وتربه تتريبا وكتاب مترب من قولك: أتربت ومترب من قولك: تربت وتقول إذا ألقيت عليه الأشارة وهي ما ألقاه الميشار: أشرت أؤشر تأشيرا "
لا أدرى ما علاقة نشارة الخشب بتتريب الكتاب الذى يعنى فى مفهومى العام إلقاء التراب وهو ذرات الغبار على الكتاب ؟
ثم ذكر العنوان فقال :
"العنوان
تقول العرب: هو عنوان الكتاب وعنيانه وقد معنون وعننته تعنينا وهو كتاب معنن ويقال: عنوان كل شيء أثره قال حسان بن ثابت:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
أي: أثر السجود بين بوجهه وجمع العنوان: عناوين "
هل فهم القارىء معنى العنوان من هذا الكلام ؟
لا أعتقد فالعنوان هو اسم الكتاب الدال على موضوعه الذى يتحدث عنه
ثم تحدث عن الطين فقال :
"الطين:
تقول: طنت الكتاب أطنته طينا مفتوح الطاء إذا جعلت عليه طينا وهو كتاب مطين وأنا طائن وإذا أمرت قلت: طن الكتاب طينا جيدا قال الشاعر:
وعن الكتاب إذا أردت جوابه وطن الكتاب لكي يسر ويكتما
فإذا أعدت الطين مرة بعد مرة على الكتاب أو غيره قلت: طينته تطيينا وهو مطين ويقال للذي يجعل فيه الطين: مطينة "
لن يفهم القارىء شىء عن علاقة الطين بالكتاب من خلال هذه الفقرة فبدلا من ان يقول الكاتب أن التطيين هو ختم الكتاب بقطعة من الطين منقوش عليها اسم الكاتب او ما شابه ذكر ما ذكره
ثم تحدث عن الخاتم فقال :
"الخاتم:
يقال: خاتم وخاتم وخاتام وخيتام وخاتيام
وأنشدوا في الخيتام:
ولقد وعدت وأنت أكرم واعد لا خير في وعد بغير تمام
إن الأمور حميدها وذميمها في الناس مثل عواقب الخيتام
وأنشدوا في الخاتيام:
أخذت من سعداك خاتياما
لموعد يكسبك الآثاما
وتقول: نظرت إلى الكتب فأختمتها أي: وجدتها مختومة كقولك: أبخلت الرجل: وجدته بخيلا ويقال في الختم: الختام ولا يقال: الخاتم "
نفس الأمر السابق وهو عدم فهم شىء عن علاقة الكتاب بالخاتم والخاتم هو نقش يكون على الكتاب دليل على ملكية صاحب الخاتم للكتاب أو ملكية المكتبة له أو دليل على اسم الكاتب
ثم تكلم عن القراءات فقال :
"القراءات ووجوهها
يقال: قرأت الكتاب أقرؤه قراءة وأنا قارئ وهو كتاب مقروء وإذا أمرت قلت: اقرأ هذا الكتاب فإن لقي الفعل ألفا ولاما كسرت الهمزة فقلت: اقرأ الكتاب وأصل القراءة جمع بعض الحروف إلى بعض وإنما سمي (القرآن) قرآنا لاجتماع بعض سوره على بعض قال الله تعالى: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) أي: إذا جمعناه فاتبع جمعه ويقال: إذا ألفناه وقال أبو عبيدة: تقول: قد قرأ البعير العلف إذا جمعه في شدقه قال عمرو بن كلثوم:
ذراعي حرة أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا
أي: لم تجمعه في رحمها ومنه قولهم: "ما قرأت الناقة سلى قط" أي: لم تجمعه ولم تشتمل عليه والسلى: الجلدة الرقيقة تكون على رأس المولود إذا خرج من بطن أمه ومنه قولهم للحوض: مقراة لأنه يجمع فيه الماء ومنه سميت القرى لأنها مجامع الناس الذين ينزلونها "
لم يعرفنا هنا القراءات ولا وجوهها وإنما استطرد كما هى العادة وعرف الماء بالماء كما يقال فالقراءات هى طرق يختلف فيها نطق الكلمة مع كون رسمها الكتابى واحد بالكسر أو الفتح أو الضم أو الجزم
ثم عرف الديوان فقال :
"الديوان
ديوان أصله دوان كذلك الدينار والقيراط: دنار وقراط فكرهوا التضعيف والكسرة فأبدلوا من المضاعف الأول الياء للكسرة فإذا زالت الكسرة واتصل أحد الحرفين من الآخر رجع التضعيف فقلت: دنينير وقريريط ودويوين قال الأصمعي: والديوان أعجمي في الأصل عربته العرب وكان أصله "أي ديوانه" وأول من قال ذا كسرى وكان أمر الكتاب أن يجتمعوا في داره ويعملوا حساب السواد في ثلاثة أيام وأعجلهم في ذلك وأخذوا فيه فاطلع عليهم فرأى قوما يحسبون كأسرع ما يكون من الحساب ويكتبون فعجب من سرعة حركتهم فقال: "أي ديوانه" أي هؤلاء شياطين وسمي موضعهم ديوانا فاستعملت العرب هذا الاسم حتى جعلوا لكل محصل مجموع من شعر أو كلام أو حساب ديوانا والعون من أعوان الديوان مشتق من الإعانة تقول: أعنته أعينه إعانة ومعونة فجعل العون اسما للمعين وجمعه أعوان "
الرجل ذكر أصل كلمة ديوان اللغوى وأول من نطق به والمفترض ان يبين له ما يريده بذكره وهو :
أن الديوان هو مكان تجمع الكتبة لكتابة أمر ما يهم الناس
ثم ذكر التاريخ فقال :
"التاريخ:
تقول: أرخت الكتاب وأؤرخه تأريخا وهو كتاب مؤرخ، مهموز، وأنا مؤرخ وورخته أورخه توريخا وهو مورخ بغير همز وأنا مورخ وأرخته بالتخفيف أرخه أرخا وهو كتاب مأروخ وأنا آرخ على مثال فاعل وإذا أمرت قلت: أرخ الكتاب تاريخا وإذا أمرت من: ورخت قلت: ورخ الكتاب توريخا وإذا أمرت من: أرخت مخففة قلت: رخ الكتاب ريخا وللاثنين ريخا وللجمع: ريخوا "
هل فهم القارىء معنى التاريخ من الفقرة ؟
اعتقد أنه لم يفهم شىء فبدلا من أن يقول ببساطة تأريخ الكتاب يعنى كتابة اليوم والشهر والسنة وأحيانا الدقيقة والساعة فى موضع من الصفحة المكتوبة أدخلنا فى مشتقات الكلمة دون توضيح
ومن ثم فهذا الكتاب ليس عن الخط والقلم وإنما هو أضلال للناس لم يكتبه ابن قتيبة وإنما كتبه أحد الكفار ونسبه لذلك الاسم فالكتاب لن يستفيد منه القارىء شىء وإنما هو تضييع لوقت القارىء فالمسلم عندما يكتب كتابا لابد أن يكون مفيدا كتابا يعلم المسلمين شيئا

