الخميس، 7 نوفمبر 2019

نقد كتاب حديث الطير2

ثم يتناول الرجل ما سماه الحسد لعلى فيقول:
"الحسد لأمير المؤمنين
ومن فوائد حديث الطير أنّه كان هناك بين أصحاب رسول الله حتّى المقرّبين منهم، من كان في قلبه حسد بالنسبة لأمير المؤمنين ، وأنس بن مالك خادم رسول الله يكذب، لا مرّةً ولا مرّتين، يكذب مرّات لأجل الحسد الذي في قلبه على علي أمير المؤمنين، لكن أنساً كشف عن واقع حاله أكثر فأكثر، عندما ناشده أمير المؤمنين بحديث الغدير فأبى أن يشهد، وكتم الشهادة، وكتمان الشهادة ذنب كبير من كبائر المعاصي، حتّى أنّ أمير المؤمنين دعا عليه، وابتلي بالبرص إنّه لابدّ أنْ نعرف حقائق الأشخاص من خلال السنّة النبويّة، قبل أن نقرأ تراجمهم وأحوالهم في كتب التراجم، ففي السنّة وفي الأحاديث الواردة في المصادر المعتبرة ما يستكشف به حقائق حالات الأشخاص أكثر بكثير، وهذا ممّا لا يخفى على المتضلّعين بمثل هذه البحوث "
هنا الرجل يتهم بعض الصحابة المؤمنين بالكذب والحقد على بعضهم والدعاء على بعضهم لمجرد روايات تروى وهو أمر يناقض قوله تعالى ""وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم"
قد يحدث بين المؤمنين بعض الشجار والكراهية ولكنها لا تتحول لكتم الشهادة والكذب المتكرر وأكل الحقوق لأن من يفعل ذلك فقد كفر
ثم تناول الميلانى ما سماه ردود أهل السنة فى رد الحديث فقال :
"الجهة الثالثة:
محاولات القوم في ردّ حديث الطير:
فننتقل الآن إلى محاولات القوم في ردّ هذا الحديث وإبطاله، وفي المنع عن نقله وانتشاره وما صنعوا تتلخّص محاولاتهم في وجوه:
الأول: المناقشة في سند الحديث:

فإذا راجعتم كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لأبي الفرج ابن الجوزي، تجدونه يذكر هذا الحديث بسند أو ببعض أسانيده ويضعّفه ويسكت عن بعض الأسانيد الأخرى لكن ابن الجوزي أبا الفرج الحنبلي المتوفى سنة 597 هـ معروف بالتسرّع بالحكم، لا بالتضعيف فقط بل حتّى الحكم بالوضع، ولربّما ضعّف أو كذّب في كتبه أحاديث موجودة في الصحاح، وهذا ما دعا كبار المحدّثين من المحققين من أهل السنّة إلى التحذير من الاعتماد على حكم ابن الجوزي، في أي حديث من الأحاديث، وأنّه لابدّ من التثبّت والعجيب أنّهم ربّما ينسبون إلى ابن الجوزي أنّه أدرج حديث الطير في كتاب الموضوعات، راجعوا كتاب المرقاة في شرح المشكاة للقاري وبعض الكتب الأخرى، ينسب إلى ابن الجوزي أنّه حكم على هذا الحديث بالوضع وأدرجه في كتاب الموضوعات والحال أنّه غير موجود في كتاب الموضوعات، نعم، موجود في كتاب العلل المتناهية، لكنّه ببعض إسناده، وإنّما يتكلّم على بعض رجال هذا الحديث في بعض الأسانيد ـ ونحن لا ندّعي أنّ كلّ أسانيده صحيحة ـ ويسكت عن البعض الأخر ويأتي من بعده ابن كثير، فيذكر في تاريخه حديث الطير، ويرويه عن عدّة من الأئمّة الأعلام، يرويه عن الترمذي، وعن أبي يعلى، وعن الحاكم، وعن الخطيب البغدادي، وعن ابن عساكر، وعن الذهبي، وعن غيرهم، إلى أنْ قال:وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنّفات مفردة منهم: أبو بكر ابن مردويه، والحافظ أبو طاهر محمّد بن أحمد بن حمدان فيما رواه شيخنا أبو عبد الله الذهبي يقول: ورأيت مجلداً في جمع طرقه وألفاظه لأبي جعفر ابن جرير الطبري المفسّر صاحب التاريخ، ثمّ وقفت على مجلّد كبير في ردّه وتضعيفه سنداً ومتناً للقاضي أبي بكر الباقلانيّ المتكلّم ثمّ يذكر ابن كثير رأيه في هذا الحديث قائلاً: وبالجملة، ففي القلب من صحّة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه
أقول:

فدليل ابن كثير على ضعف هذا الحديث أنّ قلبه لا يساعد، قلب ابن كثير لا يساعد على قبول هذا الحديث، كما أنّ قلب أبي جهل لم يساعد على قبول القرآن والإسلام، فليكنْ، وأيّ مانع ؟ قلبه لا يساعد، لا يقول: إنّه موضوع، لا يقول: إنّه حديث مكذوب، لا يقول: في سنده كذا وكذا، لا يقول: الراوي ضعيف لقول فلان، لنصّ فلان على ضعفه، وأمثال ذلك، فإنّها مناقشات علميّة تسمع، إنّها مناقشات علميّة قابلة للبحث، قابلة للنظر، وأيّ مانع ! يقول: وبالجملة، ففي القلب من صحّة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه الرجوع إلى القلب من جملة أساليبهم في ردّ بعض الأحاديث، أذكر لكم شاهداً واحداً فقط، وإلاّ لطال بنا المجلس عندما يريدون أنْ يردّوا حديثاً وقد أعيتهم السبل، فلم يمكنهم المناقشة في سنده بشكل من الإشكال، يلجأون إلى القَسَم أحياناً، كقولهم: والله إنّه موضوع، وأيّ دليل أقوى من هذا ؟! أوْ يلتجئون إلى قلوبهم: والقلب يشهد بأنّ هذا الحديث موضوع، أذكر لكم شاهداً واحداً فقط في مستدرك الحاكم حديث عن علي : أخبرني رسول الله: «إنّ أوّل من يدخل الجنّة أنا وفاطمة والحسن والحسين»، قلت: يا رسول الله فمحبّونا ؟ قال: «من ورائكم» يقول الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه هذا حديث الحاكم، وما ذنبنا إنْ كان الحاكم كاذباً بنقل هذا الحديث وفي حكمه بصحّته، نحن المحبّون لأهل البيت ندخل الجنّة وراء أهل البيت، هم يدخلون ونحن وراءهم، لأننا نحبّ أهل البيت، وهذا لا يمكن لأحد إنكاره فيقول الذهبي في تلخيصه للمستدرك في ذيل هذا الحديث: الحديث منكر من القول يشهد القلب بوضعه ليته ناقش في سند الحديث، بضعف راو من رواته، يشهد القلب بوضعه !! ولماذا يشهد قلب الذهبي بوضع هذا الحديث ؟ الحديث يقول: إنّ أوّل من يدخل الجنّة رسول الله وعلي وفاطمة والحسن ومحبّوهم من وراءهم، أيّ مانع من هذا ؟ وأيّ ضير على الذهبي حتّى يشهد قلبه بأنّ هذا الحديث موضوع ؟ ولماذا ؟ هل حبّ أهل البيت مانع من دخول الجنّة فيكون قلبه يشهد بوضع هذا الحديث ؟ أو يشُك في أنّ رسول الله وعليّاً وفاطمة والحسنين أوّل من يدخل الجنّة ؟ أيشُك في هذا ؟ لماذا قلبه يشهد بوضعه ؟ فتأمّلوا في هذا
إذن، كانت المحاولة الأولى، المناقشة في سند الحديث والحكم بضعف الحديث، لكن الحديث في الصحاح كما ذكرنا، وله أسانيد صحيحة، وقسم كبير من أسانيده أنا بنفسي صحّحتها على ضوء كلمات كبار علماء الحديث وأئمّة الجرح والتعديل وهي في خارج الصحاح"

هنا الرجل كلامه صحيح فى أن الحديث لا يرد بمجرد أن القلب يرفضه ولكن استشهاده على صحة ما يقول هو الأخر بعدم عرضه على القرآن باطل فالجنة طبقا للمعروف لها ثمانية أبواب أحدهم وهو الثامن مقفل لكونه بين الجنة والنار ومن ثم فهناك سبعة أبواب مفتوحة لا يمكن أن يكون الخمسة أول من يدخل الجنة لأن دخول الجنة يكون فى صورة زمر أى جماعات ومن ثم إن شكل الخمسة جماعة فهناك ستة جماعات تدخل معهم فى نفس الوقت طبقا لقوله تعالى"وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا"
ثم تناول رد أهل السنة الثانى فقال :
"الثاني: تحريف اللفظ:
وهذا هو الطريق الثاني لردّ هذا الحديث، قد قرأنا بعض الألفاظ، وعرفتم كيف يكون التحريف أمّا أحمد بن حنبل، فقد قرأنا لفظ الحديث من كتاب فضائله أو مناقبه، فلنقرأ لفظ الحديث في مسنده فلاحظوا:
قال: سمعت أنس بن مالك وهو يقول: أُهديت لرسول الله ثلاثة طوائر، فأطعم خادمه طائراً، فلمّا كان من الغد أتت به ـ كلمة الخادم تطلق على المرأة والرجل ـ فقال لها (ص): «ألم أنهك أن ترفعي شيئاً، فإنّ الله عزّ وجلّ يأتي برزق كلّ غد» هذا هو الحديث في مسند أحمد
ولك أن تقول: لعلّ هذا الحديث في قضيّة أُخرى لا علاقة لها بحديث الطير لكنْ عندما نراجع ألفاظ الحديث نجد بعض ألفاظه بنفس هذا اللفظ وبنفس السند الذي أتى به أحمد، وفيه ما يتعلّق بعليّ وكونه أحبّ الخلق إلى الله إلى آخره، نعم، كنت أتصوّر أنّ هذا الحديث وارد في قضيّة لا علاقة لها بحديث الطير الذي نحن نبحث عنه، هذا تبادر إلى ذهني لأول وهلة، لكنّني دقّقت النظر في الأحاديث فوجدت الحديث حديث الطير، إلاّ أنّه جاء به بهذا الشكل، وهل الذي جاء في مسند أحمد من أحمد نفسه أو النسّاخ أو الطابعين لكتابه ؟ الله أعلم وأبو الشيخ الاصفهاني الذي ذكرناه مراراً، يروي هذا الحديث وفيه ما يتعلّق بأمير المؤمنين ، إلاّ أنّ ما يتعلّق بأنس، وكذب أنس، وخيانة أنس، هذا محذوف ومحرّف، لاحظوا:
عن أنس بن مالك قال: أُهدي لرسول الله طير فقال: «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير»، فجاء علي فأكل معه، ثمّ هو يقول: فذكر الحديث انتهى وكأنّه يريد أنْ يحفظ الأمانة فلا يخون يضع كلمة: فذكر الحديث ومن العجيب إسقاط بعضهم كلا الفقرتين، ما يتعلّق بعلي وما يتعلّق بأنس، فأسقط كلتا الفقرتين وجاء فقط بذلك العذر الذي ذكر أنس في آخر القضية:عن أنس عن النبي قال: «لا يلام الرجل على حبّ قومه» حينئذ يقول ابن حجر العسقلاني: هذا طرف من حديث الطير
الثالث: تأويل الحديث وحمل مدلوله على خلاف ما هو ظاهر فيه فيحملون أوّلاً لفظ الحديث الذي يقول: «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك»، يحملونه على أنّ المراد اللهمّ ائتني بمن هو من أحبّ خلقك إليك وإلى رسولك، فحينئذ لا إشكال، لانّ مشايخ القوم أحبّ الخلق إليه أيضاً، فيكون علي أيضاً من أحبّ الخلق إليه «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك»، أي اللهمّ ائتني بمن هو من أحبّ خلقك إليك وإلى رسولك راجعوا شروح مصابيح السنّة، راجعوا شروح المشكاة وكتاب التحفة الاثنا عشرية لوجدتم هذا التأويل موجوداً في كتبهم حول هذا الحديث وهل توافقون عليه ؟ وهل هناك مجال لقبول هذا التأويل بلا أيّ دليل ؟وقال صاحب التحفة الاثني عشرية: إنّ القضيّة إنّما كانت في وقت كان الشيخان في خارج المدينة المنوّرة، فلذا لم يحضرا فحضر علي راجعوا كتاب التحفة الاثنا عشرية ، وهذا الكتاب عندهم من أحسن الكتب في باب الإمامة، أو في أبواب العقائد كلّها، وطبع مراراً وتكراراً طبعات مختلفة، وطبعوا خلاصته باللغة العربية مع تعاليق ذلك العدو من أعداء الدين، مراراً وتكراراً في البلاد المختلفة
أقول:
هل كانت هذه القضية في وقت كان أبو بكر وعمر في خارج المدينة المنوّرة ؟ والله لو كانا في خارج المدينة المنوّرة لما كان عندنا أي كلام، فنحن ما عندنا أي غرض في إثبات شيء أو في نفي شيء، لكنْ ماذا نفعل مع حديث النسائي، مع حديث أبي يعلى: إنّه جاء أبو بكر فردّه، جاء عمر فردّه، وأضاف صاحب المسند فقال: بأنّ عثمان أيضاً جاء وردّه ؟! فهؤلاء كانوا في المدينة المنوّرة، وأيّ ذنب لنا لو كان النسائي وغيره ورواة خبر حضورهم في المدينة كاذبين عليهم ؟!"

هناك أمر غريب عند الميلانى وهو أن يتهم الراوى الأول بالتحريف هو أو صاحب الكتاب المروى فيه الرواية وهو كلام يبين الجهل فالكذاب أو الواضع قد يكون أى واحد فى سلسلة الرواية عدا المؤمن الصحابى لأن الفساد واتباع الشهوات لا يكون فى عهد الصحابة المؤمنين بالرسالة وإنما فى عهد خلفهم كما قال تعالى "أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذ تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا"
ثم تناول الرد الرابع والمفروض أنه الثالث فقال :
"الرابع: المعارضة:
المعارضة لها وجه علمي، نحن نوافق على هذا، لانّ المعارضة هي الإتيان بحديث معتبر ليعارض به حديث معتبر آخر في مدلوله، فتلاحظ بينهما قواعد الجرح والتعديل لتقديم البعض على البعض الأخر، تلك القواعد المقررة في كتب السنّة، فهذا أُسلوب علمي للبحث والمناظرة، وأيُّ مانع من هذا، المعارضة وإلقاء التعارض بين الحديثين، ثمّ دراسة الحديثين بالسند والدلالة وإلى آخره عمل جميل وعلى القاعدة، وله وِجهةٌ علمية، ونحن مستعدون لدراسة ما يذكرونه معارضاً لحديث الطير بلا أيّ تعصّب، لكنْ أيّ شيء ذكروا ليعارضوا به حديث الطير ؟
في كتاب التحفة الاثنا عشرية استند إلى حديث: «إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» في مقابلة حديث الطير فوالله لو تمّ هذا الحديث سنداً ودلالة، حتّى لو ثبت اعتباره عندهم واتّفقوا على صحّته، فنحن نغضّ النظر عن انفراد القوم به، وقد قلنا منذ الأول أنّ الحديث الذي يريد كلّ طرف من الطرفين أن يستند إليه لابدّ وأن يكون مقبولاً عند الجانبين، نحن نغضّ النظر عن هذه الناحية، وندرس الحديث على ضوء كتبهم وأقوال علمائهم هم فقط، ولو تمّ لوافقنا ولرفعنا اليد عن حديث الطير المقبول بين الطرفين بواسطة حديث: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» ولكنْ ماذا نفعل وهم لا يقبلون بحديث الاقتداء بالشيخين، وسنقرأ ما يقولونه حول هذا الحديث بالتفصيل "
الرجل هنا يقول أن معارضة حديث الطير بحديث الاقتداء مرفوض لأن أهل السنة رفضوا حديث الاقتداء بالشيخين وقال أنه سيذكر أقوال أهل السنة فى رفضهم حديث الاقتداء ولكنه لم يتعرض لتلك المسألة على الإطلاق فى الكتاب
ثم تناول الرد الخامس فقال:
"الخامس:
بعد أنْ أعيتهم السبل العلمية في الظاهر وهي: المناقشات في السند أو الدلالة، يلجأون إلى طريقة أُخرى، وماذا نسمّي هذه الطريقة ؟ لا أدري الآن، لأقرأ لكم ما وجدته تحت هذا العنوان الذي عنونته أنا، فأنتم سمّوا ما فعلوا بأيّ تسمية تريدون !!أذكر لكم قضيّة الحافظ ابن السقا الواسطي المتوفى سنة 373 هـ:يقول الذهبي في كتاب سير أعلام النبلاء بعد أن يصف ابن السقا بما يلي: الحافظ الإمام محدّث واسط، بعد أن يلقّبه بهذه الألقاب ينقل عن الحافظ السلفي يقول: سألت الحافظ خميساً الجوزي عن ابن السقا ؟ فقال: هو من مزينة مضر ولم يكن سقّاءً بل لقب له، من وجوه الواسطيين وذي الثروة والحفظ، رحل به أبوه فأسمعه من أبي خليفة وأبي يعلى وفلان وفلان وبارك الله في سنّه وعلمه، واتفق أنّه أملى حديث الطائر فلم تحتمله نفوسهم، فوثبوا عليه فأقاموه وغسلوا موضعه، فمضى ولزم بيته لا يحدّث أحداً من الواسطيين، فلهذا قلّ حديثه عندهم