الخميس، 14 مايو 2020

قراءة فى كتاب أعجمي فالعب به

قراءة فى كتاب أعجمي فالعب به
الكتاب من تأليف إبراهيم بن عبدالله المديهش وهو من أهل عصرنا وكان عبارة عن مقالات نشرت فى الصحف وجمعت فى هذا الكتاب وقد استهل الكتاب بالمقدمة التالية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:
فهذا مقال علمي عن ظاهرة غريبة على لغتنا وعاداتنا أشرت في نهاية مقالي السابق «الرطانة» إلى قاعدة أئمة اللغة العربية ـ رحمة الله عليهم ـ في تغيير الكلم الأعجمية عند نقلها: «أعجمي فالعب به»؛ لتوافق موازين العربية ولهجاتها، وأن التقعر والتكلف في نطق المفردة الأعجمية ـ إن كان حديثه بالعربية ـ والاتيان بنبرتها الدخيلة من أمارات المهانة النفسية، والاستهانة بلغة القرآن
إن من حماية الأئمة للغة القرآن أن ضبطوا موازين اللغة، وحفظوا لهجات العرب، ولم يدخلوا في كتبهم وألسنتهم لفظة أعجمية ـ معربة أو
دخيلة ـ إلا بعد مرورها على المواصفات والمقاييس، فيلجأون ـ وهم في غاية الثقة والطمأنينة ـ إلى تبديل اللفظة الأعجمية لتوافقهم، لا لتبديل لسانهم موافقة للعجمة! وفي زماننا نشاهد العكس، والفرق بينهما كما بين العزة والذلة!"
إذا موضوع كتابنا هو نطق الكلمات الغريبة عن اللغة العربية أى الكلمات المنقولة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية وفى المقدمة خطأ وهو أن نقل اللفظ للعربية كما هو ذل نفسى واستهانة باللغة العربية والمسألة لا تعدو كونها شىء يحدث فى كل اللغات عند نقل بعض ألفاظ اللغات الأخرى إليها ومن ثم طبقا لكلامه فكل أهل اللغات أذلاء نفسيا لأن كل لغة فيها ألفاظ من لغات أخرى دون استثناء
ثم نقل كلمة قال فيها:
"قال الشيخ العلامة د بكر أبو زيد - رحمه الله -: (وإن العلماء في لغة العرب ـ شكر الله سعيهم ـ قد بذلوا جهودا مكثفة في القديم والحديث، فأنشؤا سدودا منيعة، وحصونا حصينة للغة القرآن عن عوادي الهجنة والدخيل، ويظهر ذلك في المجامع ـ وهي كثر ـ، وفي كتب الملاحن ـ وهي أكثر ـ، فدب يراعهم، وسالت سوابق أقلامهم، وانتشرت سوابح أفكارهم في نقض الدخيل، ونفي المقرف الهجين، فحمى الله ـ سبحانه ـ اللغة حماية لكتابه ) "
ووصف ألفاظ اللغات الأخرى بالمقرف هو وصف خاطىء لأن اللغات وهى الألسن من خلق الله كما قال تعالى " "ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم "وخلق الله حسن كما قال تعالى " الذى أحسن كل شىء خلقه "
والرجل فى الفقرة جعل هناك حربا لغوية بألفاظ سدودا منيعة وحصونا حصينة وهى ليست حربا وإنما هو جهل الناس ووجود حكام لا يهتمون سوى بمصالحهم
ثم نقل الكاتب نقولا من بطون كتب اللغة والنحو عن كون أهل اللغة العربية يغيرون الكلمات الأجنبية حتى تتوافق مع أوزانها وتنفى الحروف الأجنبية التى ليست فيها والنقول هى :
"وإلى شذرات من نصوص الأئمة والأكابر، حول القاعدة الشهيرة، وفي كل نص زيادة معنى:
1 قال سيبويه (ت 180 هـ) - رحمه الله -: (باب ما أعرب من الأعجمية اعلم أنهم مما يغيرون من الحروف الأعجمية ما ليس من حروفهم البتة، فربما ألحقوه ببناء كلامهم، وربما لم يلحقوه فأما ما ألحقوه ببناء كلامهم فدرهم، ألحقوه ببناء هجرع وبهرج ألحقوه بسلهب ودينار ألحقوه بديماس وديباج ألحقوه كذلك وقالوا: إسحاق فألحقوه بإعصار، ويعقوب فألحقوه بيربوع، وجورب فألحقوه بفوعل وقالوا: آجور فألحقوه بعاقول وقالوا: شبارق فألحقوه بعذافر ورستاق فألحقوه بقرطاس لما أرادوا أن يعربوه ألحقوه ببناء كلامهم كما يلحقون الحروف بالحروف العربية وربما غيروا حاله عن حاله في الأعجمية مع إلحاقهم بالعربية غير الحروف العربية، فأبدلوا مكان الحرف الذي هو للعرب عربيا غيره، وغيروا الحركة وأبدلوا مكان الزيادة، ولا يبلغون به بناء كلامهم، لأنه أعجمي الأصل، فلا تبلغ قوته عندهم إلى أن يبلغ بناءهم وإنما دعاهم إلى ذلك أن الأعجمية يغيرها دخولها العربية بإبدالها حروفها، فحملهم هذا التغيير على أن أبدلوا وغيروا الحركة كما يغيرون في الإضافة إذا قالوا هني نحو زباني وثقفي وربما حذفوا كما يحذفون في الإضافة، ويزيدون كما يزيدون فيما يبلغون به البناء وما لا يبلغون به بناءهم، وذلك نحو: آجر، وإبريسم، وإسماعيل، وسراويل، وفيروز، والقهرمان قد فعلوا ذا بما ألحق ببنائهم وما لم يلحق من التغيير والإبدال، والزيادة والحذف، لما يلزمه من التغيير وربما تركوا الاسم على حاله إذا كانت حروفه من حروفهم، كان على بنائهم أو لم يكن، نحو: خراسان، وخرم، والكركم وربما غيروا الحرف الذي ليس من حروفهم ولم يغيروه عن بنائه في الفارسية نحو: فرند، وبقم، وآجر، وجربز
باب اطراد الإبدال في الفارسية
يبدلون من الحرف الذي بين الكاف والجيم: الجيم، لقربها منها ولم يكن من إبدالها بد؛ لأنها ليست من حروفهم وذلك نحو: الجربز، والآجر، والجورب وربما أبدلوا القاف لأنها قريبة أيضا، قال بعضهم: قربز، وقالوا: كربق، وقربق ويبدلون مكان آخر الحرف الذي لا يثبت في كلامهم، إذا وصلوا، الجيم وذلك نحو: كوسه، وموزه؛ لأن هذه الحروف تبدل وتحذف في كلام الفرس، همزة مرة وياء مرة أخرى فلما كان هذا الآخر لا يشبه أواخر كلامهم صار بمنزلة حرف ليس من حروفهم وأبدلوا الجيم، لأن الجيم قريبة من الياء، وهي من حروف البدل " إلخ الباب "
دلني على هذا النص في كتاب سيبويه، الأستاذ الفاضل: فيصل بن علي بن أحمد المنصور ـ جزاه الله خيرا ـ
2 قال ابن السراج (ت 316 هـ) - رحمه الله -: (الكلام الأعجمي يخالف العربي في اللفظ كثيرا، ومخالفته على ضربين: أحدهما: مخالفة البناء والآخر: مخالفة الحروف فأما ما خالف حروفه حروف العرب فإن العرب تبدله بحروفها ولا تنطق بسواها، وأما البناء وربما غيروا الحرف العربي بحرف غيره؛ لأن الأصل أعجمي إلى أن قال: والعرب تخلط فيما ليس من كلامها إذا احتاجت إلى النطق به، فإذا حكي لك في الأعجمي خلاف ما العامة عليه، فلا ترينه تخليطا ممن يرويه)
3 وقال ابن خالويه (ت 370 هـ) - رحمه الله - بعد أن ذكر اللغات في «إبراهيم»: (وقد عرفتك اتساع العرب في الأسماء الأعجمية إذا عربتها)
4- وقال ابن جني (ت 392 هـ) - رحمه الله -: قال أبو علي ـ أي الفارسي ـ: (ولكن العرب إذا اشتقت من الأعجمي خلطت فيه) وقال أيضا: ( فذلك من تخليط العرب في الاسم الأعجمي وقال أبو علي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه
وقال أيضا - رحمه الله -: أما ما رواه ابن مجاهد عن ابن مسعود من «إدريس» و «إدراسين» فيجب أن يكون من تحريف العرب الكلم الأعجمي؛ لأنه ليس من لغتها، فتقل الحفل به، وقد ذكرنا مثله وجاء بلفظ فتلعبت به في الموضع التالي: (فأما الخلاف الذي في باب جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، وإبراهيم، ونحو ذلك فالعذر فيها أنها أسماء أعجمية، ولام التعريف لا تدخلها؛ فبعدت عن أصول كلام العرب، واجترأت عليه وتلعبت بها لفظا، تارة كذا، وأخرى كذا)
5- قال الجوهري (ت 393 هـ) - رحمه الله -: وتعريب الاسم الأعجمي: أن تتفوه به العرب على منهاجها
6 -قال ابن فارس (ت 395 هـ) - رحمه الله -: (حدثني علي بن أحمد الصباحي قال: سمعت ابن دريد يقول: حروف لا تتكلم العرب بها إلا ضرورة، فإذا اضطروا إليها؛ حولوها عند التكلم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها وذلك كالحرف الذي بين الباء والفاء مثل: بور إذا اضطروا قالوا: فور قال ابن فارس: وهذا صحيح؛ لأن بور ليس من كلام العرب،فلذلك يحتاج العربي عند تعريبه إياه أن يصيره فاء)
7- قال ابن سيده (ت 458 هـ) - رحمه الله -: (ولكن العرب إذا اشتقت من الأعجمي؛ خلطت فيه)
8 -قال الجواليقي (ت 540 هـ) - رحمه الله -: (باب معرفة العرب في استعمال الأعجمي اعلم أنهم كثيرا ما يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها، فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجا، وربما أبدلوا ما بعد مخرجه أيضا والإبدال لازم؛ لئلا يدخلوا في كلامهم ما ليس من حروفهم )
9 -وقال سلامة الأنباري (ت 590 هـ) - رحمه الله -: (كثيرا ما تغير العرب الأسماء الأعجمية إذا استعملتها)
10- قال العكبري (ت 616 هـ) - رحمه الله -: (والاسم الأعجمي إذا وقع إلى العرب غيرته)
11 -قال القرطبي (ت 671 هـ) - رحمه الله -: [قوله تعالى: (والذين هادوا) معناه: صاروا يهودا، نسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب - عليه السلام -، فقلبت العرب الذال دالا؛ لأن الأعجمية إذا عربت غيرت عن لفظها]
12- قال الرضي محمد الأستراباذي (ت 688 هـ) - رحمه الله -: ( ولذلك قالوا: أعجمي فالعب به ما شئت)
13 -قال أبو حيان (ت 745 هـ) - رحمه الله - في حديثه عن اسم «جبريل»: (وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية، حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة)
14 -قال ابن القيم الجوزية (ت 751 هـ) - رحمه الله - لما ذكر إلياس وآل ياسين والكلام حوله: (ولا سيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعجمي، وتغييرها له، فيقولون مرة: إلياسين، ومرة إلياس، ومرة ياسين، وربما قالوا: ياس )
15- قال ابن حجر (ت 852 هـ) - رحمه الله -: (الاسم الأعجمي إذا نطقت به العرب لم تبقه على أصله غالبا)
16 -قال أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد الدمشقي (ت 854 هـ) - رحمه الله -: (اسمه تيمور، بتاء مكسورة مثناة فوق، وياء ساكنة مثناة تحت، وواو ساكنة بين ميم مضمومة وراء مهملة هذه طريقة إملائه، وفي التصريف زنة بنائه، لكن كره الألفاظ الأعجمية، إذا تداولها صولجان اللغة العربية؛ خرطها في الدوران على بناء أوزانها، ودحرجها كيف شاء في ميدان لسانها، فقالوا في هذا تارة «تمور» وأخرى «تمرلنك»، ولم يجر عليهم في ذلك حرج ولا ضنك، وهو بالتركي الحديد ابن ترغاي بن أبغاي )
17 -وقال العصام إبراهيم بن محمد الاسفرائيني من علماء البلاغة (ت 951 هـ) - رحمه الله -: (وللعرب التصرف في ألفاظ العجم، ولهذا يقال: هو أعجمي فالعب به ماشئت)
18 -قال محمد الطاهر عاشور (ت 1393 هـ) - رحمه الله -: (ومن أقوالهم وأمثالهم: أعجمي فالعب به)
19 -قال الرافعي (ت 1356 هـ) - رحمه الله - عند حديثه عن الدخيل في اللغة: (وبالجملة، فإنهم لم يتناولوا اسما من أسماء الأجناس أو الأعلام إلا غيروه متى كان فيه ما ليس من حروفهم، وربما عادوا فغيروا في الحروف العربية أيضا، وتصرفوا في الكلمة بالحذف والزيادة، مبالغة في تحقيق الجنسية اللغوية؛ أما إن كانت حروف الاسم الأعجمي من جنس حروفهم فقد يتركونه على حاله، نحو: خراسان؛ إذ ليس في أبنيتهم فعالان، وخرم ألحقوه ببناء سلم فموضع التصرف كما رأيت إنما هو في حروف الكلمة، حتى تخرج على وجه من الوجوه العربية الفطرية، التي لا يراعى فيها غير الخفة والثقل، وليس غير الحرف اللفظي ما يغمز مواضع الإحساس من ألسنتهم، كما فصلناه في بابه )
وذكر - رحمه الله - مسألة نادرة في استعمال الدخيل مع وجود الرديف العربي، وكل ماجمعوه منها نيف وعشرون لفظة
20 -انتقد العلامة أحمد شاكر (ت 1377 هـ) - رحمه الله - قرارات «مجمع اللغة العربية في مصر» في مسائل التعريب، وكان ذلك في ذي الحجة (سنة 1360 هـ)، قال: (والقارئ لقرارات الأعلام التي أقرها المجمع، يرى فيها معنى واحدا يجمعها، وروحا واحدا يسيطر عليها الحرص على أن ينطق أبناء العربية بالأعلام التي ينقلون إلى لغتهم بالحروف التي ينطقها بها أهلوها، وقسر اللسان العربي على ارتضاخ كل لكنة أعجمية لامثال لها في حروف العرب، وتسجيل هذه الغرائب من الحروف برموز اصطلاحية تدخل على الرسم العربي، تزيدا في الحروف
وتكثرا وذكر كلاما رائعا
ثم قال - رحمه الله -: فإذا أردنا أن نضع قاعدة لتعريب الأعلام على مثال لغة العرب، وجب أن نستقصي كل علم أعجمي نطق به العرب، وماذا كان أصله في لغة أهله، وماذا صنع فيه العرب حين نقلوه؛ لنأخذ من ذلك معنى جامعا لصنعهم، يكون أساسا لما نضع من قاعدة أو قواعد، وأكثر الأعلام التي نقل العرب، وأوثقها نقلا، ما جاء في القرآن الكريم من أسماء الأنبياء وغيرهم، فلو شئنا أن نخرج منها معنى واحدا تشترك كلها فيه، بالاستقصاء التام، والاستيعاب الكامل، وجدنا فيها معنى لايخرج عنه اسم منها، وهو: (أن الأعلام الأجنبية تنقل إلى العربية مغيرة في الحروف والأوزان، إلى حروف العرب وحدها، وإلى أوزان كلمهم أو مايقاربها، وأنها لاتنقل أبدا كما ينطقها أهلها) فهذا الاستقصاء والاستيعاب يخرج إذن قاعدة على النقيض من القواعد التي قررها المجمع اللغوي إلخ
فائدة : للأستاذ: خالد بن سعود العصيمي رسالة ماجستير (عام 1419 هـ) بعنوان «القرارات النحوية والتصريفية لمجمع اللغة العربية بالقاهرة جمعا ودراسة وتقويما إلى نهاية الدورة الحادية والستين عام 1415 هـ»
فائدة : قال خالد الأزهري (ت 905 هـ) - رحمه الله -: (والفرق بين المعرب وغيره: أن العرب إذا استعملت الأعجمي، فإن خالفت بين ألفاظه فقد عربته، وإلا فلا)
وللفرق بين المعرب والدخيل والأعجمي، ينظر: «تداخل الأصول اللغوية» د الصاعدي (2/ 676):
وكل النقول السابقة متفقة تقريبا على أن أهل اللغة يغيرون اللفظ لأوزان لغاتهم أو يغيرون بعض حروفها وهو كلام ليس صائبا تماما فبعض الألفاظ تبقى كما هى مثل فلسفة وفيلسوف وكوميديا ودراما وهو ما أشار إليه بنقله الكلام التالى:
"فائدة علق د رمضان عبدالتواب (ت 1422 هـ) - رحمه الله - على قرار مجمع اللغة: (يجيز المجمع أن يستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة، على طريقة: العرب في تعريبهم)
فقال - رحمه الله -: (وفي رأيي أن اللغة لا تفسد بالدخيل بل حياتها في هضم هذا الدخيل؛ لأن مقدرة لغة ما على تمثل الكلام الأجنبي، تعد مزية وخصيصة لها إن هي صاغته على أوزانها، وصبته في قوالبها، ونفخت فيه من روحها والحق أن مشكلة تعريب ألفاظ العلم ومستحدثات الحضارة، هي مشكلتنا الحقيقية في العصر الحديث ومجامعنا العلمية لم تستطع حتى الآن معالجة هذه المشكلة معالجة حاسمة، فإنها تنتظر حتى يشيع اللفظ الأجنبي على كل لسان، وتستخدمه العامة والخاصة، وتنشره وسائل الأعلام المختلفة، ثم تسعى بعد فوات الأوان إلى محاربته، والبحث عن بديل له عند العرب القدماء، وبذلك يولد هذا اللفظ ميتا، لاشتهار اللفظ الأعجمي، وشيوعه على الألسنة وكم من ألفاظ وضعتها المجامع اللغوية لمستحدثات الحضارة، غير أنها لم تتجاوز أبواب هذه المجامع، فمثلا: «المذياع» للراديو، و «المأوى» للوكاندة، و «الخيالة» للسينما و«الطارمة» للكشك، و«الملوحة» للسيمافور، و «المرناة» للتليفزيون، وغير ذلك من الألفاظ، ولدت ميتة لهذا السبب الذي ذكرته
ولو أننا سمينا مستحدثات الحضارة بأسماء عربية، واصطلحنا على هذه التسمية أو تلك، عند أول ظهور هذا المستحدث الحضاري أو ذاك، وعملت وسائل الإعلام المختلفة عندنا، على ذيوعه وانتشاره، لارتبط في أذهان الناس بمسماه، وقضينا على هذه المشكلة من أساسها
وإنك لتعجب حين ترى الألمان يقومون في لغتهم بمثل ما ننادي به هنا، فمعظم المخترعات الأجنبية لها عندهم أسماء ألمانية خالصة وفي قدرتنا النسج على هذا المنوال للحفاظ على عروبة لغتنا، أمام هذا الغزو الهائل من الألفاظ الأجنبية، وفي ذلك حياة للغة، وتجديد لشبابها)
ــ وقد علق الأمير الشهابي على قيد «الضرورة» الوارد في قرار المجمع بقوله: (أرى أن قيد «الضرورة» الذي وضعه المجمع للتعريب هو ضرورة، أقول هذا لأنني عارف بسخافات بعض أساتيذ العلوم الحديثة، الذين عربوا ألفاظا علمية أعجمية، كان في استطاعتهم أن يجدوا لها ألفاظا عربية مقبولة بقليل من الجهد، ومن المعرفة بأصول تلك الألفاظ الأعجمية وبمعانيها) "
هذا الكلام وضع يدع على بعض أسس المشكلة وهى :
أن المترجمين لا يكلفون أنفسهم وضع اللفظ العربى للشىء أو المفهوم بدلا من نقل اللفظ الأجنبى كما هو
بعد المجامع اللغوية عن الواقع
والأهم من هذا كله هو أن الدولة لا تضع فى تعليمها ولا فى وسائل إعلامها عدم قول أى تحريم قول أى لفظ أجنبى والعمل على نشر البديل العربى له ولذا وجدنا ألفاظ كالتلفزيون والكمبيوتر تنتشر بدلا من المرناه والحاسوب أو الحاسب
الإعلام يعد عامل الفساد الأكبر فى شيوع تلك الألفاظ الأجنبية خاصة فى مجال المرناه حيث أن العدد الأكبر من الإعلاميين العاملين فيه هم خريجى كليات ومدارس أجنبية وللأسف يختارون بناء على الواسطة والمحسوبية وكثيرا بناء على أوامر المخابرات والأمن ومن ثم يكون معظمهم جهلة بالدراسات اللغوية والكثير منهم لا يقرئون شيئا وإنما هم مؤدون فقط يقولون ما يقال لهم ومن المضحك حاليا أن كلمة سوشيال ميديا شاعت شيوعا غريبا فى كل القنوات حتى القنوات التى تزعم أنها دينية أو حتى تتبع جماعات تهتم باللغة فبدلا من القول أنها من وسائل الإعلام أو مواقع تواصل نجدهم يستسهلون سوشيال ميديا وكذلك كلمة انترنت شاعت مثلها بدلا من شبكة المعلومات
ومن ثم فالمسألة كلها متعلقة بكيان الدولة ومن يتولونها وكلهم للأسف فى بلاد المنطقة لا يهتمون بشىء سوى البقاء على الكراسى والحصول على أكبر قدر من أموال الناس ومن ثم يتركون كل شىء يسير على القواعد الفاسدة التى كان عليها من قبلهم فهم كما قال تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون "
ومن ثم فحتى لو قامت المجامع اللغوية بدورها فى وقته لن يتغير شىء
أكتب هذا وأنا أومن أن كل لغة يجب الحفاظ عليها لكون اللغات وهى اختلاف الألسن آية من آيات الله لا يمكن محوها وجعل الناس يتكلمون لغة واحدة ولكن أن تطغى الألفاظ من لغات أخرى على ألفاظ اللغة الأصلية فى التعليم والإعلام فهذا ضرب من الفساد