أقول:ولم يذكر الراوي كلّ ما وقع على هذا المحدّث من ضرب وشتم وإهانة وغير ذلك، يكتفي بهذه العبارة: وثبوا عليه فأقاموه عن مجلسه وغسلوا موضعه، كأنّ الموضع الذي كان جالساً فيه تنجّس لإملائه طرق حديث الطير، وغسلوا موضعه، فمضى ولزم بيته ولم يخرج فماذا تسمّون هذه الطريقة ؟ لا أدري هذا ما ذكره الذهبي في ترجمة هذا الرجل في سير أعلام النبلاء، وفي كتاب تذكرة الحفّاظ أمّا الحاكم النيسابوري، فقد كان مصرّاً على صحّة حديث الطير، وعلى تصحيح حديث الطير
يقول في كتابه علوم الحديث : حديث الطير من مشهورات الأحاديث، وكان على أصحاب الصحاح أن يخرّجوه في الصحاح ويقول: ذاكرت به كثيراً من المحدثين ويقول: كتبت فيه كتاباً، أي كتب في جمع طرقه كتاباً ثمّ إنّه في المستدرك يروي هذا الحديث ويقول: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً وقد قلت لكم أنّ الرواة عن أنس هم أكثر من ثمانين شخصاً لا ثلاثين شخصاً
يقول: ثمّ صحّت الرواية عن علي وأبي سعيد الخدري وسفينة واضطرب القوم تجاه تصحيح الحاكم، وإخراج الحاكم هذا الحديث في مستدركه، وإصراره على صحّة هذا الحديث، وأصبحت قضيّة حديث الطير والحاكم قضيّة تذكر في أكثر الكتب المتعلّقة بالحاكم وبحديث الطير، أي حدثت هناك ضجّة من فعل الحاكم هذا، وقام القوم عليه وقامت قيامتهم، ولأجل هذا الحديث رماه بعضهم بالرفض فقال: الحاكم رافضي لكن الذهبي وابن حجر العسقلاني يقولان: الله يحبّ الإنصاف، ما الرجل برافضي فراجعوا لسان الميزان، وراجعوا سير أعلام النبلاء، وغير هذين الكتابين ثمّ جاء بعضهم وجعل يرمي كتاب المستدرك بأنّ هذا الكتاب ليس فيه ولا حديث واحد على شرط الشيخين وحينئذ يقول الذهبي: هذه مكابرة وغلو ثمّ نسبوا إلى الدارقطني أنّه لمّا بلغه أنّ الحاكم قد أخرج حديث الطير في المستدرك انتقد فعل الحاكم هذا لكن الذهبي يقول: إنّ الحاكم إنّما ألّف المستدرك بعد وفاة الدارقطني بمدة وحينئذ، إذا راجعتم كتاب طبقات الشافعية للسبكي رأيتموه ينقل عن الذهبي إنّ الحاكم سُئل عن حديث الطير فقال: لا يصحّ ولو صحّ لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول الله ثمّ قال شيخنا: وهذه الحكاية سندها صحيح، فما باله أخرج حديث الطير في المستدرك يعني: إذا كان الحاكم يعتقد بأنّ الشيخين أفضل من علي، فلماذا أخرج الحديث في المستدرك ؟ ولماذا صحّحه ؟حينئذ يقول السبكي: قد جوّزت أنْ يكون زيد في كتابه يعني: حديث الطير زيد في كتاب المستدرك !! لاحظوا إلى أي حدٍّ يحاولون إسقاط حديث من الأحاديث، قد جوّزتُ أن يكون زيد في كتابه، أنْ لا يكون من روايات الحاكم
يقول السبكي: وبحثت عن نسخ قديمة من المستدرك فلم أجد ما ينشرح الصدر بعدمه [ أي وجدت الحديث في كلّ النسخ ]وتذكّرت الدارقطني إنّه يستدرك حديث الطير، فغلب على ظنّي إنّه لم يوضع عليه [ أي إنّ الحديث لم يوضع على الحاكم، ولم يزده أحد في المستدرك ] ثمّ تأمّلت قول من قال: إنّه [ أي الحاكم ]أخرجه من الكتاب، فإنْ ثبت هذا صحّت الحكايات، ويكون خرّجه في الكتاب قبل أن يظهر له بطلانه، ثمّ أخرجه منه لاعتقاده عدم صحّته كما في هذه الحكاية التي صحّح الذهبي سندها، ولكنّه بقي [ أي الحديث ] في بعض النسخ، إمّا لانتشار النسخ بالكتاب، أو لإدخال بعض الطاعنين في الشيخين إيّاه [ أي الحديث ] فيه [ أي في المستدرك ] فكلّ هذا جائز، والعلم عند الله تعالى هذا نصّ عبارة السبكي
أقول: هذه نماذج من محاولات القوم لاسقاط الحديث، ولإثبات أنّ الحاكم لم يروه في مستدركه، وذلك يكشف عن اضطراب القوم أمام تصحيح الحاكم وإخراجه هذا الحديث في كتابه
وهل اكتفوا بهذا ؟ لا، وهل استفادوا من هذه الأساليب شيئاً ؟ لا فما كان عليهم إلاّ أنْ يهجموا على الحاكم داره فيضربوه ويكسروا منبره الذي كان يجلس عليه ويحدّث، ويمنعوه من الخروج من داره وهلاّ فعلوا هذا من أوّل يوم، وقبل أن يتعبوا أنفسهم في التحقيق عن كتاب المستدرك باحتمال أنْ يكون هذا الحديث قد أدرجه بعض الطاعنين، فما أحسن هذا الطريق لإثبات الخلافة لأسيادهم !!وهكذا فعلوا مع غير الحاكم، مع كثير من أئمّتهم !! أما فعلوا مع النسائي في دمشق ؟ أما بقروا بطن الحافظ الكنجي في داخل المسجد لأنه كان يملي فضائل علي ؟ وأما فعلوا ؟ وأما فعلوا ؟ أمّا بعلماء الطائفة الشيعيّة، وبالأئمّة الاثني عشر، فأيّ شيء فعلوا ؟ وكيف عاملوا ؟وهكذا ثبتت الإمامة والخلافة للشيخين وللمشايخ فأيّ داع لكلّ ما قاموا به من المناقشة في السند، من المناقشة في الدلالة، من المعارضة، من تحريف اللفظ ؟ من ضرب وهتك لابن السقا والحاكم ؟ لماذا لا يقلّدون إمامهم وشيخ إسلامهم الذي قال: حديث الطير من الموضوعات المكذوبات فأراح نفسه من كلّ هذا التعب ؟وهذه فتوى ابن تيميّة، وتلك فتوى ابن كثير، وتلك أفعالهم وأعمالهم مع أئمّتهم كالحاكم وغيره، وتلك تحريفاتهم لألفاظ الحديث النبوي، وتلك خياناتهم تبعاً لخيانة صاحبهم أنس بن مالك، وتلك إمامة مشايخهم التي يريدون أن يثبتوها بهذه السبل "

الميلانى هنا يتعامل مع كتب أهل السنة بمكيالين والمراد اى حسب هواه فإن كان الحديث المرفوض عندهم مقبول عند الشيعة فإن كلامهم باطل وتحريف ويريدون إفساد الحديث وأما الأحاديث التى يرفضونها ولا علاقة لها بأحاديث الإمامة والأفضلية لعلى فكلامهم فيها صحيح وهو لا يتعرض له والمفترض أن مقياس العدل واحد فلا يقال أن هذا تحريف وباطل وأن الأخر صحيح فكم من أحاديث رفضها بعض أهل السنة وقبلها البعض الأخر منهم ومن يراجع كتب الفقه فى المذاهب الأربعة سيجد أن ما يقبله الحنفية مثلا يرفضه الحنبلية أو ما يقبله الشافعية برفضه المالكية وهلم جرا ونذكر من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة مسألة واحدة لنعرف أن القوم بعضهم يقبل رواية غير الآخرين وهى مسألة النجاسة ونحن لا نذكر سوى طرف واحد منها وهى :
فالنجاسة في اللغة : اسم لكل مستقذر وكذلك النجس " بكسر الجيم وفتحها وسكونها " والفقهاء يقسمون النجاسة إلى قسمين : حكمية . وحقيقية وفي تعريفهما اختلاف في المذاهب
( الحنابلة عرفوا النجاسة الحكمية بأنها الطارئة على محل طاهر قبل طروها فيشمل النجاسة التي لها جرم وغيرها متى تعلقت بشيء طاهر وأما النجاسة الحقيقية فهي عين النجس " بالفتح "
الشافعية : عرفوا النجاسة الحقيقية بأنها التي لها جرم أو طعم أو لون أو ريح وهي المراد بالعينية عندهم والنجاسة الحكمية بأنها التي لا جرم
لها ولا طعم ولا لون ولا ريح كبول جف ولم تدرك له صفة فإنه نجس
نجاسة حكمية
المالكية قالوا : النجاسة العينية هي ذات النجاسة والحكمية أثرها المحكوم على المحل به
الحنفية قالوا : إن النجاسة الحكمية هي الحدث الأصغر والأكبر وهو
وصف شرعي يحل بالأعضاء أو البدن كله يزيل الطهارة . والحقيقية ؟ ؟ هي الخبث وهو كل عين مستقذرة شرعا ) على أنهم يخصون النجس
بالفتح بما كان نجسا لذاته فلا يصح إطلاقه على ما كانت نجاسته عارضة وأما النجس " بالكسر " فإنه يطلق عندهم على ما كانت نجاسته
عارضة أو ذاتية فالدم يقال له : نجس ونجس " بالفتح والكسر " والثوب المتنجس يقال له : نجس " بالكسر " فقط
أما الأعيان النجسة فكثيرة :
الشافعية قالوا : بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة إلا ميتة الجراد ولكن
يعفى عنها إذا وقع شيء منها بنفسه في الماء أو المائع فإنه لا ينجسه إلا إذا تغير أما إذا طرحه إنسان أو حيوان أو تغير ما وقع فيه فإنه ينجس ولا يعفى عنه ) : منها ميتة الحيوان البري غير الآدمي إذا كان له دم ذاتي يسيل عند جرحه بخلاف ميتة الحيوان البحري فإنها طاهرة لقوله صلى الله عليه و سلم : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وبخلاف ميتة الآدمي فإنها طاهرة كما تقدم وبخلاف ميتة الحيوان البري الذي ليس له دم ذاتي يسيل عند جرحه كالجراد فإنها طاهرة ومنها أجزاء الميتة التي تحلها الحياة " وفي بيانها تفصيل المذاهب "
المالكية قالوا : إن أجزاء الميتة التي تحلها الحياة هي اللحم والجلد والعظم والعصب ونحوها بخلاف نحو الشعر والصوف والوبر وزغب الريش فإنها لا تحلها الحياة فليست بنجسة
الشافعية قالوا : إن جميع أجزاء الميتة من عظم ولحم وجلد وشعر وريش ووبر غير ذلك نجس لأنها تحلها الحياة عندهم
الحنفية قالوا إن لحم الميتة وجلدها مما تحله الحياة فهما نجسان بخلاف
نحو العظم والظفر والمنقار والمخلب والحافر والقرن والظلف والشعر إلا شعر الخنزير فإنها طاهرة لأنها لا تحلها الحياة لقوله صلى الله عليه
وسلم في شاة ميمونة : " إنما حرم أكلها " وفي رواية " لحمها " فدل على أن ما عدا اللحم لا يحرم فدخلت الأجزاء المذكورة ما لم تكن بها دسومة فإنها تكون متنجسة بسبب هذه الدسومة والعصب فيه روايتان : المشهور أنه طاهر وقال بعضهم : الأصح نجاسته
الحنابلة قالوا إن جميع أجزاء الميتة تحلها الحياة فهي نجاسة إلا الصوف والشعر والوبر والريش فإنها طاهرة واستدلوا على طهارتها بعموم
قوله تعالى : { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } لأن ظاهرها يعم حالتي الحياة والموت وقيس الريش على هذه الثلاثة )
وكذا الخارج من نحو دم . ومخاط وبيض . ولبن وأنفحة على تفصيل
الحنفية قالوا بطهارة ما خرج من الميتة من لبن وأنفحة وبيض رقيق
القشرة أو غليظها ونحو ذلك مما كان طاهرا حال الحياة
الحنابلة قالوا : بنجاسة جميع الخارج منها إلا البيض الخارج من ميتة ما يؤكل إن تصلب قشره
الشافعية قالوا : بنجاسة جميع الخارج منها إلا البيض إذا تصلب قشره
سواء كان من ميتة ما يؤكل لحمه أو غيره فإنه طاهر
المالكية قالوا بنجاسة جميع الخارج من الميتة ) ومنها الكلب . والخنزير
المالكية قالوا : كل حي طاهر العين ولو كلبا . أو خنزيرا ووافقهم الحنفية على طهارة عين الكلب ما دام حيا على الراجح إلا أن الحنفية قالوا بنجاسة لعابه حال الحياة تبعا لنجاسة لحمه بعد موته فلو وقع في بئر وخرج حيا ولم يصب فمه الماء لم يفسد الماء وكذا لو انتفض من بلله فأصاب شيئا لم ينجسه ) وما تولد منهما أو من أحدهما ولو مع غيره
أما دليل نجاسة الكلب فما رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم
وهو " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات وأما
نجاسة الخنزير فبالقياس على الكلب لأنه أسوأ حالا منه لنص الشارع
على تحريمه وحرمة اقتنائه ومنها ما يرشح من الكلب والخنزير من لعاب ومخاط وعرق ودمع
المالكية قالوا : كل ذلك طاهر لقاعدة : أن كل حي وما رشح منه طاهر ) ومنها الدم بجميع أنواعه إلا الكبد . والطحال فإنهما طاهران للحديث المتقدم وكذا دم الشهيد ما دام عليه والمراد بالشهيد شهيد القتال الآتي بيانه في مباحث الجنازة وما بقي في لحم المذكاة أو عروقها . ودم السمك والقمل والبرغوث ودم الكنان وهي " دويبة حمراء شديدة اللسع " فهذه الدماء طاهرة وهناك دماء أخرى طاهرة في بعض المذاهب"

الأربعاء، 6 نوفمبر 2019

نقد كتاب حديث الطير

نقد كتاب حديث الطير

 الكتاب من تأليف علي الحسيني الميلاني وموضوع الكتاب كما قال المؤلف:
"موضوع بحثنا حديث الطير وهو أيضاً من الأحاديث التي نستدلّ بها على إمامة أمير المؤمنين"
ووضح المؤلف أنه سوف يتناول الحديث من جهات متعددة فقال:
"...ولابدّ من البحث حول هذا الحديث في جهات عديدة :
الجهة الأولى:
رواة حديث الطير وأسانيده:
نبدأ بأسماء الصحابة الذين وصلتنا رواياتهم لهذا الحديث الشريف وهم:
أولاً:علي أمير المؤمنين ، ويوجد حديثه عند ابن عساكر ، وغيره من كبار المحدّثين، وأشار إليه الحاكم النيسابوري في المستدرك
ثانياً: سعد بن أبي وقّاص، وحديثه يوجد في حلية الأولياء لابي نعيم الأصفهاني
ثالثاً: أبو سعيد الخدري، وحديثه يوجد في تاريخ ابن كثير ، وغيره، وأشار إليه الحاكم في المستدرك
رابعاً: أبو رافع، وحديثه يوجد عند ابن كثير
خامساً: أبو الطفيل، وأخرج حديثه ابن عقدة، والحاكم النيسابوري ، وغيرهما
سادساً: جابر بن عبد الله الآنصاري، ويوجد حديثه عند ابن عساكر، وابن كثير
سابعاً: حبشي بن جنادة، ويوجد حديثه عند ابن كثير
ثامناً: يعلى بن مرّة، ويوجد حديثه عند الخطيب البغدادي، وابن كثير
تاسعاً: عبد الله بن عباس، وحديثه عند الطبراني
عاشراً:سفينة مولى رسول الله (ص)، ويوجد حديثه عند أبي يعلى الموصلي ، وأشار إليه الحاكم النيسابوري
الحادي عشر:عمرو بن العاص، ويوجد حديثه في كتاب له إلى معاوية بن أبي سفيان، روى ذلك الكتاب الخطيب الخوارزمي في كتاب المناقب
الثاني عشر:أنس بن مالك، وهو المشهور برواية هذا الحديث، لانّه صاحب القصّة
وهذا الحديث الشريف وارد من طرق أصحابنا، عن الأئمّة الأطهار وعن بعض الأصحاب، حتّى أنّ أبا الشيخ الحافظ الأصفهاني روى هذا الحديث عن الإمامين الباقر والصادق في كتابه، وهو من كبار حفّاظ أهل السنّة
فهؤلاء رواة هذا الحديث من الصحابة وأمّا رواته من التابعين، فإنّ التابعين الرواة لهذا الحديث عن أنس بن مالك فقط يبلغون حدود التسعين رجلاً
ورواه من أئمّة المذاهب:

1 ـ أبو حنيفة
2 ـ أحمد بن حنبل
3 ـ مالك بن أنس
4 ـ الإمام الأوزاعي، ذلك الفقيه الكبير الذي كان يعدّ مذهبه مذهباً مستقلاً من بين المذاهب، إلى أن حصروا المذاهب في الأربعة المشهورة
ومن رواته جماعة كبيرة من مشايخ البخاري ومسلم وكثير من رواته من رجال الصحاح الستّة عند أهل السنّة ولنذكر أسماء أشهر مشاهير رواة هذا الحديث من أئمّة الحديث وكبار الحفّاظ في القرون المختلفة:
1 ـ شعبة بن الحجّاج، أمير المؤمنين في الحديث، كما يلقّبونه
2 ـ الأوزاعي، الإمام المعروف
3 ـ مالك بن أنس، إمام المذهب
4 ـ أبو حنيفة، صاحب المذهب
5 ـ أحمد بن حنبل، صاحب المذهب
6 ـ أبو عاصم النبيل، شيخ البخاري

7 ـ أحمد بن حنبل
8 ـ عبد الرزاق الصنعاني، شيخ البخاري
9 ـ البخاري نفسه، يروي هذا الحديث، لكن لا في صحيحه، بل في تاريخه الكبير، وسنذكر نصّ حديثه فيما بعد
10 ـ البلاذري، صاحب أنساب الاشراف
11 ـ أبو حاتم الرازي، الذي هو من أقران البخاري ومسلم
12 ـ الترمذي، صاحب الصحيح
13 ـ أبو بكر البزّار، صاحب المسند
14 ـ النسائي، صاحب الصحيح
15 ـ أبو يعلى الموصلي، صاحب المسند
16 ـ محمّد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ والتفسير المعروفين
17 ـ ابن أبي حاتم، صاحب التفسير، والمحدّث الكبير الذي يعدّونه من الأبدال
18 ـ ابن عبد ربّه، في العقد الفريد
19 ـ أبو الحسين المحاملي، صاحب الامالي
20 ـ أبو العباس ابن عُقدة، له كتاب في حديث الطير
21 ـ المسعودي المؤرخ، صاحب مروج الذهب
22 ـ أبو القاسم الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة
23 ـ أبو الشيخ الاصفهاني، صاحب كتاب طبقات المحدّثين بإصفهان
24 ـ ابن السقا الواسطي، هذا الحافظ الكبير من علماء القرن الرابع، سنذكر قصّته في حديث الطير
25 ـ أبو حفص ابن شاهين، له كتاب في حديث الطير
26 ـ أبو الحسن الدارقطني، صاحب كتاب العلل
27 ـ أبو عبد الله الحاكم النيشابوري، صاحب المستدرك، وله كتاب بطرق حديث الطير
28 ـ أبو بكر ابن مردويه، له كتاب في طرق حديث الطير
29 ـ أبو نعيم الأصفهاني، صاحب حلية الأولياء وغيره من الكتب، له كتاب في طرق حديث الطير
30 ـ أبو طاهر ابن حمدان الخراساني، المحدّث الكبير، له كتاب في طرق حديث الطير
31 ـ أبو بكر البيهقي، صاحب السنن الكبرى
32 ـ ابن عبد البر، صاحب الاستيعاب
33 ـ الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد
34 ـ محي السنّة البغوي، صاحب مصابيح السنّة
35 ـ رزين العبدري، صاحب الجمع بين الصحاح الستّة
36 ـ أبو القاسم ابن عساكر، صاحب تاريخ دمشق