الأربعاء، 13 مايو 2020

قراءة فى كتاب الشمس في نصف الليل

قراءة فى كتاب الشمس في نصف الليل
الكتاب تأليف تقي الدين الهلالي والرجل يحكى لنا حكايته مع بلاد الثلج وقصر النهار وطول الليل وانعدام أحدهما فى بعض بلاد الأرض فيقول:
"كنت قرأت منذ زمن طويل أخبار القبائل التي تسمى (إسكمو) وأحوال معيشتهم، ومساكنهم وأسفارهم وحالة الجو في بلادهم، وذلك معروف في كتب الجغرافية، والذي يهمنا هنا من أخبار الأراضي القطبية ما شاع أن السنة عندهم يوم واحد، نهار وليلة، ستة أشهر للنهار، وستة أشهر لليل ولم أؤمل قط أن أرى تلك الأراضي، لما قرأته من شدة البرد وتراكم الثلوج هناك، وأنهم يلجئون إلى لبس الجلود والاختباء في بيوت يحيط بها الثلج من كل جانب، إلى غير ذلك من الأخبار وفي صيف سنة 1936اجتمعت بالدكتور/ زين العابدين خير الله الحلبي وكان أستاذا في مستشفى الأمراض الخاصة بالنساء في جامعة مار بورك بألمانيا، فأخبرني أن الأراضي القطبية واسعة، وليست محصورة في الأراضي التي يسكنها قبائل (إسكمو) وأنه هو نفسه زار الأراضي القطبية في شمال النرويج، وأن سكانها متمدنون، وأنه أقام هناك نحو اثني عشر يوما لم ير فيها ظلمة ولا ليلا، بل كلها كانت نهارا ومن ذلك الحين عزمت على زيارة هذه الأراضي في أقرب وقت ممكن فلما أشرفت السنة الدراسية على نهايتها ذهبت إلى السفارة النرويجية في الرباط، وسألتها عن الأراضي القطبية التي لا تغيب فيها الشمس بضعة أشهر، فأخبروني أن الأمر كذلك، وأن هناك نواحي تابعة للحكومة النرويجية تبقى الشمس فيها مشرقة مدة ثلاثة أشهر من أول مايو (أيار) إلى آخر يوليو (تموز) فتأهبت للرحلة وتوجهت من مكناس في سيارتي يسوقها الحاج أحمد هارون في اليوم الثاني من يوليو، وسرنا متوكلين على الله من مكناس إلى تطوان، ثم عبرنا البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء، ثم سرنا عبر إسبانيا ففرنسا فألمانيا، فالدانمارك، فالسويد فالنرويج، وتركنا السيارة في مدينة (أوسلو) عاصمة النرويج، وركبنا القطار والسيارات مدة يومين، فوصلنا مدينة (ناروك)، وشاهدنا الشمس مشرقة مدة أربعة وعشرين ساعة
أوقات الصلاة في الأراضي القطبية كنت عازما قبل أن أصل إلى تلك البلاد أن أصلي خمس صلوات في مدة اثنتي عشر ساعة، ثم أترك الصلاة اثنتي عشر ساعة، فتكون خمس صلوات في أربع وعشرين ساعة فلما وصلت إلى تلك البلاد تغير رأيي، وظهر لي أن تتبع أوقات الصلاة في تلك البلاد الأراضي الجنوبية من البلاد النرويجية، فيصلي المصلي صلاة الصبح وقت طلوع الفجر في الجنوب، ويصلي الظهر حين تزول الشمس في الجنوب، وهكذا الشأن في جميع الصلوات، بناء على قاعدة: "ما قرب من الشيء يعطي حكمه"، وكذلك يفعل الصائم في رمضان إذا جاء في وقت الشمس، أو في وقت الظلام"