37 ـ ابن الأثير الجزري، صاحب جامع الأصول
38 ـ وأيضاً أخوه ابن الأثير الأخر، صاحب أُسد الغابة
39 ـ الخطيب التبريزي، صاحب مشكاة المصابيح
40 ـ أبو الحجّاج المزّي، صاحب تهذيب الكمال وكتاب تحفة الإشراف
41 ـ شمس الدين الذهبي، صاحب المؤلفات المعروفة المشهورة
42 ـ ابن كثير الدمشقي، صاحب التفسير والتاريخ
43 ـ أبو بكر الهيثمي، صاحب مجمع الزوائد
44 ـ شمس الدين ابن الجزري، صاحب المؤلفات
45 ـ ابن حجر العسقلاني، صاحب المؤلفات، شيخ الإسلام، والفقيه المحدث الرجالي المعروف
46 ـ جلال الدين السيوطي، أيضاً صاحب المؤلفات المشهورة
47 ـ ابن حجر المكي، صاحب الصواعق
48 ـ شاه ولي الله الدهلوي، محدّث الهند
وكما عرفتم في خلال ذكر أسماء الرواة هؤلاء: إنّ جماعة من الأعلام ومن كبار المحدّثين ألّفوا كتباً خاصة تتعلّق بطرق حديث الطير، وهؤلاء هم:
1 ـ الطبري، صاحب التفسير والتاريخ
2 ـ ابن عقدة
3 ـ الحاكم النيسابوري
4 ـ ابن مردويه
5 ـ أبو نعيم
6 ـ أبو طاهر ابن حمدان
7 ـ الذهبي نفسه يذكر في كتابه تذكرة الحفّاظ بترجمة الحاكم النيسابوري: أنّ له كتاباً ـ أي الذهبي نفسه ـ في طرق حديث الطير
فهؤلاء رواة هذا الحديث بنحو الإجمال من الصحابة، وأشرنا إلى أنّ عدد التابعين الرواة لهذا الحديث من أنس بن مالك وحده يبلغون حدود التسعين رجلاً، وذكرنا أشهر مشاهير علماء الحديث في القرون المختلفة الرواة لحديث الطير، وذكرنا من ألّف في خصوص حديث الطير كتاباً
وحديث الطير موجود في عدّة من الصحاح، كصحيح الترمذي، وصحيح النسائي، وصحيح ابن حبّان، وأيضاً موجود في المختارة للضياء المقدسي، وفي المستدرك للحاكم، وفي الجمع بين الصحيحين، وفي الجمع بين الصحاح

كما أنّ لهذا الحديث أسانيد صحيحة هي أكثر من عشرين سند موجودة في خارج الصحاح ولا أظن أنّ من يقف على هذه الأسامي، وهذه الأسانيد، يشك في صدور هذا الحديث عن رسول الله (ص)، هذا الحديث المتفق عليه بين المسلمين"
كما فى كتب سابقة للميلانى يعتبر كقرة المؤلفات وكثرة الأسماء وشهرتها التى تروى حديث ما دليل صدق الحديث وهى قاعدة تخالف القرآن فالكثرة ليست دليل صدق أو كذب وإنما دليل الصدق هو موافقة القرآن ودليل البطلان مخالفة القرآن ولو اتخذنا الكثرة دليل صدق لكانت أديان كالنصرانية والهندوسية والبوذية كلها أديان صادقة من عند الله بسبب كثرة نقلة تلك الأديان مع أنها تؤمن بتعدد الآلهة وتؤمن بتجسم الإله وهو كلام لا يقوله سوى كافر بالله الواحد غير المتجسم
ثم تناول الميلانى الجهة الثانية وهى دلالة الحديث على إمامة على فقال:

"الجهة الثانية:

دلالة حديث الطير على إمامة أمير المؤمنين :
إنّ حديث الطير يدلّ على إمامة أمير المؤمنين بالقطع واليقين، وذلك، لانّ القضيّة التي تتعلّق بحديث الطير، هذه القضية قد أسفرت عن كون علي أحبّ الناس إلى الله وإلى الرسول، فكأنّ رسول الله (ص) قد انتهز فرصة إهداء طير إليه ليأكله، انتهز هذه الفرصة للإعلان عن مقام أمير المؤمنين وعن شأنه عند الله والرسول، هذا الشأن الذي سنرى أنّ عائشة تمنّت أن يكون لأبيها، وحفصة تمنّت لان يكون لأبيها، وأنس بن مالك ـ صاحب القصّة ـ حال دون أن تكون هذه المرتبة وأن يكون هذا الشأن والمقام لأمير المؤمنين، زاعماً أنّه أراد أن يكون لأحد من الآنصار، وربّما سعد ابن عبادة بالخصوص، بل سنقرأ في بعض ألفاظ هذا الحديث أنّ الشيخين، وفي سند أنّ عثمان أيضاً، جاءوا إلى الباب ولم يتشرّفوا بالدخول على رسول الله (ص) في تلك اللحظة التي كان يدعو الله أن يأتي إليه بأحبّ الخلق إلى الله وإلى الرسول فلنذكر ـ إذن ـ طائفةً من ألفاظ القصّة، لنقف على واقع الأمر أوّلاً، ولنطّلع على تصرّفات القوم في نقل هذا الحديث، وكيفيّة تصرّفهم في الحديث، إمّا إختصاراً له وإمّا نقلاً له بنحو يقلّل من أهميّة القضية فيما يتعلّق بأمير المؤمنين يقول الترمذي في صحيحه عن أنس بن مالك: كان عند النبي (ص) طير فقال: «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه» هذا لفظ الحديث بهذا المقدار في صحيح الترمذي، فلا يذكر فيه دور أنس في القضيّة هذه كما سنقرأ، ولا يذكر مجيء غير علي ورجوعه من باب رسول الله وجاء في كتاب مناقب علي لأحمد بن حنبل ما نصّه: عن سفينة خادم رسول الله (ص) الذي هو أحد رواة هذا الحديث يقول: أهدت امرأة من الآنصار إلى رسول الله طيرين بين رغيفين، فقدّمت إليه الطيرين، فقال (ص): «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك»، ورفع صوته، فقال رسول الله: «من هذا ؟» فقال: علي
لاحظوا نصّ الحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل، وقارنوا بينه وبين رواية الأخرين ولكم أن تقولوا: لعلّ الأخرين تصرّفوا في لفظ الحديث بإسقاط كلمة «ورفع صوته» فقال (ص): «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك ورفع صوته»، إنّ معنى «رفع صوته» أنّه عندما كان يدعو كان يدعو بصوت عال، لنفرض أنّ هذا معنى الحديث إلى هنا «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك ورفع صوته» لكن الحقيقة إنّ لفظ أحمد محرّف، لانّا سنقرأ في بعض الألفاظ: إنّ عليّاً عندما جاء في المرّة الأولى فأرجعه أنس ولم يأذن له بالدخول، وفي المرّة الثانية كذلك، في المرّة الثالثة لمّا جاء علي رفع صوته فقال رسول الله: من هذا ؟فمن هنا يظهر معنى «ورفع صوته» ويتبيّن التحريف، وإلاّ فأيّ علاقة بين قوله: «اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإلى رسولك ورفع صوته»، وقوله: فقال رسول الله من هذا ؟ فقال: علي، أي: قال سفينة: الذي خلف الباب هو علي، قال: افتح له، ففتحت، فأكل مع رسول الله من الطيرين حتّى فنيا فالتصرف في لفظ الحديث عند أحمد أيضاً واضح تماماً، والتلاعب في هذا اللفظ باد بكلّ وضوح أمّا الهيثمي صاحب مجمع الزوائد، فيروي هذا الحديث باللفظ التالي عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول الله (ص)، فقُدّم فرخاً مشويّاً أو فَقدّم فرخاً مشويّاً [ يقتضي أنْ يكون: فقُدّم فرخ مشويّ، أو فقدّم رسول الله فرخاً مشويّاً ] فقال رسول الله (ص): «اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ يأكل معي من هذا الفرخ» فجاء علي ودقّ الباب، فقال أنس: من هذا ؟ قال: علي، فقلت ـ أي أنس ـ يقول: النبي على حاجة، وفي بعض الألفاظ النبي مشغول، أي لا مجال للدخول عليه، والحال أنّ النبيّ كان مازال يدعو: «اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك»، قال: النبي على حاجة، فانصرف علي عاد رسول الله مرّة أُخرى يقول: «اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ يأكل معي من هذا الفرخ»، فجاء علي فدقّ الباب دقّاً شديداً، فسمع رسول الله (ص)، فقال: «يا أنس من هذا ؟» قال: علي، قال: «أدخله»، فدخل فقال رسول الله (ص): «لقد سألت الله ثلاثاً أنْ يأتيني بأحبّ الخلق إليه وإليّ يأكل معي هذا الفرخ»، فقال علي: وأنا يا رسول الله، لقد جئت ثلاثاً كلّ ذلك يردّني أنس، فقال رسول الله: «يا أنس، ما حملك على ما صنعت ؟» قال: أحببت أن تدرك الدعوة رجلاً من قومي، فقال رسول الله: «لا يلام الرجل على حبّ قومه»

في هذا الحديث جاء علي مرّتين فردّه أنس قائلاً: رسول الله على حاجة، في المرّة الثالثة دقّ علي الباب دقّاً شديداً وفي بعض الألفاظ: رفع صوته فسمع رسول الله صوت علي وقال لأنس: «افتح الباب ليدخل علي»، ثمّ اعترض عليه رسول الله، أي على أنس، واعتذر أنس كما في الخبر: أحببت أن تدرك الدعوة رجلاً من قومي لكن الحديث في مسند أبي يعلى كما يلي: حدّثنا قطن بن نسير، حدّثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدّثنا عبد الله بن مثنّى، حدّثنا عبد الله بن أنس عن أنس قال: أُهدي لرسول الله (ص) حجل مشويّ، فقال رسول الله (ص): «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام»، فقالت عائشة: اللهمّ اجعله أبي، وقالت حفصة: اللهمّ اجعله أبي، قال أنس: فقلت أنا: اللهمّ اجعله سعد بن عبادة، قال أنس: سمعت حركة الباب، فإذا علي، فسلّم، فقلت: إنّ رسول الله على حاجة، فانصرف، ثمّ سمعت حركة الباب فسلّم علي، فسمع رسول الله صوته، أي رفع علي صوته [ أُريد أنْ أؤكّد أنّ لفظ أحمد محرّف ]فسمع رسول الله صوته فقال: «أُنظر من هذا ؟» فخرجت، فإذا علي، فجئت إلى رسول الله فأخبرته، فقال: «ائذن له»، فأذنت له، فدخل، فقال رسول الله: «اللهمّ وإليّ اللهمّ وإليّ» هذا لفظ أبي يعلى ولاحظوا الفوارق بين هذا اللفظ ولفظ الهيثمي، ثمّ لفظ الترمذي، ولفظ أحمد بن حنبل أمّا في الخصائص للنسائي [ الذي نصّ الحافظ الذهبي على أنّ كتاب الخصائص داخل في السنن، راجعوا سير أعلام النبلاء وكذا راجعوا مقدمة تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ] فيروي النسائي هذا الحديث بسند صحيح، مضافاً إلى أنّ كتابه داخل في السنن الكبرى للنسائي الذي يقولون بأنّ له شرطاً في هذا الكتاب أشدّ من شرط الشيخين:
عن أنس بن مالك: إنّ النبي (ص) كان عنده طائر، فقال: «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر»، فجاء أبو بكر فردّه، ثمّ جاء عمر فردّه، ثمّ جاء علي فأذن له وفي مسند أبي يعلى بنفس السند، ترون مجيء الشيخين ومجيء عثمان أيضاً، قال: «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير»، فجاء أبو بكر فردّه، ثمّ جاء عمر فردّه، ثمّ جاء عثمان فردّه، ثمّ جاء علي فأذن له لاحظوا الفوارق بين الألفاظ، وقد تعمّدت التدرج في النقل حتّى تلتفتوا إلى أنّهم إذا أرادوا أن ينقلوا القضيّة الواحدة وهي ليست في صالحهم، كيف يتلاعبون باللفظ، وكيف ينقصون من القصة، وكيف يسقطون تلك النقاط الحساسة التي يحتاج إليها الباحث الحر المنصف في تحقيقه عن سنّة رسول الله (ص)، وفي فحصه عن القول الحق من بين الأقوال
أقول:
سند النسائي كما أكّدت سند صحيح، وهو نفس السند في مسند أبي يعلى، لكنّ بعضهم يحاول أن يناقش في سند هذا الحديث الأخير الذي نقلته عن النسائي وأبي يعلى، يحاول أنْ يناقش في هذا السند، ونحن نرحّب بالمناقشة، وأيّ مانع لو كانت المناقشة مناقشة علميّة، على كلّ منصف أن يسلّم، وأيّ مانع لو كانت المناقشة واردة، وحينئذ لرفعنا اليد عن هذا الحديث وتمسّكنا بغيره من الألفاظ، أو تمسّكنا بغير هذا الحديث من الأحاديث، وأيّ مانع ؟ لكن كيف لو كانت المناقشة ظاهرة البطلان، واضحة التعصّب !!

يحاول بعضهم أنْ يناقش في وثاقة أحد رجال هذا السند، وهو السُدي، والسُدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن، ربّما يناقش فيه بعض، لكنّه من رجال مسلم، من رجال الترمذي، من رجال النسائي، من رجال أبي داود، ومن رجال ابن ماجة ويقول أحمد بترجمته: ثقة ويقول غيره من كبار الرجاليين: ثقة حتّى أنّ ابن عدي المتشدّد في الرجال يقول: هو مستقيم الحديث صدوق، بل إنّه من مشايخ شعبة وقد ذكرنا أنّ شعبة أمير المؤمنين عندهم، وهو لا يروي إلاّ عن ثقة هكذا يقولون، يقولون شعبة بن الحجّاج لا يروي إلاّ عن ثقة، وممّن يعترف بهذا المعنى أو يدّعي هذا المعنى هو ابن تيميّة، وينقل السبكي كلامه في كتابه شفاء الاسقام فإذا كان الرجل من رجال خمسة من الصحاح الستّة، ويوثّقه أحمد، ويوثّقه العجلي، ويوثّقه ابن عدي، ويوثّقه الأخرون من كبار الرجاليين ، فأيّ مناقشة تبقى في السُدي ليطعن الطاعن عن هذا الطريق في هذا الحديث الذي هو في نفس الوقت الذي يدلّ على فضيلة لأمير المؤمنين، يدلّ على ما يقابل الفضيلة لمن يقابل أمير المؤمنين ؟
وهناك قرائن داخل الحديث وقرائن في خارج الحديث لا نحتاج إلى ذكرها كلّها، بل نكتفي بالإشارة إلى بعض القرائن الداخليّة وبعض القرائن الخارجيّة فقط
في بعض ألفاظ هذا الحديث يقول (ص): «اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وأوجههم عندك»، وهذه الإضافة موجودة في بعض الألفاظ وفي بعض الألفاظ: «اللهمّ أدخل عَلَيّ أحبّ خلقك إليّ من الأولين والأخرين»
وربّما يدلّ هذا الحديث بهذا اللفظ على أفضليّة أمير المؤمنين من الأولين والأخرين، أمّا الأخرون فالأمر فيهم سهل أمّا الأولون فإنّه يشمل الآنبياء أيضاً، يشمل حتّى أُولي العزم منهم، ويكون هذا الحديث بهذا اللفظ من أدلّتنا على أفضليّة أمير المؤمنين من جميع الآنبياء إلاّ النبي والرسول الأعظم (ص) وفي بعض ألفاظ الحديث يقول أنس: فإذا علي ـ أي فتحت الباب فإذا علي ـ فلمّا رأيته حسدته وفي بعض ألفاظ الحديث: فلمّا نظر إليه رسول الله (ص) قام قائماً فضمّه إليه وقال: «يا ربّ وإليّ يا رب وإليّ، ما أبطأ بك يا علي ؟» وفي لفظ آخر بعد تلك العبارات: «ما أبطأ بك يا علي ؟» قال: يا رسول الله قد جئت ثلاثاً كلّ ذلك يردّني أنس، قال أنس: فرأيت الغضب في وجه رسول الله، وقال: «يا أنس ما حملك على ردّه ؟» قلت: يا رسول الله سمعتك تدعو، فأحببت أن تكون الدعوة في الآنصار "وكأنّ بهذا العذر زال غضب رسول الله !! ذلك الغضب الشديد الذي رآه أنس في وجهه، زال بمجرّد اعتذاره بهذا العذر، حتى أنّه (ص) لمّا اعتذر هذا العذر قال: لست بأوّل رجل أحبّ قومه
وإنّي أعتقد أنّ هذا الكلام من رسول الله مفتعل عليه في حديث الطير: «لا يلام الرجل على حبّ قومه» أو «لست بأوّل رجل أحبّ قومه»، أعتقد أنّ هذه إضافة من المحدّثين
لكنْ لو سألتم بأيّ دليل تعتقد ؟
ليس عندي الآن دليل، وإنّما أقول: كيف غضب رسول الله ذلك الغضب ثمّ زال غضبه بمجرّد اعتذار أنس بهذا العذر الواهي ؟ بل يعتذر له رسول الله مرّةً أُخرى، ويبدي له عذراً !! ألم يكن يعلم رسول الله بهذا: لا يلام الرجل على حبّ قومه ؟ فلماذا غضب عليه إذن ؟ بل قاله له رسول الله وكأنّه يلاطفه بعد ذاك الغضب الشديد، كما في هذا الحديث: «لست بأوّل رجل أحبّ قومه، أبى الله يا أنس إلاّ أنْ يكون ابن أبي طالب»

وهذه قرائن داخليّة في الألفاظ، ولو أردت أن أُعيد عليكم الألفاظ بكاملها من أوّلها إلى آخرها لطال بنا المجلس، لكن تلك المقاطع التي نحتاج إليها ـ كقرائن داخليّة تؤيّد ما نريد أنْ نستدلّ به من هذا الحديث ـ هذه القرائن انتخبتها واستخرجتها بهذا الشكل"
الرجل فى الفقرات السابقة نقل الرجل لنا بعض روايات حديث الطير فى كتب أهل السنة مستدلا بها على أفضلية على وإمامته وما رواه يثبت أن الحديث ى أصل لها للتالى :
وجود تناقضات عدة فى الروايات وهى :
الأول عدد الطير ففى روايات كثيرة واحد مثل
"فقُدّم فرخاً مشويّاً" و"أُهدي لرسول الله (ص) حجل مشويّ"
والرواية المناقضة أنهما اثنين فى الرواية التالية:
"أهدت امرأة من الآنصار إلى رسول الله طيرين بين رغيفين، فقدّمت إليه الطيرين"
الثانى الطير ملك النبى (ص) أم مهدى إليه ففى رواية أنه كان عند النبى(ص) فى البيت فى رواية :
"كان عند النبي (ص) طير"
والروايات المناقضة أنهما طيرين أهدتهما للنبى (ص) امرأة انصارية فى رواية :
"أهدت امرأة من الآنصار إلى رسول الله طيرين بين رغيفين"
التناقض الثالث:
المهدى للنبى(ص) ففى رواية حجل مشوى واحد فى رواية "أُهدي لرسول الله (ص) حجل مشويّ"
والرواية المناقضة أن المهدى طيرين اثنين ورغيفين فى رواية "أهدت امرأة من الآنصار إلى رسول الله طيرين بين رغيفين"
التناقض الرابع :
الشخص الأحب إلى من ففى رواية الأحب لله فقط كما فى رواية«اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي" وفى رواية الأحب لله ورسوله(ص) مها كما فى رواية"اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك وإلى رسولك" وفى رواية الأحب للنبى(ص) وحده كما فى رواية "اللهمّ أدخل عَلَيّ أحبّ خلقك إليّ من الأولين والأخرين"
والثلاث متناقضة فالأحب لله غير الأحب للنبى(ص) غير الأحب لهما معا
التناقض الخامس :
من أتى للدخول على النبى (ص) ففى معظم الروايات على كما فى رواية " لقد جئت ثلاثاً كلّ ذلك يردّني أنس"
والروايات المناقضة تقول بمجىء أبو بكر وعمر وعثمان وعلى كما فى رواية " فجاء أبو بكر فردّه، ثمّ جاء عمر فردّه، ثمّ جاء عثمان فردّه، ثمّ جاء علي فأذن له "
التناقض السادس:
كم مرة جاء على ففى روايات جاء أكثر من ثلاث فدخل فى الرابعة كما فى رواية " لقد جئت ثلاثاً كلّ ذلك يردّني أنس"
وفى رواية مناقضة جاء ثلاثا فدخل فى الثالثة كما فى رواية "في المرّة الثالثة لمّا جاء علي رفع صوته"
وفى رواية مناقضة لهما جاء مرتين دخل فى الثانية كما فى رواية"سمعت حركة الباب، فإذا علي، فسلّم، فقلت: إنّ رسول الله على حاجة، فانصرف، ثمّ سمعت حركة الباب فسلّم علي، فسمع رسول الله صوته، أي رفع علي صوته فسمع رسول الله صوته فقال: «أُنظر من هذا ؟» فخرجت، فإذا علي"
ونأتى للنقطة الأهم وهى أن حب النبى(ص)لشخص ما لا يعنى أنه أفضل أو أحسن من غيره لأنه أحب العديد من الكفار ومع هذا كانوا أسوأ خلق الله لكفرهم وفى هذا قال الله معاتبا له :
"إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء"
فلو كان حب النبى(ص) دليل أفضلية لكان بعض الكفار أفضل من المسلمين وهو ما لا يقول به مسلم
ثم تحدث الميلانى عما ظنه تأييد للرواية فقال :
" مضافاً: إلى أنّ أمير المؤمنين احتجّ بحديث الطير في يوم الشورى ولماذا احتجّ ؟ وعلى من احتجّ ؟احتجّ على كبار الصحابة الذين انتخبهم عمر، لأنْ يستشيروا فيما بينهم، فيتعيّن الخليفة في ذلك المجلس، هؤلاء أعلام القوم وأهل الحلّ والعقد إذن، احتجّ علي على هؤلاء، ومن المحتج ؟ علي أمير المؤمنين، وهل يحتج علي بما ليس له أصل ؟ وهل يحتج علي بما هو ضعيف سنداً أو كذب أو موضوع ؟ فالمحتج علي، والمحتج عليه أُولئك الأصحاب المنتخبون من قبل عمر لأن يعيَّن من بينهم خليفة عمر، واحتجّ علي في ذلك المجلس بحديث الطير وأيضاً: سعد بن أبي وقّاص الذي أمره معاوية بن أبي سفيان بسبّ علي، فأبى سعد من أن يسب، وسأله معاوية عن السبب، فاعتذر بأنّه سمع من رسول الله خلالاً أو خصالاً لعلي، ومادام يذكر تلك الخصال فلن يسب عليّاً، هذا الحديث الذي قرأناه من قبل، وفيه تحريفات كثيرة كما ذكرت لكم في ذلك المجلس
في بعض ألفاظ هذا الحديث: إنّ سعداً اعتذر من أنْ يسبّ عليّاً بخصال، فذكر الخصال ومنها حديث الطير، الخصال التي اعتذر بها سعد في هذه الرواية هي: حديث الراية، وحديث الطير، وحديث الغدير، وهذه الرواية موجودة في حلية الأولياء لابي نعيم، ومن شاء فليراجع هذا، والشواهد والقرائن الخارجيّة الدالّة على أنّ عليّاً أحبّ الخلق إلى الله وإلى الرسول (ص) دون غيره، تلك القرائن كثيرة لا تحصى، والله يشهد على ما أقول، وأنتم أيضاً تعلمون، فلا نطيل المجلس بذكر تلك الشواهد "

فى الفقرة السابقة يحدثنا الرجل عن احتجاج على فى يوم الشورى وهو حدث لم يحدث لأنه يثبت جهل على وغيره من الصحابة العلماء بقوله تعالى "وأمرهم شورى بينهم " فلو كان هناك تحديد للخليفة بكونه الأفضل أو ألحب أو غير ذلك لكان مخالفة من النبى(ص) لقوله تعالى "وشاورهم فى الأمر"فالنبى (ص)لم يحدد خليفة له وإنما اختاره المؤمنون من بين السابقين للإيمان والجهاد كما قال تعالى :
"لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى"
فالله حدد هنا من يتولى المناصب وهم من أسلموا وقاتلوا قبل فتح مكة ولم يميز أحد منهم بشىء
ثم تحدث الرجل عن كون الأحبية تعنى الأفضلية وهذه هى دلالة الحديث كما يقول:
"بل في الأحاديث التي بحثنا عنها، والآيات التي درسناها فيما سبق، والتي سنذكرها فيما سيأتي، كفاية لان تكون شواهد لهذا الحديث وما معنى الأحبيّة إلى الله وإلى الرسول ؟ وأيّ علاقة بين الأحبيّة وبين الإمامة والولاية ؟ أي ارتباط بين الأمرين ؟أتتصوّرون أنْ تكون الأحبيّة إلى الله وإلى الرسول، أن يكون الشيء أحب الأشياء إلى الله والرسول، أو يكون شخص الاحب إلى الله وإلى الرسول، أن تكون الأحبيّة اعتباطيّة ليس لها معيار، ليس لها ملاك، ليس لها ضابط، أيمكن هذا ؟ أتتصوّرون هذا ؟ أتحتملون هذا ؟ وأنتم بأنفسكم، كلّ واحد منكم إذا أحبّ شيئاً، وجعله أحبّ الأشياء إلى نفسه، أو أحبّ شخصاً واتّخذه أحبّ الناس إلى نفسه، يُسأل لماذا ؟ ولابدّ وأن يكون له ضابط، قطعاً يكون له سبب، فالأحبيّة ليست أمراً اعتباطيّاً، الآنسان لا يحب كلّ صوت، لا يحبّ كلّ صورة، لا يحب كلّ شيء، لابدّ وأن يكون هناك ضوابط للحب فكيف الأحبيّة ؟ أن يكون شيء أحبّ الأشياء إلى الآنسان من كلّ الأشياء في العالم، أن يكون شخص أحبّ الأشخاص إلى الآنسان من كلّ أفراد الآنسان وبني آدم، ويكون هذا بلا حساب وبلا سبب من الأسباب ؟ أيمكن هذا ويعقل ؟نحن لكوننا أفراداً من البشر وذي عقول، ونحاول أن تكون أعمالنا وتروكنا عن حكمة، عن سبب، عن علّة، لا نذر شيئاً ولا نختار شيئاً إلاّ لعلّة، إلاّ لحساب، إلاّ لسبب، أيعقل أن تقول بأنّي أُحبّ الكتاب الفلاني وهو أحبّ إليّ من بين جميع كتب العالم، فإذا سئلت عن السبب لا يكون عندك سبب، لا يكون عندك جواب معقول الله سبحانه وتعالى يجعل فرداً من أفراد البشر، وواحداً من خلائقه أحبّ الخلائق إلى نفسه، ورسول الله (ص) يتّخذ أحداً ويجعله أحبّ الخلق إليه، أترى يكون هذا بلا حساب وهل يعقل ؟
وجميع التصرّفات التي صدرت من المحدّثين والمؤلّفين في هذا الحديث، وما سنقرأ أيضاً ممّا يحاولونه أمام الإماميّة في استدلالهم بهذا الحديث، كلّ تلك القضايا أدلة أُخرى وشواهد على أنّ هذا الحديث يدلّ على مقام عظيم لأمير المؤمنين، يدلّ على شأن كبير، وإلاّ لما فعلوا، ولما تصرّفوا، ولما ضربوا وكسروا المنبر، ولما أهانوا المحدّث الحافظ الشهير الكبير عندهم، كما سنقرأ ثمّ إنّ الأحبيّة إلى الله والرسول لمّا لا تكون اعتباطاً، ولابدّ من سبب، والمفروض أنّ تلك الأحبيّة إلى رسول الله لم تكن لميول نفسانيّة ولم تكن لاغراض شخصيّة، لانّ رسول الله أعلى وأجلّ وأسمى من أن يحب شخصاً ويجعله أحبّ الخلق إليه لمجرّد ميل نفساني، فما هي تلك الضوابط التي أشرنا إليها ؟
نحن لا علم لنا بتلك الضوابط على نحو الدقّة، لا نعلم بها، الأمر أدقّ من هذا، أدقّ من أن تتوصّل إليه عقولنا وأفهامنا، الأمر أدقّ من أن نفهم أنّ النبيّ أيّ معيار كان عنده لانْ يتّخذ أحداً أحبّ الخلق إليه، نحن لسنا في ذلك المستوى لانْ نعرف ذلك المعيار، لانْ نعرف ملكات رسول الله (ص)، حتّى نتمكّن من تعيين من هو أحبّ، اللهمّ إلاّ عن طريق تلك الأحاديث الواردة عنه (ص)، عن طريق الأحاديث المتواترة القطعيّة، عن طريق الأحاديث المتفق عليها بين الطرفين
فأحبيّة شخص إلى رسول الله لا يمكن أن تكون لميل نفساني ولشهوة خاصّة، ولغرض شخصي عند رسول الله، فيجعل أحداً أحبّ الخلق إليه ولا يجعل الأخر والأخرين، بل هناك ضوابط، وهي التي تقرّب إليه أبعد الناس وتبعّد عنه أقرب الناس، تلك الضوابط لابدّ وأن تكون هكذا، وإلاّ فليس بنبي مرسل من قبل الله سبحانه وتعالى، يفعل ويترك وما يفعل وما يترك إلاّ عن وحي من الله سبحانه وتعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)
فإذا كانت الأحبيّة بملاك، بسبب، وبحساب، تلك الأحبيّة تنتهي إلى الأقربيّة المعنويّة، تنتهي إلى الأفضليّة، تنتهي إلى وجود ما يقتضي أن يكون ذلك الشخص الأحب إلى رسول الله، أن يكون مقدّماً على غيره في جميع شؤون الحياة وإليكم عبارة الحافظ النووي في شرح صحيح مسلم، وهذا حافظ كبير من حفّاظهم، وكتابه في شرح صحيح مسلم ومن أشهر كتبهم وأكثرها اعتباراً وشهرة، يقول في معنى محبّة الله تعالى لعبده ـ والمراد من هذه الكلمة في النصوص الاسلاميّة كتاباً وسنّةً -فيشرح قائلاً:
محبّة الله سبحانه وتعالى لعبده تمكينه من طاعته، وعصمته، وتوفيقه، وتيسير ألطافه وهدايته، وإفاضة رحمته عليه، هذه مباديها، وأمّا غايتها فكشف الحجب عن قلبه، حتّى يراه [ أي يرى الله تعالى ] ببصيرته فيكون [ هذا الشخص المحبوب لله سبحانه وتعالى ] كما قال في الحديث الصحيح: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره
هذه عبارته، وما ألطفها من عبارة فهل من شك حينئذ في استلزام الأحبية للإمامة ؟ إنّ من كان محبوباً لله تعالى يكون له هذه المنزلة، فكيف من كان أحب الخلق إليه، عبارة النووي كانت في محبّة الله لأحد، أمّا كون هذا الشخص وحده هو الأحبّ من كلّ الخلائق إلى الله سبحانه وتعالى فحدّث ولا حرج، هذا الذي قلت بأنّ أفهامنا تقصر عن درك مثل هذه القضايا، إلاّ أنّنا نتكلّم بقدر ما نفهم إذن، لا شكّ ولا ريب في استلزام الأحبيّة للإمامة والخلافة والولاية هذا على ضوء الحديث الذي قرأناه برواته وأسانيده وألفاظه، وبعض العبارات المتعلّقة بالمطلب ذكرتها لكم
فتمّ البحث إلى الآن عن دلالة حديث الطير على الإمامة واستلزام الأحبيّة للأفضليّة
ملاك الأحبية على صعيد الواقع التاريخي وأمّا على صعيد الواقع التاريخي، أذكر لكم شاهدين فقط على صعيد الواقع التاريخي، حتّى تعرفوا أنّ استدلالنا بحديث الطير على إمامة أمير المؤمنين لا مجال لأيّ خدشة فيه من أيّ أحد من الأوّلين والآخرين
الشاهد الأوّل:
إنّهم يروون عن عمر بن الخطّاب أنّه قيل له لمّا طعن: لو استخلفت، فقال: لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته يقول: لو كان أبو عبيدة الجرّاح حيّاً لاستخلفته، لا أُريد أنْ أخرج عن موضوع البحث، وإلاّ فعندي تعليق هنا، يقول: لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته فإنْ سأله الله: لماذا وبأيّ ملاك استخلفت أبا عبيدة ؟يقول: وقلت لربّي إنْ سألني: سمعت نبيّك يقول: أبو عبيدة أمين هذه الأمّة ولي تعليق على هذا الحديث أتركه إلى وقت آخر ويقول عمر أيضاً: ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً استخلفته وعندي تعليق هنا، أتركه لوقته يقول: فقلت لربّي إنْ سألني: سمعت نبيّك يقول: إنّ سالماً شديد الحبّ لله يقول عمر بن الخطّاب: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته، هذا الشخص المولى، ولاعتذرت إلى الله بأنّي سمعت نبيّك يقول: إنّ سالماً شديد الحبّ لله
إذن، أصبح الحب ملاكاً ومعياراً للخلافة، وهو مولى، وقد أجمعوا على أنّ الإمام يجب أن يكون من قريش، لكنْ لماذا كان سالم مولى أبي حذيفة بهذه المثابة في نظر عمر بن الخطّاب ؟ نتركه لوقته هذا هو الشاهد الأوّل هذا الشاهد موجود في تاريخ الطبري ، وفي تاريخ ابن الأثير الكامل ، فراجعوا

الشاهد الثاني:
والاهم من هذا هو الشاهد الثاني، تجدونه في صحيح البخاري في قضيّة السقيفة نفسها، في بيعة أبي بكر بالذات، يقول الراوي والعبارة هكذا:
اجتمعت الآنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقال أبو بكر: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال عمر: نبايعك أنت، فأنت سيّدنا وخيّرنا وأحبّنا إلى رسول الله، فبايعه عمر وبايعه الناس فأصبحت الأحبية إلى رسول الله هي الملاك على صعيد الواقع، دعنا عن البحث الصغروي فله مجال آخر، نستدلّ الآن بهذا الحديث على ما هو في صحيح البخاري صدقاً أو كذباً، حجة عليهم ونحن نلزمهم بهذه الحجة، عمر بن الخطّاب يدّعي لأبي بكر إنّه كان أحبّ الخلق إلى النبي، ولذا ـ أمام الآنصار وغيرهم ـ نادى بأنّ أبا بكر هو المتعيَّن للخلافة، بأيّ دليل ؟ لأنّه أحبّ الخلق إلى رسول الله لكن حديثنا حديث متواتر قطعي الصدور عن رسول الله (ص)، مقبول بين الطرفين، وقد ذكرت لكم رواة هذا الحديث، وذكرت لكم كيفيّة الاستدلال به، وفقه هذا الحديث"

الرجل هنا يكرر مقولو أن ألحبية تعنى الأفضلية وسبق أن قلنا لو كان هذا صحيحا لكان الكفار الذين أحبهم النبى(ص) أفضل من المؤمنين وهو ما يناقض قوله تعالى :
"إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء"
وأما الشواهد التى استشهد بها الميلانى على كون الأحبية كانت فى بيعة أبى بكر وان عمر يوم طعنه كان يريد تولية من يحب الله كلام يظهر لنا المؤمنون من الصحابة فى صورة الجهلة بقوله تعالى "وأمرهم شورى بينهم" فعمر لن يولى أحد ولن يستخلف أحدا طبقا للآية لأنه لو فعل لكان عاصيا لأمر الله وهو ما يدخله جهنم وعمر لا يعلم من الأحب للرسول(ص) لأنه لم يدخل قلب النبى(ص) ومن المستبعد أن يصرح القائد لأتباعه بأن فلان أحب إليه منهم أو من بعضهم لأن هذا يثير العداوات والضغائن بينهم ويجعل بعضهم يحاول التخلص من بعضهم حتى يكون المطلوب