هذه حكاية الرجل مع الليل والشمس وقد أظهر حكما فى المسألة وهو ما قرب من الشيء يعطي حكمه وهى قاعدة لا دليل عليها فمثلا ال،عام التى تعيس بالقرب من الخنازير لا تعطى حكم الخنازير والحى الذى يسكن بجوار الأموات لا يعطى حكم الموتى والذى يعيش فى جزيرة أو أرض بالقرب من البحر أو النهر لا يعطى حكم الحياة فى الماء والذى يتواجد فى الكعبة من الكفار لا يعطى حكم المسلم مع أنهما فى مكان واحد قبل منع الكفار من دخول الكعبة كما قال تعالى "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن أمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله"
القرب الزمانى او المكانى لا يوحد الحكم
وقد طرح تقى الدين السؤال التالى وأجاب عليه فقال :
"هل في الأراضي القطبية فصول؟
ينبغي أن يعلم أن في تلك البلاد ما يشبه الفصول الأربعة، وقد تقدم أن الشمس تستمر مشرقة من أول مايو (أيار) إلى آخر يوليو (تموز) ثم تغيب غيابا جزئيا في أول غشت (آب) في كل يوم تبقى غائبة أكثر من اليوم الذي قبله، فيكون الليل قصيرا والنهار طويلا، ولا يزال الأمر كذلك، يزداد الليل طولا والنهار قصرا إلى آخر أكتوبر (تشرين الثاني) فتغيب الشمس وتبقى ثلاثة أشهر غائبة وفي أول فبراير (شباط) تطلع الشمس، ثم لا تلبث أن تغيب، فيكون النهار قصيرا والليل طويلا، ولا يزال النهار يطول، والليل يقصر إلى آخر إبريل (نيسان) ثم ينعدم الليل فهذه مدد تشبه الفصول الأربعة في البلاد التي يكون فيها الليل والنهار طول السنة وقد عرفنا حكم أوقات الصلاة في الأشهر الثلاثة الشمسية، ومثلها الأشهر الثلاثة المظلمة بقي حكم أوقات الصلاة في ربيع تلك البلاد وخريفها، وهما مدتان، يكون فيهما ليل جزئي ونهار جزئي، فكيف الحكم في أوقات الصلاة والصيام؟
لا يمكن أن نفكر في هذه المسألة ثم نبدي رأينا فيها إلا إذا أحطنا علما بليلها ونهارها، كيف يطول وكيف يقصر، فالليلة الأولى بعد انتهاء مدة الشمس، وهي أول ليلة من غشت (آب) كم طولها؟ فإذا كان طولها نصف ساعة أو أقل، فهل يحكم عليها بأنها ليلة تصلى فيها المغرب والعشاء والصبح عند نهايتها، ويفطر الصائم ويتسحر فيها، ويصوم نهارها، ويصلي الظهر والعصر في وسطه، أم يستمر على اعتبار توقيت العاصمة ( أوسلو) ويعتبر الليل ليلا، والنهار نهارا؟ وما مقدار الساعات التي يبلغها الليل طولا حتى يعتبر أنه ليل، وإذا مضى أكثر الأشهر الثلاثة وقصر النهار جدا يعود السؤال نفسه وهكذا يقال في المدة الثانية التي تبتدئ من شهر فبراير (شباط) وتنتهي في آخر إبريل (نيسان)"

الغريب فى الفقرة من عالم أصول الدين هو اعتقاده بوجود سنة شمسية مع أن كتاب الله جعلها سنة واحدة لا ثانى لها وهى القمرية فقال :
"إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم"
والغريب أن يقول الرجل فى الفقرة:
"فإن قيل: أنت أول من بدأ هذا البحث، فعليك أن تجيب عن أسئلتك، وتبدي رأيك؟ قلت: يمنعني من ذلك أنني من أهل الحديث المتبعين للسلف الصالح المتجنبين للرأي، المعتبرينه كالميتة لا يجوز الأكل منها إلا بقدر الضرورة فما نزل من المسائل وتحقق وقوعه، وسئلنا عنه أفتينا فيه بالرأي قائلين: إن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمنا، والله بريء منه، كما قال عبد الله بن مسعود"
الرجل هنا يزعم كونه أول من طرح المسألة مع ان المثل الشعبى معروف منذ عصور طويلة وهو :
"سأريك النجوم فى عز الظهر"
وقد وردت المسألة فى العديد من الكتب القديمة ويحضرنى منها رحلة بن فضلان ومنها قوله:
" قال: ودخلت أنا وخياط كان للملك من أهل بغداد قد وقع إلى تلك الناحية قبتي لنتحدث فتحدثنا بمقدار ما يقرأ إنسان أقل من نصف سبع ونحن ننتظر أذان العتمة فإذا بالأذان فخرجنا من القبة وقد طلع الفجر فقلت للمؤذن :أي شيء أذنت قال: أذان الفجر قلت: فالعشاء الآخرة قال: نصليها مع المغرب قلت: فالليل قال: كما ترى وقد كان أقصر من هذا إلا أنه قد أخذ في الطول وذكر أنه منذ شهر ما نام خوفا أن تفوته صلاة الغداة وذلك أن الإنسان يجعل القدر على النار وقت المغرب ثم يصلي الغداة وما آن لها أن تنضج.
قال: ورأيت النهار عندهم طويلاً جداً وإذا أنه يطول عندهم مدة من السنة ويقصر الليل ثم يطول الليل ويقصر النهار فلما كانت الليلة الثانية جلست خارج القبة وراقبت السماء فلم أر من الكواكب إلا عدداً يسيراً ظننت أنه نحو الخمسة عشر كوكباً متفرقة وإذا الشفق الأحمر الذي قبل المغرب لا يغيب بتةً وإذا الليل قليل الظلمة يعرف الرجل الرجل فيه من أكثر من غلوة سهم.
قال: ورأيت القمر لا يتوسط السماء بل يطلع في أرجائها ساعة ثم يطلع الفجر فيغيب القمر وحدثني الملك أن وراء بلده بمسيرة ثلاثة أشهر قوم يقال لهم ويسو الليل عندهم أقل من ساعة قال: ورأيت البلد عند طلوع الشمس يحمره كل شيء فيه من الأرض والجبال وكل شيء ينظر الإنسان إليه حين تطلع الشمس كأنها غمامة كبرى فلا تزال الحمرة كذلك حتى تتكبد السماء وعرفني أهل البلد أنه إذا كان الشتاء عاد الليل في طول النهار وعاد النهار في قصر الليل حتى إن الرجل منا ليخرج إلى موضع يقال له إتل بيننا وبينه أقل من مسيرة فرسخ وقت طلوع الفجر فلا يبلغه إلى العتمة إلى وقت طلوع الكواكب كلها حتى تطبق السماء فما برحنا من البلد حتى امتد الليل وقصر النهار."
ومع ـن الرجل فى الفقرة أعلن أنه لا يفتى برأيه فقد أفتى فقال :
"أما مدة الشمس فقد وجب علينا أن نجتهد في حكم أوقات الصلاة فيها، لأن ذلك وقع ونزل، وقسنا عليه مدة الظلام، لأنهما سواء أما المدتان الأخريان فندعهما حتى يحتاج بعض المسلمين إلى معرفة الحكم، فييسر الله له من يفتيه وقد كان السلف الصالح، إذا سئل أحدهم عن مسألة استحلف السائل بالله، أنها وقعت، فإن حلف له أفتى فيها برأيه، وإلا قال: دعها إذا نزلت ييسر الله لها من يفتي فيها وما زعمه بعض المتقدمين من أن بلاد بلغار يقصر فيها الليل والنهار جدا وهم، وقد لاحظت أن الليلة الأخيرة التي مضت قبل وصولنا إلى بلاد الشمس في نصف الليل، كما يسمونها، لم تكن مظلمة، حتى أني مع ضعف بصري، وأنا راكب في السيارة كنت أرى الأشجار، وأغصانها ولا توجد ظلمة أصلا، إلا أن الشمس مختفية، ومن حين يتوسط الإنسان بلاد النرويج متوجها من الجنوب إلى الشمال تقل ظلمة الليل شيئا فشيئا حتى تنعدم بانعدام الليل نفسه فسبحان الخلاق العليم
ولاحظت أيضا: كما لاحظ من معي أن الشمس في نصف الليل تكون قريبة من الأرض كأنها تريد أن تغيب، لكنها لا تغيب، بل تأخذ في الارتفاع وتدور في السماء، فتشكل دائرة من نصف الليل إلى نصف الليل قال الله تعالى في سورة الحج: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} فأخبر سبحانه وتعالى أن السير في الأرض يزيد في العقل والعلم المكتسب بالتجارب، وقل ربي زدني علما وهناك في تلك الناحية قبائل بدوية تسكن الخيام، ولها ماشية، وهي الأيائل، وهي نوع من الحيوان يشبه الظباء، إلا أنها أكبر منها، وقرونها متشعبة -كالأشجار- يحلبونها ويأكلون لحومها، وينتفعون بجلودها ولا يستطيع شيء من سائر الحيوان كالبقر والغنم أن يعيش في تلك البلاد غير الأيائل، لشدة بردها، وكثرة ثلوجها، ولتلك القبائل لباس خاص وسمعت أنهم وثنيون، لا يدينون بالنصرانية التي يدين بها أهل تلك البلاد، ولا أعلم مقدار هذا الخبر من الصحة، وليس هذا الجو خاصا بشمال النرويج، بل يعم كذلك شمالي السويد وقد علمت أن من أراد أن يشاهد الأراضي القطبية التي في شمال السويد يستطيع أن يسافر إليها بالقطار أما مدينة ناروك التي تقدم ذكرها فقد سافرنا إليها من (أوسلو)، بعض المسافة بالقطار، وبعضها بالسيارة، وكنا في كل بضع ساعات نجتاز خليجا من خلجان البحر، بمعدية، وهي باخرة كبيرة، تدخلها السيارات، فتبقى فيها نصف ساعة أو أكثر حتى تصل إلى البر، فتخرج السيارة منها وتستأنف سيرها
وقد رأيت القطار نفسه يعبر البحر في معدية بين ألمانيا الشرقية والدانمارك في مدة ساعتين وتلك المعدية الضخمة عظيمة الحجم، ذات ثلاث طبقات، يصعد إلى الطبقة العليا بالمصعد الكهربائي وهناك معدية رأيتها تستعمل بين سبتة والجزيرة الخضراء، وهي أيضا عظيمة، ولكنها دون تلك، وليس مقصودي أن أصف هذه الرحلة، لأن وصفها يحتاج إلى مؤلف مستقل، وإنما ذكرت ما تقدم استطرادا"