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2019

نقد كتاب الإبادة لحكم الوضع على حديث «ذِكْرُ عَليٍّ عبادة»2

السادس: هبْ أنّ ابن حبّان صادق في قوله، لكنّ رمي الراوي بنكارة الحديث لا يوجب بإطلاقه ردّ حديثه، والحكم عليه بالوضع ـ كما
توهّم الخصوم ـ لاَنّه لم يُتّهم بالكذب، ولا بوضع الحديث قال الشيخ الإمام تقيّ الدين السُبْكي: إنّ ممّا يجب أن يُتنبَّه له أنّ حُكم المحدّثين بالأنكار والأستغراب قد يكون بحسب تلك الطريق، فلا يلزم من ذلك ردّ متن الحديث "
قلت:
وكم من راوٍ قيل فيه «منكَر الحديث» أو ما في معناه، ومع ذلك احتجّ به الشيخان في الصحيحين، وغيرهما من أرباب السنن من دون تريّث ولا مبالاة بما وُصم به، وهاك منهم على سبيل الأجمال:
1 ـ أحمد بن شعيب بن سعيد الحبطي، روى له البخاري والنسائي وأبو داود قال أبو الفتح الأزدي: منكَر الحديث، غير مرضيّ
2 ـ وأسيد بن زيد الجمّال، روى عنه البخاري في الرقاق قال ابن حبّان: يروي عن الثقات المناكير، ويسرق الحديث، بل قال ابن معين: حدّث بأحاديث كذب
3 ـ وتوبة بن أبي الأسد العنبري، روى له الشيخان وأبو داود والنسائي
قال الأزدي: منكَر الحديث
4 ـ وحسّان بن حسّان ـ وهو حسّان بن أبي عبّاد البصري ـ روى عنه البخاري قال أبو حاتم: منكَر الحديث

5 ـ وحميد بن الأسود البصري، روى له البخاري وأصحاب السُنن
قال أحمد بن حنبل: ما أنكر ما يجيء به!
6 ـ وخيثم بن عراك بن مالك الغفاري، روى له البخاري ومسلم والنسائي قال الأزدي: منكَر الحديث
7 ـ وعبد الرحمن بن شريح بن عبد الله بن محمود المعافري، احتجّ به الجماعة قال ابن سعد: منكَر الحديث
8 ـ والمفضّل بن فضالة القتباني المصري، اتّفق الجماعة على الأحتجاج به قال ابن سعد: منكَر الحديث
9 ـ وموسى بن نافع الحنّاط، روى له الشيخان والنسائي وأبو داود
قال أحمد بن حنبل: منكَر الحديث فلو كان قولهم: «منكَر الحديث» موجِباً لطرح حديث الراوي لَلَزم إبطال جملة وافرة من أحاديث الكتب الستّة وغيرها، ولا يلتزم به منهم أحد ولمّا أعلّ ابن الجوزي حديث أنس ـ عند الترمذي ـ: «اللّهمّ أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين»، بقوله: لا يصحّ، لاَنّ فيه الحارث بن النعمان، منكَر الحديث؛ تُعُقِّب بأنّ ذلك لا يقتضي الوضع ـ كما في تنزيه الشريعة المرفوعة لابن عرّاق ـ فلو سلَّمنا قول ابن حبّان في الحسن بن صابر وصدّقناه، فإنّ حديثه هذا ليس منكَراً، لوجود المتابع، فلا وجه لردّ حديثه جملةً
ولعلّ في إيراد ابن حبّان حديثاً آخر في ترجمته ـ شاهداً على مقالته ـ دون حديث الباب إشعاراً بما ذكرنا، والله أعلم
وبالجملة:

فقوله في الرجل «منكَر الحديث» لا يدلّ على أنّ كلّ ما رواه منكَر حتّى هذا الحديث ـ كما مرّ عن الذهبي ـ بل جاز أن يراد به أن له مناكير وقعت في أحاديثه، كما قالوا ذلك في جماعة، كإبراهيم بن المنذر الحزامي، والحكم بن عبد الله البصري، والفضل بن موسى السيناني، ومحمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ ـ الذي إليه المرجع في حديث «إنّما الأعمال بالنيّات» ـ ومحمّد بن طلحة بن مصرف الكوفي وهؤلاء احتجّ بهم البخاريّ وغيره، فتبيَّن فساد رأي من ردّ الحديث من المتأخّرين اغتراراً بكلام ابن حبّان، وانكشف وهن قول الألبانيّ: إنّ الحسن هذا متّهم، ووهى وكذا تعقّبُه على المُناوي ـ إذ أعلّ حديث الترجمة في فيض القدير بقول ابن حبّان ـ: بأنّ ذلك يقتضي أنّ إسناده ضعيف جدّاً، وأنّ قوله في التيسير: «إسناده ضعيف» غاية في التقصير هذا مع جزمه سابقاً بأنّ الحديث موضوع ومن هنا تذعن بضعف هذا الألبانيّ في هذا العلم الشريف وقصوره فيه، وعدم اتّباعه للمتقرّر عند أهله، إذ حكم على الحديث أوّلاً بأنّه موضوع ـ وهو شرّ الضعيف، لأنه لا درجة بعده مطلقاً ـ ثمّ ذكر أنّ إسناده ضعيف جدّاً، وهذا تناقض عظيم، وجهل كبير يعلمه طلبة نخبة الفكر، لاَنّ السند الضعيف لا يصل أن يكون به الحديث موضوعاً، بل يحتمل أن يكون واهياً يرتفع إلى درجة الضعيف، بخلاف الحديث الموضوع، فإنّه لا يرتفع إلى درجة الضعيف مطلقاً، ولا تنفع فيه المتابعات والشواهد ـ كما أفاد شيخنا ابن الصدّيق أدام الله حراسته
السابع: أنّ ممّا يكاد أن يُقطع به أنّ ابن حبّان لم يقل في ابن صابر «منكَر الحديث جدّاً» إلا لكونه كوفيّاً روى في فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهذا عنده ذنب لا يغفر، وبمثله يُرمى الرجل بالتشيّع فيُردّ حديثه، وهذه عادة النواصب اللئام ـ قبّحهم الله تعالى وأخزاهم ـ في أكثر ما روي من مناقب آل النبيّ (ص)، وقلوبهم المنكَرة تنكِر ما ثبت في ذلك، حتّى إنّ أحدهم إذا لم يجد مطعناً في الإسناد قال ـ متعنّتاً ـ: في النفس من هذا الحديث شيءٌ، أو: إنّ القلب ليشهد ببطلانه، وما ذلك إلا من جفائهم للعترة الطاهرة المطهَّرة، وسعيهم في إطفاء نور الله تعالى
ومن تتبّع كلام الغويّ الجوزجاني وابن قايماز التركماني وأضرابهما من ألدّاء النواصب أذعن لما قلنا، أمّا فضائل خصومهم التي ما أنزل الله بها من سلطان فلا ترى فيها شيئاً من ذلك التشدّد المقيت، والتقوّل السخيف،وهم أعلم الخلق بكذبها وبطلانها، لكنّ حبّ الشيء يُعمي ويُصمّ، وهوان آل محمّد (ص)على هؤلاء الأجلاف الجفاة حملهم على ذلك، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم وأمّا قول السندروسي في كتابه الكشف الألهيّ عن شديد الضعف والموضوع والواهي ـ في حديث الباب ـ: إنّ سنده واهٍ فليس بشيء؛ لاَنّه فسَّر الواهي: بأنّه ما يوجد في سنده كذّابان أو أكثر، قال: يعني في كلّ طريقٍ من طرقه "وليت شعري، كيف وهّى السند مع عدم اشتماله على كذّاب واحد، فضلاً عن كذّابَيْن، فضلاً عن تحقّق ذلك في كلّ طريق من طرقه؟! فناقض بذلك نفسه!

وقد تحصّل ـ ممّا مرّ ـ أنّ ابن صابرٍ الكسائي غير مطعون فيه، وأنّ جرح ابن حبّان إيّاه بنكارة الحديث ـ مع تفرّده به واختلافهم في قبول الجارح الواحد ـ مردودٌ عليه، لِما بيّنّا من حاله في جرح الرواة، ومبلغ ذلك عند الأئمّة النقّاد فإنْ قال قائل:
يلزم ممّا قرّرتَ أن يكون الحسن بن صابر في عِداد المجهولين
قلنا:
لا يضرّه ذلك، لاَنّ المراد إمّا جهالة العين أو جهالة الوصف فإنْ أُريد جهالة العين ـ وهو غالب اصطلاح أهل هذا الشأن في هذا الإطلاق ـ فذلك مرتفع عنه، لأنه قد روى عنه عبد الله بن يزيد والفضل بن يوسف القصَباني، وبرواية اثنين تنتفي جهالة العين، فكيف برواية العراقيّين عنه ـ كما ذكر ابن حبّان في ترجمته ـ مضافاً إلى أنّه عرّفه فوصفه بما ذكره
وإن أُريد جهالة الوصف، فغاية الأمر أنّه مستور، لاَنّ ظاهر أمره على العدالة، وقد قبل روايته ـ أعني المستور ـ جماعة بغير قيد كأبي حنيفة ـ وتبعه ابن حبّان ـ إذ العدل عنده من لا يُعرف فيه الجرح
قال: والناس في أحوالهم على الصلاح والعدالة، حتّى يظهر منهم ما يوجب الجرح ـ كما في شرح الشرح للقاري ـقال أبو عمرو بن الصلاح: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الّذين تقادم العهد بهم وتفّدرت الخبرة الباطنة بهم، وصححّه النووي في شرح المهذّب كما في تدريب الراوي
وقال في علوم الحديث: حكى الإمام أبو المظفّر السمعاني وغيره عن بعض أصحاب الشافعي: أنّه تُقبل رواية المستور وإن لم تقبل شهادته
قال ابن الصلاح: ولذلك وجه متّجه "وقال أيضاً: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستورٍ لم تتحقّق أهليّته، غير أنّه ليس مغفَّلاً كثير الخطأ في ما يرويه، ولا هو متّهم بالكذب ـ أي لم يظهر منه تعمّد الكذب في الحديث ـ ولا سببٍ آخر مُفسِّق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرف، بأن رُوي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر، حتّى اعتضد بمتابعة مَن تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد ـ وهو ورود حديث آخر بنحوه ـ فيخرج بذلك عن أن يكون شاذّاً أو منكَراً قال: وكلام الترمذي على هذا القسم يتنّزل "

قلت:
فجهالة حال ابن صابر ـ بل حتّى التكلّم فيه بنكارة الحديث ـ لا تضرّه في المقام، إذ قد توبِع على حديثه من طريق حمدان بن المعافى فبانَ، أنّه لم يتفرّد به وقد روى هذه المتابعة الأمام الحافظ الفقيه ابن المغازلي الشافعي في (المناقب)، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن المظفّر بن أحمد العطّار ـ الفقيه الشافعي ـ بقراءتي عليه فأقرَّ به، قلت: أخبركم أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن عثمان المزني ـ الملقّب بابن السقّا ـ الحافظ الواسطي، قال: حدّثني محمّد بن علي بن معمر الكوفي، حدّثنا حمدان بن المعافى، حدّثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله (ص): ذِكْرُ عليٍّ عبادة وهذه متابعة تامّة ثبت بها خروج الحسن بن صابر من عهدة الحديث، وزالت عنه التهمة، وظهر أنّه لا يدور عليه ـ خلافاً لِما توهّمه المبطلون ـ أمّا أبو جعفر حمدان بن المعافى الصبيحي، مولى جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام، فقد روى عن موسى الكاظم وأبي الحسن الرضا ، وقد دَعَوا له وأمّا صاحبه أبو الحسين محمّد بن عليّ بن معمّر الكوفي، فقد ذكر الشيخ الأمام أبو جعفر الطوسي رحمه الله تعالى في (رجاله): أنّ التلعكبري سمع منه سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وله منه إجازة فإن قال قائل:قد قرّروا أنّ الداعية إذا روى ما يؤيّد مذهبه فإنّ حديثه يُردّ بالإجماع
قلنا:
إنّ هذه حيلة احتالها النواصب ـ أعداء الله وأعداء رسوله (ص)ـ لردّ أحاديث الفضائل والمناقب الواردة في عليّ وعترته الزكيّة، فزعموا أنّ راويها إذا كان متشيِّعاً فإنّ حديثه مردود، ولكن هذا كلّه ـ والله ـ باطل من رأسه، فلا تشيّع الراوي يوجب ردّ حديثه، ولا روايته في فضل عليٍّ وآله وهل يروي فضائلهم إلا شيعتهم ومحبّوهم؟!وهل يُعقل أن يحدّث بها ـ عن طوعٍ ـ مَنْ عاداهم ممّن أقام دهره على نصبهم وعداوتهم؟!
اللهمّ لا ولو كان تشيّع الراوي قادحاً لَما أخرج الشيخان في الصحيحين عن جماعة من المتشيّعين، وقد جمع الحافظ ابن حجر أسماء من روى لهم البخاريّ منهم، فسمّى نحو السبعين، قال ابن الصدّيق: وما أراه استوعب
وأمّا صحيح مسلم، ففيه أكثر من ذلك بكثير، حتّى قال الحاكم: إنّ كتابه ملآن من الشيعة وقد روى الأمام أحمد في(مسنده) عن عبد الرزّاق بن همّام الصنعاني ما لعلّه يبلغ نصف مسنده، وحكى الذهبي في تذكرة الحفّاظ عن أبي أحمد الحاكم، قال: سمعت أبا الحسين الغازي يقول: سألت البخاريّ عن أبي غسّان فقال: عمّ تسأل عنه؟ قلت: شأنه في التشيّع فقال: على مذهب أئمّة أهل بلده الكوفيّين، ولو رأيتم عبيد الله وأبا نعيم وجميع مشايخنا الكوفيّين لَما سألتموني عن أبي غسّان ـ يعني لشدّتهم في التشيّع ـواعترف الذهبي أيضاً في ميزان الاعتدال بترجمة أبان بن تغلب:بأنّه لو رُدّ حديث المتشيّعين مطلقاً لذهبت جملة من الآثار النبويّة،قال: وهذه مفسدة بيّنة وقد قبل جماعة من الأئمّة كالثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وابن أبي ليلى وآخرون رواية المبتدع مطلقاً، سواء كان داعية أو لم يكن، بل نُقل عن جماعة من أهل الحديث والكلام قبول رواية المبتدعة ـ ولو كان كافراً ببدعته ـ واحتجّ الشيخان والجمهور بأحاديث الدُعاة كحريز بن عثمان، وعمران بن حطّان، وشبابة بن سوار، وعبد الحميد الحِمّاني وأضرابهم إذا تقرّر هذا، تبيَّن لك إغراب ابن حبّان والحاكم في حكاية الإجماع على اشتراط عدم كون الراوي داعية في قبول رواية المبتدع، وهو باطل في نفسه، مخالف لِما هم مجمعون عليه في تصرّفهم، وإنّما نشأ ذلك عن تهوّر وعدم تأمّل ـ كما قال الحافظ أبو الفيض بن الصدّيق ـوأمّا اشتراط كونه روى ما لا يؤيّد بدعته فهو من دسائس النواصب التي دسّوها بين أهل الحديث ليتوصّلوا بها إلى إبطال كلّ ما ورد في فضل عليّ ، وذلك أنّهم جعلوا آية تشيّع الراوي وعلامة بدعته هو روايته فضائل عليّ ، ثمّ قرّروا أنّ كلّ ما يرويه المبتدع ممّا فيه تأييد لبدعته فهو مردود ـ ولو كان من الثقات ـ والذي فيه تأييد التشيّع ـ في نظرهم ـ هو فضل عليٍّ وتفضيله، فينتج من هذا أن لا يصحّ في فضله حديث ـ كما صرّح به بعض من ألقى جلباب الحياء عن وجهه من غلاة النواصب كابن تيميّة وأضرابه ـ قال الأمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن الصدّيق في فتح الملك العليّ بصحّة حديث باب مدينة العلم عليّ : وقد راجت هذه الدسيسة على أكثر النقّاد، فجعلوا يثبتون التشيّع برواية الفضائل، ويجرحون راويها بفسق التشيّع، ثمّ يردّون من حديثه ما كان في الفضائل، ويقبلون منه ما سوى ذلك ولعمري إنّها دسيسة إبليسيّة، ومكيدة شيطانيّة، كاد ينسدّ بها باب الصحيح من فضل العترة النبويّة، لولا حكم الله النافذ (والله غالب على أمره)، (يريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون)
قال: وأوّل من علمته صرّح بهذا الشرط ـ وإن كان معمولاً به في عصره ـ إبراهيم بن يعقوب الجوزجانيّ، وكان من غلاة النواصب، بل قالوا: إنّه حريزيّ المذهب، على رأي حريز بن عثمان وطريقته في النصب
قال: وهذا الشرط لو اعتُبر لأفضى إلى ردّ جميع السُنّة، إذ ما من راوٍ إلا وله في الأصول والفروع مذهب يختاره، ورأي يستصوبه ويميل إليه، ممّا غالبه ليس متّفقاً عليه، فإذا روى ما فيه تأييد لمذهبه وجب أن يُردّ ـ ولو كان ثقةً مأموناً ـ لأنه لا يُؤْمَن عليه حينئذٍ غلبة الهوى في نصرة مذهبه، كما لا يُؤْمَن على المبتدع الثقة المأمون في تأييد بدعته
فكما لا يُقبل من الشيعي شيء في فضل عليّ ، كذلك لا يقبل من غيره شيء في فضل أبي بكر، ثمّ لا يقبل ما فيه دليل التأويل، ولا من السَلَفي ما فيه دليل التفويض، ثمّ لا يقبل من الشافعي ما فيه تأييد مذهبه،ولا من الحنفي كذلك، وهكذا بقيّة أصحاب الأئمّة الّذين لم يخرج مجموع الرواة بعدهم عن التعلّق بمذهب واحدٍ من مذاهبهم أو موافقته وحينئذٍ فلا يقبل في بابٍ من الأبواب حديثٌ إلا إذا بلغ رواته حدّ التواتر، أو كان متّفقاً على العمل به، وذلك بالنسبة لخبر الآحاد وما هو مختلف فيه قليل وبذلك تُردّ السُنّة أو ينعدم المقبول منها، وهذا في غاية الفساد، فالمبنيّ عليه كذلك، إذ الكلّ يعتقد أنّ مذهبه ورأيه صواب، وكونه باطلاً وبدعةً في نفسه أمر خارج عن معتقد الراوي ولهذا لم يعتبروا هذا الشرط ولا عرّجوا عليه في تصرّفاتهم أيضاً، بل احتجّوا بما رواه الشيعة الثقات ممّا فيه تأييد مذهبهم وأخرج الشيخان فضائل عليّ من رواية الشيعة، كحديث: «أنت منّي وأنا منك» أخرجه البخاري من رواية عبيد الله بن موسى العبسي، الذي أخبر عنه البخاري أنّه كان شديد التشيّع، وحديث: «لا يحبّك الأ مؤمن ولا يبغضك إلا منافق» أخرجه مسلم من رواية عدي بن ثابت، وهو شيعيّ غالٍ، داعية وهكذا فعل بقيّة الأئمّة، أصحاب الصحاح والسُنن والمصنّفات الّذين لا يخرّجون من الحديث إلا ما هو محتجّ به، وصرّحوا بصحّة كثير منها، وذلك كثير لمتتبّعه، دالّ على بطلان هذا الشرط وإنّما سُقتُ لك كلام هذا الإمام الخرّيت ـ بطوله ـ لنفاسته، وهو الحقّ الذي لا محيد عنه (فماذا بعد الحقّ إلا الضلال فأنّى تصرفون)، ولم أرَ مَن سبقه إلى هذا التمحيص الأنيق، فاشدد عليه يديك، وعضّ عليه بناجذيك، والله الموفّق والمستعان
فإنْ قلت:ومع ذلك فقد يقال: إنّ الحديث فرد مطلق، تفرّد به وكيع بن الجرّاح في جميع طرقه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
قلت:وإن كنت ستعرف أنّ الأمر ليس كما قيل، لكنّ لو سُلّم فلا ضير في ذلك، فإنّ وكيعاً متّفق على ثقته، وقد احتجّ به الجماعة، ومن روى له الشيخان فقد جاز القنطرة ـ كما قاله الأمام أبو الحسن عليّ بن المفضّل المقدسي فتفرّد مثل وكيع ليس بقادحٍ البتّة، لاَنّ الثقة إذا روى ما لم يروه غيره فمقبول إذا كان عدلاً ضابطاً حافظاً، فإنّ هذا لو رُدَّ لرُدّت أحاديث كثيرة من هذا النمط، وتعطّلت كثير من المسائل عن الدلائل ـ كما قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في اختصار علوم الحديث ـوقال شمس الدين ابن قيّم الجوزيَّة: إذا روى الثقة حديثاً منفرداً به، لم يروِ الثقات خلافه، فإنّ ذلك لا يُسمّى شاذّاً، وإن اصطلح على تسميته شاذّاً بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجِباً لردّه ولا مسوّغاً له
وقال الأمير الصنعاني في توضيح الأفكار: إذا تفرّد الراوي بشيء نُظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفاً لِما رواه مَن هو أَوْلى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذّاً مردوداً، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنّما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه قُبل ما انفرد به ولم يقدح الإنفراد فيه " موضع الحاجة من كلامه ووكيع: إمام مقدَّم في الحديث، متّصف ـ عند القوم ـ بجميع ما اشترطوه من الصفات بلا نكير، فلا ينبغي الطعن في حديث الباب من هذه الجهة، والله وليّ التوفيق