إلى هنا انتهى الكتاب عن الشمس فى منتصف الليل والمفارض أنه يبحث فى حكم المسألة ولكنه طرح السؤال ولم يجب وأما باقى الكتاب وهو اكثر من نصفه فهو قصيدة فى الأندلس لا علاقة بها بالمسألة وسوف نذكر جزء منها ونحذف الباقى لكون الحديث خارج عن عنوان الكتاب وفى هذا قال الهلالى :
"من وحي الأندلس قصيدة من بحر جديد:
لما مررنا بأرض الأندلس في رحلتنا إلى شمال أوروبا تذكرت أهل الأندلس المسلمين، وما كان لهم من المجد والسؤدد، فقلت هذه القصيدة، وهي من بحر جديد اخترعته وأجزاؤه أربعة: مستفعلاتكم مستفعلين مرتين له عروض واحدة صحيحة، لها ضربان، أولهما مذيل، والثاني عار عن التذييل وكل هذه التفاعيل بفتح العين ومعناها: مستخرجاتكم مستخرج أيها المسلمين، فالزموا مستخرجاتكم ولا تهملوها وقد أحدث العرب المولدون أوزانا شعرية زائدة على بحور الشعر بعد زمان العرب الأقحاح، ونظموا عليها شعرا كثيرا، ثم جاء زمان الموشحات والأزجال، فاشتغل بها العرب في الشرق والغرب، واشتملت على أدب جم ونظم بهاء الدين زهير شعرا أخترع له وزنا خاصا، وهو قوله:
يا من لعبت به شمول ما ألطف هذه الشمائل
فلا غرابة إذا اقتديت به، وألقيت دلوي في الدلاء وهذا نص القصيدة:
لما بدا لنا جمالكم أضحت قلوبنا أسرى الغرام
وانبعثت بها مودة تنمو وتزدهي على الدوام
قد طال هجركم وصدكم وما رثيتم للمستهام
ولم نزل نفي بعهدكم وما رعيتم لنا ذمام
فهل سمعتم بقاتل لمن يحبه هذا حرام
هبوا أسيركم لو نظرة صلوا عميدكم لو بالكلام
أما ترونني متيما لم تدر مقلتي أي منام
محبتي لكم عفيفة غدت بريئة من كل ذام
....وقد اطلع على هذه القصيدة الأديب الكبير العالم المحقق العبقري عبد الله كنون فأعجبته وأثنى عليها"

وبدلا من أن يكمل المسألة التى ابتداها قام بوصف ما سماه جامع قرطبة وما هو بجامع فى وقته ولا وقتنا وإنما كنيسة وفى هذا قال :
"وفي الإياب من هذه الرحلة عرجنا على قرطبة وزرنا مسجدها، فاعتراني شعور فيه روعة وإجلال وإعجاب، وحزن، لا أقدر أن أصفه بلسان ولا أظن أن شخصا له شعور إنساني يرى ذلك المسجد ولا يعتريه مثل ذلك الشعور، سواء أكان مسلما أم غير مسلم
وصف جامع قرطبة:

"من أمثال العرب: "أن الحديث لذو شجون"، وقد بدا لي أن أنقل هنا وصف مسجد قرطبة الجامع من كتاب مدينة المور في الأندلس الذي ترجمته بالعربية من أصله الإنجليزي لمؤلفه (جوزيف ماك كيب) ليرى القارئ العربي المسلم شيئا من مجد أسلافه وهذا نص ما قاله في وصف مسجد قرطبة:
"لم يبق من آثار قرطبة في القرون الوسطى إلا أثر واحد، وهو جامعها الذي لا يزال إلى اليوم، جميع أطفال قرطبة يسمونه مسجدا، ولولاه ما تجشم أحد عناء السفر لمشاهدة قرطبة، ولو كانت خمسة أميال منه، ولكن الناس من جميع أنحاء الدنيا يسافرون إليها ليشاهدوهوهو أعظم معبد في الدنيا بعد كنيسة (سنت بيترس)، وهو آية لا نظير لها من الهندسة والبناء، وظاهر هذا المسجد لا يستولي على اللب، ولم يكن المور الذين كانوا يفضلون الإقامة داخل البيوت أكثر من خارجها يعتنون كثيرا بالظاهر وأما الداخل فهناك العجائب، إذا دخلت الجامع من أي باب من أبوابه التسعة عشر يخيل إليك أنك تائه في غابة من أشجار المرمر، ففيه ثمانمائة وستون سارية من المرمر والرخام واليسر، وفيه غير ذلك ألف واثنتي عشرة سارية وفيه تسعة عشر رواقا، ينتهي كل منها بباب من الأبواب التسعة عشر، وله سقف خشبي منخفض نسبيا، وقد زخرف أحسن زخرفة بالأرجوان والذهب
وفي الأعياد الكبيرة توقد مائتان وثمانون ثريا من الفضة والنحاس، يحترق فيها الزيت والعطر، وتتلألأ فيها آلاف كثيرة من المصابيح، فتلقي أنوارها على ذلك المشهد وأكبر ثريا منها كان محيطها ثمانية وثلاثين قدما (فوت) يحمل ألفا وأربعمائة وأربعا وخمسين مصباحا، ولها مرآة تعكس النور، فيزيد شعاعه تسعة أضعاف وفيها (6000) ألف طبق من الفضة مسمرة بالذهب، ومرصعة باللؤلؤ وكان الجامع قد شيد مع مضافته في القرن الثامن والتاسع والعاشر والمحراب الذي هو أقدس محل في مسجد المور، كان فيه حنيتان، وكان أعظم زخرفا من سائر المساجد وآخر المحراب يشبه صدفة من رخام، وله مدخل يتلألأ كالذهب الخالص أو الديباج بفسيفسائه الجميلة، وأحيل القارئ على كتب زخرفة البناء أو كتب الاستدلال، ليرى عجائب هذا الجامع العظيم وكان بناؤه من النصارى المنتمين إلى الكنيسة اليونانية، وكانت بينهم وبين المور مودة، فجلبوهم لبنائه، وهو أثر لمدينة زاهرة، لا يضاهيها اليوم شيء في الدنيا كلها وكان عبد الرحمن الأول مؤسس هذه الدولة، قد جعل مدينة قرطبة على مثال مدينة دمشق التي قضى فيها أوائل عمره، وهو الذي ابتدأ بناء الجامع وأتمه الخلفاء الذين جاءوا بعده وبلغت نفقاته على ما حدث به مؤرخو العرب (300000000) دولار، وكان هذا آخر عمل عمله في حياته، وقد شيد غير هذا هو وخلفاؤه ورجال دولتهم قصورا فخمة، ومساجد كثيرة، كانت تزيد المدينة في كل سنة جلالة وبهاء" ا هـ
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
لكن لا ينبغي لنا أن نقتصر على الافتخار بمجدهم، بل ينبغي لنا ويتحتم علينا أن نعمل بقول من قال:

لسنا وإن أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا
فنسأل الله أن يوفقنا لإحياء ذلك المجد الشامخ، إنه على ذلك قدير"

الغريب فى الأمر هو أن يمدح رجل عالم بأصول الدين مكان وبناته وهو علامة من علامات الكفر فالمساجد وجدت للصلاة وليس للزخرفة ووضع الذهب والفضة والرخام وهذه الأشياء إذا وضعت فى بيوت الله فقد كفر الواضعين لأنهم أسرفوا فى مال الله الذى سرقوه من الناس وأنفقوه على مبانى تاركين الناس يعانون من قلة المال فى طعامهم وكسوتهم وعلاجهم وفير ذلك
والملاحظ أن معظم ما يسمى المساجد الأثرية التى بناها من أسموهم الخلفاء والأمراء والسلاطين هى مبانى ترمز للظلم الذى كانوا عليه من حيث الإسراف فى المال حتى يقال مسجد فلان أحسن من مسجد علان والأغرب من هذا أن يقوم هؤلاء الجهلة ببناء أكثر من عشرة مساجد فى شارع واحد كشارع المعز بالقاهرة تاركين أكثر المدينة خالى من المساجد وكأنهم يقولون للناس كما سرقنا منكم المال وجعلناكم تعانون بسبب قلة المال سوف نجعلكم تعانون فى الصلاة فتأتون من أماكن بعيدة مشيا للصلاة فى المساجد التى بنيناها بأموالكم المسروقة
وحكم مسألة الكتاب هو :
حرمة الحياة فى الأماكن التى لا يتواجد فيه الليل والنهار بصورة معروفة إلا أن يكون الوجود فيها وجودا للجهاد دفاعا عن أرض المسلمين
الصلاة والصوم فى تلك الأماكن لمن يقيم فيها مضطرا هو القياس على وقت أم القرى التى هى وسط العالم فكما يجب الاتجاه لمكة فى الصلاة يجب الاتجاه لها عند فقد علامات الزمن