هذا كلّه بالإضافة إلى حديث الحسن بن صابر ومتابعته، وقد روي الحديث أيضاً من طريق محمّد بن زكريّا الغلابي، عن جعفر بن محمّد بن عمّار، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ في حديث ـ قال: قال رسول الله (ص): النظر إلى عليّ بن أبي طالبٍ عبادة، وذِكْره عبادة
فإن قيل:الحمل فيه على الغلابي، لاَنّه متّهم، وقال الدارقطني: يضع الحديث "قلت:هذا تعسّف وإسراف من الدارقطنيّ، ولم يتابعه عليه أحد، بل إنّ الذهبي ـ على تعنّته وتشدّده ـ اقتصر في ميزان الاعتدال على تضعيفه، وحكى عن ابن حبّان أنّه ذكره في الثقات وقال: يُعتبر بحديثه إذا روى عن ثقة، وقال: في روايته عن المجاهيل بعض المناكير، وقال ابن مندة: تُكُلّم فيه ووجه طعنهم في الرجل غير خافٍ، فإنّه كان من وجوه الشيعة بالبصرة، وروى مناقب الآل وصنّف فيها، ولذا قال فيه ابن النديم في الفهرست: كان ثقةً صادقاً وقال القضاعي في مسند الشهاب: محمّد بن زكريا الغلابي رجل حديثه حسن ولو جاز الأخذ بقول الدارقطنيّ في الغلابي لجاز الأخذ بتضعيفه أبا حنيفة في الحديث، ولا يجيزون الأخذ به البتّة، بل يردّونه عليه، ويعدّونه بغياً منه وإسرافاً، فكذا ينبغي طرح جرحه لمحمّد بن زكريّا، على أنّه لو صُدّق لم يجرِ في ما نحن فيه، لعدم انفراد الرجل بحديث الباب ـ كما عرفت ـولو سُلِّم قولهم بضعفه، فإنّ حديثه ـ بانفراده ـ يكون ضعيفاً، وهو وإن كان حُجّة في المناقب الأ أنّه يشتدّ ويعتضد بغيره من الأحاديث المتقدّمة، فترتقي بمجموعها إلى درجة الحسن ـ كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى

تتمّة وتنبيه:
يقوى في النفس ـ والله أعلم ـ اتّحاد محمّد بن زكريا الغلابي البصري مع محمّد بن زكريا الأنصاري، لوجوه:الأوّل: اتّحاد كنيتهما ـ كاسمهما ـ فقد كُنّي كلٌّ منهما في كتب الرجال بأبي جعفر الثاني: أنّ ابن مندة قال في الأنصاريّ: تُكُلّم في سماعه، وقد مرّ أنّه قال في الغلابي: تُكُلّم فيه؛ ولعلّه يعني سماعه الثالث: أنّهما سمعا عبد الله بن رجاء الغداني
الرابع: أنّ أبا الشيخ الأصبهاني روى عن الأنصاريّ، وأبا القاسم الطبرانيّ عن الغلابي ـ وأبو الشيخ والطبراني متعاصران ـ فإن ثبت ذلك، فاعلم: أنّ أبا نعيم قال في محمّد بن زكريّا الأنصاريّ: صاحب أُصول جياد صحاح فإن كان هو الغلابي فقد برىَ بهذا أيضاً من طعن الدارقطني، وإن كان طعنه باطلاً مردوداً في نفسه"

الاثنين، 4 نوفمبر 2019

نقد كتاب الإبادة لحكم الوضع على حديث «ذِكْرُ عَليٍّ عبادة»


نقد كتاب الإبادة لحكم الوضع على حديث «ذِكْرُ عَليٍّ عبادة»
الكتاب من تأليف حسن الحسيني آل المجدّد الشيرازي ومن إعداد مركز الأبحاث العقائدية الذى يرعاه السيستانى واما موضوعه فهو كما قال:
"فهذا جزء أفردته للكلام على حديث «ذِكر عليٍّ عبادة» وبيان رتبته، والردّ على مَن حكم بوضعه وعدم ثبوته، ووسمته بـ «الإبادة لحكم الوضع على حديث: ذِكْرُ عليٍّ عبادة»
وقد ذكر المؤلف أن الحديث له طريقين فقط فقال:
"اعلم أنّ هذا الحديث رواه الحسن بن صابر الكِسائي الكوفي، عن وكيع بن الجرّاح، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة
وقد رُويَ عنه من طريقين:

الأوّل: ما أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق قال: أخبرنا أبو الحسن السلمي، أنبأنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنبأنا أبو جابر يزيد بن عبد الله، أنبأنا محمّد بن عمر الجعابي، أنبأنا عبد الله بن يزيد ـ أبو محمّد ـ أنبأنا الحسن بن صابر الهاشمي، أنبأنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله (ص): ذِكر عليٍّ عبادة وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من هذا الطريق
والثاني: ما أخرجه أبو الحسن بن شاذان في المناقب قال: حدّثني القاضي المعافى بن زكريّا من حفظه، قال: حدّثني إبراهيم بن الفضل، قال: حدّثني الفضل بن يوسف، قال: حدّثني الحسن بن صابر، قال: حدّثني وكيع، قال: حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله (ص): ذِكْر عليّ بن أبي طالب عبادة "

ومع هذا ذكر له رواية أخرى فقال :
"وقد روى هذه المتابعة الأمام الحافظ الفقيه ابن المغازلي الشافعي في (المناقب)، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن المظفّر بن أحمد العطّار ـ الفقيه الشافعي ـ بقراءتي عليه فأقرَّ به، قلت: أخبركم أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن عثمان المزني ـ الملقّب بابن السقّا ـ الحافظ الواسطي، قال: حدّثني محمّد بن علي بن معمر الكوفي، حدّثنا حمدان بن المعافى، حدّثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله (ص): ذِكْرُ عليٍّ عبادة"
وأيضا :
"وقد روي الحديث أيضاً من طريق محمّد بن زكريّا الغلابي، عن جعفر بن محمّد بن عمّار، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ في حديث ـ قال: قال رسول الله (ص): النظر إلى عليّ بن أبي طالبٍ عبادة، وذِكْره عبادة"
ونلاحظ التناقض بين الروايات الثلاث الأولى التى تقول أن ذكر على عبادة فقط بينما الرواية الأخيرة تقول أن النظر له عبادة والذكر عبادة
ونص الحديث وهو متنه يعيبه أنه لم يحدد ذكر على العبادى هل هو الذكر الحسن أو الذكر السيىء فطبقا للحديث الذاكر فيه حسنا كالذاكر فيه سوء كلاهما مثاب طبقا للحديث لأن الذكر هنا مطلق غير محدد
بالقطع هنا الذكر هو المعنى المعروف عند الناس وهو يخالف الذكر فى القرآن الذى يعنى طاعة الله ويعنى الوعظ ويعنى الكتاب وأحيانا معانى أخرى
والسؤال لماذا يختص على بهذا الذكر إذا كان محمد (ص)نفسه لم يطلب الله منا أن نذكره؟
الشرع ليس مدح لأشخاص حتى ولو كانوا رسلا وأئمة وإنما غايته الله طاعة الخالق وليس ذكر مخلوقين وإلا عدنا لملل الكفار التى هى تعظيم لأشخاص وذكرلهم
وقد قال المؤلف أنه سيرد على رد القوم للحديث من جهة المتن والإسناد فى قوله:
"وقد اختلف الرادّون لهذا الحديث في علّته، فأعلّه قوم من جهة الإسناد، وردّه آخرون من جهة المتن، ومنهم من أبطله من كلتا الجهتين، فيقع الكلام معهم في مقامين:"
ومع هذا لم نجد فى الكتاب سوى الرد على الإسناد فقط فى28 صفحة وهو ما سماه المقام الأول والرد دار على محورين:
الأول هو رد المؤلف جرح ابن حبان للحسن بن صابر وقد استغرق الرد معظم الكتاب حوالى26صفحة
الثانى هو رد المؤلف جرح الدارقطنى لمحمد بن زكريا الغلابى وقد ذكر فى صفحتين
والردود هى عبارة عن نقول من كتب أهل السنة وغالبها لا يتعلق بالحسن بن صابر ولا بالغلابى وإنما يتعلق بأمور ناقشها أهل الحديث فى كتبهم مثل:
أن من روى المناكير لا يرد حديثه إلا إذا كان وضاعا للأحاديث
قبول رواية الكثير من الشيعة
ومن ثم فأكثر من90% من صفحات الكتاب لا علاقة لها بالحديث ولا برواته وإنما بمسائل تتعلق بعلم الحديث
وما تعلق بالرد العلمى فى حكاية الحسن بن صابر هو سطور تتمثل فى التالى:
"ولم يتكلَّم فيه أحد من أئمّة الجرح والتعديل سوى ابن حبّان، ولم يُترجَم في غير كتابه، وأمّا الذهبي فإنّه مقلّد له في ذلك"
" ولم يوافق ابن حبّان على جرحه الحسن بن صابر أحدٌ ـ ولله الحمد ـممّن يُنْصف ويُعتبَر "
"أن يقال: إنّ وصف ابن صابر بكونه «منكَر الحديث» ماذا أراد به؟فإن عنى أنّه روى حديثاً واحداً، فهذا غلط فاحش، لاَنّ ابن حبّان نفسه روى له في كتاب المجروحين حديثاً آخر غير حديث الترجمة ـ كما مرّ ـ بل ظاهر قوله: «إنّه يروي عن أهل بلده» يعني الكوفة، يقتضي تعدّد أحاديثه، فتدبّر وإنْ قصد بقوله: «منكَر الحديث» أنّه لا تحلّ الرواية عنه ـ كما حكي عن البخاري ـ فإنّ ذلك جرح مبهم، يُردّ عليه، إذ لا يعرف للحسن بن صابر ما يوجب ردّ حديثه جملةً، بل لو صرّح ابن حبّان بذلك لم يؤخذ به، فقد رُدّ عليه مثله ـ كما مرّ آنفاً ـ وإنْ أراد بذلك الفردَ الذي لا متابع له ـ كما أطلقه أحمد بن حنبل ـ فإنّه منقوض بمتابعة غيره له ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ على أنّه لا يلزم من روايته المناكير ـ لو سُلّم ـ أن يكون ممّن لا يُحتجّ به، كما قال الذهبي بترجمة أحمد بن عتاب المروزي من (الميزان) فجهالة حال ابن صابر ـ بل حتّى التكلّم فيه بنكارة الحديث ـ لا تضرّه في المقام، إذ قد توبِع على حديثه من طريق حمدان بن المعافى فبانَ، أنّه لم يتفرّد به"
هذه السطور التى لم تكمل صفحة كانت مغنية عن كل تلك الصفحات التى استهلكها المؤلف فى إثبات أن ابن حبان هو الأخر مجروح وكتابه فى الرجال معظمه أخطاء ردها رجال الحديث والغريب أنه بعد أن أشبع الرجل اتهامات وجعل كتابه لا فائدة منه فى علم الإسناد استشهد به على أن الرجل الثانى محمد بن زكريا الغلابى ثقة وحديثه مقبول فقال :
"فإن قيل:الحمل فيه على الغلابي، لاَنّه متّهم، وقال الدارقطني: يضع الحديث "قلت:هذا تعسّف وإسراف من الدارقطنيّ، ولم يتابعه عليه أحد، بل إنّ الذهبي ـ على تعنّته وتشدّده ـ اقتصر في ميزان الاعتدال على تضعيفه، وحكى عن ابن حبّان أنّه ذكره في الثقات وقال: يُعتبر بحديثه إذا روى عن ثقة"
وهذا من ضمن التناقض فى المنهج فإما أن يرفض كلامه كله وإما أن يقبله كله ولكن أن يأخذ ما يهوى ويرفض ما يهوى فهذا ليس من المنهج العلمى
والغريب أنه فعل هذا مع الدار قطنى حيث قبل كلامه فى ابن حبان ولم يقبل كلامه فى الغلابى فأما قبوله للدارقطنى فيتضح من العبارات التالية:
" ومنها: قوله في محمّد بن الفضل السدوسي ـ المعروف بعارِم ـ شيخ البخاري، وقد احتجّ به الستّة ووثّقه أبو حاتم والنسائي والدارقطني والذهلي والعجلي، وروى عنه البخاري أكثر من مائة حديث، كما حكاه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب عن (الزهرة) "
وقوله"وقال أيضاً ـ بعد ذكر توثيقه عن الدارقطني ـ: فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأتِ بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبّان الخسّاف المتهوّر؟"
وأما رفضه كلامه فهو:
"فإن قيل:الحمل فيه على الغلابي، لاَنّه متّهم، وقال الدارقطني: يضع الحديث "قلت:هذا تعسّف وإسراف من الدارقطنيّ، ولم يتابعه عليه أحد"
وبقيت كلمة وهى أن المؤلف حديد اللسان سباب فى أقوال مثل:
" وهذه عادة النواصب اللئام ـ قبّحهم الله تعالى وأخزاهم ـ في أكثر ما روي من مناقب آل النبيّ (ص)، وقلوبهم المنكَرة تنكِر ما ثبت في ذلك، حتّى إنّ أحدهم إذا لم يجد مطعناً في الإسناد قال ـ متعنّتاً ـ: في النفس من هذا الحديث شيءٌ، أو: إنّ القلب ليشهد ببطلانه، وما ذلك إلا من جفائهم للعترة الطاهرة المطهَّرة، وسعيهم في إطفاء نور الله تعالى"
"ومن تتبّع كلام الغويّ الجوزجاني وابن قايماز التركماني وأضرابهما من ألدّاء النواصب أذعن لما قلنا، أمّا فضائل خصومهم التي ما أنزل الله بها من سلطان فلا ترى فيها شيئاً من ذلك التشدّد المقيت"
" إنّ هذه حيلة احتالها النواصب ـ أعداء الله وأعداء رسوله (ص)ـ لردّ أحاديث الفضائل والمناقب الواردة في عليّ وعترته الزكيّة، فزعموا أنّ راويها إذا كان متشيِّعاً فإنّ حديثه مردود"
والآن أترككم مع نص الكتاب فربما كان بعضكم أدرى منى فيكتب من الملاحظات ما لم ألاحظه:
"المقام الأوّل:
في الكلام على سنده فنقول، وبالله تعالى التوفيق:
قال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير: إسناده ضعيف، وكذا قال العزيزي في السراج المنير وكأنّهما قلّدا في ذلك الحافظ جلال الدين السيوطي في الجامع الصغير حيث رمز لضعف الحديث وقال السندروسي في الكشف الألهي: سنده واهٍ؛ وأخذه الألباني وزاد عليه قوله: جدّاً
قلت:
لم يتّهموا من رجال الإسناد ـ في ما وقفت عليه من كلامهم ـ الأ الحسن بن صابر، وأعلّوا الحديث به، وجعلوا الآفة فيه منه، ومعوَّلهم في ذلك كلام ابن حبّان فيه، فلنذكره ولنبيّن زيفه بحول الله وقوّته
قال في كتاب المجروحين: الحسن بن صابر الكسائي من أهل الكوفة، يروي عن وكيع بن الجرّاح وأهل بلده، روى عنه العراقيّون، منكَر الرواية جدّاً عن الأثبات، ممّن يأتي بالمتون الواهية عن الثقات بأسانيد متّصلة "ثمّ ساق له حديثاً مرفوعاً عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة وقال الذهبي بترجمته في ميزان الاعتدال: الحسن بن صابر الكسائي عن وكيع، قال ابن حبان: منكَر الحديث " ولم يتكلَّم فيه أحد من أئمّة الجرح والتعديل سوى ابن حبّان، ولم يُترجَم في غير كتابه، وأمّا الذهبي فإنّه مقلّد له في ذلك، فلا اعتداد بكلامه ومع ذلك فإنّ جرح ابن حبّان للكسائي مردود من وجوه:

الأوّل: أنّ ابن حبّان ـ هو نفسه ـ متَّهم مجروح، بل رُمي بالعظائم، ومن قلّة حيائه وعدم تعظيمه لحرمة رسول الله (ص)تكلّمه في عليّ بن موسى الرضا ، وقوله: إنّه يروي عن أبيه العجائب كأنّه كان يَهِم ويخطىَ ـ كما حكاه أبو سعد السمعاني في الأنساب وعلى من لا يحترم العترة الطاهرة من الله ما يستحقّه وحكى الذهبي بترجمته في (الميزان) و (التذكرة) عن أبي عمرو ابن الصلاح في طبقات الشافعيّة أنّه قال: غلط الغلط الفاحش في تصرّفاته قال الذهبي: صدق أبو عمرو، له أوهام يتبع بعضها بعضاً "
قلت:
وسيأتي ـ بعد هذا إن شاء الله ـ ذكر جملة من أوهامه في نقد الرجال
ومَن كان هذا حاله كيف يعوِّل اللبيب على كلامٍ انفرد به، ولا متابع له عليه الأ من اغترّ به؟!فتنبّه ـ يرحمك الله ـ
الثاني: أنّ الجهابذة النقّاد، وأئمّة الرجال والإسناد قد تكلَّموا في جرح ابن حبّان للرواة، وبيّنوا غلطه في كثير من أحكامه، فلنسرد هنا نتفاً من ذلك، لينجلي لك وَهْيُ كلامه، وينكشف خطؤه في حكمه وإبرامه، ولتذعن بصدق ما ادّعيْناه، ولا حول ولا قوّة إلا بالله فمنها: قوله في أفلح بن سعيد ـ أبي محمّد المدني ـ: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحلّ الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال "وأفلح هذا احتجّ به مسلم والنسائي، ووثّقه ابن معين وابن سعد وتنزّل الذهبي في ميزان الاعتدال للردّ عليه، فقال: ربما قصّب الثقة حتّى كأنّه لا يدري ما يخرج من رأسه "ومنها: قوله في سويد بن عمرو الكلبي: كان يقلب الأسانيد، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية "

وردّه الذهبي في (الميزان) فقال: أسرف واجترأ وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: أفحش ابن حبّان القول فيه، ولم يأتِ بدليل
وقد احتجّ به مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، ووثّقه ابن معين
والنسائي والعجلي ومنها: طعنه في عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، وقد احتجّ به أبو داود والنسائي وابن ماجة، ووثّقه ابن معين وابن شاهين
قال الذهبي في ميزان الاعتدال: وأمّا ابن حبّان فإنّه يقعقع كعادته، فقال فيه: يروي عن قوم ضعفاء أشياء يدلِّسها عن الثقات، حتّى إذا سمعها المستمع لم يشكّ في وضعها، فلمّا كثر ذلك في أخباره أُلزقت به تلك الموضوعات، وحمل الناس عليه في الجرح، فلا يجوز عندي الاحتجاج بروايته كلّها بحال "وتعقّبه الذهبي بأنّه لم يروِ في ترجمته شيئاً، ولو كان عنده له شيء موضوع لأسرع بإحضاره قال: وما علمتُ أنّ أحداً قال في عثمان بن عبد الرحمن هذا: إنّه يدلِّس عن الهلكى، إنّما قالوا: يأتي عنهم بمناكير، والكلام في الرجال لا يجوز الأ لتامّ المعرفة تامّ الورع "

قلت:
أمعِن نظر الأنصاف والتحقيق في هذا الحرف الأخير من كلامه، وليته بادر للردّ على ابن حبّان ـ في ترجمة ابن صابر ـ بمثل هذا، بل بأقلّ منه، مع أنّ القدح فيه أخفّ وأيسر من جرح الطرائفي، لكن هيهات أن تطاوعه نفسه على ذلك، بل أقرّ ابن حبّان على جرحه المجروح لكون الرجل روى حديث الباب، وتلك (شنشنة أعرفها من أخزم) بل ظنّي أنّ الكسائي لو كان يسلم من طعن ابن حبّان لَما كان يسلم من لسان ذلك الشامي الخبيث، الذي يغيظ ويستشيط ويأخذه الزَمَع إذا مرّ على منقبة من مناقب الأمام عليّ أمير المؤمنين ، وأهل البيت الطيّبين الطاهرين الكرام (قل موتوا بغيظكم إنّ الله عليمٌ بذات الصدور)ومن سرح نظره في تراجم رواة الفضائل من (الطبقات) و(الميزان) لشاهد بالعيان كيف يُجنّ الذهبي ويأخذ في وصم الرجل وطعنه وسبّه من غير ذنبٍ، عدا روايته الفضائل والمناقب، نسأل الله السلامة من مخازي النواصب
ومنها: قوله في محمّد بن الفضل السدوسي ـ المعروف بعارِم ـ شيخ البخاري، وقد احتجّ به الستّة ووثّقه أبو حاتم والنسائي والدارقطني والذهلي والعجلي، وروى عنه البخاري أكثر من مائة حديث، كما حكاه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب عن (الزهرة) ـ: اختلط في آخر عمره وتغيَّر حتّى كان لا يدري ما يحدّث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكّب عن حديثه في ما رواه المتأخّرون، فإن لم يعلم هذا من هذا تُرك الكُلّ، ولا يحتجّ بشيء منها "وتعقّبه الذهبي فقال: لم يقدر ابن حبّان أن يسوق له حديثاً منكَراً، فأين ما زعم؟!
وقال أيضاً ـ بعد ذكر توثيقه عن الدارقطني ـ: فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأتِ بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبّان الخسّاف المتهوّر؟

قلت:
فعُلم من هذا أنّ ابن حبّان قد يطلق القول في الراوي من دون مستند، فكيف يقبل جرحه للرواة؟!وإذا تأمّلت ما سُقناه لك هنا لا أراك تتوقّف في ردّ كلامه في الحسن ابن صابر، لا سيّما وأنّه متّهم في مثل هذا الكوفيّ، لاَنّه روى حديثاً في فضل ذِكر أمير المؤمنين الأمام عليٍّ ، وابن حبّان وأضرابه ممّن لا يطيبون نفساً بسماع ذلك، ولا يطيقون السكوت عليه ـ كما ستعرف إن شاء الله تعالى ـ

الثالث: أنّ ابن حبّان له أوهام كثيرة يتبع بعضها بعضاً ـ كما قال الذهبيّ ـ، فيذكر الرجل في المجروحين ثمّ يذكره في الثقات، وهذا تناقض بيِّن، وتسامح غير هيِّن، فلذا أوجبت كثرة أوهامه سقوط كلامه!
فمن ذلك: ذكره دهثم بن قُرّان في الكتابين، قال الذهبيّ في (الميزان)
فذكره في الثقات فأساء، وقد ذكره أيضاً في الضعفاء فأجاد
ومن ذلك: ذكره زياد بن عبد الله النميريّ في المجروحين والثقات، قال الذهبي: فهذا تناقض ومن ذلك: ذكره عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت في كتابيه،قال الذهبي: قال ابن حبّان: فحش خلافه للاَثبات فاستحقّ الترك، وذكره أيضاً في الثقات، فتساقط قولاه
ومن غرائب أوهامه ما ذكره في ترجمة بشر بن شعيب بن أبي حمزة الحمصي، قال الحافظ ابن حجر: قال ابن حبّان في كتاب الثقات: «كان متقناً» ثمّ غفل غفلة شديدة فذكره في الضعفاء، وروى عن البخاري أنّه قال: تركناه قال ابن حجر: وهذا خطأ من ابن حبّان: نشأ عن حذفٍ؛ وذلك أنّ البخاريّ إنّما قال في تاريخه: «تركناه حيّاً سنة اثنتي عشرة» فسقط من نسخة ابن حبّان لفظة «حيّاً» فتغيَّر المعنى
الرابع: أنّ ابن حبّان من المتعنّتين المشّدّدين الّذين يجرحون الراوي بأدنى جرح، ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه عند أُولي الألباب، كأبي حاتم والنسائي وابن معين وابن القطّان ويحيى القطّان وغيرهم، فإنّهم معروفون بالإسراف في الجرح والتعنّت فيه ومن كان من الجارحين هذا ديدنه فإنّ توثيقه معتبر، وجرحه مردود، إلا إذا وافقه غيره ممّن يُنْصف ويُعتبَر ـ كما قال أبو الحسنات عبد الحيّ اللكنوي في الرفع والتكميل
قلت:

ولم يوافق ابن حبّان على جرحه الحسن بن صابر أحدٌ ـ ولله الحمد ـممّن يُنْصف ويُعتبَر وقال أيضاً: لا يحلّ لك أن تأخذ بقول كلّ جارحٍ في أيّ راوٍ كان، وإن كان ذلك الجارح من الأئمّة، أو من مشهوري علماء الأمّة، فكثيراً ما يوجد أمر يكون مانعاً من قبول جرحه، وحينئذٍ يحكم بردّ جرحه "وقال في الأجوبة الفاضلة: ابن حبّان له مبالغة في الجرح في بعض المواضع
قلت:
حسبك شهادة هذا الخرّيت المتضلّع والناقد المضطلع دليلاً على ردّ جرح ابن حبّان وأمثاله من المتعنّتين المشّدّدين، كيف لا (وشهد شاهدٌ من أهلها)
الخامس: أن يقال: إنّ وصف ابن صابر بكونه «منكَر الحديث» ماذا أراد به؟فإن عنى أنّه روى حديثاً واحداً، فهذا غلط فاحش، لاَنّ ابن حبّان نفسه روى له في كتاب المجروحين حديثاً آخر غير حديث الترجمة ـ كما مرّ ـ بل ظاهر قوله: «إنّه يروي عن أهل بلده» يعني الكوفة، يقتضي تعدّد أحاديثه، فتدبّر وإنْ قصد بقوله: «منكَر الحديث» أنّه لا تحلّ الرواية عنه ـ كما حكي عن البخاري ـ فإنّ ذلك جرح مبهم، يُردّ عليه، إذ لا يعرف للحسن بن صابر ما يوجب ردّ حديثه جملةً، بل لو صرّح ابن حبّان بذلك لم يؤخذ به، فقد رُدّ عليه مثله ـ كما مرّ آنفاً ـ وإنْ أراد بذلك الفردَ الذي لا متابع له ـ كما أطلقه أحمد بن حنبل ـ فإنّه منقوض بمتابعة غيره له ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ على أنّه لا يلزم من روايته المناكير ـ لو سُلّم ـ أن يكون ممّن لا يُحتجّ به، كما قال الذهبي بترجمة أحمد بن عتاب المروزي من (الميزان): ما كلّ من روى المناكير يضعّف

وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: لو كان من روى شيئاً منكَراً استحقّ أن يُذكر في الضعفاء لَما سلم من المحدّثين أحد، لا سيّما المكثر منهم "وقال ابن دقيق العيد: قولهم: «روى مناكير» لا يقتضي بمجرّده ترك روايته، حتّى تكثر المناكير في روايته "
قلت:
وأنّى لابن حبّان إثبات ذلك في حقّ الكسائي، ومنه تعرف أنّ رميه الرجل بنكارة الحديث فيه تساهل، بل هو منكَر من القول وزور، فلا ينبغي أن يعرّج عليه، ولا يركن إليه

الجمعة، 1 نوفمبر 2019

نقد كتاب آية الولاية2

وأما الجهة الثانية عند الميلانى فقال فيها:
"الجهة الثانية:
وجه الاستدلال بالآية المباركة على الإمامة يتوقّف على بيان مفردات الآية المباركة (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيْمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) فكلمة (إنّما) تدلّ على الحصر، لم ينكر أحد منهم دلالة إنّما على الحصر (وليّكم) هذه الولاية بأيّ معنى ؟ سنبحث عن معنى الولاية في حديث الغدير بالتفصيل، وأيضاً في حديث الولاية، عندنا آية الولاية وهي هذه الآية التي هي موضوع بحثنا في هذه الليلة، وعندنا حديث الولاية وهو قوله (ص): «علي منّي وأنا من علي وهو وليّكم من بعدي»، فكلمة «الولاية» موجودة في هذه الآية المباركة بعنوان «وليّكم»، وأيضاً في ذلك الحديث بعنوان «وليّكم»"
بجرنا الرجل لرواية علي منّي وأنا من علي وهو وليّكم من بعدي وهو كلام لو عقله الرجل لعرف أنه يستوى بعبارة من العهد الجديد تقول " تؤمن اني انا في الاب و الاب في"
فالقائل يجعل على ومحمد فرد واحد كما أن يسوع والآب واحد وهو كلام لا يقوله إلا مجنون فعلى غير محمد ومحمد غير على ولا يمكن أن يكونا شخص واحد لأن القول بعدها وليّكم من بعدي يعنى أن محمد يموت أولا وعلى بعده فلو كان واحدا لماتا فى نفس الوقت وهو علم بالغيب ليس لأحد حتى محمد(ص) لأنه الله طالبه ان ينفى عن نفسه علم الغيب بقوله "ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسنى السوء"
قم تعرض الميلانى لمعنى الولاية فقال:
"معنى الولاية:
الولاية مشترك، إمّا مشترك معنوي، وإمّا مشترك لفظي، نحن نعتقد بالدرجة الأولى أن تكون الولاية مشتركاً معنويّاً، فمعنى الولاية إذا قيل: فلان وليّ فلان، أي فلان هو القائم بأمر فلان، فلان ولي هذه الصغيرة، أي القائم بشؤون هذه الصغيرة، فلان وليّ الأمر أي القائم بشؤون هذا الأمر، ولذا يقال للسلطان ولي، هذا المعنى هو واقع معنى الولاية ونجد هذا المعنى في كلّ مورد ذكر مورداً للولاية مثلاً: الصديق وليّ، الجار وليّ، الحليف وليّ، الأب وليّ، الله وليّ، ورسوله وليّ، وهكذا في الموارد الأخرى من الأولياء هذا المعنى موجود في جميع هذه الموارد، وهو القيام بالأمر، هذا هو معنى الولاية على ضوء كلمات علماء اللغة، فلو تراجعون كتب اللغة تجدون أنّ هذه الكلمة يذكرون لها هذا المعنى الأساسي، وهذا المعنى موجود في جميع تلك الموارد المتعددة مثلاً: الجار له الولاية أي الجار له الأولويّة في أن يقوم بأمور جاره، يعني لو أنّ مشكلة حدثت لشخص فأقرب الناس في مساعدته في تلك المشكلة والقيام بشؤون هذا الشخص يكون جاره، هذا حقّ الجوار، مثلاً الحليف كذلك، مثلاً الناصر أو الأخ، هذه كلّها ولايات، لكن المعنى الوحداني الموجود في جميع هذه الموارد هو القيام بالأمر هذا بناء على أن تكون الولاية مشتركاً معنويّاً وأمّا إذا جعلنا الولاية مشتركاً لفظيّاً، فمعنى ذلك أن يكون هناك مصاديق متعدّدة ومعاني متعدّدة للّفظ الواحد، مثل كلمة العين، كلمة العين مشترك لفظي، ويشترك في هذا: العين الجارية، والعين الباصرة، وعين الشمس، وغير ذلك كما قرأتم في الكتب الأصوليّة
فالاشتراك ينقسم إلى اشتراك معنوي واشتراك لفظي، في الدرجة الأولى نستظهر أن تكون الولاية مشتركاً معنويّاً، وعلى فرض كون المراد من الولاية المعنى المشترك بالاشتراك اللفظي، فيكون من معاني لفظ الولاية: الأحقية بالأمر، الأولويّة بالأمر، فهذا يكون من جملة معاني لفظ الولاية، وحينئذ لتعيين هذا المعنى نحتاج إلى قرينة معيّنة، كسائر الألفاظ المشتركة بالاشتراك اللفظي وحينئذ لو رجعنا إلى القرائن الموجودة في مثل هذا المورد، لرأينا أنّ القرائن الحاليّة والقرائن اللفظيّة، وبعبارة أُخرى القرائن المقاميّة والقرائن اللفظيّة كلّها تدلّ على أنّ المراد من الولاية في هذه الآية المعنى الذي تقصده الإماميّة، وهو الأولويّة والأحقيّة بالأمر "

دحل الميلانى بنا هنا فى متاهات لغوية لا تغنى ولا تسمن من جوع ولو اكتفى بالمعنى الذى يقصده لكان أفضل من تسويد الصفحات بهذا الكلام الذى بلا فائدة
الولاية يختلف معناها من الله إلى رسوله (ص) والمؤمنين فولاية الله للمؤمنين هى نصره لهم فى الدنيا والأخرة وهى ما عبرت عنه الآية التالية "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا"
وولاية الرسول (ص)والمؤمنين لبعضهم هى تعاونهم على البر والتقوى كما قال تعالى "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على افثم والعدوان" وبألفاظ أحرى طاعتهم لأحكام الله
وأما حكاية الأحقية بالأمر فلا وجود لها مع قوله تعالى "وأمرهم شورى بينهم " فالأمر شركة بين المسلمين جميعا لا فرق بينهم فى شىء
ويعترف الميلانى بأن معنى الولاية النصرة ولكنه يجادل فيما اعترف به ليعيدنا للمعنى الذى تدين به الشيعة وهو ولاية واحد من الناس فيقول:
"ومن جملة القرائن اللفظيّة نفس الروايات الواردة في هذا المورد
يقول الفضل ابن روزبهان في ردّه على العلاّمة الحلّي: إنّ القرائن تدلّ على أنّ المراد من الولاية هنا النصرة، فـ (إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) ، أي إنّما ناصركم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة إلى آخر الآية المباركة فابن روزبهان يجعل الولاية بمعنى النصرة، والنصرة أحد معاني لفظ الولاية كما في الكتب اللغويّة، لكن الروايات أنفسها ونفس الروايات الواردة في القضيّة تنفي أن يكون المراد من الولاية هنا النصرة مثلاً هذه الرواية ـ وهي موجودة في تفسير الفخر الرازي، موجودة في تفسير الثعلبي، موجودة في كتب أُخرى ـ: أنّ النبيّ (ص)لمّا علم بأنّ عليّاً تصدّق بخاتمه للسائل، تضرّع إلى الله وقال: «اللهمّ إنّ أخي موسى سألك قال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزيراً مِنْ أهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً) فأوحيت إليه: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسى) ، اللهمّ وإنّي عبدك ونبيّك فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أُشدد به ظهري » قال أبو ذر: فوالله ما استتمّ رسول الله (ص)الكلمة حتّى هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآية: (إنّما وليّكم الله ورسوله) إلى آخر الآية
فهل يعقل وهل يرتضي عاقل فاهم له أدنى إلمام بالقضايا، وباللغة، وبأُسلوب القرآن، وبالقضايا الواردة عن رسول الله، هل يعقل حمل الولاية في هذه الآية مع هذه القرائن على النصرة ؟ بأن يكون رسول الله يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يعلن إلى الملا إلى الناس، بأنّ عليّاً ناصركم، فيتضرّع رسول الله بهذا التضرّع إلى الله سبحانه وتعالى في هذا المورد، فيطلب من الله نزول آية تفيد بأنّ عليّاً ناصر المؤمنين ؟ وهل كان من شك في كون عليّاً ناصراً للمؤمنين حتّى يتضرّع رسول الله في مثل هذا المورد، مع هذه القرائن، وبهذا الشكل من التضرّع إلى الله سبحانه وتعالى، وقبل أن يستتمّ رسول الله كلامه تنزل الآية من قبل الله (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا) أي إنّما ناصركم الله ورسوله والذين آمنوا إلى آخر الآية ؟ هل يعقل أن يكون المراد من (وليّكم) أي ناصركم في هذه الآية مع هذه القرائن ؟"

الميلانى هنا يحيلنا لحكاية لم ترد عند الرازى ولا عند الثعالبى فى تفاسيرهم وهو تضرع النبى(ص) وهو يذكرنى هنا بما يفعله الملاحدة عندما ينقلون عن بعضهم الكلام ليثبتوا أن هناك أصل نقلوا عنه فما نقله الميلانى لا وجود لها فى التفاسير المذكورة ولا غيرها
بعد ذلك يعرض الميلانى ما سماه الاعتراضات والرد عليها فيقول:
"الجهة الثالثة:
الاعتراضات والمناقشات وحينئذ، يأتي دور الاعتراضات:
أمّا اعتراض شيخ الإسلام ابن تيميّة، فقد عرفتم أنّه ليس باعتراض وإنّما هو افتراء، لا على الإماميّة فقط، وإنّما افتراء على عموم المفسّرين والمحدّثين من أهل السنّة أيضاً، افتراء على المتكلّمين من كبار علماء طائفته، وهذا ديدن هذا الرجل في كتابه، وقد تتبّعت كتابه من أوّله إلى آخره، واستخرجت منه النقاط التي لو اطّلعتم عليها لايّدتم من قال بكفر هذا الرجل، لا بكفره بل بكفر من سمّاه بشيخ الإسلام "
هذا الكلام سبق أن ناقشناه وقلنا أن ابن تيمية ذكر ما فى كتب أهل السنة والغالبية منهم مجمعة على أن معنى الآية عام وليس فى شخص
ثم ذكر الاعتراض الأول فقال:
"الاعتراض الأوّل:
هو الاعتراض في معنى الولاية، وقد ذكرناه وذكرنا أنّ قائله هو الفضل ابن روزبهان الذي ردّ على العلاّمة الحلّي بكتابه إبطال الباطل، وردّ عليه السيّد القاضي نور الله التستري بكتاب إحقاق الحق، وأيضاً ردّ عليه الشيخ المظفر في كتاب دلائل الصدق "
هنا الميلانى يذكر لنا من ردوا على ابن روزبهان ولكنه لا يذكر حجتهم ثم يقول :
"الاعتراض الثاني:
احتمال أن تكون الواو في (وهم راكعون) واو عاطفة لا واو حاليّة، وحينئذ يسقط الاستدلال، لانّا ـ نحن الطلبة ـ نقول: إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، الاستدلال يتوقّف على أن تكون الواو هذه حاليّة، فالذي أعطى الخاتم، إعطاؤه كان حال كونه راكعاً، وهو علي أمّا لو كانت الواو عاطفة يكون المعنى (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) أي هم يركعون، يؤتون الزكاة ويصلّون ويركعون، إذن لا علاقة للآية المباركة بالقضيّة، فهذا الاحتمال إنْ تمّ سقط الاستدلال لكنّ هذا الاحتمال يندفع بمجرّد نظرة سريعة إلى الروايات الواردة في القضيّة، تلك الروايات التي تجدونها بأقل تقدير لو ترجعون إلى الدر المنثور، لوجدتم الروايات هناك، وهي صريحة في كون الواو هذه حاليّة ففي هذا الكتاب وغيره من المصادر عدّة روايات وردت تقول: تصدّق علي وهو راكع ، حتّى في رواية تجدونها في الدر المنثور أيضاً هذه الرواية هكذا: إنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) سأل السائل، سأل ذلك المسكين الذي أعطاه الإمام خاتمه، سأله قائلاً: «على أيّ حال أعطاكه» ـ أي الخاتم ـ ؟ قال: أعطاني وهو راكع فالرسول نفسه يسأله: على أيّ حال أعطاكه ؟ يقول: أعطاني وهو راكع، فالواو حاليّة، ولا مجال لهذا الإشكال "
حسب الفقه عند السنة وعند الشيعة الحركات التى ليست من الصلاة تبطل الصلاة خاصة أنه كى يعطى وهو راكع الركوع المعروف حاليا السائل لابد أن يمد ذراعه ولابد أن يخلع الخاتم ومد الذراع لجانب يستوجب تحويل الوجه عن القبلة ولابد أن نطرح عدة أسئلة لنبين ان هذه الحكاية لم تحدث وهى :
كيف أخذ السائل الخاتم هل مد على ذراعه فخلعه السائل من كفه أو أن على خلعه وأعطاه له؟
من المعروف أن على يصلى فى الصف الأول فكيف وصل السائل له وهو دوما يكون على الباب فى الصف الأخير ؟
أننا لو تصورنا صفوف الصلاة الحالية فحركة الركوع وكذا السجود لا تدع بين الصفوف فجوة كى يمر منها السائل فكيف وصل السائل لعلى فى الصف المتقدم عابرا الصفوف التى قبله ولا مكان لدخوله او خروجه ؟
الصف يكون الواحد بجوار الأخر ومن ثم لو مد على ذراعه لاصطدم بكتف المجاور له من هنا أو من هناك ومن ثم لن يستطيع أن يمد الذراع يمينا أو يسارا فى وسط المصلين لأن الأكتاف تلامس بعضها
طبقا للتاريخ فعلى لم يكن يملك فى تلك الأيام شيئا كخاتم حتى يتصدق به فقد كان المؤمنون فقراء حتى أنهم لم يكونوا يجدون الطعام الذى يسد جوعهم فكيف يتصدق لخاتم؟وهو ما جعله الاعتراض الثالث فقال :
"الاعتراض الثالث:
هذا الاعتراض فيه أُمور:
الأمر الأوّل:
من أين كان لعلي ذلك الخاتم ؟ من أين حصل عليه ؟
الأمر الثاني:
ما قيمة هذا الخاتم وبأيّ ثمن كان يسوى في ذلك الوقت ؟ ولا يستحقّ شيء من هذا القبيل من الاعتراض أن ينظر إليه ويبحث عنه نعم يبقى:
الأمر الثالث:

وله وجه ما، وهو أنّه يفترض أن يكون علي (عليه السلام)في حال الصلاة منشغلاً بالله سبحانه وتعالى، منصرفاً عن هذا العالم، ولذا عندنا في بعض الروايات أنّه لمّا أُصيب في بعض الحروب بسهم في رجله وأُريد إخراج ذلك السهم من رجله، قيل انتظروا ليقف إلى الصلاة، وأخرجوا السهم من رجله وهو في حال الصلاة، لأنه حينئذ لا يشعر بالألم، المفترض أن يكون أمير المؤمنين هكذا، ففي أثناء الصلاة وهو مشغول بالله سبحانه وتعالى كيف يسمع صوت السائل ؟ وكيف يلتفت إلى السائل ؟ وكيف يشير إليه ويومي بالتقدم نحوه، ثمّ يرسل يده ليخرج الخاتم من أصبعه ؟ وهذا كلّه انشغال بأُمور دنيويّة، عدول عن التكلّم مع الله سبحانه وتعالى، والاشتغال بذلك العالم
هذا الإشكال قد يسمّى بإشكال عرفاني، لانّ الإشكال السابق مثلاً حيث أرادوا جعل الواو عاطفة لا حاليّة إشكال نحوي، وليكن الإشكال السابق عليه في الولاية إشكالاً لغوياً، فلنسمّ هذا الإشكال بالإشكال العرفاني، فالله سبحانه وتعالى عندما يخاطب أمير المؤمنين في الصلاة وعلي يخاطبه، وهما يتخاطبان، وهو منشغل بالله سبحانه وتعالى، كيف يلتفت إلى هذا العالم ؟
والجواب:
أوّلاً:
لقد عُدّت هذه القضيّة عند الله ورسوله وسائر المؤمنين من مناقب أمير المؤمنين، فلو كان لهذا الإشكال أدنى مجال لمّا عدّ فعله من مناقبه
وثانياً:
هذا الالتفات لم يكن من أمير المؤمنين إلى أمر دنيوي، وإنّما كانت عبادة في ضمن عبادة ولعلّ الأفضل والأولى أنْ نرجع إلى أهل السنّة أنفسهم، الذين لهم ذوق عرفاني، في نفس الوقت الذي هم من أهل السنّة، ومن كبار أهل السنّة:
يقول الألوسي : قد سئل ابن الجوزي هذا السؤال، فأجاب بشعر، وقد سجّلت الشعر، والجواب أيضاً جواب عرفاني في نفس ذلك العالم، يقول:
يسقي ويشربُ لا تلهيه سكرتهُ عن النديم ولا يلهو عن الناسِ

أطاعَهُ سُكرُهُ حتّى تمكّن من فعلِ الصحاةِ فهذا واحدُ الناسِ
هذا شعر ابن الجوزي الحنبلي، الذي نعتقد بأنّه متعصّب، لأنه في كثير من الموارد نرى أمثال ابن تيميّة والفضل ابن روزبهان وأمثالهما يعتمدون على كتب هذا الشخص في ردّ فضائل أمير المؤمنين ومناقبه، أمّا في مثل هذا المورد يجيب عن السؤال بالشعر المذكور

أمير المؤمنين (عليه السلام) جمع في صفاته الأضداد، هذا موجود في حال أمير المؤمنين، وإلاّ لم يكن واحد الناس، وإلاّ لم يكن متفرّداً بفضائله ومناقبه، وإلاّ لم يكن وصيّاً لرسول الله، وإلاّ لم يكن كفواً للزهراء البتول بضعة رسول الله، وإلى آخره فحينئذ هذا الإشكال أيضاً ممّا لا يرتضيه أحدٌ في حقّ أمير المؤمنين، بأن يقال: إنّ عليّاً انصرف في أثناء صلاته إلى الدنيا، انصرف إلى أمر دنيوي نعم وجدت في كتب أصحابنا ـ ولم أجد حتّى الآن هذه الرواية في كتب غير أصحابنا ـ: عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: تصدّقت بخاتمي أربعين مرّة ولم تنزل في حقّي آية إذن هذا الاعتراض أيضاً لا مجال له "
الرجل يحيلنا للتصوف فيجعل الرد أن ما يعترض به هو إشكال عرفانى وهو كلام يتهرب به من المشكلة وهو يحيلنا لكىم ابن الجوزى السنة ليصف لنا الإشكال ويحله بـن على له مناقب أى معجزات اى آيات وهو كلام يخالفه أن الله ألغى المعجزات وهى الآيات من بعث محمد (ص) فقال "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون"
ثم قال :
"الاعتراض الرابع:
وهو الاعتراض المهم الذي له وجه علميّ، قالوا: بأنّ عليّاً مفرد، ولماذا جاءت الألفاظ بصيغة الجمع: (والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) هذا الإشكال له وجه، ولا يختصّ هذا الإشكال والاعتراض بهذه الآية، عندنا آيات أُخرى أيضاً، وآية المباهلة نفسها التي قرأناها أيضاً بصيغة الجمع، إلاّ أنّ رسول الله جاء بعلي، مع أنّ اللفظ لفظ جمع (أنفسنا وأنفسكم) وجاء بفاطمة والحال أنّ اللفظ لفظ جمع «النساء»، هذا الاعتراض يأتي في كثير من الموارد التي تقع مورد الاستدلال، وفي سائر البحوث العلمية المختلفة لا في بحث الإمامة فقط
الزمخشري الذي هو من كبار علماء العامّة، وليس من أصحابنا الإماميّة، صاحب الكشّاف وغير الكشّاف من الكتب الكثيرة في العلوم المختلفة، يجيب عن هذا الإشكال، وتعلمون أنّ الزمخشري تفسيره تفسير للقرآن من الناحيّة الأدبيّة والبلاغيّة، هذه ميزة تفسير الكشّاف للزمخشري، وهذا شيء معروف عن تفسير الزمخشري، وأهل الخبرة يعلمون بهذا يجيب الزمخشري عن هذا ما ملخّصه: بأنّ الفائدة في مجيء اللفظ بصيغة الجمع في مثل هذه الموارد هو ترغيب الناس في مثل فعل أمير المؤمنين، لينبّه أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذا الحد من الحرص على الإحسان إلى الفقراء والمساكين، يكونون حريصين على مساعدة الفقراء وإعانة المساكين، حتّى في أثناء الصلاة، وهذا شيء مطلوب من عموم المؤمنين، ولذا جاءت الآية بصيغة الجمع هذا جواب الزمخشري فإذن، لا يوافق الزمخشري على هذا الاعتراض، بل يجيب عنه بوجه يرتضيه هو ويرتضيه كثير من العلماء الاخرين
ولكن لو لم نرتض هذا الوجه ولم نوافق عليه، فقد وجدنا في القرآن الكريم وفي السنّة النبويّة الثابتة الصحيحة، وفي الاستعمالات العربيّة الصحيحة الفصيحة: أنّ اللفظ يأتي بصيغة الجمع والمقصود شخص واحد، كثير من هذا الاستعمال موجود في القرآن وفي السنّة وفي الموارد الاُخرى، وهذا شيء موجود مضافاً إلى جواب يجيب به بعض علمائنا وعلمائهم: أنّه في مثل هذا المورد أراد الله سبحانه وتعالى أن يعظّم هذه الفضيلة أو هذا الفعل من علي، وجاء بلفظ الجمع إكراماً لعلي ولما فعله في هذه القضيّة وتبقى نظرية أُخرى، أتذكّر أنّ السيّد شرف الدين يذكر هذه النظرية وهذا الجواب ويقول: لو أنّ الآية جاءت بصيغة المفرد، لبادر أعداء أمير المؤمنين من المنافقين إلى التصرّف في القرآن الكريم وتحريف آياته المباركات عداءً لأمير المؤمنين، إذ ليست هذه الآية وحدها بل هناك آيات أُخرى أيضاً جاءت بصيغة الجمع، والمراد فيها علي فقط، فلو أنّه جاء بصيغة المفرد لبادر أُولئك وانبروا إلى التصرّف في القرآن الكريم

إنّه في مثل هذه الحالة يكون الكناية، صيغة الجمع، أبلغ من التصريح ـ بأن يأتي اللفظ بصيغة المفرد، والذي آمن وصلّى وتصدّق بخاتمه في الصلاة في الركوع أو آتى الزكاة وهو راكع ـ والروايات تقول هو علي، فيكون اللفظ وإن لم يكن صريحاً باسمه إلاّ أنّه أدل على التصريح، أدل على المطلب من التصريح، من باب الكناية أبلغ من التصريح يختار السيد شرف الدين هذا الوجه ويؤيّد هذا الوجه رواية واردة عن إمامنا الصادق بسند معتبر، يقول الراوي للإمام: لماذا لم يأت اسم علي في القرآن بصراحة بتعبيري أنا، لماذا لم يصرّح الله سبحانه وتعالى باسم علي في القرآن الكريم ؟ فأجاب الامام لو جاء اسمه بصراحة وبكلّ وضوح في القرآن الكريم لحذف المنافقون اسمه ووقع التصرّف في القرآن، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يحفظ القرآن (وإنّا له لحافظون)
وهذه وجوه تذكر جواباً عن السؤال: لماذا جاءت الكلمة أو الكلمات بصيغة الجمع ؟ولعلّ أوفق الوجوه في أنظار عموم الناس وأقربها إلى الفهم: أنّ هذا الاستعمال له نظائر كثيرة في القرآن الكريم، وفي السنّة النبويّة، وفي الاستعمالات الصحيحة الفصيحة، ثم إن الروايات المعتبرة المتّفق عليها دلّت على أنّ المراد هنا خصوص علي إذن، مجيء اللفظ بصيغة الجمع لابدّ وأن يكون لنكتة، تلك النكتة ذكرها الزمخشري بشكل، والطبرسي بنحو آخر، والسيد شرف الدين بنحو ثالث، وهكذا وإذا راجعتم كتاب الغدير لوجدتم الشيخ الاميني يذكر قسماً من الايات التي جاءت بصيغة الجمع وأُريد منها الشخص الواحد، ويذكر الروايات والمصادر التي يُستند إليها في شأن نزول تلك الآيات الواردة بصيغة الجمع والمراد منها المفرد فإذن، لا غرابة في هذه الجهة "

الرجل هنا يذهب هنا وهناك ويأتينا لمصيبة لا يشعر بها وهو من يقول بها وهى أن الآيات التى أتت بلفظ الجمع كلها كانت فى أفراد وهو ما يعنى أن الشريعة نزلت فى أفراد مخصوصين وليس للناس كما يقول تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"
القرآن نزلت آياته عامة والنادر منها هو النازل فى أشخاص محددة كالمظاهرة من زوجها والبرىء الذى اتهمه المؤمنون وطلاق زيد وبنوته ولو جمعنا الروايات التى تتحدث عن نزولها فى أفراد مخصوصة لكانت مصيبة لتعارض الروايات ولكون معناها أن الشريعة ليست صالحة لكل الناس ولكل عصر وزمان
وأما حكاية تحريف القرآن لز نزل فيه اسمه على فهراء يخالف قوله تعالى "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"
فالوحى محفوظ سواء ذكر فيه على أو لم يذكر ولكنها حجة للضحك بها على المغفلين
والرجل رغم كون الكتاب فى آية تخص على فى مذهبهم إلا أنه يأبى إلا أن يذكر أبو بكر ليسحب من تحته بساط الخلافة رغم أن كل الخلافات المذكورة لم يحدق منها أى شىء فهى تاريخ كاذب اخترعه الكفار لتفريق المسلمين وإضلالهم وقد نجحوا وفى هذا قال الميلانى:
" فحينئذ، لا أظنّ أنّ الباحث الحر المنصف يبقى متردّداً في قبول استدلال أصحابنا بهذه الآية المباركة على إمامة أمير المؤمنين، فتكون الآية من جملة أدلّة إمامته عن طريق ثبوت الأولويّة له، تلك الأولويّة الثابتة لله ولرسوله، فيكون علي وليّاً للمؤمنين، كما أنّ النبي وليّ المؤمنين، وهذه المنقبة والفضيلة لم تثبت لغير علي، وقد ذكرنا منذ اليوم الأوّل أنّ طرف النزاع أبو بكر، وليس لأبي بكر مثل هذه المنقبة والمنزلة عند الله ورسوله "
وكما قلنا مات على وأبو بكر وغيرهم ولم يبق شىء من نزاعاتهم المزعومة ومع هذا بصر البعض من الفريقين على إثارة نزاعات ماتت ويجرون الفريقين للحرب المدمرة لكلاهما ولا يستفيد منها سوى أعداءهم ولا يتوقف أحد منهم فى الفريقين عن إثارة النزاعات القديمة بإصدار تلك الكتب والأولى أن يقولوا :
ما فات مات والمهم أن نصنع مستقبلنا ولكنهم لا يصنعون سوى الدمار