الاثنين، 11 مايو 2020

نقد كتاب بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود

نقد كتاب بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود
مؤلف الكتاب هو شمس الدين محمد بن عبد الله بن أحمد، الخطيب العمري التمرتاشي الغزي الحنفي (المتوفى: 1004 هـ)
وسبب تأليف الكتاب أو الرسالة كما قال المؤلف:
"فيقول الفقير إلى مولاه، محمد بن عبد الله، إنه لما كثر الاستفتاء عن مسألة كثيرة الوقوع في زماننا، وهي أن التجار بالديار الشامية وقع منهم معاملات شرعية ومعاوضات مرضية بالشواهي والشرفيات ،حيث كانت رائجة بشيء معين ثم كسد بعضها، وتغير سعر بعضها بالنقص بموجب أمر الإمام الأعظم والخاقان الأفخم ، واختلف فتوى علماء العصر في ذلك فمنهم من أخذ بقول الإمام وأفتى بوجوب مثل المقبوض ومنهم من أفتى بقول أبي يوسف ، وأفتى برد قيمته يوم القبض من الذهب، لما فيه من الرفق والنفع، إذ سيما في الأموال الموقوفة ببيت المقدس وغيرها، وتصريحهم بوجوب الإفتاء بما فيه النفع لجهة الوقف
أردت تحرير المذهب في هذه الرسالة ليكون عونا للقضاة والحكام، على الوقوف على حكم شرعي مبين الأحكام، وها أنا أشرع في المقصود، مستمدا من الملك المعبود فأقول"
كما هى العادة سبب المشكلة هو الحاكم اللص وحاشيته الذى أصدره أوامره بالتلاعب بالعملة والتلاعب بالعملة هو ديدن الحكام فى كل العصور عندما يريدون سرقة مدخرات الناس ففى عصرنا يسمى هذا التلاعب تعويم العملة حيث يجمع الحاكم وحاشيته اكبر قدر ممكن من العملات الأجنبية ثم يصدروا الأمر بأن العملة التى كانت تساوى خمسة أصبحت تساوى عشرة أو خمسة عشر وعند ذلك تنقص مدخرات الناس على الفور النصف أو الثلاثة أرباع ومن ثم ترتفع الأسعار
وفى العصور القديمة كان الحاكم يصدر عملة جديدة ينقص فيها مقدار المعدن الثمين جزء أو أكثر ولا يجيز التعامل بالعملة القديمة التى يضطر من معه شىء منها إلى بيعها بأقل من سعرها الحقيقى بدلا من خسارتها كلها وبالقطع من يشترى هم حاشية الحاكم التى لا تظهر فى الصورة لأنهم رجال المخابرات أو رجال الشرطة السرية ومن ثم يتم سحب العملة القديمة ويتم صهر المعدن الثمين وتحويله لعملات جديدة ويصب الفارق فى الوزن بين العملتين فى جيب الحاكم وحاشيته
الغريب فى التمرتاشى هو والفقهاء عندما تحدثوا فى الكساد العام للنقود أنهم أبطلوا البيوع بالنقود الكاسدة أو المغشوشة وقى هذا قال ناقلا من بطون الكتب:
"اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها، أو بالفلوس وكان كل منهما نافقا حتى جاز البيع لقيام الاصطلاح على الثمنية، ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن، ولم يسلمها المشتري للبائع، ثم كسدت بطل البيع والانقطاع عن أيدي الناس كالكساد ، وحكم الدراهم كذلك، فإن اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع، ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائما ومثله إن كان هالكا وكان مثليا، وإلا فقيمته وإن لم يكن مقبوضا فلا حكم لهذا البيع أصلا، وهذا عند الإمام الأعظم وقالا لا يبطل البيع لأن المتعذر إنما هو التسليم بعد الكساد، وذلك لا يوجب الفساد لاحتمال الزوال بالرواج، كما لو اشترى شيئا بالرطب ثم انقطع وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه وجبت قيمته، لكن عند أبي يوسف يوم البيع وعند محمد يوم الكساد ، وهو آخر ما يتعامل الناس بها وفي الذخيرة : والفتوى على قول أبي يوسف وفي المحيط والتتمة أنه قال: هذا كتاب جمع فيه الصدر الشهيد حسام الدين ما وقع إليه من الحوادث والواقعات وضم إليه ما في الكتب من المشكلات واختار في كل مسألة فيها روايات مختلفة وأقاويل متباينة ما هو أشبه بالأصول غير أنه لم يرتب المسائل ثم إن العبد الراجي محمود بن أحمد ابن عبد العزيز زاد على كل جنس ما يجانسه وذيل على كل نوع ما يضاهيه كشف الظنون 1/ 298، وانظر الفوائد البهية ص 337
والحقائق : بقول محمد يفتى رفقا بالناس ولأبي حنيفة أن الثمنية بالاصطلاح ، فتبطل لزوال الموجب، فيبقى البيع بلا ثمن، والعقد إنما تناول عينها بصفة الثمنية، وقد انعدمت بخلاف انقطاع الرطب، فإنه يعود غالبا في العام القابل بخلاف النحاس، فإنه بالكساد رجع إلى أصله وكان الغالب عدم العود والكساد لغة كما في المصباح من كسد الشيء يكسد من باب قتل، لم ينفق لقلة الرغبات فهو كاسد وكسيد يتعدى بالهمزة فيقال أكسده الله وكسدت السوق فهي كاسد بغير هاء في الصحاح وبالهاء في التهذيب ، ويقال: أصل الكساد الفساد "
وبالقطع هنا الفقهاء يحملون الناس فوق طاقتهم وبدلا من حساب الحاكم على تركه شيوع الغش فى النقود وعلى قيامه بتكسيد النقود جعلوا البيوع تبطل ومدخرات الناس تضيع وهو كلام من لا يبغى الحق والعدل فالنقود تصدر عن دار سك النقود التابعة للحاكم والشرطة فى هذا المجتمعات التى لا تحكم بحكم الله تتبع الحاكم فإن غشت النقود فهو وهم من يجب معاقبتهم إما على غشهم النقود وإما على إهمالهم فى أعمالهم وإما لأنهم جعلوا أصحاب الأموال يهربون من دولتهم بسبب تلاعبهم بالعملة
ثم تحدث عن الكساد الجزئي للنقود فقال :
"وعند الفقهاء أن تترك المعاملة بها في جميع البلاد ، فإن كانت تروج في بعض البلاد ، لا يبطل لكنه تعيب إذا لم يرج في بلدهم فيتخير البائع إن شاء أخذه وإن شاء أخذ قيمته "
وهنا يجيز الرجل التعامل بالنقود المغشوشة أو الكاسدة عند رضا الناس فى منطقة ما بالتعامل بها
ثم تحدث عن انقطاع النقود فقال:
"وحد الانقطاع أن لا يوجد في السوق، وإن كان يوجد في يد الصيارفة وفي البيوت ، هكذا في الهداية والانقطاع كالكساد كما في كثير من الكتب لكن قال في المضمرات : فإن انقطع ذلك فعليه من الذهب والفضة قيمته في آخر يوم انقطع، هو المختار ثم قال في الذخيرة: الانقطاع أن لا يوجد في السوق، وإن كان يوجد في يد الصيارفة وفي البيوت، وقيل إذا كان يوجد في أيدي الصيارفة فليس بمنقطع والأول أصح هذا إذا كسدت أو انقطعت "
وانقطاع النقود الذى يعنى وجودها فى يد الصيارفة فقط وهو ما تفعله المصارف حاليا بأمر الحاكم والحكومة بتجميع أكبر قدر ممكن من العملات الأجنبية بحيث تشح فى ايدى الناس من أجل أن يقوم الحاكم إما بتعويم العملة أو تغييرها حتى تفقد العملة السابقة جزء كبير من قيمتها وبالتالى يفقد معظم الناس نصف أو أكثر من نصف قيمة مدخراتهم ومن ثم فقد شرع الله فى كتابه التعامل بالذهب والفضة فى صورة دينار ودرهم ثابتى الوزن بحيث لا يقدر أى حاكم على سرقة أموال الناس من خلال تغيير العملة أو تعويمها
ثم تحدث عن غلاء النقود ورخصها فقال:
"أما إذا غلت قيمتها أو ازدادت، فالبيع على حاله، ولا يتخير المشتري، ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع، كذا في فتح القدير وفي البزازية معزيا إلى المنتقى : غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني أولا ليس عليه غيرها وقال الثاني ثانيا : عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض، وعليه الفتوى وهكذا في الذخيرة والخلاصة بالعزو إلى المنتقى وقد نقله شيخنا في بحره وأقره الفتوى على قول أبي يوسف في لزوم القيمة فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات ، فيجب أن يعول عليه إفتاء وقضاء، لأن المفتي والقاضي واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب إمامهما ومقلدهما وقال الحنفية: الترجيح هو إظهار قوة لأحد الدليلين المتعارضين لو انفردت عنه لا تكون حجة مستقلة فالراجح هو ما ظهر فيه فضل على معادله وهو المرجوح ولا يجوز لهما الأخذ بمقابله، لأنه مرجوح بالنسبة إليه
وفي فتاوى قاضي خان : يلزمه المثل وهكذا ذكر الإسبيجابي قال: ولا ينظر إلى القيمة وفي البزازية: والإجارة كالبيع والدين على هذا وفي النكاح يلزمه قيمة تلك الدراهم وفي مجمع الفتاوى معزيا إلى المحيط رخص العدالى ، قال الشيخ الإمام الأجل الأستاذ : لا يعتبر هذا ويطالبه بما وقع العقد عليه، والدين على هذا، فلو كان يروج لكن انتقص قيمتها لا يفسد، وليس له إلا ذلك وبه يفتي الإمام وفتوى الإمام قاضي ظهير الدين على أنه يطالب بالدراهم التي يوم البيع، يعني بذلك العيار ولا يرجع عليه بالتفاوت، والدين على هذا، والانقطاع والكساد سواء انتهى فإن قلت يشكل على هذا ما ذكر في مجمع الفتاوى من قوله: ولو غلت أو رخصت فعليه رد المثل بالاتفاق انتهى
قلت: لا يشكل لأن أبا يوسف كان يقول أولا بمقالة الإمام، ثم رجع عنه، وقال ثانيا الواجب عليه قيمتها، كما نقلناه فيما سبق عن البزازية وصاحب الخلاصة والذخيرة، فحكاية الاتفاق بناء على موافقته للإمام أولا كما لا يخفى والله أعلم
وقد تتبعت كثيرا من المعتبرات من كتب مشايخنا المعتمدة، فلم أر من جعل الفتوى على قول أبي حنيفة رضي الله عنه، بل قالوا به كان يفتي الإمام القاضي وأما قول أبي يوسف فقد جعلوا الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فليكن المعول عليه "
وأما أمر رخص العملة وغلوها فهو كلام فارغ من اختراع الحكام فالعملة الثابتة لا تغلو ولا ترخص لكونها ثابتة القيمة ومن يغلو ويرخص هو السلع التى تشترى بها وأما الغلو والرخص المعروف فى النقود فسببه هو تلاعب الحكام بوزن المعدن الثمين فى العملة
ثم تحدث عن العمل عند اختلاف أقوال أئمة المذهب الحنفي فى مسألة ما وهو كلام خارج كله عن مسألة النقود فقال :
"قال في التتارخانية : اعلم أن اختلاف أئمة الهدى توسعة على الناس، فإذا كان الإمام في جانب وهما في جانب خير المفتي وإن كان أحدهما مع الإمام أخذ بقولهما، إلا إذا اصطلح المشايخ على قول الآخر، فيتبعهم كما اختار الفقيه أبو الليث قول زفر في مسائل وإن اختلف المتأخرون أخذ بقول واحد، فلو لم يوجد من المتأخرين يجتهد برأيه، إذا كان يعرف وجوه الفقه ويشاور أهله ولا يجوز له الإفتاء بالقول المهجور لجر منفعة ولا خرجوا عليه دينا انتهى وفي الحاوي القدسي : إن الإمام إذا كان في جانب وهما في جانب، فالأصح أن الاعتبار لقوة المدرك ولا شك أن قول أبي يوسف قوي المدرك في واقعة الفتوى كما لا يخفى وفي التتارخانية أيضا: ثم الفتوى على الإطلاق على قول أبي حنيفة، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد بن الحسن، ثم بقول زفر بن هذيل، والحسن ابن زياد وقيل إذا كان أبو حنيفة في جانب وصاحباه في جانب فالمفتي بالخيار والأول أصح، إذا لم يكن المفتي مجتهدا، لأنه كان أعلم العلماء في زمانه، حتى قال الشافعي رضي الله عنه: الناس كلهم عيال أبي حنيفة في الفقه
قلت: يعني إذا لم يصطلح المشايخ على تصحيح قول أبي يوسف أو قول محمد أو قول زفر، يدل عليه أنهم جعلوا الفتوى على قول أبي يوسف ومحمد، وعلى قول أحدهما في مواضع كثيرة، وكذلك على قول زفر، كما يعلم ذلك من طالع المطولات من كتب مشايخنا وفي بعض المعتبرات من تصانيف مشايخنا أن الفتوى على قول أبي يوسف في المعاملات، لأنه تولى القضاء، وخبر أحوال الناس ومعاملاتهم ، لا سيما وقد جعلوا الفتوى على قوله في مسألتنا فيكون هو الراجح
العمل بالراجح وترك المرجوح
والأخذ بالراجح واجب، كيف لا والإمام الأعظم قد شرط في مناشير الحكام،الحكم بالراجح وترك المرجوح ، فعليه لو حكم بالمرجوح لا ينفذ قضاؤه لأنه يصير معزولا بالنسبة إلى القول الممنوع، والحادثة الممنوع عنها فقد صرحوا بأن القضاء يتقيد ويتأقت مكانا وزمانا وحادثة
قال فخر المتأخرين شيخ الإسلام عمدة الأنام الشيخ قاسم بن قطلوبغا تلميذ المحقق الكمال ابن الهمام ، قال أبو العباس أحمد بن إدريس هل يجب على الحاكم أن لا يحكم إلا بالراجح عنده؟ كما يجب على المفتي أن لا يفتي إلا بالراجح عنده أو له أن يحكم بأحد القولين وإن لم يكن راجحا عنده
جوابه: أن الحاكم إن كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه، وأن يحكم به، وإن لم يكن راجحا عنده، مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده في الفتوى وأما اتباع الهوى في الحكم والفتيا فحرام إجماعا وأما الحكم والفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع
قال في كتاب أصول الأقضية لليعمري: من لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين، فليس له التشهي والحكم بما يشاء منهما، من غير نظر في الترجيح وقال الإمام أبو عمرو في كتاب أدب المفتي: إعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه، من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع وحكى الباجي أنه وقعت له واقعة، فأفتي فيها بما يضره فلما سألهم قالوا: ما علمنا أنها لك، وأفتوه بالرواية التي توافق قصده قال الباجي: وهذا لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز قال في أصول الأقضية: ولا فرق بين المفتي والحاكم إلا أن المفتي مخبر بالحكم والقاضي يلزم به
العمل عند وجود قولين مصححين في المذهب
فإن قلت: إذا كان في المسألة تصحيحان، كيف يفعل المفتي والقاضي؟قلت: قد صرحوا في مثل هذا بأن المفتي مخير في الأخذ بأحدهما، وممن صرح بذلك صاحب البحر وقد صرحوا به في مسألة وقف المشاع ، بأن فيه قولين، قول محمد بعدم الصحة وصحح وقول أبي يوسف بالصحة وصحح، فقالوا لو قضى القاضي بصحته جاز ونفذ، لوقوعه موافقا لما صحح من قول أبي يوسف ثم قال في الكنز ومشاع قضي بجوازه ، لأن القاضي إذا قضى بقول مصحح نفذ قضاؤه وارتفع الخلاف وقضية هذا حيث وجدنا لقول أبي حنيفة من صححه أن المفتي مخير بين الإفتاء بقول أبي يوسف المصحح وبقوله لكن في مسألتنا لم نقف على من قال إن الفتوى على قوله، وإنما قالوا كان يفتي به فلان
ألفاظ الترجيح عند الحنفية
وقولهم الفتوى على قول أبي يوسف في كثير من المعتبرات، أقوى وأصرح منه، فقد صرح بعض المحققين في بعض مصنفاته بأن لفظ الفتوى آكد من لفظ هو الصحيح ونحوه فإن ألفاظ الترجيح على ما قالوا:
عليه الفتوى به يفتى عليه الاعتماد وهو الصحيح هو الأصح هو الأشبه هو المختار يعول عليه عليه المعول به نأخذ وهو المعتمد هو الراجح ونحو ذلك"
ونصف الكتاب هذا ينبغى محوه لأن ليس فى موضوع الكتاب والغريب فى الأمر هو أن القوم يرجحون قول أبو حنيفة أو صاحبيه أو غيرهم من طلاب المذهب والمفترض فى أى مسلم هو أن يرجح البرهان من الوحى وليس قول أى شخص كما قال تعالى "وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله "
وهذه المسائل فى النقود لا تقع فى الدولة المسلمة حيث العملة ثابتة الوزن وإنما تقع فى مجتمعات لا تحكم بحكم الله يتلاعب حكامها اللصوص بالناس ويأكلون أموالهم بالباطل

الأحد، 10 مايو 2020

بيع الاستجرار

بيع الاستجرار
عرف الفقهاء هذا البيع فقالوا:
"أما بيع الاستجرار فهو مأخوذ من قولهم استجر المال: إذا أخذه شيئا فشيئا دون أن يجري بينهما مساومة أو إيجاب وقبول في كل مرة.
والاستجرار على نوعين:
الأول: الاستجرار بثمن مؤخر من مؤخر.
والثاني: الاستجرار بمبلغ مقدم."
هذا البيع نتج من الحياة فى مجتمع لا يحكم بحكم الله فهو نوع من الدين المرتبط سداده بحين ميسرة وحين ميسرة تكون إما قبض الراتب فيظل الموظف يستدين طوال الشهر من البياعين البقال والجزار والخضرى وما شاكل ذلك وعندما يقبض الراتب يوزعه عليهم ويظل يحيا هكذا معظم حياته وإما أن يكون فلاحا فيظل يستدين على أساس الحصاد وبيع المحصول وعندما يبيع المحصول يسدد ما عليه أو الكثير منه وإما أن يعمل عملا أخر ويسدد ما عليه كلما آتاه مال من العمل يوم أو أكثر
هذا الشكل من البيع ناتج من كون الدولة غير مسلمة فحكامها لا يعطون الناس حقوقهم ومن ثم لجئوا إلى هذه الأشكال من الديون المؤقتة
وأما تقسيم الفقهاء هذا البيع إلى الاستجرار بثمن مؤخر كما فى القول :
"أما الاستجرار بثمن مؤخر فهو ما ذكره الحصكفي في الدر المختار بقوله: (ما يستجره الإنسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها) وحاصله أن الرجل يتفاهم مع صاحب الدكان ولا تقع بينهما مساومة بل يعطيه البياع الشيء المطلوب بدون ذكر الثمن ولا تلفظ الإيجاب والقبول فيستعمله المشتري وفي نهاية الشهر مثلا يحاسبه بكل ما أخذ ويعطيه الثمن دفعة واحدة.
والقواعد المعروفة تأبى جواز هذا البيع لأننا إن قلنا بانعقاد هذا البيع عندما استلم المشتري شيئا من هذه الأشياء فإنه بيع ثمن مجهول لأنه لم تقع بينهما مساومة ولا بيان ثمن وإن قلنا: إن البيع ينعقد عند تصفية الحساب فإن المبيعات عندئذ معدومة مستهلكة وهذا يتضمن محظورين الأول: أن يقع الاستهلاك من المشتري قبل أن يقع الشراء من المالك والثاني: أن يقع بيع ما هو معدوم ومن هنا صرح بعض الفقهاء بعدم جواز هذا البيع وهو مذهب عامة الشافعية. وقال النووي:
(فأما إذا أخذ منه شيئا ولم يعطه شيئا ولم يتلفظا ببيع بل نويا أخذه بثمنه المعتاد كما يفعله كثير من فهذا باطل بلا خلاف لأنه ليس ببيع لفظي ولا معاطاة ولا يعد بيعا فهو باطل ولنعلم هذا ولنحترز منه ولا نغتر بكثرة من يفعله فان كثيرا من الناس يأخذ الحوائج من البياع مرة بعد مرة من غير مبايعة ولا معاطاة ثم بعد مدة يحاسبه ويعطيه العوض وهذا باطل بلا خلاف لما ذكرناه) "
أما كون الاستجرار بيعا فقط فهو خطأ لأنه دين وبيع معا فهو دين لأنه لا يسدد الثمن إلا بعد مدة وهو بيع لأنه يأخذ سلعا طعامية غالبا بدلا من النقود لكى يقدر على الحياة هو وأسرته
صحيح أن هذا الدين يخالف شروط الدين من وجود عقد مكتوب وكاتب للدين وشهود وأما كونه بيع فهو صحيح لأنه بالتراضى كما قال تعالى "يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"
وحكاية عدم معرفة أسعار السلع شىء وهمى فالناس يعرفون غالبا ثمن السلعة خاصة أن المجتمعات التى تتعامل بتلك المعاملة تكون مجتمعات مجالسة فى الغالب بين أهل الشارع أو أهل المهن المختلفة ومن ثم فهم يسألون بعضهم البعض والكثير من الناس يسألون البائع عن ثمن السلعة لأنهم يكتبون ما أخذوه فى كراسة عندهم لمعرفة ما عليهم
كما قلنا بدلا من تحريم بعض الفقهاء لتلك البيوع عليهم أن يعرفوا أن اصل المشكلة الحكام الذين يمنعون الناس حقوقهم فبدلا من قسمة مال الدولة على كل الأفراد بالعدل يأخذون هم معظم مال الدولة ولا يبقون للناس سوى الفتات الذى يتعاملون به كما فى هذا البيع ولهذا اضطر العديد من الفقهاء نتيجة سكوتهم على منكر الحكام فى المال إلى إباحة هذه البيوع فى النهاية ليتمكن الناس من الاستمرار فى الحياة وفى هذا قال محمد تقى العثمانى فى كتابه بحوث في قضايا فقهية معاصرة:
"ويبدو أن مذهب الشافعية أقل المذاهب مرونة في بيوع التعاطي والاستجرار ولكن جماعة منهم ذهبوا إلى جوازهما ومنهم الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال العلامة الرملي رحمه الله:
(أما الاستجرار من بياع فباطل اتفاقا: أي حيث لم يقدر الثمن كل مرة على أن الغزالي سامح فيه أيضا بناء على جواز المعاطاة) وقال الخطيب الشربيني رحمه الله:
وأخذ الحاجات من البياع يقع على ضربين:
أحدهما أن يقول: أعطني بكذا لحما أو خبزا مثلا وهذا هو الغالب، فيدفع إليه مطلوبه فيقبضه ويرضى به، ثم بعد مدة يحاسبه ويؤدي ما اجتمع عليه، فهذا مجزوم بصحته عند من يجوز المعاطاة فيما أراه.
والثاني: أن يلتمس مطلوبه من غير تعرض لثمن كأعطني رطل خبز أو لحم مثلا فهذا محتمل، وهذا ما رأى الغزالي إباحته ومنعها المصنف أي النووي)
وأما المالكية فقد ذكروا مسألة الاستجرار بمبلغ مقدم قال مالك في الموطأ:
(ولا بأس أن يضع الرجل عند الرجل درهما ثم يأخذ منه بربع أو بثلث أو بكسر معلوم سلعة معلومة فإذا لم يكن في ذلك سعر معلوم وقال الرجل آخذ منك بسعر كل يوم فهذا لا يحل لأنه غرر يقل مرة ويكثر مرة ولم يفترقا على بيع معلوم)
ومن هنا بعلم أن وجه المنع عندهم هو كون الثمن مجهولا ولا فرق في هذا بين أن يكون الاستجرار بمبلغ مقدم أو بثمن مؤخر وفي هذا يتفق المالكية مع أكثر الشافعية.
وأما الحنابلة فقد اختلفت في هذا وجاء في النكت والفوائد السنية لابن مفلح:
(وقال أبو داود في مسائله باب في الشراء ولا يسمى الثمن سمعت أحمد سئل عن الرجل يبعث إلى البقال فيأخذ منه الشيء بعد الشيء ثم يحاسبه بعد ذلك قال أرجو أن لا يكون بذلك بأس قال أبو داود قيل لأحمد يكون البيع ساعتئذ قال لا قال الشيخ تقي الدين وظاهر هذا أنهما اتفقا على الثمن بعد قبض المبيع والتصرف فيه وأن البيع لم يكن وقت القبض وإنما كان وقت التحاسب وأن معناه صحة البيع بالسعر)
وبه تبين أن رواية الجواز عند الحنابلة مبنية على جوز البيع بسعر السوق وفيه عند الحنابلة روايتان وأما الحنفية فقد أفتى المتأخرون منهم بجواز الاستجرار ولو لم يذكر الثمن عند أخذ الحاجات من البياع وجاء في الدر المختار:
(ما يستجره الانسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها جاز استحسانا) .
وقال ابن نجيم:
(ومما تسامحوا فيه وأخرجوه عن هذه القاعدة ما في القنية الأشياء التي تؤخذ من البياع على وجه الخرج كما هو العادة من غير بيع كالعدس والملح والزيت ونحوها ثم اشتراها بعد ما انعدمت صح فيجوز بيع المعدوم هنا) .
وبه تبين أن الاستجرار جائز عند الحنفية استحسانا ولكن اختلفت عباراتهم في تكييف وجه الاستحسان "
وبعد أن ذكر العثمانى أقوال فقهاء المذاهب عاد فذكر بعض منها ليعرفنا خلاصة الكلام فقال:
"والذي تلخص لي بعد دراسة كلام الفقهاء في الكتب المختلفة هو ما يلي:
إن الاستجرار بثمن مؤخر لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن ذكر البائع الثمن كلما يأخذ منه المشتري شيئا أو يكون ثمن ذلك الشيء معلوم للجانبين بأي طريق وهذا لا خلاف في جوازه عند الجمهور القائلين بجواز التعاطي فيقع بيع كل شيء عند أخذه على سبيل التعاطي ويقع المحاسبة عند نهاية مجموعة من البيوع. فلا يلزم منه البيع بثمن مجهول ولا بيع ما هو معدوم ويجوز ذلك عند الحنفية والحنابلة وعند الغزالي وابن سريج وغيرهما من الشافعية وأما على المشهور من مذهب الشافعية فيقع جوازه عند التلفظ بالإيجاب والقبول وقد ذكرنا أن الراجح في التعاطي قول الجمهور
الحالة الثانية: أن لا يذكر الثمن في كل مرة ولكن يتفق الفريقان عند الفاهم الابتدائي أن المشتري سوف يستجر هذه الأشياء بسعر السوق وفي هذه الحالة يتوقف جواز البيع عند الأخذ على جواز البيع بسعر السوق والمعروف عند الأئمة الأربعة أن بيع الشيء بسعره أو بثمن مثله أو بالرقم لا يجوز إلا إذا كان معلوما لدى المتبايعين في المجلس ولكن هناك رواية في مذهب الشافعية وأخرى في مذهب الحنابلة تجيز البيع بسعر السوق أما في مذهب الشافعية فهو وجه حكاه الرافعي وذكره النووي بقوله:
(وحكى الرافعى وجها ثالثا أنه يصح مطلقا للتمكن من معرفته كما لو قال بعت هذه الصبرة كل صاع بدرهم يصح البيع وإن كانت جملة الثمن في الحال مجهولة وهذا ضعيف شاذ)
وأما في مذهب الحنابلة فهو رواية عن الإمام أحمد واختارها الشيخ تقي الدين وقد ذكرنا عبارته من قبل وكذلك ذهب إلى الجواز العلامة ابن القيم وذكر أنه منصوص من الإمام أحمد وهو الذي اختاره شيخه ابن تيمية.
والذي يظهر لي بعد مراجعة كلام الفقهاء وأدلتهم في هذا الموضوع أن الأشياء على قسمين:
قسم تتفاوت أسعاره بتفاوت الآحاد ولا يمكن تحديد سعرها بمعيار منضبط معلوم فمن التجار من يبيعه بعشرة مثلا ومنهم من يبيعه بأكثر وأقل فالذين ذهبوا إلى حرمة البيع بسعر السوق إنما أرادوا المنع في مثل هذا القسم من المبيعات لأن سعر السوق إذا لم يكن معلوما للمتبايعين في مثل هذه الأشياء اصطلاح غير مستقر فيبقى الثمن مجهولا بجهالة تقضي إلى النزاع.
ولكن هناك قسماً آخر من المبيعات، وهو الذي لا تتفاوت آحاده، ولا تتفاوت أسعاره، وإنها تنضبط بمعيار معلوم يعرفه كل أحد معلوم يعرفه كل أحد، ولا يحتمل أن يقع الخطأ أو النزاع في تطبيقه، والذين ذهبوا إلى الجواز إنما أرادوا هذا القسم، لأن ذكر مثل هذا المعيار المضبوط يقوم مقام ذكر الثمن، فليس فيه جهالة تفضي إلى النزاع وإلى هذا المعنى يشير الإمام المحقق ابن الهمام حيث يقول:
(ومما لا يجوز البيع به: البيع بقيمته، أو بما حل به، أو بما تريد أو تحب، أو برأس ماله، أو بما اشتراه، أو بمثل ما اشترى فلان، لا يجوز ... وكذا لا يجوز بمثل ما يبيع الناس، إلا أن يكون شيئاً لا يتفاوت كالخبز واللحم).
وذكر ابن عابدين مثله عن صاحب النهر الفائق، فقال:
(وخرج أيضاً ما لو كان الثمن مجهولاً، كالبيع بقيمته أو برأس ماله أو بما اشتراه فلان ... ومنه أيضاً ما لو باعه بمثل ما يبيع الناس، إلا أن يكون شيئاً لا يتفاوت)
وهذا فيما أرى أعدل الأقوال وأوفق بالأصول المجمع عليها، فإنه لا مانع من جواز البيع بالسعر إلا جهالة الثمن التي تفضي إلى المنازعة، وإذا ارتفع احتمال المنازعة بتعين معيار منضبط ارتفع المانع، وجاز البيع. وقد ظهر اليوم أشياء كثيرة ينضبط ثمن مثلها بمعيار معلوم لا يحتمل وقوع النزاع في تطبيقه، وفي مثل هذه الأشياء يجوز العقد، ويجوز الاستجرار على أساس سعر السوق"
ومن حرموا هذا البيع للجهالة بالسعر وعدم المساومة مخطئون فليس هناك جهالة عند معظم الشارين كما أن المساومة ليست أصلا فى البيه وإنما البيع أصله التراضى شرط ألا يكون الربخ من السلعة يساوى الضعف أو اكثر كما قال تعالى فى المكاسب التجارية :
" لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة" فالربا هنا هو المكسب التجارى
كما أن الناس عندما يجدون أن بياع ما قد غبنهم فى سعر شىء يتركونه للشراء من بائع أخر وبعضهم لا يعود للبائع الأول أبدا وإن لم يذكر له سبب تركه كما أن كثير من الناس لا يساومون لأسباب مختلفة وأنا منهم لعدم تضييع الوقت وكثير من التجار يعرفون هذا
ومما سبق نجد فى النهاية أن الفقهاء اضطروا إلى إباحة هذا النوع من البيع وسيان كان هذا الاضطرار حفاظا على حياة الناس بدلا من موتهم جوعا أو موافقة بالاكراه أو بالقلب وهى قليلة على ما يقوم به الحكام من ظلم للناس فى منعهم حقوقهم من مال الله لأن فى النهاية العديد منهم يصيب من هذا المال فى صورة عطايا من الحكام سواء كانت هذه العطايا هدايا أو رواتب مباشرة أو عطايا للمدارس والجوامع التى يقومون بالعمل فيها
الإنسان فى هذا البيع مضطر فلو لم يفعل مات هو وعياله جوعا وحتى البائه هو الأخر مضطر للموافقة على هذا البيع لأنه لو رفض هذه البيع فلن يجد مكسبا من تجارته التى تعتمد غالبا على البيع لهؤلاء المضطرين ومن ثم لن يقدر على النفقة على أسرته ومن ثم فهى دائرة لا تنتهى من الظلم لن يوقفها إلا العدل عندما ينال كل إنسان نصيبه العادل كما قال تعالى " وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين"